| المؤلفات |
|
اللقاء |
|
خليل كنَّه أحد
أصهار رئيس الوزراء نوري السعيد، وقد تقلد
وزارتـين هما المعارف والمالية. وقـد التقينا به باعتباره
وزيراً للمعارف، وكان الهدف مـن الزيارة هـو
التحدث معه بشـأن إحداث إصلاحات في المناهج
التربوية. استقبلنا بحفاوة كبيرة
بالرغـم مــــن أنه كان ســـنياً متــعصباً، وأنا رجل
دين شيعي، وقـد ابتدأت حديثي مـــعه بذكر هذا
الـــحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلّم): (صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت أمتي
وإذا فسدا فسدت أمتي الفقهاء والأمراء)(1)
وأنتم مصداق للأمراء. ابتسم الوزير ابتسامة عريضة
ثم قال: الأمراء الذين أنا جـزء منهم
ليسوا بصالحين، ثم إنه ردد ثلاث مرّات: الله
يهدي الأمراء. ثم قال: ما هي طلباتكم؟ قلت: موضوعنـا هو المدارس،
فإنّ مناهجها خالية من الإسلام، فليس فيها ما
يمتّ إلى الدين الحنيف بصلة. قال: وهل أنتم مطّلعون على
مناهج التدريس؟
قلت: نعم، إنني طالعت تلك
المناهـج، صحيح إنّ فيها الصلاة والصيام
وغزوة خيبر وما أشبه ذلك، لكن ليس الإسلام في
هذه الأمور فقط . قال إذن ماذا تريدون غير هذا
؟ قلت: ليس في هذه المناهج ذكر للجانب السياسي من الإسلام،هـل إن النظام السياسي الإسلامي نظام جمهوري أم ملكي؟ هل في الإسلام انتخابات؟
هل في الإسلام مؤسسات
دستورية؟
هل إن الإسلام يشرّع
الأحزاب؟
وأخذت أطرح عليه الأسئلة
والاستفسارات ثم
قلت: هذا أولاً، أما ثانياً: ليس في هذه
المناهج ذكر للجانب الاقتصادي فـي الإسلام،
ما هي ميزات النظام الاقتصاد الإسلامي، هل
هـو نظام اشتراكي أم رأسمالي، أم شئ آخر؟ ثالثاً: ليس فـي هـذه
المناهـج شيئ عـن النظام الاجتماعي الإسلامي
على أهميته. رابعاً:
ليس فـي هـذه المناهج شيـئٌ عـن فلسفة الحياة
في نظر الإسلام. فضحـك الوزير وقـال: والله
إنـي لا أعلم هذه الأشياء فكيف بالمدرسين
والطلاب. قلت: المشكلة تكمن هنا، فأنتم
الذين تمثلون أعلى سلطة تربوية فـي البلاد لا
تعرفون عن هـذه الأمور، لأنكم لـم تدرسوها
فـي المـدارس، وتسببّون بذلك تأخر البلاد
ووقوعها فـي أحضان الغرب أو الشرق، وتسببون
تكبيل الثقافة والمثقفين. فإذا كنتم أنتم لا تعرفونها،
فكيـف حـال التلاميذ الصغار الذين يدخلون
المدارس ويدرسون دروساً يضعها أناس لا يعرفون
شيئاً عن الإسلام، هذا أولاً. والأمر الثاني : نجد بعـض
الأحيان أن هناك مدرسة ثانوية للبنات وإلـى
جانبها مدرسة ثانوية للذكور، والملاحظ أنّ
بعـض الطالبات يأتين إلى المدرسة بملابس غـير
لائقة، وإنـهن لـم يلتزمن بالحجاب الشرعي،
وينصرفن مـن المدرسة فـي الوقت الذي ينصرف
فيه الطلاب . فيلتقي الجنسان في الطرقات
والأزقة، وتبدأ المشاكل الاجتماعية التي لها
آثار وخيمة على الأسر وعلى مصير ومستقبل
الفتيات. من هنا، فمن اللازم الاهتمام
بهذه الناحية. نحن
نطالبكم باعتباركم وزيراً للمعـارف أن
تمنعوا هذه المظاهر المخربة حتى للجانب
التعليمي والتربوي. قال الوزير: ليس بمقدوري أن
افعل كل ما تريدونه، لست قادراً على منع لقاء
الطالبات بالطلاب. صحيح إنني أستطيع أن أُصدِّر
قراراً وأنشره في الصحف، أطالب الطالبات
التقيّـد بالملابس المحتشمة، لكن هذا لا يمنع
الفساد. كما هو بمقدوري أن أفرض بعض
العقوبات الخفيفة، لأنه من غير الممكن أن
افرض عقوبات صارمة. ثم أضاف: فإذا أردت أن لا تطاع
فأمر بما لا يستطاع. ثم استرسل في الحديث: إني
سأصدر إعلاناً وأنشره في الجرائد يوم السبت
وأطلب مـن الطالبات أن يرتدين المـلابس
المحـتشمة، وأطلـب كذلك التفـريق فـي وقت
انصراف الطالبات عن وقت انصراف الطلاب حتى
يحول التقاؤهما. وإن الوزارة ستضع مراقبين
لرصـد الحالات الشاذة التي قد تظهر عند
الطرقات من الطلاب بنيناً وبناتاً . ولكن هـذه الإجـراءات لا
جـدوى فيها، فإنها لا تقضي علـى جذور
المشكلة، فالحضارة الغربية قادمة لامحالة،
وهي كالسيل الجارف للقيم والمبادئ . وانتهى اللقاء بعد هـذا
الحديث المقتضب، والذي نشر بعد ذلك في الصحف
بكل تفاصيله، وذلك كما وعدنا الوزير يوم
السبت. بعد كل ذلك لم يتغير شـئ إلاّ
النـزر القليل، فقد بقيت الأمور على حالها . وكان من الواضح أنّ الحلّ
لايمكن أن تتحمله الوزارة فقـط، فهناك عـدة
أطـراف كان عليها أن تتحمل المسؤولية. فالمدرسة تتحمل قسطاً كبيراً
من المسؤولية، والأسـرة كذلك تتحمل قسطاً
عظيماً من المسؤولية، والمحيـط الاجتماعي
يتحمل قسطا أيضاً من المسؤولية. فالأسرة والمدرسة والتربية
الصالحة كل هذه العوامل تساهم فيما بينها فـي
تربية جيل صالح، فـإذا تهاونت إحدى هذه
الأطراف، فإن هـذا التهاون سيؤثِّر بشكل جدي
في تربية الجيل. وبعد ملاحظة جميع تلك
العوامل والأسباب يثار هذا التساؤل. هل من الممكن تجاهل حالة
الفتاة المراهقة فـي سن(15-16) سنة وهي في ذروة
الهيجان الجنسي؟
هل من الممكن تجاهل حال
الفـتى المراهق فـي سن(17-18) سنة وهو في ذروة
الغريزة الجنسية؟
ماذا نصنع بهؤلاء؟ هل نتركهما على حالهما أم أن
نجد حلاً لهما؟ وهل هناك حل غير عقد الزواج
الـذي يوصل الفتى إلى الفتاة في ظل الشريعة
الإسلامية؟
وإذا لم يحدث هذا
الحل، فمن الطبيعي أن ينتشر
الفساد في المجتمع. من الأعمال
المهمة الـتي قام بها النـبي الأعظم محمـد (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) في التاريخ ـ وقد
جمعتها مـن مجمـل السيرة النبوية ـ هـو قطع
دابر الفساد. عندما جاء رسـول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة كان اليهود
يسيطرون على كل شـئ، كان بأيديهم السلاح،
وكانوا يتاجرون بالخمور، وكانوا أصحاب أموال
طائلة، فكانوا يقرضون أهل المدينة المنتجين
مقابل مبلغ من المال وهو الربا. وقد قطـع الرسول (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) هذه الجسور الثلاثة. أولاً: فقد أمر المسلمين أن
يذهبوا إلى اليمن ليشتروا السلاح مـن هنـاك ـ
وكان يطلب من المسلمين أن يشتروا بأنفسهم من
القوافل القادمة إلى المدينة، وكان مع الرسول(صلّى
الله عليه وآله وسلّم) عـدد كبير من التجار
وهم المهاجرون المتخصصـون فـي التجارة،
فاستفاد من خبرتهم ـ. وثانياً أنه حـرَّم شرب
الخمر، الأمـر الذي أوقف إحدى دعائم التجارة
اليهودية. وثالثاً : فقد حرّم التعامل
الربوي مما أوقف حركة المال والربـح فـي
المجتمع اليهـودي، وكانت هـذه الإجراءات الثلاث سببـاً
لحدوث قطيعـة بين
المجتمع الإسلامي والمجتمع اليهودي. فأوجد
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك
حاجـزاً سميـكاً يفـصل بين المجتمعين،
الأمـر الذي حـال دون تأثـير اليهود على
المسلمين. إن حال المسلمين اليوم يشبه
إلـى حـدٍّ بعيد حال المسلمين في زمن الرسول(عليه
آلاف التحية والسلام)، فاليوم يسعى الغرب
بإمكاناته الإعلامية والمالية وبجسوره
التجارية إلى التأثير على العالـــم
الإسلامـــي،
فكان لابد مـــن التصدي لهذه الهجمة. فالغرب يفرض سيادته عملياً
مـن خلال السلاح، الذي يبيعه للمسلمين، ومن
خلال المفاسد التي يصدرها إلينا، ومن خلال
برامجه الداعـرة، عنـد ذلـك ماذا يستطيع أن
يفعله خطيب واحـد أو اثنـين أو عشرة،
فالمشكلة أكبر من قدرة الخطيب والعالم
والمثقف. مثل هذا الخطيب الذي يعمل في
مثل هـذه الظروف والأجواء، كعمل ذلك الإنسان
الذي يرمي بكيس من السكر في البحر، ولو أضاف
إلى ذلك الكيس أكياس أخرى فما فائدة عمله؟ قد يتغير طعم جزء صغير من ماء
البحر ولمدة قصيرة جداً، لكن ماء البحر غير
قابل للتغيير. وقد لاحظنا كيف
تسير الأمور إلى الأسـوأ،
وكيف تكثر المبادئ الهدامة، وكيف يزداد عدد
المناهج المنحرفة في العراق من شيوعية وبعثية
وقومية ووجودية، بالإضافة إلى المناهج
الغربية والشرقية، التي كانت قائمة في الأصل،
حـتى حدث انقلاب قاسم عام 1337هـ الذي أزال ما
تبقى من القيم والمبادئ والأخلاق.
|
|
1
ـ
بحار الأنوار: ج75 ص336 ب81 ح1، ج2 ص49 ب11 ح1. |