فهرس الكتاب

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

 المذكرات

الصفحة الرئيسية

 

اللقاء بالوزير عبد الرسول الخالص

وكانت حصيلة أعمال الخالص فـي مدينة كربلاء المقدسة، أن تمّ ترفيعه إلى درجة وزير الشؤون الاجتماعية.

وقد التقيت به عنـدما كان وزيـراً، وتحدثت معه حول المفاسد الخُلقية الـتي يشيعها التلفزيون، إذ كانوا ينشرون مـن خلاله الفساد، ويستثيرون غرائز الشباب من خلال عرض الأفلام الخليعة والماجنة، فطلبت منـه أن يمنـع تلك الأفلام وأن يمنع استخدام التلفزيون في المقاهي والأماكن العامة في المدن المقدسة، لأنه منكر ويجب النهي عن المنكر.

نظر إلي بشيء مـن الحقد، وقال: أنت تقول إن ما نعرضه في التلفزيون منكر؟.

قلت: نعم.

قال: ولمـاذا أنتـم ترتكبـون المنكرات .. فهـل منكرنا غير مقبول ومنكركم مقبول؟.

قلت له: اذكر لي منكراً واحداً اقترفناه.

قال: الاختلاف ، ألستم أنتم العلماء مختلفون؟.

قلت له: الاختلاف من طبيعة البشر، وليس بمقدور أحد أن يمنع البشر عن التفكير ، وطالما كان كل واحد منّا يفكر، فالاختلاف وارد، وتستطيع أن تنظر إلى اكثر دول العالم تحضّراً لتجد الاختلاف قائماً في مجلس البرلمان وبين الأحزاب، فليس الاختلاف من المنكرات.

قال : هذا صحيح، لكن الدين يجب أن لا يكون فيه اختلاف.

قلت : هذا صحيح فـي الأصول، فليس هناك من يقول بأن الخالق هو الصنـم أو الطبيعة أو شئ آخر من هذا القبيل ، فإنّ الجميـع متفقون فـي الأصول، أما الاختلاف فهو واقع فـي الفروع، وهو غير مضر ولا منكر.

قال: لماذا لا تعملـون علـى إزالة الاختلافات بين العشائر؟

قلت: هذا الكلام لا ربط له بما نحن فيه، ولو سلمنا ذلك فانه ليس بأيدينا حل جميع الاختلافات العشائرية، فحدود إمكاناتنا هـو إننا نسعـى لذلك ما استطعنا: (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت)(1).

علـى أي حـال: أصررنا علـى الخالص أن يقوم بالحظر على تلك الأفلام وقد وعدنا خيراً ، لكن وعده كان مجرد قول ولم يعمـل به حـتى قيـام انقلاب عبد الكريم قاسم حيث هرب من العراق إلـى لبنان، ولم يعلم مصيره بعد ذلك.

كان الخالص رجـلاً صلفاً وجريئـاً، وكان عضواً فـي حزب الأمة الاشتراكي الذي يترأسه صالح جــبر، وكان هذا الحــــزب يضم عـدداً من الوزراء والنواب من الشيعة، وفـي قِبال هذا الحزب الشيعـي كان الحزب السـني المنافـس هـو حـزب نوري السعيـد واسمه حزب الاتحـاد الدستـوري، وكانت هناك حصة في البرلمــان والحـــكـومة للأحـزاب الأخـرى منها حزب الاستقـلال أسسه محمـد مهـدي كُبّـة وخليل كنّة والحـزب الديمقراطي الـذي يرأسه كامل الجادرجي.

 فكانت السلطة تتوزع علـى هذه الأحزاب الأربعة وبالأخـص الحزبـين الأولـين . وكانت هناك أحزاب أخرى يبلغ عـددها أربعين حزباً، وهي عبارة عن تشكيلات صغيرة تشارك فـي الانتخابات بحكم كونها أحزاباً رسمية معترفاً بها قانونياً.

إن ممارسات الوزراء والمسؤولين فـي أواخـر العهد الملكي جلبت عليهم الوبال وكانت سبباً لتوفير الأجواء المناسبة للانقلاب الذي تحول إلى نقطة البداية لعهد إتّسَم بالظلم والطغيان وامتلأ بالمشاكل والأزمات إلـى يومنا هذا(2).

وكان الأفضل لهؤلاء أن يكسبوا رضى الناس، لأن رضى الناس هو الأصل فـي الحكم، فلـو كان الناس راضـين عنهم ، لمّا تسلّط قاسم عليهم عبر الانقلاب ، ولما أدار الشعب ظهره للمسؤولين في العهد الملكي.

ولا يخفى أن أكثر الانقلابات في العراق لم تكن لها علاقـة بالشعـب بل كانت تنفّذ بتخطيـط من قوى خارجية شرقية أو غربية. 

 

1 ـ سورة هود: الآية 88.

2 ـ يقول خليـل كنّة أحـد رجالات العهد الملكي فـي حديث لجريدة( نبض الشباب) فـي عددها 57 بتاريخ 8/6/1998م فـي تقييم مرحلة الملكية والأخطاء التي وقعت وارتكبت: أنا أعترف بصراحة للتاريخ أن الأخطاء كانت كثيرة ، فكل أعضاء حـزب الإتحاد الدستوري الذي ترأسه نوري السعيد وكنت سكرتيراً عامّاً للحزب ممن يتقدمون للترشيح إلـى المجلس النيابي يفوزون بالتزكية تحت مظلّة رئيس الحزب . وعلى هذا الأساس كنّا نشكل أكثرية في معظم الدورات الانتخابية ، وكنت إذا تكلمت أو أبديت رأيـاً داخل الحزب أو مجلس النوّاب يسكـت الآخرون على أساس أن المتحدث هو نوري باشا وليس خليل كنّة.

أنظر مجلة دراسات عراقية: ص176-177 العددان السابع والثامن.