| المؤلفات |
|
هكذا
يفعلون بالمساجد |
|
كان
هناك مسجد يقوم على الأنقاض في شرق حرم أبي
الفضل العباس(عليه السلام) فـي سوق الصفارين،
وكان مسجداً كبيراً وواسعـاً، وعنـدما
تعرَّض للهدم بقيت أنقاضه على حالها، فقد
امتنعت إدارة الأوقاف(1) عن
اتخاذ أي قـرار ببنائه، لأن الأوقاف كانت
تمارس التمييز الطائفي(2)،
وهـي تعلم أنها إن وافقت على بنائه فسيتحول
إلى أيدي الشيعة.
لـذا فإنهم أجرّوا ذلك المكان للحمّالين
الذين يحملون فضلات الطعام وما أشبه. وكانوا
يملكون الحمير باعتبارها وسيلة العمل يوم
ذاك، فكانوا يربطون حيواناتهم فـي ذلك المكان
الـذي كان يُجمع فيه حدود ثلاثين من الحمير،
وقد بنوا دورات للمياه في زاوية من هذا
المكان، وكانت هنـاك بئرٌ أيضاً في المكان،
وقـد قمت باستطلاع المكان برفقة الخطيب الشيخ
عبد الزهراء الكعبي، فقررنا أن ننقذ هذا
المسجد من هذا الواقع المزري، فشكلنا الوفود،
وفد إلى متصرف كربلاء، ثم وفد إلـى وزير
الداخلية، ثم وفد إلى مدير الأوقاف، واستمرت
محاولاتنا فـي بناء هذا المكان زهاء الأربع
سنوات، لـم نترك خلالـها وسيلة إلاّ وطرقناها وكان
من بـين المختارين ضمن الوفود السيد صادق
العلامة والسيد صادق الشهرستاني والسيد سعيد
الزيني والشيخ ضياء الزبيدي والشيـخ طاهـر
والسيد ناجي العميدي والسيد عبود الشروفــي،
وكل المسؤولـــين الذين زرناهم كانوا يقابلوننا
بالرفض. وأخيرا
قررت أن أذهب بنفسي مع السيد سعيد زيني إلـى
وزير البلـديات، وكـان شيعياً واسمه عباس
البلداوي(3)، وعندما طلبت من
السيد سعيد أن يرافقني، قال: ليس هناك فائدة
من ذهابنا، لأنّ هؤلاء مصرّون على الرفض
لأنهم يعلمون أن المسجد سيقع فـي أيدي
الشيعة، هـذا مـن ناحيـة، ومـن ناحية أخرى أن
الدولة تحصل على بعض المال من إيجار المكان. قلت
له: لنتوكل على الله سبحانه، وقرأت له: (على
الله توكلنا ربّنا لا تجعلنا فتنة للقوم
الظالمين)(4). قررنا
اللقاء بوزير البلديات، فذهبنا إلـى بغداد،
فاحترمنا الوزير، وذكرنا له مطلبنا بصورة
مفصلة. فأجابنا
بجواب ملـؤه المغالطة قال: إذا أردتم بنـاء
المسجد أو ترميمه، فإن هذا الأمر ليس من
صلاحيتي، لكنكم إذا أردتم بناء سينما أو
ترميمها، فإن هذا الأمر من صلاحيتي، فإني لا
أستطيع أن أفعل لكم شيئاً. قلت
له: نعلم أن الحكومة سنية وإنها تمارس التمييز
الطائفي
بحـق الأغلبية الشيعية، وهـذا لا يمنع من
بناء المسجد، وإننا نسعى
لبناء المسجد مهما كلفنا ذلك من ثمن. قال
إنني لا أمانع مساعيكم لكنني لا أستطيع أن
أفعل لكم شيئاً. قلت
له : هناك ظاهرة منتشرة فـي العتبات المقدسة ـ
ككربلاء والنجف والكاظمية ـ وهي كثرة الأوساخ
وانتشار القاذورات في كل مكان، لماذا لا
تقيمون مراكز للتنظيف ولا
تبنون دورات للمياه ولا تشيدون
الحمامات، خصوصاً وأن هنـاك مواسم للزيارة
يكثـر فيهـا عدد الزوار إلى الحدّ الـذي لا
تستطيع المرافق الأهلية والعامة من سدّ
الحاجة. قال:
ليست عندنا ميزانية لمثل هذه الأمور. قلت:
إنّ الشعـوب والأمم تهتم بمناطقهـا المقدسة
وتعير لها الأهمية لقدسيتها أولاً ولتراثها
ثانياً ولتعريف العالم بحضارتـها وتعريف
الأمم برجـالاتهـا وقيمهم والأهداف التي
يحملونها ومن أجلها بذلوا الغالي والنفيس
ثالثاً وكقيمة اقتصادية تدرّ على البلد
بالأموال عن طريق السياحة رابعاً. ثم
أضفت قائـلاً: أعطنا الإجازة ـ وهذا من
اختصاصك كما تدعي ـ لكي نقوم بحملات لتنظيف
المدينة. قال:
من أين تأتـي بالعمال والموظفين، وهل بإمكانك
أن تفعل ذلك؟ قلت:
إننا أنجزنا مشاريـع كثـيرة مثل الحسينيات
والمدارس والمكتبات ودور الأيتـام، نحن نأخذ
من الناس التبرعات ونصرفها في هذه المؤسسات. قال:
كم من العمال ستجعلهم لعملية التنظيف؟ قلت:
مائة عامل. قال:
وهل تمتلك هذه الإمكانية؟ أجابه
السيد سعيد الزيني: هذه ليست قدرتنا الشخصية
بل هي قدرة المجتمع، وهذا ليس بالأمر المهم. قلت
للوزير: إنك لو تمنحنا الإجازة فإننا سنبدأ من
الغد في تنظيف مدينة كربلاء. قال:
فـي الواقع إن حكومة بغـداد تريد أن تبقى
العتبات المقدسة مهملة متسخة. قلت
وأنا في حالة تعجب من بيان هذه الحقيقة: كيف
يمكن أن يحدث ذلك؟ قال:
وبصوت ملـؤه الحذر والخوف: إنّك تعلم أن
الحكومة سنيّة متعصبة، وهي تعمل من منطلق
طائفي فلا تريد الرفاه لسكان العتبات المقدسة. قلت
له: إذا كان الأمر هكـذا، فإننا سنـعمل ما
بمقدورنا على تنظيف المدينة، وأينما أوقفتنا
الحكومة فإننا سنتوقف. عدنا
إلـى كربلاء وشكلنـا فِرَقاً للتنظيف، بدأت
عملها في أطراف الحرمين الشريفين. وفي
بعض الأحيان كانت هـذه الفـرق تذهب إلى النجف
الأشرف لتقوم بخـدمة التنظيف تطوعـاً وطلباً
للثواب. وفي
بعض الأحيان كانت تذهب إلـى الكاظمية للغاية
نفسها. وكانت هذه الفرق تنظف العتبات المقدسة وما حولها من ميادين وشوارع، طبعاً هـذا لا يكفـي، لكن ما العمل أمام إصـرار الحكـومة الطائفية على إبقاء هذه الأماكن على حالة من الأوساخ والقاذورات.
|
|
1 ـ تأسست
دائرة الأوقاف في مدينة كربلاء عام 1282ه وهي
تابعة لوزارة الأوقاف وكان الهدف منها
الإشراف على الأموال الموقوفة من خيرية وذرية
والأراضي العائدة للسادة من ذرية الرسول (صلّى
الله عليه وآله وسلّم) والموقوفات القادمة
للعتبات المقدسة والمشروطة على تعمير وإنارة
العتبات المقدسة وإقامة التعازي والمناسبات
الدينية.
2 ـ من
الأساليب التي استخدمها العثمانيون في تحديد
النشاط الشيعي بل القضاء عليه هو مصادرة
الموقوفات الشيعية ففي عام 1255هـ (1838م) صادروا
المؤسسات الشيعية والموقوفات التابعة
للعتبات المقدسة كالأراضي الزراعية
والبساتين والخانات والمحلات التجارية بحجة
تنظيمها، وألحقوها بالموقوفات السنيّة، وفي
العهد الملكي والجمهوري استخدموا نفس
السياسة بل زادوا عليها فمنعوا الشيعة من
التصدّي لهذه الوزارة سواء كان التصدّي
وزيراً أو وكيـلاً، وما أشبه ذلك، ومنعوا
الشيعة من الاستفادة من ريع هـذه المؤسسات
ومنعوا أموال الوزارة أن تنفق علـى المساجد
والمدارس 3 ـ وزير
البلديات فـي وزارة عبد الكريم قاسم الثانية
عين بتأريخ 3/5/1960م. 4 ـ سورة
يونس: الآية 85. |