| المؤلفات |
|
اللقاء |
|
وكان يومها
وزيراً للمعارف(1)،
التقينا به مع مجموعة من الأصدقاء، وطلبنا
منه أن يعيـد النظر فـي المناهج الدراسية على
ضوء الإسلام. قال:
مناهـج المدارس تتضمن الكثـير عن الدين الاسلامي،
فهـي تتضمن حـروب وغزوات الرسول(صلّى
الله عليه وآله وسلّم) وبعض
التشريعات الإسلامية كالصلاة والصيام والحج. وتتضمن أيضاً أحوال جمـلة
مـن أصحاب الرسول(صلّى
الله عليه وآله وسلّم) وتاريخ بني أميّة وبني
العباس وشيئاً من الأخلاقيات وما أشبه ذلك. قلت: هـذا صحيـح،
لكـن أين بقيـة المناهج الإسلامية،
والتي تعتبر الأساس فـي الإسلام،
وكانت هي السبب في التفاف الناس حول الدين
الإسلامي فـي فترة الدعوة. أنظر الآن إلى
نسبة انتشار الإسلام والمسيحية،
فالمسيحية تزداد انتشاراً،
وأنتم تعرفون أن المسيحية ليست أكثر من
مجموعة عقائد غير عقلائية،
فالمسيحيون يقولون،
أن الله واحد وهو
فـي الوقت نفسه ثلاثة،
وكل من يسمع ذلك يعرف أنه خرافة. ولو
قلتـم: يجيبكم المسيحيون أنتم
أيضاً تقولون إن الله لا يمكن تصوره ولا يمكن
دركه. قلت:
هنـاك فـرق بـين
قـول المسيحيين وقول
المسلمـين، فالمسلمون
يقرون
بأننا لا نستطيع أن ندرك كُنه الخالق، فمثلهم مثل من
يقـول:
إن المدينة الفلانية غير موجودة أو موجـودة
ولا ندرك مواصفاتها،
بينما يقول المسيحيـون أن هـذه المدينـة
موجـودة وغير موجودة. نحن نقول كما
يقـول علمـاء الغرب اليوم : نحن لاندرك حقيقة
النفس ولا ندرك حقيقة الروح(2). ثم أضفت : لو
تصفحت تاريخ الفتوحات الإسلامية، وكيف إن
المسيحيـين دخلوا فـي ديـن الله أفواجاً، لتوصلت إلى
حقيقة غائبة عن المناهج اليوم،
وهي حيوية وواقعية الإسلام. وإليك هذه القصة
التاريخية حـتى تَطّلِع على واقعية الإسلام. عندما فتـح
المسلمون بلاد الشام ذكر المؤرخون أن
المسلمين فرضوا علـى أهلها مقداراً من الجزية
ـ وهو أقل بكثـير من الزكاة والخمـس اللذيـن
فُرضا على المسلمين ـ والمسلمون يأخذون هذا
المال من المشركين في قِبال الحماية التي
يوفرونها لهم. وعندما تعرَّضت
بلاد الشام إلـى هجـوم الروم،
جمع المسلمون أهل الشام،
وقالوا لهم : خـذوا الأموال التي أخذناها منكم
بعنـوان الجـزية،
لأننا لا نستطيع توفير الحماية لكم. قـال
المسيحيـون: أنتم أحبّ إلينا من حكامنا
السابقين ـ ملـوك الروم ـ لأنكم لا تظلمون
أحداً،
ولأنكم تسيرون بالعباد على نهج الحق والعدل
والسلام. ثم قالوا
للمسلمين: أموالنا الـتي أعطيناكم بعنوان
الجزية لا نسترجعها منكم، وإننا سنكون
معكم عندما تحاربون الـروم،
فإذا انتصرتم عليهم فبها وإلاّ فأموالنا حلال
لكم. هكذا كان
المسلمون في تعاملهم مع الآخرين،
وهذا هو سـر اعتناق الناس للإسـلام وانتمائهم
إلـى الأمة الإسلامية. ثم
قلت: كان مـن المفتـرض أن تتضمن
منـاهج المدارس هذه الأمور وغيرها،
ممّا سبب ويسبب في جذب الناس للدين الإسلامي. وبناءاً على ذلك،
فإنّ عليكم أن تعرضوا الإسلام في المدارس
بالشكل الحيـوي الذي يعكس فهم الحياة في
الواقع الإسلامي،
حتى تجذبوا الفتية إليه. قال
بلغة الاستفهام: وضح كلامك أكثر؟ قلت:
لو أجريتـم قـانـون: (الأرض لله ولمن
عمرها)(3)، لساد
الرفاه في المجتمع،
ولا نظَمَّ
ملايين الناس إلى الإسلام،
فبهذا القانون جعل الرسول الأكرم (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) الأرض بمنـزلة الهـواء
والماء ونور الشمس،
فكما أن هـذه الثلاثة مباحة للجميع كذلك
الأرض. وهـذا
واضـح: لأنّ خالق الماء هـو نفسه
خالق الأرض. والذي جعل الماء
هبة للناس جعل الأرض أيضاً هبة،
والذي جعل نور الشمس يستنير به الجميع جعل
الأرض سكناً للجميع. ولأجل هذا
انشدَّ الناس إلـى الإسلام فـي القرون الماضية، ثم إنكم جئتم بعـد ذلك ووضعتم
هذه
الأرض ـ التي حباها
الله للجميع ـ ملكاً للدولة،
فأخذتم المال من الناس،
وقلتم من يريد البناء فيجب أن يأخذ الرخصة
والإجازة، ثم أصدرتم ما
يسمى(بالطابو)(4)،
طالبتم الناس بأن يقيدوا أملاكهم عنـدكم عبر
الروتين الإداري،
هذه الأمور لم تكن موجودة يـوم ذاك،
ولو طبقتم حديث الرســــول الأكرم (صلّـى
الله
عليه وآله وسلّم) : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه
مسلم فهو أحق به)(5) لالتفّ الناس
حولكم ونصروكم. ومعنى الحديث
الشريف أن من يسرع إلى استخراج الملح فهو
المالك له ولاحقّ لغيره مزاحمته في ذلك. ومن يسرع إلى
منجم الذهب ويستخرجه فهو أحق به لأنه سبق
الآخرين إليه. ومن يسرع إلـى
منجم الألماس فهـو المالك له لأنه أسبق الناس
إليه. والشرط الذي
وضعه الله سبحانه وتعالى هو (لكم)
فليس
هناك استثناء ولا تفضُّل ولا ميِّزة لقسم على
آخر. وبعبارة أخرى
هذه كلّها لمن سبق في إطار قوله تعالى(لكم)
فلا يحق لأحد ـ تاجراً كان أم دولة ـ حيازة
الكل(6). أما أنتم،
فتقولون كـل شـيء ملك للدولة،
وإنها صاحبة المال والحـق فـي التصـرف، لذا نقول لكم
ارجعوا إلى منهج الإسلام ووضحوا حقيقة
الإسلام في المناهـج الدراسية، حـتى يعرف
المسلمـون سرّ تقدم الإسلام. وإذا لم تفعلوا
ذلك،
فإنّ المسلمين سيذهبون لا محالة
إلـى الغـرب ـ فضلاً مـن عدم دخول الغربيين في
الإسلام ـ لأن الغرب يمنح قدراً مـن الحـرية
ويعطي قسطاً من العدالة الاجتماعية. وكذلك كممَّتم
الأفواه وأخمدتم الأصوات وصادرتم الحريات
وحطمتم العـدالة الاجتماعيـة ونشرتم الظلم
والطغيـان،
وإنّ من طبيعة البشر النظر إلـى الشعوب
والحضارات من خلال ممارسات الحكام،
فعنـد المقارنة بين ممارسات حكام المسلمين
وحكام الغرب يتضح جلياً البون الشاسع. مثلاً : الحاكم
الغربـي لا يأتي إلـى الحكم إلاّ عبر
الانتخابات،
بينما نجد قليلاً من حكام المسلمين من جاء وعندما يصل
الحاكم الغربي إلـى الحكم لا يستطيع ـ
إلاّ في حالات نادرة ـ
أن يأخذ الرشوة أو يستغل منصبه ولا أن
يتلاعب بمقدرات الشعب،
لأنّ هناك أحزاباً حـرة تراقبه وتحاسبه علـى
الصغيرة والكبيرة،
وهناك وسائل الإعلام التي تحصـى أنفاسـه،
وهناك القضاء المستقل الـذي يحاكـمه، وهنـاك مؤسسات
دستورية تزيله،
ومثلما يأتي إلى السلطة يذهب عنها بعد أربع أو
ست سنوات ـ مثلاً ـ. أما الحاكم في
بلادنا اليوم فإنه يأتي إلـى الحكم وهو فقير،
فيتحول بين عشية وضحاها إلـى إنسان ثري لا
يمكن إحصاء أمواله وعقـاراته،
ولا يتنحّى عن السلطة إلاّ بالانقلاب أو
الموت. إنّ دعوتنا لكم
أن تطبقوا الإسلام الـذي فيه الحياة
والواقعية،
إسـلام القرآن الكريم والسنة النبوية
والعترة المحمدية. وعندما يعيش
الناس فـي هذا المحيط الإيجابي،
فإنهم لا يميلون
إلى الشرق أو الغـرب ولا يحـاولون تقليده في
الصغيرة والكبيرة. قال: هذا الكلام
الـذي أسمعه منكم كلام جميل،
لكنه مثالي وغير قابل للتطبيق. قلت: عجباً الشـيء الجيد غير قابل
للتطبيق،
بينما الشيء
الرديء قابل للتطبيق،
ما هذا الكلام؟! لقد طُبِّقَ
الإسلام منذ عهد الرسول الأكرم (صلّى الله
عليه وآله وسلّم) وحـتى خمسين عاماً،
فخلال هذه القرون لم نسمع من يقول إن الإسلام
مثالي وغـير قابل للتطبيق؟ يا ترى ماذا حدث
للإسلام حـتى أصبح اليـوم غير قابل للتطبيق؟ ثم أضفت : مـن
خـلال كلامك،
عرفـت أنك لا تستطيع
أن تطبِّق الإسلام،
لكن باستطاعتك أن تجتمع بمساعـديـك
ومعـاونيـك أن تستشير أهـل الخبرة والاختصاص،
وتطلـب منـهم أن يعكسـوا الصورة الواقعية
للإسلام من خلال المناهج الدراسية،
حتى يتبين لطلاب المدارس والجامعات كيف كنا
وكيف أصبحنا ؟ وفي ختام اللقاء
تطرقنا إلى الفساد الإداري في وزارة المعارف،
ثم انتهينا بالوداع.
|
|
1 ـ أصبح وزيراً للمعارف في خمس دورات : في وزارة أرشد العمري الثانية(29/4/1954-17/6/1954م)
وتعين فـي 16/6/1954م. وفـي وزارة علي جودت
الأيوبي الثالثة (17/6/1957-11/12/1957م). وفي وزارة عبد
الوهاب مرجان (14/12/1957-2/3/1958م).وفي وزارة نوري
السعيد الرابعةعشرة(3/3/1958-13/5/1958م). وفـي وزارة
أحمد مختـار بابان(18/5/1958-14/7/1958م).
2 ـ وقد تطرق الإمام المؤلف( دام ظله) إلى
خرافات المسيحيين ومعتقداتهم في كتاب : ماذا
في كتب النصارى ؟ 3 ـ الكافي(فروع):
ج5 ص279 ح2. 4 ـ دائرة
تسجيل الأموال غير المنقولة، ويرجع تاريخ
هـذه الدائرة إلـى الاحتلال العثماني،
وبالتحديد في زمن الوالي العثماني مدحت باشا
حيث ابتدأ بتسجيل الأراضي الأميرية، ثم بعد
ذلك الأملاك العامة. إن أول
دائرة للطابو افتتحت في بغداد في زمن الوالي
العثماني محمد رؤوف باشا عام 1289هـ (1872م) وقد
عُين مصطفى أفندي مأموراً لها. وكانت تعرف
بدائرة الدفتر الخاقاني، وقد جرت فيها
الكتابة باللغة التركية ثم استبدلت باللغة
العربية إبان ثورة العشرين، وتسمى فـي الوقت
الحاضر بمديرية التسجيل العقاري.
5 ـ مستدرك
الوسائل: ج17 ص111 ب1 ح20905. 6 ـ راجع
موسوعة الفقه: كتاب الاقتصاد. |