الفهرس

موسوعة الكلمة

الصفحة الرئيسية

 

ذاك صاحبها[1]

أنّه قام الحسين (عليه السلام) قعد أن خطب أبوه وأخوه تحشيداً في قتال معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وقال:

يا أهل الكوفة أنتم الأحبّة الكرماء والشعار دون الدثار فجدوا في إحياء ما دثر بينكم وتسهيل ما توعّر عليكم.

ألا إنّ الحرب شرّها ذريع وطعمها فظيع وهي جرع مستحساة فمن أخذ لها أهبتها واستعدّ لها عدّتها ولم يألم كلومها عند حلولها فذاك صاحبها ومن عاجلها قبل أو ان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أن ﻻ ينفع قومه وان يهلك نفسه نسأل الله بقوّته أن يدعمكم بالفئة ثمّ نزل.

المؤتمر الإسلامي في منى[2]

لما كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين بن علي (عليه السلام) وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس معه، وقد جمع الحسين بن علي (عليه السلام) بني هاشم رجاله ونساءهم ومواليهم وشيعتهم من حجّ منهم ومن لم يحجّ، ومن بالأمصار ممّن يعرفونه وأهل بيته، ثم لم يدع أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن أبنائهم والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين (عليه السلام) في سرادقة عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين (عليه السلام) فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

أمّا بعد فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي اريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.

فما ترك الحسين (عليه السلام) شيئاً أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) في أبيه وامّه وأهل بيته إلاّ رواه، وكلّ ذلك يقول الصحابة: اللّهمّ نعم، قد سمعناه وشهدناه، ويقول التابعون: اللّهمّ قد حدّثنا من نصدّقه ونأتمنه حتّى لم ترك شيئاً إلاّ قاله.

ثم قال: انشدكم بالله إلاّ رجعتم وحدّثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرّق الناس على ذلك.

خصال الملوك[3]

شرّ خصال الملوك: الجبن من الأعداء، والقسوة على الضعفاء والبخل عند الإعطاء.

تفقّد الرأي العالم[4]

قال الفرزدق: لقيني الحسين (عليه السلام) في منصرفي من الكوفة، فقال:

ما وراك يا أبا فراس؟

قلت: اصدّقك؟

قال (عليه السلام): الصدق اريد.

قلت: أمّا القلوب فمعك، وأمّا السيوف فمع بني اميّة والنصر من عند الله.

قال: ما أراك إلاّ صدقت، الناس عبيد المال، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت به معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون.

من أهداف الشهادة[5]

أنا قتيل العبرة.

مع والي المدينة[6]

لمّا مات معاوية وتولّى الأمر بعده يزيد بعث عتبة بن أبي سفيان والي المدينة إلى الحسين بن علي (عليه السلام)، فقال: إنّ يزيد أمرك أن تبايع له، فقال الحسين (عليه السلام):

يا عتبة قد علمت أنّا أهل بيت الكرامة ومعدن الرسالة وأعلام الحق الذين أودعه الله عزّ وجل قلوبنا وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن الله عزّ وجل ولقد سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:

إنّ الخلافة محرّمة على ولد أبي سفيان، وكيف ابايع أهل بيت قد قال فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا؟

وروي انّ يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة عامله على المدينة أن يأخذ البيعة له من الحسين بن علي (عليه السلام) وان أبى فليضرب عنقه.

فلمّا حضر (عليه السلام) التفت إلى الوليد وقال: إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وبنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي ﻻ يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة، ثم خرج (عليه السلام).

الناس وقادتهم[7]

ورد على الحسين (عليه السلام) في الثعلبية رجل يقال له بشر بن غالب، فقال: يابن رسول الله أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: (يوم ندعوا كلّ اناس بإمامهم)[8] قال:

إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عزّ وجل: (فريق في الجنّة وفريق في السعير)[9].

تبعات بني اميّة[10]

لمّا نزل الحسين (عليه السلام) وأصحابه الرهيمة فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرم فقال: يابن النبي ماالذي أخرجك من المدينة؟ فقال:

ويحك يا أبا هرم شتموا عرضي فصبرت وطلبوا مالي فصبرت وطلبوا دمي فهربت وأيم الله ليقتلنّي ثم ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً وليسلطنّ عليهم من يذلهم.

الخلافة عليهم محرّمة[11]

لمّا أصبح الحسين (عليه السلام) ـ وذلك بعد اللّيلة التي دعي فيها للبيعة ـ خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان (بن الحكم) فقال له: يا أبا عبد الله انّي لك ناصح، فأطعني ترشد. فقال الحسين (عليه السلام):

وما ذاك؟ قل حتّى أسمع. فقال مروان: انّ آمرك ببيعة يزيد بن معاوية فإنّه خير لك في دينك ودنياك. فقال الحسين (عليه السلام):

إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الامّة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة محرّمة على آل ابي سفيان.

القائد يشكو القاعدة[12]

خرج الحسين (عليه السلام) من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جدّه (صلى الله عليه وآله) فقال:

السلام عليك يا رسول الله أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفتني في امّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ الله أنّهم قد خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك.

قال: ثمّ قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعاً ساجداً.

دأب القائد الإلهي[13]

لمّا كانت الليلة الثانية، خرج الحسين (عليه السلام) إلى القبر أيضاً وصلّى ركعات، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول:

اللّهمّ هذا قبر نبيّك محمد، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّ احبّ المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك ياذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومن فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضي، ولرسولك رضى.

ثم جعل يبكي عند القبر حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فاغفي، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء، من عصابة من امّتي، وأنت مع ذلك عطشان ﻻ تسقى، وظمآن ﻻ تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، ﻻ أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إنّ أباك وامّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة.

فجعل الحسين (عليه السلام) في منامه ينظر إلى جدّه ويقول: يا جدّاه ﻻ حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك.

فقال له رسول الله: لابدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة، حتّى تدخلوا الجنّة.

قال: فانتبه الحسين (عليه السلام) من نومه فزعاً مرعوباً فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشدّ غمّاً من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

القائد الأبيّ[14]

لمّا أشار محمد بن الحنفية على أخيه الحسين (عليه السلام) برأيه أجابه (عليه السلام) وقال:

يا أخي والله لولم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع محمد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى الحسين (عليه السلام) معه ساعة ثمّ قال: يا أخي جزاك الله خيراً، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وأخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً ﻻ تخفي عنّي شيئاً من امورهم.

ثمّ دعا الحسين (عليه السلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمد:

(بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبيطالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة أنّ الحسين يشهد أن ﻻ إله إلاّ الله وحده ﻻ شريك له وأنّ محمداّ عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية ﻻ ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في امّة جدّي (صلى الله عليه وآله) اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن ابي طالب (عليه السلام) فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيّتي يا أخي إليك وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه انيب.

قال: ثم طوى الحسين (عليه السلام) الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودّعه وخرج في جوف الليل.

الإمداد العسكري[15]

لمّا سار أبو عبد الله الحسين بن علي (عليه السلام) من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمين والمردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه، وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، ان الله عزّ وجلّ أمدّ جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنا في مواطن كثيرة، وان الله امدّك بنا. فقال لهم:

الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها وهي كربلاء فإذا وردتها فأتوني.

فقالوا: يا حجّة الله ان الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك؟

فقال: ﻻ سبيل لهم عليّ ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.

وأتته أفواج من مؤمني الجن فقالوا له: يا مولانا، نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كل عدوّ لك وأنت بمكانك لكفيناك.

فجزاهم (الحسين) خيراً وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كُتِبَ عليهم القتل إلى مضاجعهم)[16].

فإذا أقمت في مكاني فبماذا يمتحن هذا الخلق؟ وبماذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلا؟ وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبّينا تقبل أعمالهم وصلواتهم ويجاب دعاؤهم وتسكن شيعتنا فتكون لهم أماناً في الدنيا وفي الآخرة ولكن تحضرون يوم السبت (يوم الجمعة، خ ل) وهو يوم عاشورا الذي في آخره اقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخواني وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد بن معاوية.

فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو ﻻ أنّ أمرك طاعة وانه ﻻ يجوز لنا مخالفتك لخالفناك وقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال لهم (عليه السلام): ونحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة.

القائد والشهادة[17]

لما عزم الحسين (عليه السلام) على الخروج من المدينة أتته ام سلمة رضي الله عنها فقالت: يا بنيّ ﻻ تحزنيّ بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا. فقال لها:

يا أمّاه وأنا والله أعلم ذلك، وإنّي مقتول ﻻ محالة وليس لي من هذا بدّ وإنّي والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه، وأعرف من يقتلني وأعرف البقعة التي ادفن فيها، وانّي أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا امّاه اريك حفرتي ومضجعي.

ثم أشار (عليه السلام) إلى جهة كربلا فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت ام سلمة بكاءً شديداً، وسلّمت أمره إلى الله.

فقال لها: يا اماه قد شاء الله عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً.

الشهادة سعادة[18]

عن الواقدي وزارة بن خلج قالا: لقينا الحسين بن علي (عليه السلام) أن يخرج إلى العراق (بثلاثة أيام) فأخبرناه ضعف الناس بالكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه. فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عدداً ﻻ يحصيهم إلاّ الله تعالى، فقال (عليه السلام):

لولا تقارب الأشياء وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي، ﻻ ينجو إلاّ ولدي علي (عليه السلام).

احباط مؤامرة[19]

جاء محمد بن الحنفية إلى الحسين (عليه السلام) في الليلة التي أراد (الحسين) الخروج في صبحيتها عن مكة فقال: يا أخي إنّ اهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك حال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعزّ من في الحرم وامنعه. فقال:

يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت.

فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البرّ فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.

فقال: انظر فيما قلت.

فلما كان السحر، ارتحل الحسين (عليه السلام) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتا فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟

قال: بلى.

قال فما حداك على الخروج عاجلاً؟

فقال: أتاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد ما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلاً.

فقال له ابن الحنفية: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟

قال: فقال له: قد قال لي (صلى الله عليه وآله) إن الله قد شاء أن يراهنّ سبايا، وسلّم عليه ومضى.

نحو العراق[20]

جاء عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير إلى الحسين (عليه السلام) عند ما عزم على الخروج فأشارا عليه بالإمساك، فقال لهما:

ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه.

قال: فخرج ابن عباس وهو يقول: واحسيناه، ثم جاء عبد الله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من القتل والقتال.

فقال له: يا أبا عبد الرحمان أما علمت ان من هوان الدنيا على الله ان رأس يحيى بن زكريّا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، أما تعلم ان بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً فلم يعجّل الله عليهم بل أمهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتّق الله يا أبا عبد الرحمان، ولا تدعنّ نصرتي.

مع الفرزدق[21]

روي عن الفرزدق الشاعر انه قال: حججت بامّي في سنة ستّين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي (عليه السلام) خارجاً من مكة مع أسيافه وأتراسه فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي (عليه السلام)، فأتيته وسلّمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وامّي يابن رسول الله ما أعجلك عن الحج؟ فقال:

لولا اعجّل لاخذت، ثم قال لي: من أنت؟

قلت: امرؤ من العرب، فلا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك.

ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟

فقلت: الخبير سألت قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء.

فقال: صدقت لله الأمر (من قبل ومن بعد) وكل يوم (ربّنا) هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحب ونرضى فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد من كان الحق نيّته، والتقوى سريرته.

فقلت له: أجل بلغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرّك راحلته وقال: السلام عليك، ثم افترقنا.

في تنعيم[22]

سار الحسين (عليه السلام) نحو العراق حتى مرّ بالتنعيم، فلقي هناك عيراً تحمل هديّة قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية، فأخذ (عليه السلام) الهدية لأنّ حكم امور المسلمين إليه، وقال لأصحاب الجمال (الإبل، خ ل):

من أحبّ منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنّا معه صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا (من مكاننا هذا) أعطيناه كراه يقدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون.

أبناء الرحيل والشهادة[23]

روي ان الحسين (عليه السلام) لما عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال:

الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله وصلى الله على رسوله وسلّم، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة وما أو لهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأنّ منّ أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً ﻻ محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّبهم عينه، وينجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله.

في ذات عرق[24]

ثم سار الحسين (عليه السلام) حتى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها؟ فقال: خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني اميّة. فقال:

صدق أخوبني أسد إنّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

في الثعلبية[25]

قال الراوي: ثم سار الحسين (صلوات الله عليه) حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثم استيقظ فقال:

قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة.

فقال له ابنه علي: يا أبه أفلسنا على الحقّ؟

فقال: بلى يا بنيّ والله الذي إليه مرجع العباد.

فقال: يا أبه إذن ﻻ نبالي بالموت.

فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله يا بنيّ خير ما جزا ولداً عن والده، ثم بات (عليه السلام) في المواضع المذكور.

فلمّا أصبح إذا برجل من الكوفة يكنّى أباهرّة الأزدي، قد أتاه فسلّم عليه ثم قال: يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

فقال الحسين (عليه السلام): ويحك يا أبا هرّة إنّ بني اميّة أخذوا مالي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية وليلبسنّهم الله ذلاّ شاملاً وسيفاً قاطعاً وليسلطنّ الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة، فحكمت في أموالهم ودمائهم.

منطقة أجأ العسكرية[26]

قال الطرمّاح بن حكم: لقيت حسيناً (عليه السلام) وقد أمترت لأهلي ميرة فقلت: اذكّرك في نفسك ﻻ يغرّنك أهل الكوفة، فوالله لئن دخلتها لتقتلنّ وإنّي لأخاف أن ﻻ تصل إليها، فإن كنت مجمعاً على الحرب فانزل أجأ فانّه جبل منيع والله ما نالنا فيه ذلّ قطّ، وعشيرتي يرون جميعاً نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم. فقال:

إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن اخلفهم فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإن يمكن ما لابدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله.

مع ابن مطيع العدوي[27]

ثم أقبل الحسين (عليه السلام) من الحاجز يسير نحو الكوفة فانتهى إلى ماء من مياه العرب فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل به، فلمّا رأى الحسين (عليه السلام) قام إليه فقال: بأبي أنت وأمّي يابن رسول الله ما اقدمك واحتمله فأنزله. فقال له الحسين (عليه السلام):

كان من موت معاوية ما قد بلغك فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.

في الخزيمية[28]

لمّا نزل الحسين (عليه السلام) الخزيميّة[29] أقام بها يوماً وليلة، فلمّا أصبح أقبلت إليه اخته زينب، فقالت: يا أخي ألا اخبرك بشيء سمعته البارحة؟ فقال الحسين (عليه السلام): وما ذاك؟ فقالت: خرجت في بعض الليل فسمعت هاتفاً يهتف وهو يقول:

ألا يا عين فاحتفلي بجهد *** ومن يبكي على الشهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا *** بمقدار إلى إنجاز وعد

فقال لها الحسين (عليه السلام):

يا اختاه كل الذي قضى فهو كائن.

في منزلة زبالة[30]

أتى الحسين (عليه السلام) خبر مسلم في زبالة ثمّ إنّه سار قاصداً لما دعاه الله إليه فلقيه الفرزدق الشاعر فسلّم عليه وقال: يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته؟ قال: فاستعبر الحسين (عليه السلام) باكياً ثم قال:

رحم الله مسلماً فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وجنّته ورضوانه أما انّه قد مضى ما عليه، وبقي ما علينا، ثمّ أنشأ يقول:

فإن تكن الدنيا تعدّ نفيسة *** فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل

وإن تكن االأبدان للموت انشأت *** فقتل امرء بالسيف في الله أفضل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً *** فقلّة حرص المرء في السعي أجمل

وإن تكن الأموال للترك جمعها *** فما بال متروك به المرء يبخل

ثم قال: اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، انّك على كل شيء قدير.

ثم أخرج للناس كتاباً فقرأ عليهم فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف، في غير حرج، ليس عليه ذمام.

فتفرّق الناس عنه، وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه.

في بطن العقبة[31]

بات الحسين (عليه السلام) وأصحابه في منزل زبالة فلما كان السحر أمر أصحابه: فاستقواماء وأكثروا، ثم ساروا حتى مرّ ببطن العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان فسأله: أين تريد؟ فقال له الحسين (عليه السلام): الكوفة. فقال الشيخ: انشدك لمّا انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتل ووطّأوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي ﻻ أرى لك أن تفعل. فقال له:

يا عبد الله ليس يخفى عليّ الرأي ولكنّ الله تعالى ﻻ يغلب على أمره.

ثم قال (عليه السلام): والله ﻻ يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم، حتى يكونوا أذلّ فرق الامم.

في شراف وذي حسم[32]

ثم سار الحسين (عليه السلام) من بطن العقبة حتى نزل شراف، فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ثم سار منها حتى انتصف النهار فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال له الحسين (عليه السلام):

الله أكبر، لِمَ كبّرت؟

قال: رأيت النخل.

فقال له جماعة من أصحابه: والله إنّ هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قطّ.

فقال له الحسين (عليه السلام): فما ترونه؟

قالوا: نراه والله آذان الخيل.

قال: أنا والله أرى ذلك.

ثم قال (عليه السلام): ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهرنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟

فقلنا له: بلى هذا ذو حسم إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيّناها وعدلنا فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنّ أسنّتهم اليعاسيب وكأنّ راياتهم أجنحة الطير، فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه، وأمر الحسين (عليه السلام) بأبنيته فضربت خيمة، وجاء القوم زهاء ألف فارس، مع الحرّ بن يزيد التميمي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين (عليه السلام) في حرّ الظهيرة، والحسين (عليه السلام) وأصحابه معتمّون مقلّدون أسيافهم.

فقال الحسين (عليه السلام) لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً، ففعلوا وأقبلوا يملأون القصاع والطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر، حتى سقوها كلها.

فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسين (عليه السلام) ما بي وفرسي من العطش قال: أنخ الراوية، والراوية عندي السقاء.

ثم قال: يابن الأخ أنخ الجمل، فأنخته.

فقال: اشرب، فجعلت كلّها شربت سال الماء من السقاء.

فقال الحسين (عليه السلام): اخنث السقاء أي اعطفه فلم أدر كيف أفعل فقام خنثه فشربت وسقيت فرسي.

مع الحرّ الرياحي[33]

كان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدم الحرّبين يديه في ألف فارس يستقبل بهم حسيناً، فلم يزل الحر موافقاً للحسين (عليه السلام) حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين (عليه السلام) الحجاج بن مسروق أن يؤذّن، فلمّا حضرت الإقامة، خرج الحسين (عليه السلام) في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

أيّها الناس إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم أن: اقدم علينا فإنّه ليس لنا إمام لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ.

فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فاعطوني ما اطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.

فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة، فقال للمؤذّن: أقم، فأقام الصلاة، فقال للحرّ: أتريد أن تصلّي بأصحابك؟

قال: ﻻ، بل تصلّ أنت و نصلّ بصلاتك.

فصلّى بهم الحسين (عليه السلام) ثم دخل فاجتمع إليه أصحابه، وأنصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، واجتمع إليه جماعة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه ثم أخذ كل رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلّها.

الأولى بالقيادة[34]

فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين بن علي (عليه السلام) أن يتهيّأوا للرّحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم الحسين (عليه السلام) وقام فصلّى (بالقوم) ثم سلّم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وقال:

أما بعد: أيّها الناس فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم.

فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر!

فقال الحسين (عليه السلام) لبعض أصحابه: يا عقبة بن سمعان اخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم إليّ فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه.

فقال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد امرنا إذا نحن لقيناك ألاّ نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله.

فقال له الحسين (عليه السلام): الموت أدنى إليك من ذلك.

ثم قال لأصحابه: قوموا فاركبوا، فركبوا وانتظروا حتى ركب نساؤهم، فقال لأصحابه: انصرفوا، فلمّا ذهبوا لينصرفوا، حال القوم بينهم وبين الإنصراف.

فقال الحسين (عليه السلام) للحرّ: ثكلتك امك ما تريد؟

فقال له الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر امّه بالثكل كائناً من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر امّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.

فقال له الحسين (عليه السلام): ما تريد؟

قال: اريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله.

فقال: إذاً والله ﻻ أتّبعك.

قال: إذاً والله ﻻ أدعك، فترادّا القول ثلاث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: انّي لم اومر بقتالك إنّما امرت أن ﻻ افارقك حتى اقدمك الكوفة فإذا أبيت فخذ طريقاً ﻻ يدخلك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة تكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك فخذ ههنا.

الحياة عقيدة وجهاد[35]

سار الحسين (عليه السلام) وسار الحرّ في أصحابه يسايره، وهو يقول له: يا حسين انّي اذكّرك الله في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ، فقال له الحسين (عليه السلام):

أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتول، فقال:

سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلماً

وواسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبوراً وخالف مجرماً

فإن عشت لم أندم وإن مت لم الم *** كفى بك ذلاّ أن تعيش وترغما

ثم أقبل الحسين (عليه السلام) على أصحابه وقال: هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة؟

فقال الطرمّاح: نعم يابن رسول الله أنا أخبر الطريق.

فقال الحسين (عليه السلام): سر بين أيدينا فسار الطرمّاح واتّبعه الحسين (عليه السلام) وأصحابه وجعل الطرمّاح يرتجز ويقول:

يا ناقتي ﻻ تذعري من رجري *** وامضي بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخير سفر *** آل رسول الله آل الفخر

السادة البيض الوجوه الزهر *** الطاعنين بالرماح السمر

الضاربين بالسيوف البتر *** حتى تحلّى بكريم الفخر

الماجد الجدّ رحيب الصدر *** أثابه الله لخير أمر

عمّره الله بقاء الدهر

يا مالك النفع معاً والنصر *** أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطغاة من بقايا الكفر *** على اللّعينين سليلي صخر

يزيد ﻻ زال حليف الخمر *** وابن زياد عهر بن العهر

في قصر بني مقاتل[36]

أخذ الحرّ يسير بأصحابه ناحية والحسين (عليه السلام) في ناحية اخرى، حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات ثم مضى الحسين (عليه السلام) حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به فإذا هو بفسطاط مضروب، فقال:

لمن هذا؟

فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي.

قال: ادعوه إليّ، فلما أتاه الرسول قال له: هذا الحسين بن علي (عليه السلام) يدعوك.

فقال عبيد الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما اريد أن أراه ولا يراني.

فأتاه الرسول فأخبره، فقام إليه الحسين (عليه السلام) فجاء حتى دخل عليه وسلّم وجلس ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد الله بن الحرّ تلك المقالة واستقاله ممّا دعاه إليه.

فقال له الحسين (عليه السلام): فإن لم تكن تنصرنا فاتّق (الله) أن تكون ممّن يقاتلنا، فو الله ﻻ يسمع واعيتنا أحد ثم ﻻ ينصرنا إلاّ هلك.

فقال له: أمّا هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله تعالى.

ثم قام الحسين (عليه السلام) من عنده حتى دخل رحله، ولمّا كان في آخر اللّيل أمر فتيانه بالإستقاء من الماء، ثم أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل.

خفقة على الأعتاب[37]

قال عقبة بن سمعان: فسرنا من قصر بني مقاتل مع الحسين (عليه السلام) ساعة، فخفق (عليه السلام) وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول:

إنا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثة فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال: ممّ حمدت الله واسترجعت؟

فقال: يا بنيّ انّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نعمت إلينا.

فقال له: يا أبة ﻻ اراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟

قال: بلى والّذي إليه مرجع العباد.

قال: فإنّنا إذاً ﻻ نبالي أن نموت محقّين.

فقال له الحسين (عليه السلام): جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداّ عن والده.

على مشارف نينوى[38]

لمّا أصبح الحسين (عليه السلام) وهو مع أصحابه في طريقه بعد قصر بني مقاتل نزل وصلّى بهم الغداة ثمّ عجّل الركوب وأخذ يساير بأصحابه يريد أن يفرّقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيردّه وأصحابه، فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه، فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى... فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقال له الحسين (عليه السلام):

دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو هذه، يعني نينوى والغاضرية أو هذه يعني شفيّة، فأبى عليه الحر ذلك.

فقال زهير بن القين للحسين (عليه السلام): إنّي والله ﻻ أرى أن يكون بعد الذي ترون إلاّ أشدّ ممّا ترون، يابن رسول الله إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما ﻻ قبل لنا به.

فقال الحسين (عليه السلام): ما كنت لأبدءهم بالقتال، ثم نزل.

قال الراوي: فقام الحسين (عليه السلام) خطيباً في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه وذكر جدّه فصلّى عليه، ثم قال:

إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرّت حذاء ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق ﻻ يعمل به، وإلى الباطل ﻻ يتناهى، عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً فإنّي ﻻ أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً.

على أرض كربلاء[39]

ثم رجل الحسين (عليه السلام) من موضعه حتى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلاء وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستّين ثم اقبل على أصحابه، فقال:

الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون.

ثم قال: أهذه كربلاء؟

فقالوا: نعم يابن رسول الله.

فقال: هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا ومحطّ رحالنا ومقتل رجالنا ومسفك دمائنا.

قال: فنزل القوم وأقبل الحرّ حتى نزل حذاء الحسين (عليه السلام) في ألف فارس ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين (عليه السلام) بكربلاء.

وكتب ابن زياد لعنه الله إلى الحسين صلوات الله عليه: أما بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن ﻻ أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك، باللّطيف الخبير، أوترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام.

فلما ورد كتابه على الحسين (عليه السلام) وقرأه رماه من يده، ثم قال: ﻻ أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال له الرسول: جواب الكتاب أبا عبد الله؟

فقال: ماله عندي جواب لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب.

لقاء بين الخير والشرّ[40]

ثم أرسل الحسين (عليه السلام) إلى عمر بن سعد بعد وصوله وعسكره إلى كربلاء من يقول له:

أنّي اريد أن اكلّمك فالقني اللّيلة بين عسكري وعسكرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين (عليه السلام) في مثل ذلك فلمّا التقيا أمر الحسين (عليه السلام) أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه أخوه العبّاس وابنه عليّ الأكبر وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا عنه وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال له الحسين (عليه السلام): ويلك يابن سعد أما تتّقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى.

فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري!

فقال الحسين (عليه السلام): أنا أبنيها لك.

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي،

فقال الحسين (عليه السلام): أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

فقال: لي عيال وأخاف عليهم.

ثم سكت ولم يجبه إلى شيء فانصرف عنه الحسين (عليه السلام) وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلاً ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله انّي لأرجو أن ﻻ تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً.

فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البرّ، مستهزءاً بذلك القول.

على أعتاب الشهادة[41]

نهض عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السلام) عشية الخميس لتسع مضين من المحرّم ثم نادى: يا خيل الله اركبي، وبالجنّة أبشري، فركب الناس حتى زحف نحوهم بعد العصر والحسين (عليه السلام) جالس أمام بيته محتبياً بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت اخته الضجّة فدنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه فقال:

اني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الساعة في المنام، وهو يقول لي: انّك تروح إلينا، فلطمت اخته وجهها، ونادت بالويل.

فقال لها الحسين (عليه السلام): ليس لك الويل يا اخيّة، اسكتي رحمك الله.

ثم قال له العباس بن علي: يا أخي أتاك القوم فنهض ثم قال: يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم؟

فأتاهم العبّاس في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس: ما بدا لكم وما تريدون؟

قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننا جزكم.

فقال: فلا تعجلوا حتى ارجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.

فوقفوا وقالوا: القه فاعلمه ثم القنا بما يقول لك.

فانصرف العبّاس راجعاً يركض إلى الحسين (عليه السلام) يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين (عليه السلام).

فجاء العبّاس إلى الحسين (عليه السلام) فأخبره بما قال القوم.

فقال (عليه السلام): ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلّ لربّنا اللّيلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت احبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار.

فمضى العبا إلى القوم، ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنّا قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيد الله ابن زياد، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم، وانصرف، فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء.

قال عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم وأنا اذ ذاك مريض، فسمعت أبى يقول لأصحابه: اُثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضّراء اللّهمّ إنّي أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة وعلّمتنا القرآن وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد: فإنّي ﻻ أعلم أصحاباً أو فى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي أظنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وانّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّ ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً.

فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل ذلك لنبقى بعدك؟ ﻻ أرانا الله ذلك أبداًُ، بدأهم بهذا القول العباس بن علي (عليه السلام) وأتبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثله ونحوه.

فقال الحسين (عليه السلام): يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم.

قالوا: سبحان الله فما يقول الناس؟ يقولون إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، ﻻ والله ما نفعل (ذلك) ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلّي عنك، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله حتى أطعن في صدورهم برمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة والله ﻻ نخلّيك حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك.

أما والله لو قد علمت أنّي اقتل ثم احييى ثم احرق ثم احييى ثم اذري يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقي حمامي دونك، فكيف ﻻ أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي ﻻ انقضاء لها أبداً.

وقام زهير بن القين رحمه الله فقال: والله لوددت أنّي قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى اقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله عزّ وجلّ يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.

وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد فجزّاهم الحسين (عليه السلام) خيراً.

وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر الري.

فقال: عند الله احتسبه ونفسي ما كنت احبّ أن يؤسر وأنا أبقى بعده.

فسمع الحسين (عليه السلام) قوله، فقال: رحمك الله أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك.

فقال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك.

قال: فاعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.

قال الرواي: وبات الحسين (عليه السلام) وأصحابه تلك اللّيلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم _ أي التحق بهم ـ في تلك اللّيلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً.

الإمام ينعى نفسه[42]

قال علي بن الحسين (عليه السلام): اني جالس في تلك العشية التي قتل ابي في صبيحتها وعندي عمّتي زينب تمرّضني إذ اعتزل أبي في خباء له، وعنده جون مولى ابي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وابي يقول:

يا دهر افّ لك من خليل *** كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل *** والدهر ﻻ يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل *** وكلّ حي سالك سبيلي

فأعادها مرّتين، أو ثلاثاً حتى فهمتها وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أنّ البلاء قد نزل، وأمّا عمّتي فلمّا سمعت ما سمعت وهي امرأة ومن شأن النساء الرقّة والجزع، فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه، فقالت: واثكلاه ليت الموت أعد مني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة، وأبي علي وأخي الحسن (عليه السلام)، يا خليفة الماضين وثمال الباقين، فنظر إليها الحسين (عليه السلام) فقال لها:

يا اخيّة ﻻ يذهبنّ حلمك الشيطان! وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا لنام[43].

فقالت: ياويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصاباً؟ فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي ثم لطمت وجهها، وهوت إلى جيبها فشقّته وخرّت مغشياً عليها.

فقام إليها الحسين (عليه السلام) فصبّ على وجهها الماء وقال لها: ايهاً يا اختاه اتّقى الله وتعزّي بعزاء الله، واعلمي أنّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء ﻻ يبقون، وانّ كل شيء هالك إلاّ وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده، جدي خير مني وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولكلّ مسلم برسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة، فعزّاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أخيّة إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي ﻻ تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدّعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي.

ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم، وعن ايمانهم، وعن شمائلهم قد حفّت بهم، إلاّ الوجه الذي يأتيهم منه عدوّهم، ورجع (عليه السلام) إلى مكانه فقام اللّيل كلّ يصلّي ويستغفر ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابه كذلك يصلّون ويدعون ويستغفرون.

شهيد آل محمد (صلى الله عليه وآله)[44]

لما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ فقال:

أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟

فقالوا: وما الذي رأيت يابن رسول الله؟

فقال: رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني وفيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ وأظنّ أنّ الّذي يتولّى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إنّي رأيت بعد ذلك جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بنيّ أنت شهيد آل محمد، واقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيع الأعلى فليكن إفطارك عندي اللّيلة، عجّل ولا تؤخّر! فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت وقد أزف الأمر واقترب الرحيل من هذه الدنيا ﻻ شكّ في ذلك.

قبل نشوب القتال[45]

تقدّم الحسين (عليه السلام) صبيحة يوم عاشوراء حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة فقال:

الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته والشقيّ من فتنته، فلا تغرّنكم هذه الدنيا، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها وتخيّب طمع من طمع فيها، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنعم الربّ ربّنا، وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ثم إنّكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان، فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين.

فقال عمر: ويلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه، والله لو وقف فيكم هكذا يوماً جديداً لما انقطع ولما حصر، فكلّموه فتقدّم شمر لعنه الله فقال: يا حسين ما هذا الذي تقول؟ أفهمنا حتّى نفهم.

فقال: أقول: اتّقوا الله ربّكم ولا تقتلوني، فإنّه ﻻ يحلّ لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فإني ابن بنت نبيّكم.

تعرفه القيادة[46]

ثمّ قام الحسين (عليه السلام) متوكّياً على سيفه، فنادى بأعلا صوته، فقال:

أنشدكم الله هل تعرفوني؟

قالوا: نعم أنت ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسبطه.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ امّي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله)؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ ابي علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الأمّة إسلاماً؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللهّ هل تعلمون أنّ سيّد الشهداء حمزة عمّ أبي؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: فأنشكم الله هل تعلمون أنّ جعفر الطيّار في الجنّة عمّى؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول الله وأنا متقلّده؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أنّ عليّاً كان أوّلهم إسلاماً وأعلمهم علماً وأعظمهم حلماً وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة؟

قالوا: أللّهمّ نعم.

قال: فبم تستحلون دمي؟ وأبي الذائد عن الحوض غداً يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد جدّي يوم القيامة.

قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً.

فأخذ الحسين (عليه السلام) بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة ثم قال: اشتدّ غضب الله على اليهود حين قالوا: عزير ابن الله واشتدّ غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله واشتدّ غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله، واشتدّ غضب الله على قوم قتلوا نبيّهم، واشتدّ غضب الله على هذه العصابة الّذين يريدون قتل ابن نبيّهم.

إبلاغ وإنذار[47]

دعا الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء براحلته فركبها ونادى بأعلا صوته:

يا أهل العراق ـ وجلّهم يسمعون ـ فقال: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليّ، وحتّى أعذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثمّ ﻻ يكن أمركم عليكم غمّة ثمّ اقضوا إليّ ولا تنظرون إنّ وليّي الله الّذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

ثمّ حمد الله وأثنى عليه وذكر الله تعالى بما هو أهله، وصلّى على النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلى ملائكته و (على) أنبيائه، فلم يسمع متكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه.

ثمّ قال: أمّا بعد فانسبوني فانظروا من أنا، ثمّ راجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكم، وابن وصيّه وابن عمّه؟ وأوّل المؤمنين المصدّق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بما جاء به من عند ربّه؟ أو ليس حمزة سيّد الشهداء عمّي؟ أو ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجناحين عمّي؟ أولم يبلغكم ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ما تعمّدت كذباً منذ علمت أنّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعديّ وزيد بن أرقم وأنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لي ولأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟

فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول.

فقال له حبيب بن مظاهر: والله إنّي ﻻ أراك تعبد الله على سبعين حرفاً وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول قط طبع الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين (عليه السلام): فإن كنتم في شكّ من هذا أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري فيكم، ولا في غيركم ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص جراحة؟ فأخذوا ﻻ يكلّمونه فنادى: يا شبث بن ربعي يا حجّار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن الحارث ألم تكتبوا إليّ أن قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة؟

فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن أنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يُروك إلاّ ما تحبّ.

فقال له الحسين (عليه السلام): لا والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد.

ثم نادى: يا عباد الله إنّي عذت بربّي وربّكم أن ترجمون، أعوذ بربّي وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب.

ثم إنّه أناخ راحلته وأمر عُقبه بن سمعان فعقلها، فأقبلوا يزحفون نحوه.

الأسلوب الحكيم[48]

لمّا عبأ عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين بن علي (عليه السلام) ورتّبهم، وأقام الرايات في مواضعها، وعبّأ أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لأصحاب القلب: اثبتوا. وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج (عليه السلام) حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم:

ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إليَّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلّكم عاص لأمري غير مستمع قولي فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟ فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم وقالوا: أنصتوا له.

فقام الحسين (عليه السلام) ثم قال: تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً، أفحين استصرختمونا ولهين متحيَّرين فأصرختكم مؤدّين مستعدّين، سللتم علينا سيفاً في رقابنا، وحششتم علينا نار الفتن خباها عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم ويداً عليهم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه، من غير حدث كان منّا ولا رأي تفيل لنا، فهلاّ ـ لكم الويلات ـ إذ كرهتمونا وتركتمونا تجهّزتموها والسيف لم يشهر، والجأش طامن، والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب، وتداعيتم كتداعي الفراش، فقبحاً لكم، فإنّما أنتم من طواغيت الأمّة وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرِّفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمّة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين.

وأنتم ابنَ حرب وأشياعه تعتمدون، وإيّانا تخاذلون، أجل والله الخذل فيكم معروف، وشجّت عليه عروقكم، وتوارثته أصولكم وفروعكم، وثبتت عليه قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شيء سخناً للناصب وأُكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الإيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً فأنتم والله هم.

ألا إنَّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حميّة ونفوس أبيّة، لا تؤثر مصارع اللّئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إنّي زاحف بهذه الأسرة، على قلّة العتار، وخذلة الأصحاب، ثمّ أنشأ يقول:

فإن نَهزم فهزّامون قدماً***وإن نُهزم فغير مهزَّمينا

وما إن طبنا جبن ولكن***منايانا ودولة آخرينا

ألا! ثمَّ لا تلبثون بعدها إلاّ كريثَ ما يركب الفرس، حتى تدور بكم الرحى، عهد عهده إليّ أبى عن جدّي فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثمَّ كيدوني جميعاً فلا تنظرون إنّي توكّلت على الله ربي وربكم ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها إنَّ ربي على صراط مستقيم.

اللهمَّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبّرة، ولا يدع فيهم أحداً إلا (قتله) قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم، فإنهم غرّونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

ثمّ قال: أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر! فدعي له، وكان كارهاً لا يحبّ أن يأتيه فقال: يا عمر أنت تقتلني؟ تزعم أن يولّيك الدعيّ بن الدعيّ بلاد الريّ وجرجان، والله لا تتهنّأ بذلك أبداً، عهداً معهوداً، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأنّي برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة، يتراماه الصبيان ويتّخذونه غرضاً بينهم.

فاغتاظ عمر من كلامه، ثمّ صرف بوجهه عنه، ونادى بأصحابه: ما تنتظرون به؟ احملوا بأبجمعكم إنّما هي أكلة واحدة، ثم إنَّ الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه، وعبّأ أصحابه.

مع شمر[49]

أقبل القوم يوم عاشوراء يجولون حول بيت الحسين (عليه السلام)، فيرون الخندق في ظهورهم والنار تضطرم في الطب والقصب الذي كان القي فيه، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلا صوته: يا حسين أتعجّلت النار قبل يوم القيامة؟ فقال الحسين (عليه السلام):

من هذا كأنّه شمر بن ذي الجوشن؟ فقالوا له: نعم، فقال له: يابن راعية المعزى أنت أولى بها صليّاً، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (عليه السلام) من ذلك.

فقال له: دعني حتى أرميه فإنه الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبّارين، وقد أمكن الله منه.

فقال له الحسين (عليه السلام): لاترمه فإنّي أكره أن أبدأهم بقتال.

الجندي التائب[50]

لمّا رأى الحرّ ان القوم في يوم عاشوراء قد صممَّوا على قتال الحسين (عليه السلام) ولم تؤثر فيهم مواعظه وما عرضه عليهم ضرب فرسه ولحق الحسين (عليه السلام) فقال له: جعلت فداك يابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضته عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت مثل الذي ركبت، فإنّي تائب إلى الله ممّا صنعت، فترى لي من ذلك توبة؟ فقال له الحسين (عليه السلام):

نعم يتوب الله عليك، فانزل.

قال: فأنا لك فارساً خير منّي راجلاً اقاتلهم لك على فرسي ساعة، وإلى النزول آخر ما يصير أمري.

فقال له الحسين (عليه السلام): فاصنع يرحمك الله ما بدالك.

فاستقدم أمام الحسين (عليه السلام) فقال: يا أهل الكوفة لامّكم الهبل والعبر أدعوتم هذا العبد الصالح حتّى إذا جاءكم أسلمتموه؟ وزعمتم أنّكم قاتلو أنفسكم دونه ثمّ عدوتم عليه لتقتلوه؟ وأمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلّ جانب لتمنعوه التوجّه في بلاد الله العريضة، فصار كالأسير في أيديكم، ﻻ يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضرّاً وجلأتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصارى والمجوس، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهاهم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذرّيته، لاسقاكم الله يوم الظمأ.

فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين (عليه السلام).

عند نشوب الحرب[51]

لما عبأ عمر بن سعد أصحابه نادى: يادريد ادن رايتك فأدناها، ثم وضع سهماً في كبد قوسه ثم رمي وقال: اشهدوا أنّي أوّل من رمى، فرمى أصحابه كلّهم فما بقي من أصحاب الحسين (عليه السلام) إلاّ أصابه من سهامهم، قيل: فلمّا رموهم هذه الرمية، قلّ أصحاب الحسين (عليه السلام) وقتل في هذه الحملة خمسون رجلاً، فقال (عليه السلام) لأصحابه:

قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابدّ منه، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم. فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة، حتى قتل من أصحاب الحسين (عليه السلام) جماعة.

قال: فعندها ضرب الحسين (عليه السلام) بيده إلى لحيته وجعل يقول:

اشتد غضب الله تعالى على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضب الله تعالى على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيّهم، أما والله ﻻ اجيبهم إلى شيء ممّا يريدون حتى ألقي الله تعالى، وأنا مخضب بدمي، ثم صاح (عليه السلام): أما من مغيث يغيثنا لوجه الله؟ أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟

أنت الحرّ[52]

لمّا قتل الحرّ رحمه الله، احتمله أصحاب الحسين (عليه السلام) حتى وضعوه بين يدي الحسين (عليه السلام) وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه، ويقول:

أنت الحرّكما سمّتك امّك، وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحرّ في الآخرة.

ورثاه علي بن الحسين (عليه السلام):

لنعم الحرّ حرّ بني رياح *** صبور عند مختلف الرماح

ونعم الحرّ إذ نادى حسيناً *** فجاد بنفسه عند الصياح

فيا ربّي أضفه في جنان *** وزوّجه مع الحور الملاح

الترحيب بالحرّ[53]

لمّا التحق الحر بمعسكر الحسين (عليه السلام) قال للحسين (عليه السلام): لمّا وجّهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي: أبشر يا حرّ بخير، فالتفتّ فلم أر أحداً، فقلت: والله ما هذه بشارة وأنا أسير إلى الحسين (عليه السلام)، وما احدّث نفسي باتّباعك، فقال (عليه السلام):

لقد أصبحت أجراً وخيراً.

الإمام يشيّع أصحابه[54]

لمّا كان يوم عاشوراء ونشب القتال تسابق أصحاب الحسين (عليه السلام) إلى القتال، فكان كل من أراد الخروج ودّع الحسين (عليه السلام) وقال: السلام عليك يابن رسول اللهّ فيجيبه:

وعليك السلام ونحن خلفك، ويقرأ (عليه السلام): (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً)[55].

تتمة

[1] بحار الأنوار 32/405: عن كتاب صفين:...

[2] الإحتجاج 2/ 18 ـ 19:...

[3] مناقب ابن شهر آشوب 4/65: كان الحسين (عليه السلام) يقول:...

[4] كشف الغمّة 2/ 207 ـ 208:....

[5] كامل الزيارات 108، ب 36، ح 4: حدثني أبي رحمه الله، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن موسى، عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الحسين (عليه السلام):...

[6] بحار الأنوار 44/ 312 و 325:...

[7] أمالي الصدوق 131، المجلس 30، ضمن ح 1:...

[8] الأسراء: 71.

[9] الشورى: 7.

[10] أمالي الصدوق 131، المجلس 30، ضمن ح 1:...

[11] اللهوف 10:....

[12] بحار الأنوار 44/327:...

[13] بحار الأنوار 44/ 328:...

[14] بحار الأنوار 44/329 ـ 330:...

[15] اللّهوف 28 ـ 30: ذكر المفيد محمد بن محمد بن النعمان بإسناده إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال:...

[16] آل عمران: 154.

[17] بحار الأنوار 44/ 331 ـ 332:...

[18] اللّهوف 26 ـ 27 ودلائل الإمامة 74: روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن الأعمش،...

[19] اللّهوف 27 ـ 28: عن محمد بن داود القمي، بالإسناد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:...

[20] اللّهوف 13 ـ 14:...

[21] إرشاد المفيد 218 ـ 219:...

[22] اللّهوف 30، ومثير الأحزان 42:...

[23] كشف الغمة 2/203 ـ 204، واللّهوف 26:...

[24] اللّهوف 30 ومثير الأحزان 42:...

[25] اللّهوف 30 ـ 31:...

[26] مثير الأحزان 39 ـ 40:...

[27] إرشاد المفيد 220:...

[28] بحار الأنوار 44/ 372، عن مناقب ابن شهر آشوب:...

[29] الخزيمية: منزلة للحاج بين الأجفر والثعلبيّة.

[30] بحار الأنوار 44/374، عن اللّهوف والإرشاد:...

[31] إرشاد المفيد 223:...

[32] إرشاد المفيد 223 ـ 224:...

[33] إرشاد المفيد 224:...

[34] إرشاد المفيد 224 ـ 225:...

[35] إرشاد المفيد 225:...

[36] إرشاد المفيد 226:...

[37] إرشاد المفيد 226:...

[38] بحار الأنوار 44/380 ـ 381، عن إرشاد المفيد واللّهوف:...

[39] بحار الأنوار 44/383، عن مناقب ابن شهر آشوب:...

[40] بحار الأنوار 44/ 388 ـ 389:....

[41] إرشاد المفيد 230 ـ 231، واللّهوف 40 ـ 41:...

[42] إرشاد المفيد 232:....

[43] القطا: جمع قطاة وهي طائر في حجم الحمام صوته قطاقطا. وهذا مثل. قال الميداني: نزل عمرو بن مامة على قوم من مراد، فطر قوه ليلاً فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأته طائرة، فنبهت المرأه زوجها فقال: انما هي القطا، فقالت: لو ترك القطا ليلاً لنام. يضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته، وقيل غير ذلك. راجع مجمع الأمثال ج 2 ص 174 تحت الرقم 3231.

[44] بحار الأنوار 45/3، عن المناقب:...

[45] بحار الأنوار 45/5 ـ 6:....

[46] أمالي الصدوق 135، المجلس 30، ضمن ح 1:...

[47] إرشاد المفيد 234 ـ 235:...

[48] بحار الأنوار: ج 45 ص 8 ـ 10، عن المناقب: بإسناده، عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جدّه، عن عبد الله قال:...

[49] إرشاد المفيد 233 ـ 234:....

[50] إرشاد المفيد 235 ـ 236:...

[51] اللّهوف 43 ـ 44:...

[52] بحار الأنوار 45/14، عن المناقب:...

[53] مثير الأحزان 59 ـ 60:...

[54] مناقب ابن شهر آشوب 4/100:...

[55] الأحزاب: 23.