الفهرس

موسوعة الكلمة

الصفحة الرئيسية

 

أوّل شهيدة في كربلاء[1]

لمّا برز وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي وقاتل، قطعت يداه، فخرجت امرأته تحرضه على القتال وقد أخذت بيدها عموداً وأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وامي قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه، وقالت: لن أعود دون أن أموت معك. فقال الحسين (عليه السلام):

جزيتم من أهل بيتي خيراً! إرجعي إلى النساء رحمك الله.

فانصرفت، وجعل يقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.

قال: فذهب امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر، فأمر غلاماً له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها، وهي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين (عليه السلام).

السناء والجهاد[2]

انّ وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي كان نصرانيّاً فأسلم هو وامه على يدي الحسين (عليه السلام) فقتل في المبارزة أربعة وعشرين راجلاً واثني عشر فارساً ثم أخذ اسيراً فاتي به عمر بن سعد فقال: ما أشدّ صولتك؟ ثم أمر فضربت عنقه ورمي برأسه إلى عسكر الحسين (عليه السلام) فأخذت امه الرأس فقبّلته ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلاً فقتلته، ثم شدّت بعمود الفسطاط، فقتلت رجلين، فقال لها الحسين (عليه السلام):

إرجعي يا ام وهب أنت وابنك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّ الجهاد مرفوع عن النساء.

فرجعت وهي تقول: إلهي ﻻ تقطع رجائي.

فقال لها الحسين (عليه السلام):ـ ﻻ يقطع الله رجاك يا امّ وهب.

مع ابن الحجّاج[3]

لمّا اشتدّ القتال بين القوم دنا عمرو بن الحجّاج من أصحاب الحسين (عليه السلام) فقال: يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق الدين وخالف الإمام. فقال الحسين (عليه السلام):

يابن الحجّاج أعليّ تحرّض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين وأنتم ثبتّم عليه؟ والله لتعلمنّ أيّنا المارق من الدين، ومن هو أولى بصلى النار.

ثم حمل عمرو بن الحجّاج في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو وأصحابه وانقطعت الغبرة فإذا مسلم قد سقط على الأرض وبه رمق فمشى إليه الحسين (عليه السلام)، ومعه حبيب بن مظاهر. فقال له الحسين (عليه السلام):

رحمك الله يا مسلم (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً)[4] ثم دنا منه حبيب فقال: يعزّ عليّ مصرعك يا مسلم أبشر بالجنّة، فقال له قولاً ضعيفاً: بشّرك الله بخير.

فقال له حبيب: لولا أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليّ بكلّ ما أهمّك.

فقال مسلم: فإنّي اوصيك بهذا وأشار إلى الحسين (عليه السلام) فقاتل دونه حتّى تموت.

فقال حبيب: لأنعمتك عيناً.

ثم مات رضوان الله عليه.

انّي في الأثر[5]

لمّا احتدم القتال خرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين (عليه السلام) فأذن له فقاتل قتال الأبطال... وجمع بين سداد وجهاد، وكان ﻻ يأتي إلى الحسين (عليه السلام) سهم إلاّ اتّقاه بيده، ولا سيف إلاّ تلقّاه بمهجته، فلم يكن يصل إلى الحسين (عليه السلام) سوء حتى أثخن بالجراح، فالتفت إلى الحسين (عليه السلام) وقال: يابن رسول الله أوفيت؟ فقال:

نعم، أنت أمامي في الجنّة، فاقرأ رسول الله عنّي السلام، وأعلمه أنّي في الأثر، فقاتل حتّى قتل رضوان الله عليه.

الإمام والصلاة[6]

لمّا ارتفع نهار يوم عاشوراء ورأى أبو ثمامة الصيداوي كثرة القتلى قال للحسين (عليه السلام): يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله ﻻ تقتل حتّى اقتل دونك وأحبّ أن ألقي الله ربّ وقد صلّيت هذه الصلاة، فرفع الحسين (عليه السلام) رأسه إلى السماء وقال:

ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلّين، نعم هذا أوّل وقتها ثم قال: سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي.

فقال الحصين بن نمير: انّها ﻻ تقبل.

فقال حبيب بن مظاهر: ﻻ تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله وتقبل منك يا ختّار، فحمل عليه حصين بن نمير وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبّ[7] به الفرس ووقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه.

فقال الحسين (عليه السلام) لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله: تقدّما أمامي حتّى اصلّي الظهر، فتقدّما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتّى صلّى بهم صلاة الخوف.

أنت في إذن منّي[8]

ثم برزجون مولى أبي ذرّ الغفاري وكان عبداً أسود، فقال له الحسين (عليه السلام):

أنت في إذن منّ فإنّما تبعتنا طلباً للعافية، فلا تبتل بطريقنا.

فقال: يابن رسول الله أنا في الرخاء ألحسن قصاعكم، وفي الشدّة أخذلكم، والله انّ ريحي لمنتن، وإنّ حسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليّ بالجنّة فتطيب ريحي ويشرف حسبي، ويبيضّ وجهي؟ ﻻ والله ﻻ افارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم، ثم برز للقتال وهو ينشد ويقول:

كيف يرى الكفّار ضرب الأسود *** بالسيف ضرباً عن بني محمد

أذبّ عنهم باللّسان واليد *** أرجو به الجنّة يوم المورد

ثم قاتل حتى قتل، فوقف عليه الحسين (عليه السلام) وقال:

اللّهمّ بيّض وجهه، وطيّب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمّد.

فكان الناس يحضرون المعركة، ويدفنون القتلى، فوجدوا جوناً بعد أيّام يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عنه.

إنّا ﻻ حقون بك[9]

ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسين (عليه السلام): يا أبا عبد الله جعلت فداك قد هممت أن الحق باصحابك، وكرهت أن أتخلّف فأراك وحيداً بين أهلك قتيلاً، فقال له الحسين (عليه السلام):

تقدّم فإنّا ﻻ حقوق بك عن ساعة.

فتقدّم فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه.

إلى الجنّة[10]

وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين (عليه السلام) يقيه السهام والرماح والسيوف بوجهه ونحره، وأخذ ينادي: يا قوم انّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، مثل دأب قوم نوح وعاد، وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلماً للعباد، ويا قوم إنّي أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولّون مدبرين مالكم من الله من عاصم، يا قوم ﻻ تقتلوا حسيناً فيسحتكم الله بعذاب، وقد خاب من افترى. فقال له الحسين (عليه السلام):

يابن سعد انّهم قد استوجبوا العذاب حين ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك يشتمونك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين.

قال: صدقت جعلت فداك أفلا نروح إلى ربّنا فنلحق بإخواننا؟

فقال له: رح إلى ما هو خير لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملك ﻻ يبلى.

فقال: السلام عليك يابن رسول الله صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك وجمع بيننا وبينك في جنّته.

قال: آمين آمين، ثمّ استقدم فقاتل قتالاً شديداً فحملوا عليه فقتلوه رضوان الله عليه.

لمّا صرع زهير[11]

ثم برز زهير بن القين البجلّي وهو يقول:

أنا زهير وأنا ابن القين *** أذودكم بالسيف عن حسين

إنّ حسيناً أحد السبطين *** من عترة البرّ التقيّ الزّين

ذاك رسول الله غير المين *** أضربكم ولا أرى من شين

يا ليت نفسي قسمت قسمين

فقاتل حتّى قتل مأة وعشرين رجلاً فشدّ عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس التميمي فقتلاه. فقال الحسين (عليه السلام) حين صرع زهير:

ﻻ يبعدك الله يا زهير! ولعن قاتلك الذين مسخوا قردة وخنازير.

عند مصرع حبيب[12]

ثمّ برز حبيب بن مظاهر الأسديّ وهو يقول:

أنا حبيب وأبي مظهّر *** فارس هيجاء وحرب تسعر

وأنتم عند العديد أكثر *** ونحن أعلى حجّة وأظهر

وأنتم عند الوفاء أغدر *** ونحن أوفى منكم وأصبر

حقّاً وأنمى منكم وأعذر

وقاتل قتالاً شديداً وقال أيضاً:

اقسم لوكنّا لكم أعداداً *** أو شطركم ولّيتم الأكتادا

يا شرّ قوم حسباً وآدا *** وشرّهم قد علموا أنداداً

ثم حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع ونزل التميمي فاجتزّ رأسه فهدّ مقتله الحسين (عليه السلام)، فقال:

عند الله أحتسب نفسي وحماة أصحابي.

الجهاد ورضا الوالدين[13]

ثم خرج شابّ قتل أبوه في المعركة وكانت امّه معه، فقالت له امّه: اخرج يا بنيّ وقاتل بين يدي ابن رسول الله! فخرج، فقال الحسين (عليه السلام):

هذا شابّ قتل أبوه ولعلّ امّه تكره خروجه.

فقال الشابّ: امّي أمرتني بذلك، فبرز وهو يقول:

أميري حسين ونعم الأمير *** سرور فؤاد البشير النذير

عليّ وفاطمة والداه *** فهل تعلمون له من نظير؟

له طلعة مثل شمس الضحى *** له غرّة مثل بدر منير

وقاتل حتّى قتل وجزّ رأسه ورمي به إلى عسكر الحسين (عليه السلام) فحملت امّه رأسه، وقالت: أحسنت يا بنيّ يا سرور قلبي ويا قرّة عيني، ثمّ رمت برأس ابنها رجلاً فقتلته وأخذت عمود خيمته، وحملت عليهم وهي تقول:

أنا عجوز سيّدي ضعيفة *** خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة *** دون بني فاطمة الشريفة

وضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين (عليه السلام) بصرفها ودعا لها.

اللّهمّ سدّد رميته[14]

ثمّ رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم وكان كلّما رمى قال الحسين (عليه السلام):

اللّهمّ سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنّة، فحملوا عليه فقتلوه.

الودّ المتقابل[15]

جاء عبد الله وعبدالرحمن الغفاريّان إلى الحسين (عليه السلام)، فقالا: يا أبا عبد الله السلام عليك (إنّه) جئنا لنقتل بين يديك، وندفع عنك، فقال (عليه السلام):

مرحباً بكما ادنوا منّي، فدنوا منه، وهما يبكيان، فقال: يا بني أخي ما يبكيكما؟ فوالله أنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين.

فقالا: جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد احيط بك، ولا نقدر على أن ننفعك.

فقال: جزاكما الله يا بني أخي بوجودكما من ذلك ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين ثمّ استقدما وقالا: السلام عليك يابن رسول الله.

فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته فقاتلا حتّى قتلا.

بعداً لقوم قتلوك[16]

ثمّ خرج القاسم بن الحسن (عليه السلام) وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلمّا نظر الحسين إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتّى غشي عليهما، ثمّ استأذن الحسين (عليه السلام) في المبارزة فابي الحسين ان ياذن له، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه حتّى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خدّيه وهو يقول:

إن تنكروني فأنا ابن الحسن *** سبط النبيّ المصطفى والمؤتمن

هذا حسين كالأسير المرتهن *** بين اناس ﻻ سقوا صوب المزن

وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلاً، فشدّ عليه الأزدي فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عمّاه، فجاء الحسين (عليه السلام) كالصقر المنقضّ ودارت بينه وبين القوم مناوشات أثارت غبرة شديدة، فانجلت الغبرة فإذا بالحسين (عليه السلام) قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجله، فقال الحسين (عليه السلام):

يعزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعداً لقوم قتلوك.

ثم احتمله فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتّى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.

ثم قال: اللّهمّ احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي ﻻ رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.

مع المعتدين[17]

وجاء رجل فقال: أين الحسين؟ فقال:

ها أنا ذا؟

قال: أبشر بالنار تردها الساعة.

قال: بل ابشر بربّ رحيم، وشفيع مطاع، من أنت؟

قال: أنا محمّد بن الأشعث.

قال: اللّهمّ إن كان عبدك كاذباً فخذه إلى النار، واجعله اليوم آية لأصحابه فما هو إلاّ أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتّى قطعه.

ثمّ جاء آخر فقال: أين الحسين؟

فقال: ها أناذا.

قال: أبشر بالنار.

قال: ابشر بربّ رحيم، وشفيع مطاع، من أنت؟

قال: أنا شمر بن ذي الجوشن.

قال الحسين (عليه السلام): الله أكبر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت كأنّ كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي وقال الحسين: رأيت كأنّ كلاباً تنهشني وكأنّ فيها كلباً أبقع كان أشدّهم عليّ، وهو أنت، وكان أبرص.

أنت صاحب لوائي[18]

كان العبّاس السقّاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين (عليه السلام) وهو أكبر الإخوان، فلمّا رأى وحدته (عليه السلام) أتاه وقال: هل من رخصة؟ فبكى الحسين (عليه السلام) بكاءاً شديداً ثم قال:

يا أخي أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري.

فقال العباس: قد ضاق صدري وسئمت من الحياة واريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.

فقال الحسين (عليه السلام): إن كان ولابدّ فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء.

فمضى العبّاس يطلب الماء فحملوا عليه وحمل هو عليهم وجعل يقول:

ﻻ أرهب الموت إذا الموت رقا *** حتى اواري في المصاليت لقى

نفسي لنفس المصطفى الطّهروقا *** انّي أنا العبّاس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشرّ يوم الملتقى

ففرّقهم وقتل منهم ثمانين رجلاً حتّى دخل الماء فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، فرمى الماء على الماء وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده ﻻ كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون *** وتشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال ديني *** ولا فعال صادق اليقين

ثم ملأ القربة وحملها متوجهاً نحو الخيمة فقطعوا عليه الطريق وأحاطوا به من كل جانب فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز:

والله إن قطعتم يميني *** إنّي احامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبيّ الطاهر الأمين

فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال:

يا نفس ﻻ تخشي من الكفّار *** وأبشري برحمة الجبّار

مع النبي السيّد المختار *** قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا ربّ حرّ النار

ثم جاء سهم فأصاب القربة واريق ماءها، فوقف متحيّراً، لاماء حتى يوصله إلى الخيمة، ولا يد حتى يحارب بها، وبينما هو كذلك وإذا بسهم أصاب عينه، ثم ضربه ظالم بعمود من حديد على رأسه فانقلب عن فرسه وصاح أخاه الحسين (عليه السلام) قائلاً: يا أخي أدرك أخاك.

فلمّا أتاه الحسين (عليه السلام) ورآه صريعاً على شاطئ الفرات بكى وقال:

الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي، ثم توجّه إلى القوم وأنشأ يقول:

تعدّيتم يا شرّ قوم بفعلكم *** وخالفتم قول النبيّ محمد

أما كان خير الرسل وصاكم بنا *** أما نحن من نسل النبيّ المسدّد

أما كانت الزهراء امّي دونكم *** أما كان من خير البريّة أحمد

لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم *** فسوف تلاقوا حرّ نار توقّد

أشبه الناس بالرسول (صلى الله عليه وآله)[19]

لمّا استأذن علي الأكبر أباه الحسين (عليه السلام) في القتال، خرج والحسين (عليه السلام) يخطو وراءه خطوات وقد اغرورقت عيناه بالدموع قالوا: ورفع الحسين (عليه السلام) سبّابته (شيبته خ ل) نحو السماء وقال:

اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلاماً أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك، كنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه، اللّهمّ امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترض الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا ثمّ عدوا علينا يقاتلوننا.

ثمّ صاح الحسين بعمر بن سعد: مالك؟ قطع الله رحمكّ ولا بارك الله في أمرك، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك، كما قعطت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثمّ رفع الحسين (عليه السلام) صوته وتلا: (إنّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم)[20].

ثمّ حمل عليّ بن الحسين على القوم، وهو يقول:

أنا عليّ بن الحسين بن عليّ *** من عصبة جدّ أبيهم النبيّ

والله ﻻ يحكم فينا ابن الدعيّ *** أطعنكم بالرمح حتّى ينثني

أضربكم بالسيف أحمي عن أبي *** ضرب غلام هاشميّ علويّ

فلم يزل يقاتل حتّى ضجّ الناس من كثرة من قتل منهم، وروي أنّه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة فقال: يا أبه! العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟

فبكى الحسين (عليه السلام) وقال: يا بنيّ يعزّ على محمّد وعلى عليّ بن أبيطالب وعليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك.

با بنيّ هات لسانك، فأخذ بلسانه فمصّه ودفع إليه خاتمه وقال: أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوّك فإنّي أرجو أنّك ﻻ تمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة ﻻ تظمأ بعدها أبداً، فرجع القتال وهو يقول:

الحرب قد بانت لها الحقائق *** وظهرت من بعدها مصادق

والله ربّ العرش لانفارق *** جموعكم أو تغمد البوارق

فلم يزل يقاتل حتّى قتل تمام المائتين ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثمّ اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً.

فلمّا بلغت الروح التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه هذا جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة ﻻ أظمأ بعدها أبداً وهو يقول: العجل العجل! فإنّ لك كأساً مذخورة حتّى تشربها الساعة.

فصاح الحسين (عليه السلام) وقال: قتل الله قوماً قتلوك ما أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفا.

قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنّها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه، يا نور عيناه! فسألت عنها فقيل: هي زينب بنت عليّ (عليه السلام) وجاءت وانكبّت عليه فجاه الحسين فأخذ بيدها فردّها إلى الفسطاط وأقبل (عليه السلام) بفتيانه وقال: احملوا أخاكم، فحملوه من مصرعه فجاءوا به حتّى وضعوه عند الفسطاط الّذي كانوا يقاتلون أمامه.

الجندي الصغير[21]

لمّا فجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري نادى:

هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ وارتفعت أصوات النساء بالعويل فتقدّم (عليه السلام) إلى باب الخيمة فقال: ناولوني عليّاً ابني الطفل حتى اودّعه، فناولوه الصبيّ، فجعل يقبّله وهو يقول:

ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم، والصبيّ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدّي بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقّى الحسين دمه حتّى امتلأت كفّه، ثمّ رمى به إلى السماء، وقال:

هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله.

قال الباقر (عليه السلام): فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض.

ثم قال: ﻻ يكون أهون عليك من فصيل، اللّهمّ إن كنت حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا.

قيل: واسم الطفل هذا عبد الله وامّه الرباب بنت امرئ القيس وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسين (عليه السلام):

لعمرك انني لأحبّ داراً *** تحلّ بها سكينة والرباب

احبّهما وابذل جلّ مالي *** وليس لعاتب عندي عتاب

الحفاظ على الحجّة[22]

لمّا رأى عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ان ﻻ ناصر للحسين (عليه السلام) خرج وكان مريضاً ﻻ يقدر أن يقلّ سيفه وامّ كلثوم تنادي خلفه: يا بنيّ ارجع فقال: يا عمّتاه ذريني اقاتل بين يدي ابن رسول الله. فقال الحسين (عليه السلام):

يا امّ كلثوم خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد (صلى الله عليه وآله)

سلام الوداع[23]

لمّا نظر الحسين (عليه السلام) إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة ونادى:

يا سكينة! يا فاطمة! يا زينب! يا امّ كليوم! عليكنّ منّي السلام.

فنادته سكينة: يا أبه استسلمت للموت؟

فقال: كيف ﻻ يستسلم من ﻻ ناصر له ولا معين؟

فقالت: يا أبه ردّنا إلى حرم جدّنا.

فقال: هيهات لوترك القطا لنام، فتصارخنّ النساء فسكّتهنّ الحسين وحمل على القوم وهو يقول:

كفر القوم وقدماً رغبوا *** عن ثواب الله ربّ الثقلين

قتلوا القوم عليّا وابنه *** حسي الخير كريم الأبوين

حنقاً منهم وقالوا اجمعوا *** نفتك الآن جميعاً بالحسين

يالقوم من اناس رذّل *** جموا الجمع لأهل الحرمين

ثم ساروا وتواصوا كلّهم *** باحتياجي لرضاء الملحدين

لم يخافوا الله في سفك دمي *** لعبيد الله نسل الكافرين

وابن سعد قد رماني عنوة *** بجنود كوكوف الهاطلين

ﻻ لشيء كان منّي قبل ذا *** غير فخري بضياء الفرقدين

بعليّ الخير من بعد النبي *** والنبيّ القرشيّ الوالدين

خيرة الله من الخلق أبي *** ثمّ امّي فأنا ابن الخيرتين

فضّة قد خلصت من ذهب *** فأنا الفضّة وابن الذهبين

فاطم الزهراء امّي وأبي *** وارث الرّسل ومولى الثقلين

طحن الأبطال لمّا برزوا *** يوم بدر وباحد وحنين

وله في يوم احد وقعة *** شفت الغل بفض العسكرين

ثم بالأحزاب والفتح معاً *** كان فيها حتف أهل الفيلقين

وأخو خيبر إذ بارزهم *** بحسام صارم ذي شفرتين

والّذي أردى جيوشاً اقبلوا *** يطلبون الوتر في يوم حنين

في سبيل الله ماذا صنعت *** امّة السوء معاً بالعترتين

عترة البرّ التقيّ المصطفى *** وعلى القرم يوم الجحفلين

من له عمّ كعمّي جعفر *** وهب الله له أجنحتين

من له جدّ كجدّي في الورى *** وكشيخي فأنا ابن العلمين

والدي شمس وامّي قمر *** فأنا الكوكب وابن القمرين

جدّي المرسل مصباح الهدى *** وأبي الموفى له بالبيعتين

بطل قرم هزبر ضيغم *** ماجد سمح قويّ الساعدين

عروة الدين عليّ ذاكم *** صاحب الحوض مصلّي القبلتين

مع رسول الله سبعاً كاملاً *** ما على الأرض مصلّ غير ذين

ترك الأوثان لم يسجد لها *** مع قريش مذنشا طرفة عين

عبد الله غلاماً يافعا *** وقريش يعبدون الوثنين

يعبدون اللاّت والعزّى معاً *** وعلي (عليه السلام) قائم بالحسنين

وأبي كان هزبراً ضيغماً *** يأخ الرمح فيطعن طعنتين

كتمشّي الأسد بغياً فسقوا *** كأس حتف من نجيع الحنظلين

ثم استوى على فرسه وقال:

أنا ابن عليّ الخير من آل هاشم *** كفاني بها مفخراً حين أفخر

وجدّي رسول الله أكرم خلقه *** ونحن سراج الله في الخلق يزهر

وفاطم امّي من سلالة أحمد *** وعمّي يدعى ذا الجناحين جعفر

وفينا كتاب الله انزل صادقاً *** وفينا الهدى والوحي بالخير يذكر

ونحن أمان الله للخلق كلّهم *** نسرّ بهذا في الأنام ونجهر

ونحن ولاة الحوض نسقي ولينا *** بكاس رسول الله ما ليس ينكر

وشيعتنا في الناس أكرم شيعة *** ومبغضنا يوم القيامة يخسر

جهاد وتوعية[24]

ثمّ إنّ الحسين (عليه السلام) دعا النّاس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ من دنا منه من عيون الرّجال، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثمّ حمل (عليه السلام) على الميمنة، وقال:

الموت خير من ركوب العار *** والعار اولى من دخول النار

ثمّ على الميسرة وهو يقول:

أنا الحسين بن علي *** آليت أن ﻻ أنثني

أحمي عيالات أبي *** أمضي على دين النبي

دروس إنسانية[25]

قال بعض الرواة: فوالله ما رأيت مكثوراً قط[26] قد قتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول:

ﻻ حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

ولم يزل يقاتل حتّى قتل ألف رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين.

فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب فاحملوا عليه من كلّ جانب، وكانت الرماة أربعة آلاف، فرموه بالسهام فحالوا بينه وبين رحله فصاح بهم الحسين (عليه السلام):

ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين، وكنتم ﻻ تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعراباً.

فناداه شمر فقال: ما تقول يابن فاطمة؟

قال: أقول: أنا الذي اقاتلكم، وتقاتلوني، والنساء ليس عليهنّ جناح فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي مادمت حيّاً.

فقال شمر: لك هذا، ثمّ صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه فلعمري لهو كفو كريم.

قال: فقصده القوم وهو في ذلك يطلب شربة من ماء، فكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتّى أحلوه عنه.

يا امّة السوء[27]

ثم جعلو الحسين (عليه السلام) يطلب الماء. فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنّه بطون الحيتان والله ﻻ تذوقه أو تموت عطشاً. فقال الحسين (عليه السلام):

اللّهمّ أمته عطشاً.

قال: والله لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماء فيؤتى بماء فيشرب حتّى يخرج من فيه، ثمّ يقول: اسقوني قتلني العطش، فلم يزل كذلك حتّى مات.

ثم رماه رجل من القوم يكنّى أبا الحتوف الجعفيّ بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته.

فقال (عليه السلام): اللّهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللّهمّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً.

ثمّ حمل عليهم كاللّيث المغضب، فجعل لايلحق منهم أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلّ ناحية وهو يتّقيها بنحره وصدره ويقول: يا امّة السوء بئسما خلفتم محمّداً في عترته، أما إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي، وأيم الله إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث ﻻ تشعرون.

قال: فصاح به الحصين بن مالك السكونيّ فقال: يابن فاطمة وبماذا ينتقم لك منّا؟

قال: يلقي بأسكم بينكم ويسفك دماءكم، ثمّ يصبّ عليكم العذاب الأليم، ثمّ لم يزل يقاتل حتّى أصابته جراحات عظيمة.

في رحاب الشهادة[28]

وقف الحسين (عليه السلام) يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره ـ وفي بعض الروايات على قلبه ـ فقال الحسين (عليه السلام):

(بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله) ورفع رأسه إلى السماء وقال:

إلهي إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره، ثمّ أخذ السهم فأخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلمّا امتلأت رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتّى رمى الحسين (عليه السلام) بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده ثانياً فلمّا امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: هكذا أكون حتى ألقي جدّي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول: يا رسول الله قتلني فلان وفلان.

في أحضان العمّ[29]

لمّا سقط الحسين (عليه السلام) على الأرض وأحاط به القوم خرج عبد الله بن الحسن بن علي (عليه السلام) وهو غلام لم يراهق من عند النساء يشتدّ حتى وقف إلى جنب الحسين (عليه السلام) فلحقته زينب بنت عليّ (عليه السلام) لتحبسه فقال الحسين (عليه السلام):

أحبسيه يا اختي!

فأبى وامتنع امتناعاً شديداً وقال: ﻻ والله ﻻ افارق عمّي، فأهوى بحر بن كعب ـ وقيل: حرملة بن كاهل ـ إلى الحسين (عليه السلام) بالسيف فقال له الغلام: ويلك يابن الخبيثة أتقتل عمّي؟

فضربه بالسيف، فاتّقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد فإذا هي معلّقة، فنادى الغلام: يا امّاه! فأخذه الحسين (عليه السلام) فضمّه إليه وقال: يابن أخي اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين.

قال: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه، وهو في حجر عمّه الحسين (عليه السلام).

بل أرد على جدّي[30]

روى هلال بن نافع قال: إنّي لواقف مع أصحاب عمر بن سعد، إذ صرخ صارخ: أبشر أيّها الأمير فهذا شمر (قد) قتل الحسين (عليه السلام)، قال: فخرجت بين الصفّين فوقفت عليه وإنّه ليجود بنفسه فوالله ما رأيت قط قتيلاً مضمّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله، فاستسقى في تلك الحالة ماء، فسمعت رجلاً يقول: ﻻ تذوق الماء حتّى ترد الحامية، فتشرب من حميمها، فسمعته يقول:

يا ويلك أنا ﻻ أرد الحامية، ولا أشرب من حميمها، بل أرد على جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأسكن معه في داره في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي.

قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً، فاجتزّوا رأسه وإنّه ليكلّمهم فتعجّبت من قلّة رحمتهم، وقلت: والله ﻻ اجامعكم على أمر أبداً.

بعد النظر[31]

عن أبي سعيد عقيصا قال: سمعت الحسين بن علي (عليهما السلام) وخلا به عبد الله بن الزبير فناجاه طويلاً قال: ثم أقبل الحسين (عليه السلام) بوجهه إليهم، وقال:

إنّ هذا يقول لي كن حماماً من حمام الحرم، ولأن اقتل بيني وبين الحرم باع أحبّ إليّ من أن اقتل وبيني وبينه شبر، ولأن اقتل بالطف أحبّ إليّ من أن اقتل بالحرم.

قال عبد الله بن الزبير للحسين بن علي (عليهما السلام): لوجئت إلى مكة فكنت بالحرم؟ فقال الحسين (عليه السلام):

لا نستحلها، ولا نستحلّ بنا، ولأن اقتل على تلّ أعفر، أحبّ إليّ من أن اقتل بها.

أنباء صادقة[33]

لمّا صعد الحسين بن علي (عليه السلام) عقبة البطن قال لأصحابه:

ما أراني إلاّ مقتولاً:

قالوا: وما ذاك يا أبا عبد الله؟

قال: رؤياً رأيتها في المنام.

قالوا: وما هي؟

قال: رأيت كلاباً تنهشني أشدّها عليّ كلب أبقع. 

الامّة إذا فقدت وعيها[34]

والّذي نفس حسين بيده ﻻ يهنّيء بني اميّة ملكهم حتى يقتلوني، وهم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلّوا جميعاً أبداً، ولم يأخذوا عطاءاً في سبيل الله جميعاً أبداً، إنّ أوّل قتيل هذه الامّة أنا وأهل بيتي، والّذي نفس حسين بيده ﻻ تقوم الساعة وعلى الأرض هاشميّ يطرق.

الحفاظ على الحريّة[35]

لمّا كانت اللّيلة ألّتي قتل فيها الحسين (عليه السلام) في صبيحتها قام في أصحابه فقال (عليه السلام):

إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يقبلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حلّ فإنّكم إن أصبحتم معي قتلتم كلّكم.

فقالوا: ﻻ نخذلك، ولا نختار العيش بعدك.

فقال (عليه السلام): إنّكم تقتلون كلّكم حتّى ﻻ يفلت منكم واحد، فكان كما قال (عليه السلام).

ملامح القيادة الإسلامية[36]

ولمّا امتحن الحسين (عليه السلام) ومن معه بالعسكر الّذين قتلوه، وحملوا رأسه، قال لعسكره:

أنتم من بيعتي في حلّ، فالحقوا بعشائركم ومواليكم، وقال لأهل بيته: قد جعلتكم في حلّ من مفارقتي فإنّكم ﻻ تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري، فدعوني والقوم، فإنّ الله عزّ وجلّ يعينني ولا يخلّيني من حسن نظره، كعادته في أسلافنا الطيّبين.

فأمّا عسكره ففارقوه، وأمّا أهله والادنون من أقربائه فأبوا وقالوا: ﻻ نفارقك ويحلّ بنا ما يحلّ بك، ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنّا أقرب ما نكون إلى الله إذا كنّا معك.

فقال لهم: فإن كنتم قد وطّنتم أنفسكم على ما وطّنت نفسي عليه، فاعلموا أنّ الله إنّما يهب المنازل الشريفة لعباده لصبرهم باحتمال المكاره، وانّ الله وإن كان خصّني ـ مع من مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا ـ من الكرامات بما يسهل معها عليّ احتمال المكروهات، فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى واعلموا أنّ الدنيا حلوها ومرّها حلم والإنتباه في الآخرة، والفائز من فاز فيها، والشقّي من شقي فيها.

لقاء في الثعلبيّة[37]

لقي رجل الحسين بن علي (عليهما السلام) بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسين (عليه السلام):

من أيّ البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة.

قال: أما والله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل (عليه السلام) من دارنا ونزوله بالوحي على جدّي، يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا؟ هذا ما ﻻ يكون.

إلى بني هاشم[38]

عن أبيعبد الله (عليه السلام)، قال: ذكرنا خروج الحسين (عليه السلام) وتخلف ابن الحنفية، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

يا حمزة اني ساحدثك بحديث ﻻ تسأل عنه بعد مجلسنا هذا، ان الحسين لمّا فصل متوجّهاً، أمر بقرطاس وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم.

أمّا بعد: فإنّه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح، والسلام.

السفارة الأمينة[39]

لمّا بلغ أهل الكوفة موت معاوية ارجفوا بيزيد وعرفوا امتناع الحسين (عليه السلام) من بيعته فاجتمعوا في دار سليمان بن صرد الخزاعي وأجمعوا على الوفاء للحسين (عليه السلام) وراسلوه بذلك وتلاقت الرسل كلها عنده، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس ثم كتب مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، وكانا آخر الرسل إليه من قبل أهل الكوفة:

بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين.

أمّا بعد: فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم انه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى، واني باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فإنّي اقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام.

ودعا الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعمارة بن عبد الله السلوليّ وعبد الرحمان ابنا شداد الأرحبي وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللّطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين[40] عجّل إليه بذلك.

فأقبل مسلم رحمه الله حتّى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وودّع من أحبّ من أهله، واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكّبان الطريق، فضلاّ (عن الطريق) وأصابهما عطش شديد فعجزا عن السير فأو مآله إلى سنين الطريق بعد أن لاح لهما ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات الدليلان عطشاً، فكتب مسلم بن عقيل رحمه الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهّر (أمّا بعد فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين فجازا عن الطريق فضلا، واشتدّ عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتّى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلاّ بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيّرت من توجّهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري، والسلام).

فكتب إليه الحسين (عليه السلام) (أما بعد فقد خشيت أن ﻻ يكون حملك على الكتاب إليّ في الإستعفاء من الوجه الّذي وجّهتك له إلاّ الجبن، فامض لوجهك الّذي وجّهتك فيه والسلام).

فلمّا قرأ مسلم الكتاب قال: أمّا هذا فلست أتخوّفه على نفسي، فأقبل، حتّى مرّ بماء لطيّئ فنزل ثمّ ارتحل عنه، فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبياً حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدوّنا إن شاء الله تعالى.

ثمّ أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن ابي عبيدة وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسين (عليه السلام) وهم يبكون، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسين (عليه السلام) يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً ويأمره بالقدوم، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل ـ رحمه الله ـ حتى علم بمكانه.

إلى وجوه البصرة[41]

كتب الحسين (عليه السلام) كتاباً إلى وجوه أهل البصرة، منهم الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي، وبعث الكتاب مع زراع السدوسي وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين، فيه:

إنّي أدعوكم إلى الله وإلى نبيّه، فإنّ السنّة قد اميتت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد.

إلى أهل الكوفة[42]

لمّا وصل الحسين (عليه السلام) الحاجز من بطن الرمّة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة وكتب معه إليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم:

فإنّي أحمد إليكم الله الّذي ﻻ إله إلاّ هو، أمّا بعد: فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع وأن يثبتكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إلى رؤساء الكوفة[43]

لمّا اقترب الحسين (عليه السلام) من كربلاء قال له زهير: فسربنا حتى ننزل بكربلاء فإنّها على شاطئ الفرات، فنكون هنالك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنّا الله عليهم، قال: فدمعت عينا الحسين (عليه السلام) ثم قال:

اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء، ونزل الحسين (عليه السلام) في موضعه ذلك، ونزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواة وبياض وكتب إلى أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه على رأيه:

بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وعبد الله بن وأل، وجماعة المؤمنين أما بعد: فقد علمتم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قال في حياته: (من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثمّ لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله) وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله وإنّي أحقّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم ﻻ تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي اسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ماهي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي والمغرور من اغترّبكم، فحظّكم أخطأتم ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم والسلام.

ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهّر الصيداوي... فلمّا بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكياً ثم قال: (اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك انّك على كلّ شيء قدير)...

ثم جمع الحسين (عليه السلام) ولده وإخوته وأهل بيته ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال: اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمد (صلى الله عليه وآله) وقد اخرجنا وطردنا وازُعجنا عن حرم جدّنا وتعدّت بنو اميّة علينا فخذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

كتاب من كربلاء[44]

كتب الحسين بن علي (عليه السلام) إلى محمد بن علي من كربلاء:

(بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قبله من بني هاشم أمّا بعد فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل والسلام).

في طريق الشهادة[45]

عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: خرجنا مع الحسين (عليه السلام) فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريّا وقتله، وقال يوماً:

ومن هوان الدنيا على الله عزّ وجلّ أنّ رأس يحيى بن زكريّا اهدي إلى بغيّ من بغيا بني إسرائيل.

النظر الثاقب[46]

لما أراد محمد بن الحنفية أن يصرف الإمام الحسين (عليه السلام) عن الخروج إلى الكوفة قال:

والله يا أخي لوكنت في حجر هامّة من هوامّ الأرض، لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني.

الهدف ﻻ يبرّر الوسيلة[47]

كتب رجل إلى الحسين صلوات الله عليه: عظني بحرفين؟

فكتب إليه:

من حاول أمراً بمعصية الله كان افوت لما يرجو، واسرع لمجيء ما يحذر.

على اعتاب التهجير[48]

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لما شيّع أمير المؤمنين (عليه السلام) اباذر رحمة الله عليه وشيّعه الحسن والحسين وعقيل بن أبيطالب وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر (عليهم السلام) قال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): ودعوا اخاكم فانه لابدّ للشاخص من ان يمضي، وللمشيّع من ان يرجع، قال: فتكلم كل رجل منهم على حياله فقال الحسين بن علي (عليهم السلام):

رحمك الله يا أباذر ان القوم انما امتهنوك بالبلاء، لانك منعتهم دينك، فمنعوك دنياهم، فما احوجك غداً إلى ما منعتهم واغناك عما منعوك.

فقال أبوذر (ره): رحمكم الله من أهل بيت فمالي الدنيا من شجن غيركم اني إذا ذكرتكم ذكرت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

بلاء التهجير[49]

كتب الى عبد الله بن العباس حين سيّره عبد الله بن الزبير الى اليمن:

أما بعد، بلغني انّ ابن الزبير سيّرك الى الطائف فرفع الله لك بذلك ذكراً وحطّ به عنك وزراً وانما يبتلى الصالحون، ولو لم توجر إلاّ فيما تحبّ لقلّ الأجر، عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى، والشكر عند النعمى ولا اشمت بنا ولا بك عدوّاً حاسداً أبداً، والسلام.

ثورة عاشوراء واهدافها[50]

اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الاحبار اذ يقول: (لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الإثم)[51]. وقال: (لُعن الذين كفروا من بني اسرائيل) الى قوله: (لبئس ماكانوا يفعلون)[52].

وانما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين اظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً مما يحذرون، والله يقول: (فلا تخشوا الناس واخشون)[53]. وقال: (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)[54].

فبدء الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةً منه لعلمه بأنها إذا اديّت واقيمت استقامت الفرائض كلها هيّنها وصعبها، وذلك ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء الى الإسلام مع رد المظالم ومخالفة الظالم، وقسمة الفيئ والغنائم واخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها.

ثم انتم ايتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في انفس الناس مهابة يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لافضل لكم عليه ولا يدلكم عنده، تشفعون في الحوائج اذا امتنعت من طلابها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الاكابر، اليس كل ذلك انما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله وان كنتم عن اكثر حقه تقصرون، فاستخففتم بحق الأئمة، فاما حق الضعفاء فضيعتم، واما حقكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاد يتموها في ذات الله، انتم تتمنون على الله جنته ومجاورة رسله واماناً من عذابه.

لقد خشيت عليكم ايها المتمنون على الله ان تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومن يعرف بالله ﻻ تكرمون وأنتم بالله في عباده تكرمون، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون وانتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) محقورة والعمي والبكم والزمنى في المداين مهملة ﻻ ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون، وبالادهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمركم الله به من النهيّ والتناهي وأنتم عنه غافلون وأنتم اعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون.

ذلك بأن مجاري الامور والاحكام على أيدي العلماء بالله، الامناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق واختلافكم في السنة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الاذى وتحملّتم المؤونة في ذات الله كانت امور الله عليكم ترد، وعنكم تصدر، واليكم ترجع، ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم، واسلمتم امور الله في ايديهم يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك فراركم من الموت واعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فاسلمتم الضعفاء في ايديهم، فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلبون في الملك بآرائهم ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداءاً بالأشرار وجرأةً على الجبار، في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالارض لهم شاغرة وايديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول ﻻ يدفعون يد لامس، فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوةٍ على الضعفة شديد، مطاعٍ ﻻ يعرف المبدئ المعيد، فياعجبا ومالي (ﻻ) وأعجب والأرض من غاشٍ غشوم ومتصدق ظلوم، وعاملٍ على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللّهم انك تعلم انه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسنتك واحكامك فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوى الظلمة عليكم، وعملوا في اطفاء نور نبيّكم وحسبنا الله وعليه توكلنا واليه انبنا واليه المصير.

[1] بحار الأنوار 45/17:...

[2] بحار الأنوار 45/17:...

[3] بحار الأنوار 45/19 ـ 20:...

[4] الأحزاب: 23.

[5] اللّهوف 46 ـ 47:...

[6] بحار الأنوار 45/21:...

[7] شبّ الفرس شباباً ـ بالكسر ـ: رفع يديه وقمص وحزن.

[8] اللّهوف 47:...

[9] اللّهوف 47:...

[10] بحار الأنوار 45/23 ـ 24:...

[11] بحار الأنوار 45/ 25 ـ 26:...

[12] بحار الأنوار 45/26:...

[13] بحار الأنوار 45/27 ـ 28:...

[14] بحار الأنوار 45/30:...

[15] بحار الأنوار 45/29:...

[16] بحار الأنوار 45/ 34 ـ 36:...

[17] بحار الأنوار 45/31:...

[18] بحار الأنوار 45/ 40 ـ 42 عن المناقب وغيره:...

[19] بحار الأنوار 45/42 ـ 44:...

[20] آل عمران: 33 ـ 34.

[21] بحار الأنوار 45/46 ـ 47:...

[22] بحار الأنوار 45/46:...

[23] مناقب ابن شهر آشوب 4/ 79 ـ 80:...

[24] بحار الأنوار 45/49:...

[25] بحار الأنوار 45/50 ـ 51، عن المناقب واللّهوف:...

[26] المكثور: المغلوب وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه،

[27] بحار الأنوار 45/ 51 ـ 52، عن مقاتل الطالبيين: قال:...

[28] بحار الأنوار 45/53:...

[29] اللّهوف 52 ـ 53، والإرشاد 241:...

[30] اللّهوف 55 ـ 56:...

[31] كامل الزيارات 72، ص23 ح 4: حدثني أبي وعلي بن الحسين جميعاً، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن أبي الصهبان، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان،...

[32] كامل الزيارات 72 ـ 73، ب 23، ح 5: حدثني أبي وعلي بن الحسين معاً، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن فرقد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:...

[33] كامل الزيارات 75، ح 14: حدثني جماعة مشايخي منهم علي بن الحسين ومحمد بن الحسن، عن سعد، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين وإبراهيم بن هاشم جميعاً، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن شهاب بن عبد ربّه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال:...

[34] كامل الزيارات 74 ـ 75، ب 23، ح 13: حدثني محمد بن جعفر الرزّاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن يحيى الخثعمي، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبدالله، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال:...

[35] الخرائج والجرائح 1/254، ح 8: روي عن زين العابدين أنّه قال:...

[36] تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) 218 ـ 219، ح 101: قال الإمام العسكري (عليه السلام):...

[37] اصول الكافي 1/398 ـ 399، ح 2: علي بن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حمّاد، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة قال:...

[38] اللّهوف 28: محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران:...

[39] إرشاد المفيد 204 ـ 205:...

[40] يقال: استوسق له الأمر: أي أمكنه.

[41] مثير الأحزان 27:...

[42] إرشاد المفيد 220:...

[43] بحار الأنوار 44/381 ـ 383، عن مناقب ابن شهر آشوب:...

[44] كامل الزيارات 75، ب 23، ح 16: قال محمد بن عمرو: حدثني كرّام عبدالكريم بن عمرو، عن ميسّر بن عبد العزيز، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:...

[45] الإرشاد 251 ـ 252: روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد،..

[46] بحار الأنوار 45/99:...

[47] اصول الكافي 2/ 373، ح 3: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:...

[48] المحاسن 353 ـ 354، ب 12، ح 45. مكارم الأخلاق 249، ب 9، الفصل 3: أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن إسحاق بن جرير الحريري، وعن رجل من أهل بيته،

[49] تحف العقول 246:...

[50] تحف العقول 237 ـ 239: من كلام الحسين (عليه السلام) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:...

[51] المائدة: 63.

[52] المائدة 78 و 79.

[53] المائدة: 44.

[54] التوبة: 71.