| المؤلفات |
|
أنا عندي |
|
شعر ذو أبعاد، عن عظيم ذي أبعاد.. يشكل بعده الشعري، أقصر أبعاده، على الرغم من استطالته، حتى على الشمس. أَوَليس كل مميزات هذا الشعر: تسجيل الشعور الواقع، ممارسة الأدب المتقدم، وتحليل الإسلام، السهل الممتنع، بالشكل الممتنع. وربما يكون فحوى رسالة الشعر، في دعوة الشعراء المسلمين إلى: تفهم الإسلام على حقيقته.. وعرضه على حقيقته.. في ثوب عصري جميل.. يضاهي جماله جمال الإسلام .. وأخيراً: معرفة هذا الشعر، لا تكون إلا، عبر قراءته قراءة متأملة وخبيرة. أما الشاعر: فلا يكشف عن كل أبعاده، إلا بعد انكشاف كل لحظات حياته المفعمة، وذلك: ما تكون في وسع مجلدات ضخمة عديدة فقط. وأية محاولة أخرى بهذا الصدد، تذهب هدراً من دون نتيجة مرجوة. السيد حسن الشيرازي |
|
راح يجري، ـ كصبايا الفجر ـ في كلِّ مَمّرِ، سائلاً عن كُلِّ سرِّ كَيفَ يَجري؟ *** ليس يدري: أيُّ أمرٍ؟ أيّ فكرٍ؟ لجماهير السياسيَّين مُغري، وعلى مختلف الموجات يسري، ويقود الطامح الجبّارَ، من نصرٍ لنصرِ، *** وإذا أهتاج الملايينُ، يُغطّيها بسحرِ.. كل ما يعرف من خيرٍ وشرِّ: ينثر النُكتة.. والبَسمة.. في كل مسيرٍ ومقرِّ، ويرشّ المالَ في الناس بلا رأيٍ وفكرِ، طائشاً غَرّ بما أغراهُ فيهِ كُلّ غِرّ. *** وأشترى الأصواتَ، واْستهزأ بالدُنيا، وما في عالم الساسة من رمزٍ وسرِّ ثُمّ لمْ يَنجح، *** وساقته المقاديرُ لأسرِ، فاْحتبا باليأسِ، واْنهارَ، بلا وعيٍ وصبرِ *** قائلاً: متُّ بلا لحدٍ وقبرِ، أين من يفتحُ أسري؟ أين من يحفظُ لي ظهري، ومن يحزمُ أمري، *** قلتُ يا هذا ! تعال، لا تخّبط في المحُالْ، أنا عندي، كلُّ ما تبغيهِ عندي، كلُّ ما نبغيه من مجدٍ وسعدِ، أنا عندي: *** ومضى التاجرُ للمَهجَرِ بالحلم المُذهّبْ، في شبابٍ كأساطيرِ المهُلّبْ، ينهب الأسواقَ.. والقانون.. في حكمة ثعلبْ. وهدته فرصة العمر إلى صفقة أفيون مُهرَّبْ، فاشتراهُ.. *** وإذا البائعُ جاسوسٌ مدَّربْ، وإذا الأعينُ في كل ظلام تترقّبْ، وهو لا يعرفُ ما يجري حواليهِ، ولّما رام بالأفيون يذهبْ..، طوَّقته رشقاتِ النارِ: (قفْ.. قفْ.. *** أين تَهرُبْ؟ عد إلى موطنك الأُمِّ.. بجرحٍ ليس يرأَبْ)!.. واْنثنى.. كالزّيت في الرملِ، كماءٍ يتصَبّب، خائراً.. مثل ضمير يتعذَّبْ، قائلاً: يا ليتني لم أتغرَّبْ: *** قلتُ: يا هذا! تعالْ، لا تسكّع في الخيالْ، أنا عندي، كل ما تبغيه عندي، كل ما تبغيه من مجدٍ وسعدِ، أنا عندي. *** وغدا السارق يستقصي المدينهْ، يفحص الأوجه: هل فيها قرينهْ؟ إن خلف الفجر أهدافاً حزينهْ، وتوالت أشهر الصيف وما أدّى ديونهْ، وتلاشت عصبة وظَّف في تدجين أعضاها مجونهْ، *** كلّما أبدع سمّوه رعونهْ، فاشلٌ، فهو إذن يروي جُنونهْ. وتصدّى لاختطاف الطائراتْ. وتصدّى لاختطاف الوزراءْ، وتَصدّى للبنوكْ *** ثمَُّ، لم يحصد سوى رشقةَ نارْ، بعد أن كان يعيشُ الانتصارْ. وتلاشى في فراغِ الإحتضارْ. وتمنى الانتحار. *** قلتُ: يا هذا! تعالْ، لا تسكّع في المحالْ، أنا عندي، كلّما تبغيه عندي، كلّما تبغيه من مجدٍ وسعدِ، أنا عندي. **** ومضى الراهب للدير بآمالِ الطُغاة، زاعماً: أزرار ثوب الدير أسرار جميع المعُجزات، دائباً.. ينبش في الدين بصبرٍ وأناةْ، ليغطي القوّة الروحيَّة الكبرى، لحل المعظلات. *** فإذا الدير صيام وصلاة. فهوى مثل حطام الظلماتْ، في مدى طاحونة اليأسِ، كحبات الزكاةُ، يغفر الدُنيا، ليصطاد رذاذ الصّدَقات، قانطاً، يلتفُّ بالوَهمِ، ويقتاتُ النَواةْ، هامساً، ـ تحت رُكامِ الخوفِ ـ: هل لي مِنْ نجاة؟ *** قلتُ: يا هذا! تفتّح للحياةْ! واْخلع الدير صباحاً.. وتقمّصه لأحيان الصلاْة، *** كالسنونو، ينشر العشّ مع الفجرِ، ويلتفَّ به في الأُمسياتْ، واْنتشر ـ كالنور ـ بين الربواتً، واْستجب للفجر مِثلَ النَسماتْ. *** قالَ: لا يسمح لي عُرفُ الكهانةْ! قلتُ: سر أنت كما ترضى الديانهْ! وأنا أحمل دنياك على كتف الأمانهْ. *** قالَ: هل لي من إفادهْ؟ إن بقيت الدهر أقتات العبادهْ، دون أن أعرف ما لون السعادهْ، دون ان تنفض أعصابي إرادهْ وأصليها قيادهْ.. *** قلتُ: حاوِلْ! قالَ: لا أقدرُ! *** قلتُ: أنا أكفيك خطيئات الرعاةْ، أنا أفدي كل مكبوتٍ، واستثمر كُلَّ الهفواتْ. قالَ: ما يجدي إذا خُضتَ الحياةْ، وأنا أُبقي صليبَ الحسراتْ؟ *** قلتُ لا تبق رهين الأُمنياتْ! دوّخ الأفق مسيح الخطراتْ! فجّر الدنيا جهاداً وزكاةْ! واْعصر السحب على أيدي السعاةْ! وأصفح الأرض بخفقٍ مثل وقع اللعناتْ، *** مثلَ يعقوبَ عميقَ النظراتْ، مثل داوود أَثير النبراتْ، مثل موسى مستفيضَ الحركاتْ، مثل عيسى مطمئنَ القسماتْ، مثل طه مشرأبّ العزمات. *** قال: يا ليتَ! ولكنْ.. أنا لا أنوي المحالْ! *** قلتُ: يا هذا! تعالْ: لا توغّل في الجدالْ! *** أنا عندي حكمة الإيمان بالله المجيدْ، أنا عندي فكرة العرفان بالكون العنيدْ، فهو يفني كُلَّ شيءٍ، ما عدى الإنسان والفعلَ الحميدْ. فأنشر الإنسان في نفسِك تلقى ما تريدْ، وستبقى وتزيدْ! أنا عندي، كل ما تبغيه عندي، *** كل ما تبغيه من حُبٍّ وودِّ، أنا عندي! |