الفهرس

فهرس المبحث الرابع

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

المصالح والألطاف

وبعض الألم قبيح يصدر عنا خاصة وبعضه حسن يصدر منه تعالى ومنا وحسنه إما لاستحقاقه أو لاشتماله على النفع ودفع الضرر الزائدين أو لكونه عادياً.

أو على وجه الدفع ولا في المشتمل على النفع من اللطف ويجوز في المستحق كونه عقاباً ولا يكفي اللطف في الألم المكلف في الحسن ولا يحسن مع اشتمال اللذة على لطفه.

ولا يشترط في الحسن اختيار المتألم بالفعل. والعوض نفع مستحق خالٍ عن تعظيم وإجلال ويستحق عليه تعالى بإنزال الآلام وتفويت المنافع لمصلحة الغير.

وانزال الغموم سواء استندت إلى علم ضروري أو مكتسب أو ظن لا ما تستند إلى فعل العبد وأمر عباده بالمضار وإباحته وتمكين غير العاقل بخلاف الإحراق عند الإلقاء في النار والقتل عند شهادة الزور. والانتصاف واجب عليه عقلاً وسمعاً، فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم دون عوض في الحال يوازي الظلم.

فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرّق الله تعالى أعواضه على الأوقات أو تفضل عليه بمثلها وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءاً من عقابه بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات.

ولا يجب دوامه لحسن الزائد بما يختار معه الألم وإن كان منقطعاً ولا يجب حصوله في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير، والألم على القطع ممنوع مع انه غير محل النزاع.

ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضاً ولا يتعين منافع ولا يصح إسقاطه.

والعوض عليه تعالى يجب تزائده إلى حد الرضا عند كل عاقل، وعلينا يجب مساواته.

وأجل الحيوان الوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياته فيه، والمقتول يجوز فيه الأمران لولاه، ويجز أن يكون الأجل لطفاً للغير لا للمكلف والرزق ما صح الانتفاع به ولم يكن لأحد منعه والسعي في تحصيله قد يجب.

ويستحب ويباح ويحرم والسعر تقدير العوض الذي يباع به الشيء وهو رخص وغلاء ولابد من اعتبار العادة واتحاد الوقت والمكان، ويستندان إليه تعالى، وإلينا أيضاً والأصلح قد يجب لوجود الداعي وانتفاء الصارف.

(مسألة) في الألم وأن منه حسن ومنه قبيح. إعلم انه قد اختلفوا في الألم : فالأشاعرة على أنه من الله سبحانه حسن مطلقاً سواء كان مبتدأ به أو بطريق المجازات وسواء تعقبه عوض أو لا. والثنوية على أنه يقبح جميع الآلام لذاتها لكونها صادرة عن آلة الشر وكل ما يصدر عنه فهو شر والمصنف (ره) تبعاً للعدلية فصل في ذلك فقال : (وبعض الألم قبيح) لكن هذا القسم لا يصدر منه تعالى لأنه لا يفعل القبيح، وإن كان لو صدر منه على فرض المحال لكان قبيحاً لا كما يقوله الأشعري ـ بل (يصدر عنا خاصة) كإيلام بعضنا بعضاً من غير تعد ولا ترقب نفع أعظم (وبعضه حسن يصدر منه تعالى ومنّا و) وجه (حسنه) أحد أمور خمسة : (إما لاستحقاقه) كعقاب الله تعالى العصاة وضَرْبِنا من ضَرَبَنا قصاصاً، (أو لاشتماله على النفع) الذي هو أعظم من ذلك الإيلام كإيلام الله بعض المؤمنين بالمرض ليرفع درجته وضربنا أبناءنا على الكسب للانتفاع الموجب لاستقامة أمور المعاش والمعاد، (ودفع الضرر) كتمريض الله العاصي كفارة له كما ورد أن حمى ليلة كفارة سنة، وفصد أبنائنا لدفع الخطر المتجه عليهم من كثرة الدم، لكن يشترط في هذين القسمين زيادة النفع المجلوب والضرر المدفوع على الإيلام، ولذا قال : (الزائدين) إذ لو كانا مساويين له كان عبثاً ولو كانا أقل منه كان قبيحاً، (أو لكونه) أي الألم (عادياً) أي مما جرت به عادة الله تعالى حفظاً للنظام العام كما يفعل الله تعالى في الحي إذا ألقيناه في النار (أو) كونه واقعاً (على وجه الدفع) عن النفس كما إذا وقع دفعاً للصائل فتأمل.

(مسألة) (ولابد في) الألم الذي يفعله الله تعالى ابتداءاً وهو (المشتمل على النفع) الحاصل للمتألم (من اللطف) للمتألم أو لغيره، بمعنى أن إيلام الله الشخص ابتداءاً لابد وأن يشتمل على أمرين. (الأول) النفع الذي يعوضه الله عن ألمه وإلا لكان قبيحاً تعالى عنه. (الثاني) أن يكون لطفاً أي مقرباً للطاعة أو مبعداً للمعصية للمتألم أو لغيره، إذ لو كان بدون اللطف كان عبثاً وإن عوض المتألم النفع، إذ يكون حينئذ من قبيل كسر يد شخص ثم إعطائه ألف دينار. نعم يكفي في الألم كونه لطفاً بالنسبة إلى المتألم، فالمرض الموجب لتقريب العبد من الله سبحانه حسن لما سيأتي.

(مسألة) (ويجوز) في الألم الواقع على (المستحق) كالأمراض الواقعة على الكفار والفساق (كونه عقاباً) عاجلاً ويكون تعجيله قد اشتمل على مصلحة لبعض المكلفين، وخالف في ذلك بعض وجزم بكون أمراضهم محناً لا عقوبات، مستدلاً بأن المرض يجب الصبر عليه والرضا به والعقوبة ليست كذلك. وفيه أن كون العقوبة ليست كذلك دعوى بلا دليل.

(مسألة) المصنف (و) بعض آخر ذهبوا إلى أنه (لا يكفي اللطف في ألم المكلف في الحسن ولا يحسن مع اشتمال اللذة على لطفه) بمعنى أن إيلام المكلف غير حسن إذا لم يترتب على الألم سوى اللطف، بل لابد في حسنه ـ مضافاً على اللطف ـ أن يقع في مقابلته عوض من حصوله نفع أو دفع ضرر، واستدل لذلك بأن الطاعة الواقعة لأجل الألم بسبب اللطف يقابلها الثواب المستحق فيبقى الألم مجرداً عن النفع فيكون قبيحاً، لكن الظاهر من العلامة (ره) تبعاً لبعض المشايخ كفاية اللطف في حسن الألم. وهذا هو الأقرب إلى النظر لأنه لولا هذا الألم لم تحصل الطاعة المعوض عنها بالثواب، وهذا المقدار كاف في الحسن، ولذا حسن تحمل مشاق السفر لربح يقابل السلعة ولا يقابل مشاق السفر لما كان السفر علة في حصول الربح المقابل للسلعة.

(مسألة) (ولا يشترط في الحسن) أي حسن الألم الواقع من الله تعالى ابتداءاً (اختيار المتألم بالفعل) لما تقدم من أن اشتراط رضا الطرفين إنما يكون في النفع الذي يتفاوت فيه اختيارهما، أما النفع البالغ إلى حد لا يجوز فيه اختلاف الاختيار فلا يشترط فيه ذلك، بل يحسن ذلك وإن لم يحصل الاختيار بالفعل، ولذا حسن من العقلاء جبر الشخص على الحجامة إذا كان تركها في معرض الهلاك.

(مسألة) في العوض (والعوض نفع مستحق خالٍ عن تعظيم وإجلال) بخلاف الفضل فإنه نفع غير مستحق وبخلاف الثواب فإنه مستحق مع التعظيم والإجلال (ويستحق) العوض (عليه تعالى بـ) أمور :

الأول ـ (إنزال الآلام) بالعبد كالمرض والكسر والحرق والهدم والغرق ونحوها، فإنه يجب على الله تعالى عوضها وإلا كان ظلماً تعالى عن ذلك.

(و) الثاني ـ (تفويت المنافع) إذا كان (لمصلحة الغير) إذ لا فرق بينه وبين إنزال الألم، نعم لو كانت تفويت المنفعة لمصلحة نفسه مصلحة زائدة على المنفعة المفوتة لم يستحق عليه العوض. أما لمصلحة مساوية فالظاهر قبحه لأنه عبث.

(و) الثالث ـ (إنزال الغموم) بالعبد (سواء استندت إلى علم ضروري) كالعلم بذهاب الحق وتسلط الباطل ـ بالنسبة إلى المؤمن ـ (أو) استندت إلى علم (مكتسب) اكتسبه العبد بنفسه، إذ سبب العلم ضرورية ونظرية هو الله سبحانه (أو ظن) كأن يغتم عند إمارة وصول مضرة أو فوات منفعة، لأنه تعالى هو الناصب لإمارة الظن (لا ما تستند إلى فعل العبد) كما لو بحث فاعتقد جهلاً بنزول ضرر به أو فوات نفع فإنه لا عوض فيه عليه تعالى.

(و) الرابع ـ (أمر عباده بالمضار) كأمرهم بالجهاد والصوم والحج في الحر والبرد ونحو ذلك مما يتضمن إيلاماً، فإنه لولا العوض لكان قبيحاً. (و) كذا (إباحته) المضار لهم كإباحة قلع السن ونتف الشعر ونحوهما لاستلزام الإباحة الحسن، والألم إنما يحسن إذا اشتمل على المنافع العظيمة البالغة حداً يحسن الألم لأجلها.

(و) الخامس ـ (تمكين غير العاقل) كتمكين السباع من افتراس الإنسان والحشرات من ايذائه، فإنه تعالى بعد تكميل جهات الإيلام في الفاعل والقابل يكون كالمغري فيقبح عدم إيصال عوض إلى المتألم، وهذا (بخلاف) ما لو كان الإيلام بواسطة عاقل مثل (الإحراق عند الإلقاء في النار والقتل) للمشهود عليه (عند شهادة الزور) فإن تكوين الله تعالى النار محرقة وتشريعه القتل عند الشهادة من ظاهر العدالة لا يصح نسبة الألم إليه بل الألم عقلاً مستند إلى الفاعل المختار المتوسط. ولهذا وجب على الملقى والشاهد التدارك بالعوض ونحوه ـ فتأمل.

(مسألة) (والانتصاف) أي انتصاف المظلوم من الظالم (واجب عليه) تعالى (عقلاً) فإنه لو لم ينتصف كان كالحاكم القادر الذي لا ينتصف وقبحه معلوم عند كافة العقلاء، بل عدم انتصافه تعالى أولى بالقبح لأنه هو الذي مكّن الظالم وخلّى بينه وبين الظلم مع أنه يقدر على منعه وما مكن المظلوم من مكافاته (وسمعاً) كما يدل عليه متواتر الآيات والأخبار الدالة على قضاء الله تعالى بين عباده بالحق، وعلى هذا (فلا يجوز تمكين الظالم من الظلم) من (دون عوض) للمظلوم (في الحال يوازي الظلم) لأنه لو تمكن الظالم الذي ليس له عوض في الحال لأدّى ذلك إلى إضاعة حق المظلوم، وقد عرفت قبح ذلك على الحكم.

أقول : الذي يلزم على الحكم أمران : (الأول) تأديب الظالم على الظلم (والثاني) عدم ضياع حق المظلوم وتأديب الظالم، كما يمكن بأخذ العوض منه كذلك يمكن بتعذيبه وعدم ضياع حق المظلوم، كما يمكن بأخذ حقه من الظالم وإعطائه له كذلك يمكن بإعطاء حقه له من الخارج. فلو غصب زيد ديناراً من عمرو فحبس الحاكم الغاصب وأعطى من نفسه دينار للمغصوب منه لم يكن خلافاً للعدل. وعلى هذا فما ذكره المصنف (ره) لا يخلو عن نظر، مضافاً إلى أن تقييده بالحال لا يخلو عن إشكال حتى بناءاً على لزوم التعويض من الظالم إذ لو فرض انه سيكون للظالم حقاً يمكن أخذه في القيامة بدلاً عن حق المظلوم لم يكن خلاف العدل.

(مسألة) في كيفية إيصال العوض (فإن كان المظلوم من أهل الجنة فرّق الله تعالى أعواضه على الأوقات أو) أعطاه الله العوض دفعة واحدة و(تفضّل عليه بمثلها) فيما بعد، وإنما التزم بأحد الأمرين لأنه لو أعطاه العوض دفعة ثم انقطع حصل للمظلوم ألم وإيلام الشخص بلا سبب خلاف العدل (وإن كان) المظلوم (من أهل العقاب أسقط بها) أي بمقابل أعواضه (جزءاً من عقابه) لأنه لا فرق في العوض بين دفع الضرر وبين إيصال النفع. ثم إن إسقاط ذلك الجزء إما بالتفريق (بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق الناقص على الأوقات) فالكر من النار الذي يلزم تخفيفه عنه ـ مثلاً ـ لا يخفف عنه في يوم واحد بل يجعل مثاقيل ـ مثلاً ـ ويخفف كل يوم مثقالاً منه، أو تفضل عليه بتخفيف مثله فيما بعد بأن يخفف عنه في كل يوم كر، فالكر الأول عوض ما ظلم والأكرار الأخر تفضلاً. وقد يقال : إن وجه التفريق عدم ظهور الخفة للمعذب حتى يسر بذلك، لكن ما ذكرناه أولى وإنما التزم بأحد الأمرين لأنه لو تخفف عنه العوض مرة ثم اشتد عذابه كان إيلاماً له وقد عرفت قبح الإيلام بلا سبب.

أقول : لكن الذي يقرب في النظر عدم تمامية شقّي المسألة في طرف الثواب والعقاب، إذ العلم بكون الحق هذا المقدار مانع عن الألم للقطع، فهل يقول أحد أن دفع الدين إلى الدائن دفعة مورث للألم لأنه ينقطع عنه بعد ذلك مضافاً إلى أن الألم الحاصل ليس بسبب الحاكم بل بسبب عدم عمله بنفسه إما تقصيراً أو قصوراً في طرف الثواب، فمن جزاؤه في الجنة كل يوم دينار مثلاً لو أُعطي في اليوم الأول ألف دينار كان ألمه في اليوم الثاني بانقطاع تسعمائة وتسعة وتسعين مما سببه نفسه إما لقصوره في تحصيل الزائد ـ في الدنيا ـ وإما تقصيره في العمل وقت كونه في الدنيا، وأما في طرف العقاب فلا يكون إلا تقصيراً فمن علم ما يستوجب كل يوم كرين من النار إذا دفع عنه كر في اليوم الأول عوض ما ظلم يكون الكر أن في اليوم الثاني جزاء عمله، فهو الذي أوجب هذا الألم على نفسه.

هذا كله مضافاً إلى أنه يمكن دفع الألم عند انقطاع العوض بأن ينسى الله سبحانه المظلوم حين انقطاع العوض كونه كان قبل ذلك في نعمة أكثر ـ في طرف الثواب ـ أو في عذاب أخف في طرف العقاب. هذا كله ما تقتضيه قاعدة العدل في النظر والله أعلم بحقيقة الحال.

(مسألة) في أنه لا يجب دوام العوض. مثلاً : لو كان عوض ما ظلم ديناراً لم يلزم أن يعطي الله المظلوم كل يوم ديناراً. وقد اختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى أنه يجب دوام العوض، واستدل على ذلك بأمرين:

(الأول) ـ انه لو كان العوض منقطعاً لزم إيصاله في الدنيا لأنه إن انقطع وجب إيصاله في الدنيا لأن تأخير الواجب بعد وجوبه وانتفاء الموانع قبيح لأنه تأخير حق ذي الحق بلا سبب، بخلاف ما لو كان دائماً فإنه وإن كان حقاً واجباً إلا أن إيصال الدائم في الدنيا لما كان متعذراً جاز تأخيره في الآخرة والحاصل أن العوض إما دائم أو يلزم إعطاؤه في الدنيا لكن العطاء في الدنيا غير واقع فهو دائم.

(الثاني) ـ إن العوض لو كان منقطعاً لزم دوامه وهو خلف وما يتوقف على الخلف محال فليس بمنقطع بيان الملازمة : انه بانقطاعه يتألم صاحب العوض والألم يستلزم العوض فيلزم من انقطاعه دوامه. ولو قيل في بيان هذا الدليل هكذا : (العوض دائم إما بذاته أو بأعواض الآلام الحادثة بسبب الانقطاع) كان أوجه.

هذا، وذهب آخرون إلى عدم لزوم دوام العوض، واختاره المصنف (ره) بقوله : (ولا يجب دوامه) أي دوام العوض (لحسن الزائد بما يختار) المتألم (معه) أي مع ذلك الزائد (الألم وإن كان منقطعاً) يعني أن العوض إنما يحسن لأنه يشتمل على نفع زائد على الألم زيادة يختار معها المتألم ألمه. ومثل هذا النفع الزائد لا يستدعي أن يكون دائماً لجواز أن يكون بحيث يختاره المتألم مع كونه منقطعاً فلا يجب دوامه.

(و) أما ما استدل به القائل بالدوام فيرد على دليله الأول انه (لا يجب حصوله) أي حصول العوض (في الدنيا لاحتمال مصلحة التأخير)، فالمانع من الإعطاء في الدنيا هو تلك المصلحة الخفية لا أن المانع هو دوامه الذي لا يمكن حصوله في الدنيا، إذ هذا غير تام لإمكان الدوام من الحياة الدنيا إلى الآخرة لبقاء الروح بعد الموت (و) على دليله الثاني أن (الألم على القطع ممنوع) لجواز انقطاع العوض مع عدم شعور صاحبه بذلك (مع أنه غير محل النزاع) إذ النزاع في العوض المستحق لا العوض مطلقاً حتى يشمل العوض للألم الحاصل بالانقطاع.

(مسألة) ولا يجب إشعار صاحبه بإيصاله عوضاً) بل يجوز إيصاله إليه من غير إشعار المستحق. نعم لو تألم لما ظنه من انه لم يصل إليه لم يبعد لزوم الإشعار، لاستناد الألم حينئذ إلى الموصل الذي لم يشعره. ثم إنهم فرقوا بين الثواب والعوض من هذه الجهة، فقالوا بلزوم إشعار المثاب بالثواب لأنه يجب أن يقارن التعظيم ولا يحصل التعظيم إلا بأن يشعر بأنه ثواب ـ فتأمل.

(مسألة) (ولا يتعين) العوض في (منافع) خاصة بل يجوز جعل العوض كل منفعة بخلاف الثواب، فقالوا يجب أن يكون من جنس ما ألفه المكلف من الملاذ، وجعلوا أوجه الفرق ما تقدم من أنه يصح إيصال العوض إلى المستحق وإن لم يعلم انه عوض عما وصل إليه من الألم فصح إيصاله إليه بكل منفعة، بخلاف الثواب فإنه رغب فيه فتحمل المشاق لأجله فلابد أن يكون مما ألفه لأنه إنما يتحمل المشاق لأجل ما علمه ويلتذ به. وفي هذا الكلام نظر واضح لأنه إن كان الفارق لزوم العلم في الثواب دون العوض فإن العلم كما يمكن تعلقه بالمألوف يمكن تعلقه بغير المألوف، وإن كان الفارق أن تحمل المشاق ليس إلا للمألوف فإن غير المألوف إذا فرض كونه ألذ كان أولى عند العقلاء، مضافاً إلى أنه كثيراً ما يتحمل الشخص المشاق لغير المألوف، كما ورد في بعض الأخبار أن ثواب العمل الفلاني ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

(مسألة) (ولا يصح إسقاطه) أي إسقاط العوض فلا يصح للمظلوم إسقاط العوض عن الظالم وكذا لا يصح للمطيع إسقاط العوض لطاعته عن الله تعالى. وغاية ما استدل لذلك إما لعدم صحة إسقاط العوض عن الظالم فبأن مستحق العوض لا يقدر على استيفائه ولا على المطالبة ولا يعرف مقداره ولا جنسه، فصار كالصبي المولى عليه لا يصح له إسقاط حقه عن غريمه. وإما لعدم صحة إسقاطه عن الله تعالى فلأن إسقاطه عنه عبث لعدم انتفاعه به. وفي كلا الوجهين نظر أما قياس البالغ على الصبي فظاهر البطلان إذ الصبي ممنوع عن التصرف بخلاف البالغ، مضافاً إلى أن كل من لا يقدر على الاستيفاء للجهل يصح منه الإسقاط، ألا ترى انه يصح من الدائن إسقاط دينه وإن لم يعلم كميته وكيفيته وسائر خصوصياته. وأما أن إسقاط الحق عن الله تعالى عبث فغير مسلم إذ لا يلزم الإسقاط انتفاع الطرف بل قد يكون الإسقاط لانتفاع نفس المسقط وهذا منه، كما أن ما ذكره العلاّمة (ره) بقوله : (أما الثواب المستحق عليه فلا يصح منا هبته لغيرنا لأنه مستحق للمدح فلا يصح نقله إلى من لا يستحقه) منظور فيه، لحكم العقل والشرع بذلك، ولذا لا يزال العقلاء والمتشرعة يهدون ثواب أعمالهم وأعواضها إلى غيرهم من الأحياء والأموات.

(مسألة) (والعوض) الذي (عليه تعالى يجب تزائده إلى حد الرضا عند كل عاقل) بمعنى أن العوض الواجب عليه تعالى يجب أن يكون زائداً عن الألم الحاصل من أجله تعالى زيادة يرضى بها كل عاقل، كأن يعطى عوض ألمه يسوى دينار لأنه لولا ذلك لزم الظلم أما مع مثل هذا العوض فإنه يصير كأنه لم يفعل ـ فتأمل. (و) أما العوض الذي (علينا) للألم الحاصل بفعلنا فإنه (يجب مساواته) للألم لأن الزائد عليه ظلم بالنسبة إلى الظالم والناقص ظلم بالنسبة إلى المظلوم.

(مسألة) في أجل الحيوان. وإنما بحث عنه المتكلمون لأنهم يبحثون عن المصالح والألطاف، ومن الجائز أن يكون موت حيوان أو إنسان لطفاً لآخر أو مصلحة له. (وأجل الحيوان) هو (الوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياته فيه)، ويصح أن يقال : هو الوقت الذي يبطل حياته فيه.

(مسألة) في أجل المقتول (والمقتول يجوز فيه الأمران لولاه) أي لولا القتل كان يجوز موته ويجوز حياته في ذلك الوقت، وذلك لأن مقتضى البقاء لولا القتل غير معلوم يجوز وجوده ويجوز عدمه. وقد خالف في ذلك فريقان فزعم بعضهم أنه كان يبقى قطعاً، وعكس آخر فزعم انه كان يموت قطعاً. وكلا الزعمين عرى عن الشاهد وإن كان ربما يذكر لهما وجوه اعتبارية.

(مسألة) (ويجوز أن يكون الأجل) الذي هو عبارة عن الموت (لطفاً للغير) بأن يقربه للطاعة ويبعده عن المعصية، و(لا) يمكن أن يكون لطفاً (للمكلف) الميت لأن بالأجل ينقطع التكليف من المكلف وعند انقطاع التكليف لا يكون اللطف متحققاً اللهم إلا إذا فرض إحياؤه بعد ذلك كما في معاجز موسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم أجمعين.

(مسألة) في الأرزاق (والرزق ما صح الانتفاع به) سواء كان مأكولاً أو مشروباً أو ملبوساً أو منكوحاً أو مسكوناً أو نحوها كالأولاد والمناصب وغيرها (ولم يكن لأحد منعه) منه فإنه لو منعه كما لو أخذ المأكول خرج عن كونه رزقاً له. والنزاع في هذا المبحث لفظي (والسعي في تحصيله قد يجب) كما لو توقف عليه سد الرمق لنفسه أو لواجبي النفقة أو حفظ نفس محترمة عن الهلاك (و) قد (يستحب) كما لو كان للتوسعة على الأهل والضيافة ونحوها (و) قد (يباح) كما لو كان لتكثير المال فقط (و) قد (يحرم) إذا كان مانعاً عن واجب ـ إذا قلنا بأن الأمر بالشيء ينهى عن الضد ـ أو كان منهياً عنه من قبل المولى أو الوالد في صورة وجوب طاعته.

(مسألة) في الأسعار (والسعر تقدير العوض الذي يباع به الشيء) سواء كان ذلك الشيء طعاماً أو غيره وليس هو الثمن ولا المثمن (وهو) ينقسم إلى (رخص وغلاء) فالرخص هو السعر المنحط والغلاء عكسه (ولابد) في صدق الرخص والغلاء (من اعتبار العادة واتحاد الوقت والمكان) فإن انحطاط العوض إنما يكون رخصاً إذا كان الانحطاط عما جرت العادة بكونه عوضاً في ذلك الوقت وذلك المكان، وكذا ارتفاع العوض إنما يكون غلاءاً إذا كان الارتفاع على ما جرت العادة بكونه عوضاً في ذلك الوقت وذلك المكان. وإنما اعتبرنا الزمان والمكان لأنه لا يقال : (رخص الثلج في الشتاء) ولا يقال : (غلا في الصيف) نعم إذا نزل عن سعره في الشتاء يقال رخص، وإذا ارتفع عن سعره في الصيف يقال غلا، وكذا في المكان فالماء في الشاطئ لا يقال له رخص والماء في المفازة لا يقال له غلا إلا إذا نقص السعر في الأول عن مثله وغلا في الثاني عن قدره، كما لو جرت العادة بكون كل قربة في المفازة بدينار ثم صارت ألف دينار. (و) الرخص والغلاء قد (يستندان إليه تعالى) كما لو غارت العيون وانقطع المطر أو انعكس بأن زادت المياه واعشوشبت الأرض أكثر من كل سنة (و) قد يستندان (إلينا أيضاً) كما لو أمر السلطان بهذا أو ذاك أو نحو ذلك.

(مسألة) في الأصلح. اختلفوا في لزوم الأصلح على الله تعالى على أقوال :

(الأول) ـ انه يجب عليه الأصلح مطلقاً لأنه مع ثبوت القدرة ووجود الداعي، أعني كون الفعل إحساناً خالياً عن جهات المفسدة، وانتفاء الصارف أعني المفاسد في الفعل يلزم على الحكيم فعله لأن في تركه بخلا وهو لا يليق بالحكيم.

(الثاني) ـ انه لا يجب عليه مطلقاً لأن وجوبه يستلزم المحال، إذ لو فرضنا انتفاء المفسدة في الزائد عن القدر الأصلح الذي فعله مع ثبوت المصلحة فيه فإن وجب إيجاده لزم وقوع ما لا نهاية له لأنّا نفرض ذلك في كل زائد إلى غير النهاية وإن لم يجب ثبت المطلوب.

(الثالث) ـ التفصيل (و) هو أن (الأصلح قد يجب لوجود الداعي وانتفاء الصارف) وقد لا يجب مع عدم وجود الداعي أو وجود الصارف، وهذا هو الحق لأن ترك الأصلح مع وجود الشرطين إنما يكون بترجيح غير الأصلح وهو من ترجيح المرجوح على الراجح الذي هو أقبح من ترجيح أحد المتساويين على الآخر. ولا يرد إشكال النافين بقول مطلق إذ ما لا نهاية له محال والمحال صارف، فالإشكال في الحقيقة خروج عن مورد البحث، كما أن المثبت مطلقاً إن أراد ما ذكرناه كان قولاً بالتفصيل وإن أراد الأعم ورد عليه الإشكال بأنه مع وجود الصارف أو انتفاء الداعي لا يكون الترك بخلاً بل الفعل لغواً.

وقد أشكل القوشجي إشكالات على وجوب الأصلح ناشئة عن قلة التأمل فراجع. ثم إن الأظهر عندي أن يراد بالأصلح الأرجح من جميع الجهات فيقال بوجوبه بقول مطلق، ولعل النزاع بين الإيجاب مطلقاً وبين التفصيل لفظي.