الفهرس

فهرس المبحث الرابع

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

وجوب اللطف والتكليف

والتكليف حسن لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه.

بخلاف الجرح ثم التداوي والمعاوضات والشكر باطل ولأن النوع محتاج إلى التعاضد المستلزم للسنة النافع استعمالها في الرياضة وإدامة النظر في الأمور العالية وتذكر الإنذارات المستلزمة لإقامة العدل مع زيادة الأجر والثواب وواجب لزجره عن القبائح.

وشرائط حسنه انتفاء المفسدة وتقدمه وإمكان متعلقه وثبوت صفة زائدة على حسنه وعلم المكلف بصفات الفعل وقدر المستحق وقدرته عليه وامتنـــاع القبيح عليه وقدرة المكلف على الفعل وعلمه به أو إمكانه وإمكان الآلة ومتعلقه أما علم إما عقلي أو سمعي وإما ظن وإما عمل وهو منقطع للإجماع ولايصال الثواب. وعلة حسنه عامة.

وضرر الكافر من اختياره وهو مفسدة لا من حيث التكليف بخلاف ما شرطناه والفائدة ثابتة. واللطف واجب ليحصل الغرض به فإن كان من فعله تعالى وجب عليه وإن كان من المكلف وجب أن يشعره به ويوجبه وإن كان من غيرهما شرط في التكليف العلم بالفعل.

ووجوه القبح منتفية والكافر لا يخلو من اللطف والإخبار بالسعادة والشقاوة ليس مفسدة.

ويقبح منه تعالى التعذيب مع منعه دون الذم، ولابد من المناسبة وإلا ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين ولا يبلغ إلالجاء ويعلم المكلف اللطف إجمالاً وتفصيلاً ويزيد اللطف على جهة الحسن ويدخله التخيير ويشترط حسن البدلين.

(مسألة) في حسن التكليف (والتكليف حسن لاشتماله على مصلحة) هي عبارة عن استحقاق التعظيم الذي لولاه لكان قبيحاً وهي (لا تحصل بدونه) ثم إنه ربما أشكل على ذلك بأمور :

(الأول) ـ إن التكليف لأجل إيصال النفع بمنزلة من يجرح الإنسان ثم يداويه، فكما أن ذلك قبيح كذلك التكليف. وفيه أنه فرق بين التكليف وبين الجرح، فإن في التكليف منافع عظيمة مستمرة (بخلاف الجرح ثم التداوي) فإن التداوي لا يكون إلا للتخلص من تلك المضرة ثم رجوع الشخص إلى حالته السابقة، فالأشبه بالتكليف هو الاحتجام لأجل حفظ النفس عن الهلاك.

(الثاني) ـ إن التكليف لأجل نفع الطرف كالمعاوضة. فكما يشترط في المعاوضات كالبيع ونحوه رضا الطرفين حتى أنها بدون ذلك يكون قبيحاً كذلك يشترط في التكليف رضا الشخص وإلا كان قبيحاً. (و) الجواب أن كون التكليف مثل (المعاوضات) باطل، إذ المعاوضة إنما تحتاج إلى رضا الطرفين لاختلاف الأغراض في المعاوضات بخلاف التكليف، فإن الثواب الحاصل بسببه لا يدركه العقل كثرة حتى أن من لا يرغب فيه فهو من أسفه السفهاء.

(الثالث) ـ انه لم يعلم كون التكليف لأجل إيصال النفع، فمن المحتمل أن يكون للشكر على ما أنعم سابقاً فيكون مشقة بلا فائدة. (و) الجواب أن كون التكليف من قبيل (الشكر باطل) وإلا لخرجت النعمة بسبب وقوع المشقة في مقابلها عن كونها نعمة، مضافاً إلى أن الدليل دل على عدم ذلك، وإثبات هذا بالسمع لا يلزم الدور كما لا يخفى.

(مسألة) في دليل الحكماء على حسن التكليف (و) حاصله : أن الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده، (لأن) هذا (النوع محتاج إلى التعاضد) في تحصيل الغذاء واللباس والمسكن وغيرها والتعاضد لا يتحقق إلا بالإجتماع (المستلزم) لوقوع التشاجر والتنازع، لأن كل أحد يريد منافعه ويغضب على من يزاحمه فيها فلابد من رفع التشاجر ليستقيم الاجتماع، وذلك لا يكون إلا بشارع يمتاز بالمعجزة ليتبعه الكل، وحيث إن النبي لا يبقى في كل زمان كان بقاء العدل مستلزماً (للسنة النافع استعمالها في) أمور ثلاثة :

الأول ـ (الرياضة) للنفس باعتبار حفظها عن الشهوات ومنعها عن القوة الغضبية اللتين هما جناحاً الفساد.

(و) الثاني ـ (إدامة النظر في الأمور العالية) من المبدأ والمعاد والتفكر في صفات الله تعالى وعجائب خلقه ما توجب زيادة المعرفة وسعة الفكر للإطلاع على ما وراء المادة.

(و) الثالث ـ (تذكر الإنذارات) الشرعية (المستلزمة لإقامة العدل) في الدنيا (مع زيادة الأجر والثواب) في الآخرة.

(مسألة) اختلفوا في أن التكليف واجب أم لا؟ فذهبت الشيعة والمعتزلة إلى الوجوب بمعنى أن العقل يدرك حسن ذلك وقبح تركه، وذهبت الأشاعرة إلى العدم بناءاً على أصلهم من نفي الحسن والقبح العقليين. (و) المصنف ذهب إلى أنه (واجب لزجره عن القبائح) فإن الإنسان بمقتضى طبعه ميال للفساد فإذا لم يضع الله سبحانه القوانين المانعة ـ كل بخلقه ـ الميل في الإنسان دون وضعه للقوانين المصلحة مثل المغرى بالقبيح وهو قبيح. وهذا بخلاف ما إذا وضع التكليف فإنه إن انزجر عن الفساد حصل المطلوب، وإلا كان التقصير من العبد ولا يكون له حجة على الله.

(مسألة) في شرائط حسن التكليف (وشرائط حسنه) أي حسن التكليف أمور : منها ما يرجع إلى نفس التكليف، ومنها ما يرجع إلى المكلف به، ومنها ما يرجع إلى المكلِّف بالكسر ومنها ما يرجع إلى المكلف بالقبح :

أما ما يرجع إلى نفس التكليف فأمران : الأول : (انتفاء المفسدة) بأن لا يكون مفسدة لتكليف آخر ولا يكون مفسدة لمكلف آخر. مثلاً : التكليف بقراءة القرآن من أول الظهر إلى المغرب مفسدة للتكليف بصلاة الظهر، والتكليف بنهب مال الناس مفسدة لسائر المكلفين. (و) الثاني ـ (تقدمه) أي تقدم التكليف على الفعل زماناً يتمكن المكلف من الاشتغال بالتكليف، فالتكليف بالحج في وقت لا يتمكن المكلف من الإتيان به غير حسن.

(و) أما ما يرجع إلى المكلف به ـ أي نفس الفعل الذي أمر بإتيانه ـ فأمران : الأول ـ (إمكان متعلقه) فالتكليف بالمستحيل كاجتماع النقيضين غير حسن. (و) الثاني ـ (ثبوت صفة زائدة على حسنه) وقد عرفت سابقاً أن المراد بحسن الفعل مقابل الفعل غير الاختياري كحركة المرتعش. والحاصل أن يكون الفعل واجباً أو مندوباً لو أمر بفعله ومحرماً أو مكروهاً لو أمر بتركه.

(و) أما يرجع إلى المكلِّف بالكسر فثلاثة : الأول ـ (علم المكلف) بالكسر (بصفات الفعل) لئلا يكلف بإيجاد القبيح أو ترك الحسن. (و) الثاني ـ علمه بـ (قدر) الثواب أو العقاب (المستحق وقدرته عليه) لئلا ينقص الثواب ويزيد العقاب حتى يكون جوراً قبيحاً. (و) الثالث ـ (امتناع القبيح عليه) لئلا يخل بالواجب بأن لا يواصل الثواب إلى مستحقه.

(و) أما ما يرجع إلى المكلَّف بالفتح فأمران : الأول ـ (قدرة المكلف على الفعل) وإلا لم يحسن التكليف. (و) الثاني ـ (علمه به أو إمكانه) أي إمكان العلم. وقوله : (وإمكان الآلة) فهو من توابع القدرة على الفعل، إذ لو توقف الفعل على الآلة كالاستقاء من البئر كان المكلف بدون الآلة غير قادر على الفعل ـ فتدبر.

(مسألة) (ومتعلقه) أي ما يتعلق التكليف به (أما علم) بأن يكون التكليف تحصيل العلم وهو إما (عقلي) كالعلم بوجود الإله وصفاته، أو (سمعي) كالعلم بأحوال المعاد التي يجب العلم بها والنبوة والإمامة، (وإما ظن) كالظن بالقبلة والميقات وعدد الركعات ونحوها، (وإما عمل) كالصلاة والزكاة والحج والجهاد وغيرها.

(مسألة) (وهو) أي التكليف غير دائم إلى الأبد حتى في الجنة بل (منقطع) هناك (للإجماع) على أنه لا تكليف في الجنة (ولإيصال الثواب) فإن التكليف يستدعي المشقة والثواب يستدعي الخلوص عن المشقة فالجمع بينهما محال، فلو تحقق التكليف دائماً انتفى الثواب دائماً فلم يمكن إيصاله إلى المستحق ـ كذا ذكروا لكن لا يخفى ما فيه.

(مسألة) التكليف عام يشمل المؤمن والكافر والمطيع والعاصي (و) ذلك لأن (علة حسنه) وهي تعريض الشخص للثواب (عامة) تشمل الجمع وكلما وجدت العلة وجد المعلول. وقد أورد على ذلك بأمور.

(الأول) ـ إن تكليف الكافر والعاصي ضرر محض لأنه لولا التكليف لم يعاقبا وإنما عقابهما تبع لتكليف والتكليف الموجب لمفسدة المكلف قبيح (و) الجواب أن (ضرر الكافر) إنما هو (من) سوء (اختياره) لا أن التكليف بذاته ضرر وإلا لكان تكليف المؤمن ضرراً لاشتراكهما في أصل التكليف.

(و) الثاني ـ إنه قد تقدم سابقاً أن من شرائط حسن التكليف أن لا يكون مفسدة للمكلف ولا لغيره، وتكليف الكافر يستلزم المفسدة له فهو ليس بحسن. والجواب أنّا ـ وإن سلمنا كون تكليف الكافر (هو مفسدة) لكنا نقول : هذه المفسدة للكافر (لا) يكون (من حيث التكليف) بما هو تكليف بل إنما حصل من سوء اختياره (بخلاف ما شرطناه) فإن المفسدة التي شرطنا عدمها في حسن التكليف هي المفسدة الحاصلة من التكليف بذاته.

(الثالث) ـ إن تكليف الكافر لا فائدة فيه، إذ الفائدة من التكليف هي الثواب والمفروض عدم الثواب للكافر فيكون تكليفه عبثاً. (و) الجواب أن (الفائدة ثابتة) إذ الفائدة ليست هو الثواب بل التعريض وهو حاصل والثواب إنما هو فائدة امتثال المكلف للمكلف به وليس فائدة للتكليف.

(مسألة) في اللطف (واللطف) وهو ما يقرب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية ولم يكن له حظ في تمكين المكلف من الفعل ولم يبلغ حد الإلجاء واحترزنا بقولنا : (ولم يكن) الخ عن الآلة، فإن الآلة لها حظ في تمكين المكلف وليست لطفاً، وبقولنا : (ولم يبلغ) الخ عما يوجب الإلجاء، فإنه منافٍ للتكليف (واجب ليحصل الغرض) للمكلف بالكسر (به) وإلا لزم نقض الغرض. بيان الملازمة : أن المكلِّف (بالكسر) إذا علم أن المكلَّف (بالفتح) لا يطيع إلا باللطف وأراد الإطاعة ولم يفعل اللطف كان ناقضاً لغرضه ونقض الغرض قبيح فعدم اللطف قبيح، وما قبح عدمه وجب وجوده ـ في الحكمة ـ.

(مسألة) في أقسام اللطف وهي ثلاثة : لأنه إما أن يكون من فعل الله تعالى، وإما أن يكون من فعل المكلف، وإما أن يكون من فعل غيرهما. (فإن كان من فعله تعالى وجب عليه) لما تقدم من انه تعالى لو لم يفعله كان ناقضاً لغرضه وهو قبيح مستحيل عليه (وإن كان من) فعل (المكلف وجب) على الله (أن يشعره به ويوجبه) عليه ويعرفه إياه (وإن كان من) فعل (غيرهما شرط في التكليف) بالملطوف فيه (العلم بالفعل) بمعنى أن يعلم، المكلف أن ذلك الغير يفعل اللطف، مثلاً الصلاة طاعة وهي تتوقف على نصب الرسول حتى يبينها وعلى إتيان المكلف لها وعلى علم العبد بيان النبي (ص) لها فنصب الرسول واجب على الله سبحانه والبيان واجب على النبي، وتكليف الله للعبد بالصلاة مشروط بعلم العبد أن النبي بيّن الصلاة وإقامة الصلاة واجبة على المكلف، ويجب على الله سبحانه إيجابها عليه إذ لولا نصب الله للرسول وعلم العبد ببيان النبي وإيجاب الله على العبد الإتيان بها لم تحصل الصلاة التي هي الطاعة، فالأمور الثلاثة لطف لأنها مقربة للطاعة، وهكذا في اللطف المبعّد عن المعصية كاللطف المبعد عن المعصية كالزنا وشرب الخمر ونحوهما.

(مسألة) في بيان الاعتراضات الواردة على وجوب اللطف والجواب عنها. إعلم أن الشيعة والمعتزلة ذهبوا إلى وجوب اللطف لما تقدم، وخالفهم الأشاعرة فلم يوجبوه. واستدلوا بأمور : (الأول) ـ إن اللطف إنما يجب إذا خلا عن المفسدة إذ المصلحة وحدها غير كافية في الوجوب. والدليل الذي ذكره القائلون بالوجوب إنما يدل على وجود المصلحة، ومن المحتمل أن يكون اللطف مشتملاً على مفسدة لا يعلمونها فلا يكون واجباً. (و) الجواب أن (وجوه القبح منتفية) فإن جهات القبح معلومة لنا وليس في اللطف واحد منها.

(و) الثاني ـ إن الكافر إن كلف مع وجود اللطف لزم كونه مؤمناً وهو خلف، وإن كلف مع عدمه لزم عدم وجوب اللطف وهو خلاف ما ذكرتم من وجوبه. والجواب اختيار الشق الأول وهو أن (الكافر لا يخلو من اللطف) لكن اللطف ليس معناه ما يجب الطاعة عند وجوده بل معناه ما سبق من انه مقرب للطاعة، والمقرب إنما يرجح وجود الطاعة لا انه يوجبها.

(و) الثالث ـ إن اللطف لو كان واجباً عليه تعالى لما صدر عنه ما ينافيه ـ إذ الجمع بين المتنافيين محال ـ لكنه صدر منه ما ينافيه، فليس اللطف واجباً. والدليل على أنه صدر منه تعالى ما ينافيه انه أخبر بأن بعض الناس من أهل الجنة وبعضهم من أهل النار، والإخبار بأن فلاناً من أهل الجنة يوجب بعده عن الطاعة وقربه إلى المعصية ـ لأنه يتكل على خبره تعالى ـ وكذا الإخبار بأن فلاناً من أهل النار ـ لأنه ييأس فلا يعمل الطاعة ويعمل المعصية. والجواب أن (الإخبار بالسعادة والشقاوة ليس مفسدة) وخلافاً لللطف، إذ الإخبار بدخول الجنة إنما هو بالنسبة إلى من يعلم الله تعالى عدم إقدامه على المعصية كالأنبياء والإخبار بدخول النار إنما هو بالنسبة إلى من يعلم تعالى أنه لا يصدق أبداً ـ ولو لم يخبر بهذا الخبر ـ كإبليس وأبي لهب.

(و) الرابع ـ إنه لو كان اللطف دخيلاً في عدم المعصية ـ كما ذكرتم من انه مبعد للمعصية ـ لم يكن عقاب عليها بدون اللطف، إذ العقاب تابع للمعصية التابعة لعدم اللطف، فلا يمكن إتيانه تعالى بسبب المعصية الذي هو ترك اللطف ثم عقاب العبد على المعصية المتفرعة عن هذا الترك، لكن العقاب بدون اللطف جائز كجواز الذم بدون اللطف، فإنه يذم من قتل شخصاً وإن لم يكن هناك بيان من الله سبحانه، فلا دخالة لللطف في عدم المعصية. والجواب منع قولكم العقاب كالذم فكما يجوز الذم بدون اللطف يجوز العقاب بدونه لأنه (يقبح منه تعالى التعذيب مع منعه) أي منع اللطف (دون الذم) فإنه لا يقبح الذم مع منع اللطف، لبداهة جواز ذم قاتل النفس الذي لم تبلغه الشريعة دون عقابه. هذا ما فهمناه من هذا الكلام، لكن العلامة (ره) وتبعه القوشجي فسّراه بما لا يرتبط بما قبله من الإشكالات ولا بما بعده.

(مسألة) في أحكام اللطف (و) هي خمسة :

(الأول) ـ إنه (لابد من المناسبة) بين اللطف والملطوف فيه، والمراد بالمناسبة كون اللطف بحيث يكون حصوله داعياً إلى حصول الملطوف فيه مثلاً إيجاب الصلاة لطف بالنسبة إلى الصلاة لا بالنسبة إلى الزكاة، (وإلا) فلو لم تشترط المناسبة لم يكن كون وجوب الصلاة لطفاً بالنسبة إلى الزكاة أولى من كون وجوب الحج لطفاً فيها، ولم يكن كون الصلاة ملطوفاً فيها بالنسبة إلى وجوب الصلاة أولى من كون الصلاة ملطوفاً فيها بالنسبة إلى وجوب الحج. وهذا مراد المصنف (ره) من قوله : (ترجح بلا مرجح بالنسبة إلى المنتسبين) أي اللطف والملطوف فيه. وإن شئت توضيح ذلك فسَمِّ اللطف سبباً والملطوف فيه مسبباً وقل : لو لم تشترط مناسبة بين السبب والمسبب لم يكن هذا السبب أولى بهذا المسبب من سبب غيره ولم يكن هذا المسبب أولى بهذا السبب من مسبب غيره، فالنار ليست أولى بالإحراق من الماء والإحراق ليس أولى بالنار من التبريد.

(و) الثاني ـ أن (لا يبلغ) اللطف في استدعاء الملطوف فيه إلى حد (الإلجاء) وإلا لم يكن لطفاً، لأن اللطف هو المقرب للطاعة لا الجابر عليها.

(و) الثالث ـ أن (يعلم المكلف اللطف) والملطوف فيه والمناسبة بينهما، كأن يعلم أن الصلاة ما هي ويعلم وجوبها ويعلم المناسبة بين الوجوب وبين الصلاة، أما لو لم يعلم مهية الصلاة أو لم يعلم معنى الوجوب أو لم يعلم أن الواجب عليه هو الصلاة لم يكن اللطف داعياً إلى فعل الملطوف فيه.

ثم إن كفى العلم (إجمالاً) فاللازم أن يعلم ذلك إجمالاً، كما لو علم وجوب أحد الصلاتين عليه فإنه كافٍ في المقربية إلى الطاعة لإلزام العقل بالإتيان بهما، (و) إن لم يكف العلم إجمالاً فاللازم أن يعلم اللطف (تفصيلاً) مثلاً : لو دار الأمر بين المحذورين لا يكفي العلم الإجمالي بوجوب أحدهما بل يلزم العلم التفصيلي في المقربية إلى الطاعة.

(و) الرابع ـ أن (يزيد اللطف على جهة الحسن) فجهة الحسن كون الفعل اختيارياً ـ كما عرفت من انه المراد بالحسن المصطلح ـ وهذا غير كافٍ في اللطف ـ أي المقربية إلى الطاعة ـ فإن كون الفعل اختيارياً لا يوجب القرب إلى الطاعة بل الموجب للقرب إليها كونه واجباً أو مندوباً.

(و) الخامس ـ إن اللطف (يدخله التخيير) بمعنى انه يمكن أن يكون إيجاب أحد الفعلين على سبيل البدل مقرباً للطاعة كالكفارات الثلاث. فإذا شئت جمع الأحكام الخمسة في مثال قلت : إيجاب الصلاة لطف والصلاة ملطوف فيها، لأن الصلاة طاعة وإيجابها مقرب للطاعة، وقد عرفت أن اللطف معناه المقرب للطاعة. وفي المثال (1) تجب المناسبة بين إيجاب الصلاة والصلاة بمعنى دعوة هذا الإيجاب إلى الصلاة ـ لا إلى الزكاة مثلاً ـ (2) ويلزم أن لا يكون إيجاب الصلاة جبراً عليها، فالجبر على الصلاة لا يسمى لطفاً (3) ويلزم أن يعلم المكلف أن الصلاة واجبة تفصيلاً أو يعلم أن الصلاة واجبة أو الزكاة إجمالاً، فلو لم يعلم لم يكن إيجاب الصلاة واقعاً لطفاً (4) ولا يكفي في التسمية باللطف كون الصلاة اختيارية بل إيجاب الصلاة أو استحبابها لطف لأن إيجابها أو استحبابها يقرب العبد إلى الصلاة التي هي طاعة، لا مجرد كونها فعلاً اختيارياً (5) ويكفي في المقربية إلى الطاعة إيجاب الصلاة أو الزكاة على سبيل التخيير، فليس اللطف منحصراً في إيجاب شيء معين.

(ويشترط) في اللطف التخييري (حسن البدلين) بمعنى أن يكون كل واحد من شقّي التخيير حسناً ليس فيه وجه قبح، فإيجاب الظلم أو الصلاة على سبيل التخيير ليس لطفاً. قال العلامة (ره) : وهذا مما لم تتفق عليه الآراء : فإن جماعة من العدلية ذهبوا إلى تجويز كون القبيح كالظلم منا لطفاً قائماً مقام أمراض الله تعالى، واستدلوا بأن وجه كون الألم من فعله تعالى لطفاً هو حصول المشاق وتذكر العقاب وذلك حاصل بالظلم منا فجاز أن يقوم مقامه، وهذا ليس بجيد لأن كونه لطفاً جهة وجوب والقبيح ليس له جهة وجوب، واللطف إنما هو في علم المظلوم بالظلم لا في نفس الظلم كما تقول : إن العلم بحسن ذبح البهيمة لطف لنا وإن لم يكن الذبح نفسه لطفاً.