الفهرس

فهرس المبحث الرابع

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

في أفعاله تعالى

الفصل الثالث في أفعاله : الفعل المتصف بالزائد إما حسن أو قبيح. والحسن أربعة وهما عقليان للعلم بحسن الإحسان وقبح الظلم عن غير شرع ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً ولجار التعاكس ويجوز التفاوت في العلم لتفاوت التصور وارتكاب أقل القبيحين مع إمكان التخلص والجبر باطل واستغناؤه وعلمه تعالى يدلان على انتفاء القبح عن أفعاله مع قدرته عليه لعموم النسبة.

ولا تنافي الامتناع اللاحق ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه وإرادة القبيح قبيحة وكذا ترك إرادة الحسن.

والأمر والنهي وبعض الأفعــال مستندة إلينا والمغلوبية غير لازمة والعلم تابع والضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا.

والوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب والإيجاد لا يستلزم العلم إلا مع اقتران القصد فيكفي الإجمال، ومع الاجتماع يقع مراده تعالى والحدوث اعتباري، وامتناع الجسم لغيره وتعذر المماثلة في بعض الأفعال لتعذر الإحاطة ولا نسبة في الخيرية بين فعلنا وفعله تعالى والشكر على مقدمات الإيمان والسمع متأول ومعارض مثله.

والترجيح معنا، وحسن المديح والذم على المتولد يقتضي العلم بإضافته إلينا والوجوب باختيار السبب لاحق.

والذم في إلقاء الصبي عليه لا على الإحراق. والقضاء والقدر إن أُريد بهما خلق الفعل لزم المحال والإلزام صح في الواجب خاصة أو الإعلام صح مطلقاً.

وقد بينه أمير المؤمنين (ع) في حديث الأصبغ.

والإضلال إشارة إلى خلاف الحق وفعل الضلالة والإهلاك، والهدى مقابل له، والأولان منفيان عن الله تعالى. وتعذيب غير المكلف قبيح وكلام نوح مجاز والخدمة ليست عقوبة له والتبعية في بعض الأحكام جائزة.

(الفصل الثالث في أفعاله) تعالى (الفعل) إما أن لا يوصف بأمر زائد على حدوثه كحركة النائم والساهي وإما أن يتصف بالزائد و(المتصف بالزائد إما) أن تكون الزيادة في طرف الحسن فهو (حسن أو) تكون الزيادة في طرف القبح فهو (قبيح. والحسن أربعة) أقسام : واجب ومندوب ومباح ومكروه، لأنه إما أن يستحق بفعله مدح أم لا، والأول إن استحق بتركه ذم فهو واجب وإلا فمندوب، والثاني إن استحق بتركه ذم فمكروه، وإلا فمباح.

هذا، وقد يقسم الفعل إلى اختياري وغير اختياري، والأول إما أن يتصف بحسن أو قبح أو لا. فالثاني المباح والأول إما أن يتصف بحسن يستحق تاركه الذم فهو الواجب أو لا فهو المندوب، وإما أن يتصف بقبح يستحق فاعله الذم فهو الحرام أو لا فهو المكروه.

(مسألة) (وهما) أي الحسن والقبح (عقليان) كما ذهب إليه المعتزلة والشيعة، خلافاً للأشاعرة الذاهبين إلى عدم حكم العقل بذلك بل هما شرعيان فما حكم الشرع بحسنه فهو حسن وما حكم بقبحه فهو قبيح. ويدل على صحة المذهب الأول وجوه :

(الأول) ـ ما أشار إليه بقوله : (للعلم بحسن الإحسان وقبح الظلم من غير شرع) ولهذا يحكم بهما من ينفي الشرائع.

(الثاني) ـ ما أشار إليه بقوله : (ولانتفائهما مطلقاً) عقلاً وشرعاً (لو ثبتا شرعاً) يعني أن المدار في الحسن والقبح لو كان هو الشرع لزم انتفاء الحسن والقبح شرعاً وعقلاً والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الملازمة : إما انتفاء الحسن والقبح العقليين فواضح، وإما انتفاؤهما شرعاً فلأن ثبوتهما مستلزم للدور والدور محال فثبوتهما شرعاً محال. بيان الاستلزام : أن الحسن والقبح متوقفان على الشرع والشرع متوقف على الحسن والقبح، إذ لولا قبح اجراءاته تعالى المعجزة على أيدي الكذابين أمكن ذلك وحيث أمكن ذلك لم يثبت الشرع.

(الثالث) ـ ما أشار إليه بقوله : (ولجاز التعاكس) في الحسن والقبح بأن يحسِّن الشارع القبيح ويقبِّح الحسن، والضرورة قاضية بخلافه لبداهة أن الشارع لا يحسّن القتل بلا سبب ولا يقبّح الإحسان بلا سبب. استدل الأشعري لانتفائهما عقلاً بأمور.

(الأول) ـ انه لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح الظلم ضرورياً لم يكن فرق بينه وبين العلم بالضروري ككون الواحد نصف الإثنين والكل أعظم من الجزء، لكن ليس كذلك للاختلاف في الأول دون الثاني فليس العلم بذلك ضرورياً. (و) الجواب ـ مضافاً إلى النقض بأن السوفسطائيين شككوا في الثاني أيضاً فليس كل تشكيك دليلاً لعدم البداهة ـ انه (يجوز التفاوت في العلم) بالضروريات (لتفاوت التصور) فمن يتصور الأطراف حق التصور يكون الشيء لديه بديهياً ومن لم يتصورها كذلك لا يكون لديه بديهياً.

(الثاني) ـ انه لو كان الحسن والقبح عقليين لما طرأ على الحسن قبح كقبح الصدق المستلزم لهلاك النبي، وعلى القبيح حسن كحسن الكذب المستلزم لانقاذه لكن الحسن قد يكون قبيحاً والقبيح قد يكون حسناً. وهذا دليل عدم كونهما عقليين، إذ الأحكام العقلية لا يمكن انقلابها كما لا يمكن انقلاب زوجية الأربعة إلى الفردية وفردية الثلاثة إلى الزوجية وأعظمية الكل إلى أعظمية الجزء ونصفية الثلاثة للستة للعكس. (و) الجواب أنّا لا نسلم الانقلاب في الكذب المنجي والصدق المهلك بل هما باقيان على ما كانا إلا أن الأمر دائر بين الفاسد والأفسد والقبيح والأقبح، والعقل يلزم (ارتكاب أقل القبيحين مع) أنه في المثال لا نسلم أصل الدوران بين القبيح والأقبح لـ (إمكان التخلص) من الكذب بالتورية. نعم في مثل ما لو قال : (أكذب غداً كذبة) يدور الأمر بين أن يكذب للوفاء بالوعد وبين أن لا يكذب تجنباً عن قبحه، لكن العقل يرى عدم الوفاء أقل قبحاً من الكذب فيلزم ذلك ترجيحاً للفاسد على الأفسد.

(الثالث) ـ إنه لو كان الحسن والقبح عقليين لما كان شيء من أفعال العباد حسناً ولا قبيحاً عقلاً والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية : أن العبد مجبور في أفعاله ولا شيء من أفعال المجبور بحسن ولا قبيح عقلاً، وهذا بخلاف ما لو قلنا بكونهما شرعيين إذ أفعال المجبور حسن وقبيح شرعاً. (و) الجواب أن (الجبر باطل)، والفرق بين العقل والشرع في عدم تحسين العقل وتقبيحه فعل المجبور بخلاف الشرع باطل أيضاً، لما سيأتي من بطلان الجبر وقبح تحسين الشرع وتقبيحه للمجبور.

(مسألة) في أنه تعالى لا يفعل القبيح. إعلم أن القبيح لا يصدر إلا عن أحد شخصين : الأول الجاهل بالقبح، الثاني المحتاج إليه. لا يقال : يمكن صدوره عن ثالث وهو العابث وإن كان عالماً بقبحه غير محتاج إليه. لأنّا نقول : العابث داخل في المحتاج لأنه لو لم يحتج إلى التلهي ونحوه لم يعبث. (و) إذا تقرر هذا قلنا : (استغناؤه وعلمه تعالى) بالقبائح (يدلان على انتفاء القبح عن أفعاله) ومن القبيح الإخلال بالواجب في الحكمة فهو تعالى لا يخل بواجب ولا يفعل قبيحاً. ثم إن بعضهم ذكر موافقة الأشعري لهذا الأصل وبعضهم ذكر مخالفته له. والظاهر أن النزاع لفظي إذ الأشعري يوافق على هذا الأصل بناءاً على أن كل ما يفعله سبحانه حسن وليس عليه واجب فلا يفعل قبيحاً ولا يخل بواجب لانتفاء الموضوع، ولا يوافق عليه بناءاً على أن من الأفعال قبيحاً بذاته ـ فعله الله تعالى أو لم يفعله ـ ومن الأمور واجباً كذلك.

(مسألة) لا يخفى أن القبيح الذي لا يفعله الله تعالى إنما لا يفعله (مع قدرته عليه) فهو قادر على القبيح ولا يفعله (لعموم النسبة) أي نسبته إلى المقدورات، لما سبق من أن نسبة القدرة إلى جميع الممكنات على السواء والقبائح منها فيكون قادراً عليها. وما ذكره النظام من انه تعالى لا يقدر على القبيح في غير محله.

إن قلت : إن وقوع القبيح منه يتوقف على الجهل أو الحاجة ـ كما سبق ـ وحيث إنهما مستحيلان في حقه تعالى فوقوع القبيح مستحيل منه تعالى. قلت : هذا الدليل إنما يثبت عدم وقوع القبيح منه تعالى لا عدم قدرته على القبيح، (و) من المعلوم أن القدرة (لا تنافي الامتناع اللاحق) للممكن بسبب خارج وهو المنافاة للحكمة.

(مسألة) في أنه تعالى يفعل لغرض. ذهبت الأشاعرة إلى انه سبحانه لا يفعل الأفعال لغرض، لأن كل فاعل لغرض وقصد ناقص مستكمل بذلك الغرض والله تعالى يستحيل عليه النقصان (و) لكن المعتزلة والشيعة ذهبوا إلى أنه سبحانه يفعل الفعل لغرض وقصد لأن (نفي الغرض يستلزم العبث) والعبث قبيح، وقد عرفت أن الله لا يفعل القبيح، وما استدل به الأشاعـــرة لمذهبهم غير تام إذ الفاعل إن فعل لغرض يعود إليه كان مستكملاً، (و) الغرض في فعل الله ليس كذلك فإنه (لا يلزم عوده إليه) تعالى بل يفعل لغرض نفع العباد. وما في الحديث القدسي المشتهر (خلقتك لأجلي وأحببت أن أعرف) معناه لأجل عبادتي ونحوها. ومن المعلوم عود فائدتها إليهم وكذلك محبة العرفان عائدة إليهم لا إليه.

(مسألة) في أنه تعالى لا يريد القبيح ولا يأمر به ويريد الحسن ويأمر به. ذهبت الأشاعرة إلى أن الله تعالى يريد الكائنات ـ حسنة كانت باصطلاح المعتزلة أم قبيحة ـ ولا يريد ما ليس بكائن ـ كذلك ـ (و) الحق الذي ذهبت إليه الشيعة والمعتزلة خلافه فالله يريد الحسن وقع إن لم يقع ولا يريد القبيح وقع أم لم يقع، إذ (إرادة القبيح قبيحة وكذا ترك إرادة الحسن)، وقد تقدم أن الله لا يفعل القبيح. ثم إن الفريقين بنوا على هذا المبنى مسألة أخرى فقالت الأشاعرة : إن الله تعالى يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. فإنه يأمر الكافر بالإيمان ولا يريد منه ويأمر العاصي بالطاعة ولا يريد منه وينهى الكافر عن الكفر ويريده منه وينهى العاصي عن المعصية ويريدها منه. والشيعة والمعتزلة خالفوهم في ذلك فقالوا : الله تعالى يأمر بما يريد (و) كذا ينهى عما لا يريد، إذ (الأمر) بما لا يراد قبيح (والنهي) عما يراد أيضاً قبيح وقد عرفت انه سبحانه لا يفعل القبيح.

إحتج الأشعري على أن إرادة الله متعلقة بكل كائن بأنه خالق للكائنات من غير إكراه فيكون مريداً لها. (و) الجواب عدم تمامية أن الله خالق كل كائن بل (بعض الأفعال مستندة إلينا) لما سيأتي من بطلان كون أفعال العباد مخلوقة له. واحتج على أن إرادة الله غير متعلقة مما ليس بكائن بأمرين. (الأول) انه لو أراد الله من الكافر والعاصي الإيمان والطاعة ثم لم يقع مراده تعالى ويقع مرادهما لزم كونه أضعف منهما وهو باطل بالضرورة، وعليه فلا يريد الإيمان والطاعة. (و) الجواب أن (المغلوبية غير لازمة) لأنه تعالى لا يريد الإيمان والطاعة جبراً بل يريدهما بالاختيار، بمعنى أن الله يريد تشريعاً ـ لا تكويناً ـ أن يأتي الكافر بالإيمان عن إرادته واختياره، فعدم إيمانه لعدم اختياره لا يستلزم مغلوبيته تعالى وغالبية الكافر. (الثاني) انه تعالى علم عدم وقوع الإيمان من الكافر وعدم وقوع الطاعة من العاصي، وما علم تعالى عدمه يستحيل وقوعه ـ وإلا انقلب علمه جهلاً وهو مستحيل ـ وما يستحيل وقوعه لا يريده. (و) الجواب أن (العلم تابع) للمعلوم والتابع لا يؤثر في إمكان المتبوع أو امتناعه. والحاصل منع قولهم ما علم تعالى عدمه يستحيل وقوعه.

(مسألة) في الجبر والاختيار (والضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا) فإن كل أحد يجد من نفسه بين حركتي المختار والمرتعش والنازل من الدرج والهاوي، ويعلم أن الأولين يستند إلى قدرته دون الأخيرين. وهذا هو مذهب كافة العقلاء خلافاً للأشعري فإنه ذهب إلى أن القدرة لا تأثير لها في الأفعال بل انه تعالى أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارناً لهما فيكون فعل العبد مخلوقاً لله تعالى إبداعاً احداثا، وللعبد الكسب، والمراد بالكسب كون الفعل مقرون بإرادة العبد بدون أن يكون من العبد تأثير أو مدخلية سوى وجود الفعل فيه. قال : والفرق بين حركة المرتعش وحركة اليد عدم تقارن الفعل للإرادة في الأول دون الثاني. وهذا القول حيث صادم الضرورة لا محل للاعتناء به وإلا فما يرد عليه كثير جداً.

ثم إن الأشاعرة استدلوا لمذهبهم بوجوه :

(الأول) ـ إن حين صدور الفعل من العبد إما أن يمتنع لا صدوره ـ وهو الجبر ـ، أو لا يمتنع بل يجوز كل من الصدور واللاصدور، وحينئذ فإما أن يتساوى الطرفان ـ وهو مستلزم للترجيح بلا مرجح ـ، أو يترجح جانب الصدور، فننقل الكلام في ذلك المرجح فإن لم يكن ملزماً للفعل احتاج إلى مرجح آخر.. ولزم التسلسل ـ وإن كان ملزماً لزم الجبر. (و) الجواب أنّا نختار الشق الأخير ـ أي كون المرجح ملزماً ـ ولا يلزم الجبر، لأن الفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن وبالنظر إلى داعيه واجب، و(الوجوب للداعي لا ينافي القدرة) فإن الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحققه كما لا يخفى وهذا الجواب عن الدليل حلّي، ثم أشار المصنف (ره) إلى جواب نقضي بقوله (كالواجب) فإنه لو تم دليل الأشعري لدلّ على أنه تعالى لا يوجد فعله بالقدرة والاختيار لجريان هذا الدليل فيه تعالى حرفاً بحرف، لكن الأشعري يسلم اختياره تعالى ولازم ذلك بطلان دليله.

(الثاني) ـ إن العبد لو كان موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها ـ إذ الفعل الاختياري لا يقع إلا عن العلم ضرورة ـ لكن العبد غير عالم بجزئيات فعله، لبداهة أن الماشي إلى مقصد لا يعلم تفاصيل الأجزاء التي بين المبدأ والمنتهى، والناطق لا يعلم تفاصيل المخارج والهيئات إلى غير ذلك، فلا يكون موجداً لأفعال نفسه. (و) الجواب أن (الإيجاد لا يستلزم العلم) فإن النار تحرق بدون العلم بالإحراق والنائم يتحرك بدون علم بذلك (إلا مع اقتران القصد) فإنه يستلزم العلم لكن لا يستلزم العلم التفصيلي، (فيكفي الإجمال) والعلم الإجمالي حاصل في الحركات الجزئية بين المبدأ والمنتهى ومخارج الحروف والهيئات في التكلم. وإن شئت قلت : لو أردتم من قولكم (لكان عالماً بها) العلم التفصيلي فهو ممنوع لعدم الدليل عليه، وإن أردتم العلم الإجمالي فهو حاصل، فقولكم (لكن العبد غير عالم) الخ لا يصلح صغرى لهذه الكبرى لعدم تكرر حد الوسط.

(الثالث) ـ إن العبد لو كان موجداً لفعل نفسه ثم أراد تحريك حجر مثلاً وأراد الله تعالى سكونه فإما أن يقع المرادان وهو باطل أو لا يقع شيء منهما وهو باطل أيضاً، وإما أن يقع أحد المرادين وهو ترجيح بلا مرجح لفرض استقلال كل من القدرتين في التأثير. (و) الجواب انه (مع الاجتماع يقع مراده تعالى) لأنه أقوى الإرادتين وهذا هو المرجح.

(الرابع) ـ إن الفاعل لابد وأن يكون مخالفاً لفعله في الجهة التي بها يتعلق الفعل، ولذا تؤثر النار في النار والبرد في البرد، إذ مع التساوي لا ترجيح لتأثير هذا في ذاك على تأثير ذاك في هذا. وإذا تبين هذه الكلية نقول : الممكن حادث فلا يؤثر في الفعل الذي هو حدوث (و) الجواب بعد النقض بأن الله موجود ويؤثر في الجود أن الفاعل لا يؤثر في (الحدوث) الذي هو (اعتباري) بل يؤثر في المهية والمهية مغايرة لنا، وإنما كان الحدوث اعتبارياً لأنه لو كان خارجياً لزم التسلسل.

(الخامس) ـ إن العبد لو كان موجداً لفعل نفسه لجاز أن يوجد الجسم أيضاً، لأن المصحح لتعلق الإيجاد بفعل نفسه هو الإمكان وهو متحقق في الجسم أيضاً. (و) الجواب أن (امتناع) صدور (الجسم) عنا ليس لكونه ممكناً حتى يعم الامتناع بل (لغيره) أي المانع خارج وهو أما جسم، والجسم لا يؤثر في الجسم لما تقدم من امتناع صدور الشيء عن مثله.

(السادس ) ـ إن العبد لو كان قادراً على إيجاد فعل لكان قادراً على إيجاد مثله، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد، لكنّا لا نقدر على إيجاد المثل من كل جهة، ولذا يختلف خطا الكاتب ولو دقق في المرة الثانية، فلا نقدر على إيجاد الفعل، (و) الجواب (أولاً): إن بعضً الأفعال لا يتعذر فيه المماثلة (وثانياً): إن (تعذر المماثلة في بعض الأفعال) الآخر ليس بسبب عدم وقوعه تحت القدرة بل (لتعذر الإحاطة) بما فعلناه أو لا بجميع خصوصياته هذا مضافاً إلى أن الفعل الاختياري لا يستلزم كون جميع خصوصياته صادرة عن الاختيار، فإن المرتعش الذي يكتب تكون الكتابة فعله وإن لم يصدر منه جميع خصوصيات الخط، وحالنا بالنسبة إلى الدقائق المكتنفة بالأفعال كذلك، فإن الصادر منا أصل العمل لا خصوصياته القهرية، والاختلاف بين الفعلين إنما هي في تلك الخصوصيات. ومثل هذا لا يوجب الخروج عن القدرة ـ فتأمل.

(السابع) ـ انه لو كان العبد موجداً للأفعال لكان بعض أفعاله أحسن من أفعال الله تعالى، فإن الإيمان فعل العبد وخلق العقرب فعل الله تعالى، والإيمان أحسن من خلق العقرب وسائر المؤذيات، لكن التالي باطل إجماعاً فالمقدم مثله. (و) الجواب ـ وإن لم يستحق مثل هذه المهزلة الجواب ـ انه (لا نسبة في الخيرية بين فعلنا وفعله تعالى) إذ النسبة في الخيرية إنما تكون بين المتحدين نوعاً وفعلنا وفعله تعالى ليس من هذا القبيل. قال العلامة : وإعلم أن هذه الشبهة ركيكة جداً، وإنما أوردها المصنف (ره) هنا لأن بعض الثنوية أورد هذه الشبهة على ضرار بن عمرو فأذعن لها والتزم بالجبر لأجلها.

(الثامن) ـ انه لو كان الإيمان والطاعة من فعل العبد لم يكن معنى لشكر الله تعالى عليهما، لأن شكر الغير على فعل النفس قبيح لكن الشكر عليها حسن بالإجماع فليسا من فعلنا (و) الجواب أن (الشكر) ليس على نفس الإيمان والطاعة بل (على مقدمات الإيمان) والطاعة من إعطاء الفهم والجوارح والهداية ونحوها.

(التاسع) ـ انه ورد في القرآن والسنة طوائف من الآيات والأخبار تدل على الجبر كقوله تعالى : (خلق كل شيء، والله خلقكم وما تعملون) إلى غير ذلك. (و) الجواب أن ماورد من أدلة (السمع) مما ظاهره الجبر (متأول) كما لا يخفى على من راجع تفاسير الشيعة والمعتزلة وكتبهم الكلامية المبسوطة (و) مع ذلك فهو (معارض بمثله) من الآيات والأخبار الدالة على كون نسبة الأفعال إلى العبد كقوله تعالى : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) وقوله : (اليوم تجزون بما كنتم تعملون) وغيرهما. (والترجيح معنا) لأنه ـ مضافاً إلى اعتضاد الطائفة الثانية بالضرورة ـ أن التكليف إنما يتم بإضافة الأفعال إلينا وإلا فلا معنى للتكليف. وقد فصَّل العلامة (ره) والقوشجي في الجواب عن هذا الدليل لكنّا اخترنا الإجمال على التفصيل روماً للاختصار.

(مسألة) الفعل قسمان : مباشري كحركة اليد، وتسبيبي كحركة المفتاح التابعة لحركة اليد، أما الفعل المباشري فقد عرفت الاختلاف فيه وأما الفعل التسبيبي المعبر عنه بالتوليدي فقد اختلفوا فيه أيضاً : فالأشاعرة على انه غير مقدور لنا لأنا نتمكن من تركه عند إيجاد سببه فهو واجب والواجب غير مقدور، والشيعة والمعتزلة على أنه مقدور (و) ذلك لأن (حسن المديح و) حسن (الذم على) الفعل (المتولد) كتحسين العقلاء من رمي مؤذياً فقتله على قتله إياه وذمهم على قتله مسلماً (يقتضي العلم بإضافته) أي إضافة ذلك الفعل المتولد (إلينا) فإنه لو لم يكن صادراً عنا كان تقبيحهم وتحسينهم في غير محله شبه تحسين من في المشرق على خلق رجل عالم في المغرب وتقبيحهم له على خلق مؤذ فيه. وقد أشكل الأشاعرة على ذلك بأمرين :

(الأول) ـ ما تقدم من أن الفعل المتولد لا يقع بقدرتنا، لأنا نتمكن من تركه عند إيجاد سببه بل هو واجب حينئذ والواجب غير مقدور. (و) الجواب أن (الوجوب باختيار السبب لاحق فلا ينافي الإمكان الذاتي والمقدورية (الثاني) ـ إن حسن المدح والذم لا يدل على كون الفعل مقدراً للممدوح والمذموم، إذ كثيراً يذم العقلاء شخصاً على ما ليس من فعله ويمدحون آخر على ما ليس من فعله كما نراه! يذمون من ألقى صبياً في النار على إحراقه مع أن الإحراق من النار لا من الملقى ويمدحون من سقى آخر دواءاً لشفائه مع أن الشفاء من غير الساقي، وعلى هذا فمدحهم على الفعل التوليدي وذمهم لا يدل على كون المولد من أفعال من أتى بالسبب. (و) الجواب أن (الذم في إلقاء الصبي) في النار (عليه) أي على الإلقاء (لا على الإحراق) وكذلك المدح على السقي لا على الشفاء ـ فتأمل.

(مسألة) في القضاء والقدر. وفي كثير من الأخبار تقديم القدر على القضاء، وقد اشتهر أن الأفعال بقضاء الله وقدره، وربما يشكل بأنه لو كان الفعل بقضائه وقدره فما وجه العقاب والثواب؟ (و) الجواب أن (القضاء والقدر إن أريد بهما خلق الفعل) بأن يكون معنى كون الأفعال بقضائه وقدره انه تعالى يخلق الأفعال (لزم المحال) أي كون أفعال العباد مخلوقة له تعالى، وقد تبين بطلانه (و) إن أريد بهما (الإلزام) بمعنى انه تعالى ألزم العباد على الأفعال فإنه وإن (صح) إلا انه ليس بصحيح مطلقاً إذ لم يلزم الله تعالى كل فعل وإنما هو (في الواجب خاصة) لا في غيره من المحرمات والمكروهات والمندوبات والمباحات (أو) إن أريد بهما (الإعلام) بمعنى انه تعالى بين أفعال العباد وكتبها واَعلَمَ أنهم سيفعلونها (صح مطلقاً) في الواجب وغيره الاختياري وغيره لأن الله تعالى كتب الجميع وبينها.

وإنما احتملنا كون القضاء والقدر بهذه المعاني الثلاثة لورودها بهذه المعاني في الآيات فهما في قوله تعالى : (فقضاهن سبع سماوات) وقوله : (وقدّر فيها أقواتها) بمعنى الخلق. وفي قوله : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) وقوله : (نحن قدرنا بينكم الموت) بمعنى الإيجاب والإلزام. وفي قوله : (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) وقوله : (إلا امرءته قدرناها من الغابرين) الإعلام والتبيين ـ فتدبر.

(و) كيف كان فـ (قد بينه) أي معنى القضاء والقدر (أمير المؤمنين (ع) في حديث الأصبغ) المروي بطرق كثيرة باختلاف بينها، فإنه (ع) لما انصرف من صفين قام إليه شيخ فقال : أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء الله تعالى وقدره؟ فقال أمير المؤمنين (ع) : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما وطأنا موطئاً ولا هبطنا وادياً ولا علونا تلعةً إلا بقضائه وقدره. فقال له الشيخ : عند الله أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً. أقول : كأنه فهم من القضاء والقدر الجبر ولذا ذكر هذا الكلام متأسفاً على مشقته بلا فائدة أخروية. فقال (ع) له : صه أيها الشيخ بل عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي منصرفكم وأنت منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين. فقال الشيخ : كيف والقضاء والقدر ساقانا؟ فقال (ع) : ويحك لعلك ظننت قضاءاً لازماً وقدراً حتماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تأت لائمة من الله لمذنب ولا محمدة لمحسن، ولم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء ولا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وشهود الزور وأهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكلف يسيراً ولم يعص مغلوباً ولم يطع مكرهاً ولم يرسل الرسل عبثاً ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فقال الشيخ : وما القضاء والقدر اللذان ما سرنا إلا بهما؟ فقال : هو الأمر من الله تعالى والحكم، وتلا قوله تعالى : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) فنهض الشيخ مسروراً وهو يقول :

أنت الإمام الــــذي نرجو بــطاعته          يوم النشور من الرحمن رضواناً

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً          جــــــزاك ربك عـــــنا من إحساناً

أقول : في التوحيد بسنده عن المعلى قال : سُئِل العالم (ع) : كيف علم الله؟ قال (ع) : علم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى وقضى ما قدّر وقدّر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة وبمشيته كانت الإرادة وبإرادته كان التقدير وبتقديره كان القضاء وبقضائه كان الإمضاء، فالعلم متقدم على المشيئة والمشيئة ثانية والإرادة ثالثة والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء (فالأمضاء ظ) ـ الحديث.

وقد شبه بعض الأساطين ذلك بالبناء، وذلك لأن المهندس يعلم أولاً صورة ما يريد أن يبنيه ثم يميل إلى تحصيل هذا البناء الذي صوره، وعلم (وهو المشية) ثم يشتد ميله حتى يصير عزماً جزماً، (وهو الإرادة) ثم يقدر هندسة البناء من محله وصغره وكبره ولونه وطوله وعرضه وشكله وزمان شروعه فيه وغير ذلك من خصوصياته، (وهو القدر) ثم يحضر جميع ما يتوقف عليه البناء من الجص والآجر والحديد والشبابيك والأبواب وغيرها، (وهو القضاء) ثم يوجد ذلك في الخارج (وهو الإمضاء).

وهذا الكلام في التكوينيات تام في الجملة وأما في التشريعيات فالمرتبة الأخيرة فيها أمره ونهيه تعالى بذلك. وقد أشبع المجلسي (ره) في المجلد الثالث من بحار الأنوار الكلام في موضوع القضاء والقدر فراجع والله المستعان.

(مسألة) (والإضلال) يطلق على معانٍ ثلاثة : الأول : الـ (إشارة إلى خلاف الحق) كما يقال : (أضلني فلان عن الطريق) إذا أشار إلى غيره وأوهم انه هو الطريق. (و) الثاني : (فعل الضلالة) في الإنسان بأن يخلق فيه الضلال، كما يجعل الشيء متحركاً بخلق الحركة فيه فيصير ضالاً، (و) الثالث : (الإهلاك) والإبطال كقوله تعالى : (فلن يضل أعمالهم) (والهدى مقابل له) فيكون بمعنى الإشارة إلى الحق وخلق الهداية فيه حتى يكون مهتدياً والإثابة كقوله تعالى : (سيهديهم). (والأولان منفيان عن الله تعالى) فإنه لا يشير إلى خلاف الحق ولا يخلق الضلالة في الشخص لما تقدم من أن الله لا يفعل القبيح، وأما المعنى الثالث للضلالة والمعنى الثلاثة للهدى فكلها من الله تعالى لأنه يهلك الكافر ويشير إلى الحق، ويخلق العلوم في المكلف حتى يصير مهتدٍ ويثيب المؤمن. هذا على الحق من مذهب الشيعة والمعتزلة أما الأشاعرة فيجوزون الأولين بالنسبة إليه تعالى لعدم القبح العقلي عندهم.

ثم إن ما ورد في القرآن من نسبة الضلال إليه سبحانه فالمراد به إما الهلاك والعذاب والتدمير كقوله : (إن المجرمين في ضلال وسعر) أي في عذاب وإما إسناد إلى السبب مجازاً كقوله : (يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً) وكقولنا : (أفسد زيد ولده) إذا أتى بسبب الإفساد أو غير ذلك مما لا يخفى.

(مسألة) في أنه تعالى لا يعذب الأطفال والمجانين ونحوهم (و) ذلك لأن (تعذيب غير المكلف قبيح) وقد تقدم انه لا يفعل القبيح. وقد ورد في الأخبار أن الله تعالى يمتحن أطفال الكفار في يوم القيامة، وقد ذهب بعض الحشوية إلى أنه تعالى يعذبهم، واستدلوا بوجوه :

(الأول) ـ ما حكاه الله تعالى عن نوح (ع) : (ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً) والفاجر والكافر يعذبهما الله تعالى. (و) الجواب أن (كلام نوح مجاز) بمعنى أنهم يصيرون كذلك كما هو العادة في اتباع الأبناء للآباء.

(الثاني) ـ إن أطفال الكفار يستخدمهم أهل الجنة كما ورد في بعض الروايات والخدمة عقوبة، أو أن أطفالهم يسترقون ويستخدمون وهو عقوبة ولا فرق بين الدنيوية والأخروية لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء. (و) الجواب أن (الخدمة ليست عقوبة له) أما الخدمة في الجنة فلم لا يجوز أن يكونوا منعمين بهذه الخدمة كتنعم خزنة النار بها مضافاً إلى أن الخدمة هناك لم يعلم حقيقتها. نعم تتفاوت مراتب المخدوم والخادم قطعاً وهو ليس من العذاب في شيء كتفاوت مراتب المسلمين في الجنة بدون كون من في المرتبة النازلة في عذاب. وأما الخدمة في الدنيا بالاسترقاق فهي بملاحظة النظام الأصلح وليس مثلها عقوبة، كعدم كون الجهاد عقوبة مع ما يلزمه من الإيلام ونحوه.

(الثالث) ـ إن ولد الكافر يتبع أباه في كثير من الأحكام كمنع التوارث والتناكح والصلاة والدفن ونحوها، فيجوز عقابه لعدم الفرق بين العقوبة الدنيوية والأخروية. (و) الجواب أن (التبعية في بعض الأحكام جائزة) للنظام الأصلح، ولا تلازم بينها وبين العقاب لا عقلاً ولا شرعاً.