| فهرس المبحث الرابع | المؤلفات |
|
في صفاته تعالى |
|
(الفصل الأول) في وجوده. الموجود إن كان واجباً فهو المطلوب وإلا استلزمه لاستحالة الدور والتسلسل. الثاني في صفاته : وجود العلم بعد عدمه ينفي الإيجاب والواسطة غير معقولة، ويمكن عروض الوجوب والإمكان للأثر باعتبارين. واجتماع القدرة على المستقبل مع العدم وانتفاء الفعل ليس فعل الضد وعمومية العلة تستلزم عمومية الصفة، والأحكام والتجرد واستناء كل شيء إليه دلائل العلم. والأخير عام والتغاير اعتباري ولا يستدعي العلم صوراً مغايرة للمعلومات عنده، لأن نسبة الحصول إليه أشد من نسبة الصور المعقولة لنا، وتغير الإضافات ممكن. يمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين، وكل قادر عالم حي بالضرورة وتخصيص بعض الممكنات بالإيجاد في وقت يدل على إرادته تعالى، وليست زائدة على الداعي وإلا لزم التسلسل أو تعدد القدماء. والنقل دل على اتصافه تعالى بالإدراك والعقل على استحالة الآلات. وعمومية قدرته تدل على ثبوت الكلام والنفساني غير معقول، وانتفاء القبح عنه تعالى يدل على صدقه ووجوب الوجود يدل على سرمديته ونفي الزائد والشريك والمثل والتركيب بمعانيه والضد والتحيز والحلول والاتحاد والجهة وحلول الحوادث فيه والحاجة والألم مطلقاً واللذة المزاجية والمعاني والأحوال والصفات الزائدة عيناً والرؤية وسؤال موسى (ع) لقومه والنظر لا يدل على الرؤية مع قبوله للتأويل وتعلق الرؤية باستقرار المتحرك لا يدل على الإمكان واشتراك المعلولات لا يــدل على اشتراك العلل مع منع التعليل والحصر وعلى ثبوت الجود والملك والتمام وفوقه والحقيقة والخيرية والحكمة والتجبر والقهر والقيومية، وأما اليد والوجه والقدم والكرم والرضا والتكوين فراجعة إلى ما تقدم. |
|
(الفصل الأول في وجوده) والدليل على ذلك أن (الموجود إن كان واجباً فهو المطلوب) لأن الواجب ليس إلا الله تعالى وإن كان في إطلاق لفظ الواجب عليه نوع إشكال لتوقيفية الأسماء والصفات، (وإلا) يكن واجباً (استلزمه) لأن الممكن الموجود إن كان مستنداً إلى غيره من الممكنات فإن ذهبت سلسلتها إلى ما لا نهاية له لزم التسلسل وإن رجعت إلى بعض أفرادها المتقدمة لزم الدور وكلاهما باطل (لاستحالة الدور والتسلسل) كما تقدم. وربما يقال : إن قوله تعالى : (أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد) إشارة إلى هذا، إذ الحضور على كل شيء يستلزم سبقه عليها، والممكن لا يعقل أن يكون سابقاً. الفصل (الثاني في صفاته) تعالى وفيه مسائل : (مسألة) في أنه تعالى قادر مختار (وجود العالم) بل كل ذرة من ذراته (بعد عدمه ينفي الإيجاب) في الفاعل، خلافاً لشرذمة من الفلاسفة القائلين بكونه تعالى فاعلاً بالإيجاب. والدليل على المختار انه لو كان فاعلاً بالإيجاب لزم إما قدم العالم أو حدوثه تعالى، وذلك لأن المؤثر الموجب يلازمه أثره فإن كان المؤثر قديماً لزم قدم العالم وإن كان العالم حادثاً لزم حدوث المؤثر ـ لئلا يلزم التفكيك بين العلة الموجبة والمعلول ـ وقد عرفت حدوث العالم وقدم الباري تعالى. وللخصم في المقام شبهات نذكرها مع جوابها : (الأولى) ـ لم لا يجوز أن يكون الباري قديماً موجباً والعالم حادثاً إذ الحدوث لا يدل على اختيار الباري لإمكان أن يكون للباري معلول قديم ذو اختيار؟ (و) الجواب أن (الواسطة) بين الباري والعالم (غير معقولة) إذ الواسطة إما مجرد وإما مادي وكلاهما مستحيل : أما المجرد فقد تقدم عدمه إذ لو كان الصادر الأول مجرداً لم يعقل وجود مادي أبداً، وأما المادي فلأنه لا يعقل قدمه إذ هو متغير والمتغير غير قديم. (الثانية) : إن القدرة على الشيء بمعنى صحة الفعل والترك محال، لأن المؤثر إن استجمع شرائط التأثير وجب صدور الأثر، لامتناع تخلف الأثر عن المؤثر التام وإن لم يستجمع امتنع وجود الأثر، وعليه فليس المؤثر قادراً بل موجباً. (و) الجواب : إن القدرة إن اجتمعت مع إرادة الفعل وجب وإن اجتمعت مع إرادة الترك امتنع، فالفعل في حد ذاته مما تشمله القدرة وإن كان (يمكن عروض الوجوب) أو الامتناع (والإمكان للأثر باعتبارين) فباعتبار ذاته ممكن وباعتبار إرادة المؤثر ولا إرادته واجب أو ممتنع. والحاصل أن الفعل باعتبار القدرة وحدها ممكن وباعتبار وانضمام الإرادة إليها واجب أو ممتنع. وهذا ما يقال : (إن الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحققه). (الثالثة) ـ إن الأثر إن كان حاصلاً فهو واجب ـ لأن الشيء ما لم يجب لم يوجد ـ وإن كان معدوماً فهو ممتنع ـ لأن الشيء ما لم يمتنع لا يعدم ـ فلا قدرة في البين. (و) الجواب انه لا مانع من (اجتماع القدرة على) الوجود في (المستقبل مع العدم) في الحال كما لا مانع من اجتماع القدرة على العدم في المستقبل مع الوجود في الحال، فالممكن في كل من حالتي وجوده وعدم تحت القدرة باعتبار إبقاء حاله أو تبديله إلى ضده. (الرابعة ) ـ إن القادر لا تتعلق قدرته بالعدم لأن العدم ليس شيئاً حتى تتعلق القدرة به، فلا تتعلق قدرته بالوجود لأن القادر هو الذي يمكنه الفعل والترك، وإذ انتفى إمكان الترك انتفى إمكان الفعل. (و) الجواب أن القادر هو الذي يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل، وليس لا يفعل عبارة عن فعل العدم حتى يقال : العدم نفي بذاته فلا تتعلق به القدرة والفعل. والحاصل أن (انتفاء الفعل ليس فعل الضد). (مسألة) في عموم قدرته تعالى (وعمومية العلة) أي عموم علة القدرة وهي الإمكان، فإن علة القدرة الإمكان إذ الواجب والممتنع لا يتعلق بهما القدرة (تستلزم عمومية الصفة) أي القدرة. وربما يقال في بيان العموم : أن المقتضي للقدرة هو الذات والمصحح للمقدورية هو الإمكان ونسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء، فإذا ثبت قدرته على بعضها ثبت على كلها. (مسألة) في أنه تعالى عالم (والأحكام والتجرد واستناد كل شيء إليه دلائل العلم) هذه وجوه ثلاثة تدل على علمه تعالى : (الأول) ـ انه تعالى فعل الأفعال المحكمة العجيبة التي لم تدرك العقلاء بعد كثيراً من جزئياتها ومن فعل الأفعال المحكمة كان عالماً بالضرورة. (الثاني) ـ انه تعالى مجرد كما سيأتي بيانه عند كونه تعالى ليس بجسم ونحوه وكل مجرد عاقل لما تقدم، لكن فيه ما عرفت هناك من انه لا دليل على الكبرى. (الثالث) ـ إن الباري تعالى علة لجميع الأشياء وهو عالم بذاته والعلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول، أما انه علة لجميع الأشياء فلأنها ممكنة وكل ممكن مستند إليه كما تقدم، وأما انه عالم بذاته فلأن العلم عبارة عن حضور المعلوم عند العالم وهو حاصل في شأنه لأن ذاته غير غائب عــن ذاته فيكون عالماً بذاته، وأما أن العلم بالعلة تستلزم العلم بالمعلول فلما تقدم. هذا لكن لي في المقدمتين الأخيرتين نظر. (مسألة) في عموم علمه تعالى (و) الدليل (الأخير عام) يدل على عموم علمه تعالى لجميع الأشياء صغيرها وكبيرها جوهرها وعرضها محسوسها ومعقولها إلى غير ذلك من الأقسام. وهذا بخلاف الوجهين الأول والثاني فإنهما يدلان على العلم في الجملة، لكن حيث عرفت النظر في الدليل الثالث فالدليل على العموم هو السمع المتجاوز حد التواتر، والاستناد إليه غير مستلزم للدور إذ تصديق الرسول لا يتوقف على عموم العلم. وقد يذكر لعموم العلم بعض الوجوه الأخر لا مجال لنقلها في هذا المختصر. (مسألة) لما استدل لعموم علمه تعالى أشار إلى الجواب عـــن شبه أوردوها على عموم علمه تعالى : (الأولى) ـ في اعتراض من نفى علمه بذاته، وذلك لأن العلم نسبة والنسبة لا تكون إلا بين شيئين، إذ نسبة الشيء إلى نفسه محال فلابد من المغايرة بين العلم والمعلوم ولا مغايرة في علمه بذاته. (و) الجواب أن (التغاير اعتباري) فإن ذاته تعالى من حيث كونها عالمة مغايرة لها من حيث كونها معلومة، وهذا المقدار من التغاير كافٍ في تحقق النسبة المصححة لتعلق العلم. (الثانية) ـ في اعتراض من نفي علمه بغيره وأثبت علمه بذاته، واستدل لذلك بأن العلم صورة مساوية للمعلوم مرتسمة في العالم، ولا إشكال في أن صور الأشياء المختلفة مختلفة فيلزم بحسب كثرة المعلومات كثرة الصور في الذات، وهو مستلزم لكونه تعالى محلاً للحوادث المعلوم بطلانه. (و) الجواب انه (لا يستدعي العلم صوراً مغايرة للمعلومات عنده) تعالى، إذ ليس علمه سبحانه بالارتسام بل نقول : إن علمه بالأمور أعلى من علمنا بها (لأن نسبة الحصول) للمعلومات (إليه) تعالى (أشد من نسبة الصور المعقولة لنا) لما قالوا من أن حصول الأشياء عنده حصول للفاعل وذلك بالوجوب وحصول الصور المعقولة لنا حصول للقابل وذلك بالإمكان والوجوب أشد من الإمكان. (الثالثة) ـ في اعتراض من نفي علمه بالجزئيات الزمانية المتغيرة، واستدل لذلك بأن الجزئي متغير فلو كان معلوماً له تعالى فعند تغيره إما أن لا يتغير العلم فيلزم الجهل وإما أن يتغير فيلزم تغير الذات لأن العلم عين الذات وكلا الجهل وتغير الذات مستحيل (والجواب) أن التغير إنما هو في الإضافة لا في الذات ولا في الصفات الحقيقية، فالعلم كالقدرة التي تتغير نسبتها وإضافتها إلى المقدور عند عدمه وإن لم تتغير في نفسها (وتغير الإضافات ممكن) لأنها أمور اعتبارية لا تحقق لها في الخارج، فتحصل أنّا نختار تغير العلم ولا يلزم منه تغير الذات. وربما يمثل العلم بالنور فكما أن النور لا يتغير بتغير المنور كذلك العلم. (الرابعة) ـ في اعتراض من قال : إنه تعالى لا يعلم الحوادث قبل وقوعها واستدل لذلك بأنه لو علمها حينئذ لزم أن تكون تلك الحوادث واجبة وممكنة والتالي باطل للتنافي بين الوجوب والإمكان فالمقدم مثله. بيان الملازمة : أنها حادثة فتكون ممكنة ومتعلقة للعلم فتكون واجبة وإن لم تكن واجبة أمكن أن لا توجد فينقلب العلم جهلاً وهو محال. (و) الجواب انه لا نسلم التنافي بين الوجوب والإمكان، إذ (يمكن اجتماع الوجوب والإمكان باعتبارين) فباعتبار النظر إلى ذاته ممكن وباعتبار النظر إلى علته واجب. (مسألة) في انه تعالى حي. قد تقدم انه تعالى قادر عالم فإذا ضممنا هذه الصغرى بكبرى (و) هي أن (كل قادر عالم حي) أنتج كونه تعالى حياً (بالضرورة) والخوض في كيفية حياته كالخوض في كيفية علمه وقدرته في غير محله لأنها خارجة عن إدراك البشر. (مسألة) في أنه تعالى مريد (وتخصيص بعض الممكنات بالإيجاد) دون بعض مع استواء نسبة القدرة إلى الكل، كما أن تخصيص الموجودات بالإيجاد (في وقت) دون وقت (يدل على إرادته تعالى) إذ هذا التخصيص لا يصلح أن يكون مستنداً إلى العلم والقدرة لفرض أن الجميع معلوم مقدور وليس هناك أمر غير الإرادة يصلح للاستناد إليه كما لا يخفى. ثم إنهم قد اختلفوا في الإرادة : فالأشاعرة قالوا إنها صفة مغايرة للعلم والقدرة وسائر الصفات، والمعتزلة قالوا إنها هي العلم بالنفع وسموها بالداعي، واختاره المصنف (ره) وقال : (وليست) الإرادة (زائدة على الداعي) أي مغايرة له (وإلا) فلو كانت مغايرة للداعي (لزم التسلسل أو تعدد القدماء) لأنه إن كان قديماً لزم تعدد القدماء وإن كان حادثاً احتاج في تخصيص وجوده بوقت دون غيره إلى أمر آخر ويلزم التسلسل. أقول : الظواهر النقلية تدل على كون الإرادة مغايرة للعلم كمغايرة القدرة له، وما ذكره المصنف (ره) منظور فيه إذ لقائل أن يقول العلم إن كان قديماً لزم تعدد القدماء وإن كان حادثاً لزم التسلسل لاحتياج كل حادث إلى علم سابق. وما يظهر من بعض النقل من كون الإرادة من صفات الفعل غير منافٍ للظواهر الدالة على كونها من صفات الذات للزوم حمله على ما يحمل عليه ليظهر منه أن العلم حادث كقوله : (تعلم حتى نعلم) وغيره. (مسألة) في انه تعالى سميع بصير (والنقل دل على اتصافه تعالى بالإدراك) لتواتر الآيات والأخبار بأنه سميع بصير (والعقل) دل (على استحالة الآلات) أي البصر والسمع، لما سيأتي من انه تعالى ليس جسماً ولا جسمانياً، بل والنقل دل على ذلك أيضاً كما لا يخفى على من راجع الأخبار. ثم إن بعض المتكلمين احتج لإثبات السمع والبصر له من طريق العقل وذلك لأنه حي وكل حي يصح كونه سميعاً وبصيراً وكل ما يصح له من الكمالات ثابت له بالفعل لأن خلوّه تعالى عن صفة كمالية نقص وهو محال في حقه. بقي في المقام أن بعضهم ذهبوا إلى كون الصفتين راجعتين للعلم، فالمعنى كونه تعالى عالماً بالمسموعات والمبصرات. ولي فيه نظر إذ السمع غير العلم بالمسموع كما أن النظر غير العلم بالمنظور، والظواهر النقلية دلت على كونه سميعاً بصيراً فلا وجه لرفع اليد عن ذلك. نعم ليس سمعه وبصره بالآلة كما في حقنا ولا دليل على أنه كلما ليس بالآلة لابد وأن يكون بمعنى العلم ـ فتبصر. (مسألة) في أنه تعالى متكلم (وعمومية قدرته تدل) على إمكان صدور الكلام منه والسمع يدل (على ثبوت الكلام)، وإنما شرحنا هكذا لوضوح أن عموم القدرة لا ربط له بثبوت الكلام. وكيف كان فلا خلاف بين المسلمين بل الملِّيين في أنه تعالى متكلم، قال الله تعالى : (وكلم الله موسى تكليماً) لكنهم اختلفوا في أن كلامه هل هو حادث أو قديم : فالأشاعرة ذهبوا إلى أن كلامه تعالى ليس من جنس الأصوات والحروف بل هو معنى قائم بذاته يسمى الكلام النفسي، وهو مدلول الكلام اللفظي المركب من الحروف، وانه قديم قالوا: وليس الكلام النفسي أمراً ولا نهياً ولا خبراً ولا انشاءاً ولا غير ذلك. والمعتزلة قالوا : إن كلامه تعالى عبارة عن انه تعالى أوجد أصواتاً وحروفاً في جسم من الأجسام كالشجرة في قصة موسى (ع) تدل هذه الأصوات والحروف على المراد. (و) هذا هو الحق لأن الكلام (النفساني غير معقول) إذ لا يعقل ثبوت معنى غير صورة نفسية ولا علم ولا خبر ولا استخبار ولا غير ذلك، والقياس الذي رتبوه ـ من أن كلامه تعالى صفة له فكل ما هو صفة له فهو قديم فكلامه قديم ـ باطل لبطلان الصغرى إن أريد كونه صفة الذات والكبرى إن أريد كونه صفة الفعل. (مسألة) في أنه تعالى صادق (وانتفاء القبح عنه تعالى يدل على صدقه) أقول : لا يختص الصدق بالكلام فإنه يجري في الكتابة والإشارة وغيرهما لكن لما كان الغالب كونه صفة للكلام عقب المصنف بحث الكلام به. وقد اتفقت الأمة على كونه تعالى صادقاً، ويدل عليه ـ مضافاً إلى السمع ـ العقل، فإن الكذب لا يصدر إلا عن العاجز الذي يضره الصدق أو عن الجاهل الذي لا يعلم بكون الكلام كذباً أو كون الكذب قبيحاً. وقد تقدم أنه تعالى قادر عالم. وقد يقال بأنه تعالى حكيم والكذب ينافي الحكمة فلا يصدر عنه. (مسألة) في أنه تعالى باقٍ إلى الأبد كما هو كان من الأزل (ووجوب الوجود يدل على سرمديته) إذ الواجب ـ كما تقدم ـ عبارة عما يمتنع عدمه وكلما امتنع عدمه لزم بقاؤه، كما أن الممتنع يمتنع وجوده إلى الأبد. ثم إن وجوب الوجود كما يدل على البقاء يدل على القدم كما لا يخفى. ثم إنهم اختلفوا في أن البقاء هل هو صفة زائدة على الذات كما ذهب إليه الأشعري وتابِعوه لأن الواجب باقٍ بالضرورة فلابد أن يقوم به معنى هو البقاء كما في العالم أو القادر أم لا؟ كما عليه الجمهور إذ ليس معنى البقاء إلا استمرار الوجود وهذا ليس أمراً زائداً على أصل الوجود. (و) هذا هو الحق فإن نفس وجوب الوجود يدل على (نفي الزائد) إذ هو يقتضي الاستغناء عن الغير فلو كان باقياً بالبقاء كان محتاجاً إلى الغير ـ هذا خلف. (مسألة) في أنه تعالى واحد لا شريك له (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الشريك) فلا يمكن تعدد الواجب لأنه لو كان في البين واجباً الوجود لكان لهما جهة اشتراك وجهة امتياز ـ إذ لولا جهة الاشتراك لم يشتركا في صفة الوجوب، ولولا جهة الامتياز لم يكونا إثنين ـ وحينئذ يلزم تركيب الواجب، فجزآ الواجب لو كانا واجبين لزم التسلسل أن ننقل الكلام في كل جزء وإن كانا ممكنين لزم الخلف، إذ باجتماع ممكنين لا يتحقق الواجب. (مسألة) في أنه تعالى مخالف لسائر المهيات ولا مثل له (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (المثل) إذ لو كان له مثل كانا شريكين في المهية ممتازين بامتيازات خارجية فيلزم التركيب الذي سبق استحالته فما عن بعض من أن ذاته تعالى مساوية لغيره من الذوات وإنما يخالفها بحالة توجب أموراً أربعة : الحيية والعالمية والقادرية والموجودية، وتلك الحالة هي صفة الإلهية في كمال البطلان. (مسألة) في أنه تعالى غير مركب (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (التركيب بمعانيه) من العقلي المركب من الجنس والفصل والخارجي بأقسامه كالتركيب من الجوهر والعرض والجوهرين والعرضين وغيرها. والدليل عليه ما تقدم من استلزام التركيب التسلسل أو الخلف وكلاهما باطل محال. (مسألة) في أنه تعالى لا ضد له (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الضد) فإن الضدين ذاتان وجوديان يتعاقبان في المحل أو الموضوع والواجب لا محل له ولا موضوع، فإن وجوب الوجود يقتضي التجرد.. فإن غير المجرد متغير وكل متغير حادث ممكن ـ والمجرد مبرأ عن المحل والموضوع. (مسألة) في أنه تعالى ليس بمتحيز (و) ذلك لأن وجود الوجود يدل على نفي (التحيز) لما قلنا في نفي الضد من أن واجب الوجود مجرد والمجرد لا حيز له فإن المتحيز لا ينفك عن الأكوان وكل ذي كون حادث ـ لأنه لا ينفك عن الأكوان الحادثة وكلما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث ـ والوجوب يطارد الحدوث. ثم إنه يلزم من نفي التميز نفي الجسمية وذلك لأن كل متحيز جسم كالعكس، كما أن لازم نفي التركيب نفي الجسمية إذ كل جسم مركب. (مسألة) في أنه تعالى لا يحل في غيره (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الحلول) فإن الحلول يلزم المحدودية بحدود المحل ـ وإلا لم يكن حالاًّ في ذلك ـ والمحدودية ينافي التجرد والواجب مجرد فالوجب ينفي الحلول. (مسألة) في أنه تعالى لا يتحد بغيره، ولا يخفى أن الاتحاد غير الحلول إذ الاتحاد معناه صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، والحلول معناه التبعية الخاصية بعد فرض بقائهما على الاثنينية. (و) كيف كان فوجوب الوجود ينفي (الاتحاد) إذ الواجب لو اتحد بغيره لكان واجباً ممكناً وهو بديهي الاستحالة هذا مع قطع النظر عن استحالة الاتحاد بنفسه ـ ولو في غير الواجب ـ لما سبق من أن الشيئين بعد الاتحاد إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو أحدهما موجوداً والآخر معدوماً وفي الأحوال الثلاثة لا اتحاد. (مسألة) في أنه تعالى لا جهة له (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الجهة) إذ كل ذي جهة فهو في المكان وكل ما في المكان لا يخلو عن الأكوان وكل ذي كون حادث والحدوث ينافي الوجوب. وما دلّ من الشرع على أنه استوى على شيء فلابد من تأويله بالعقل والنقل الصريح. (مسألة) في أنه تعالى ليس محلاً للحوادث (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (حلول الحوادث فيه) تعالى بأن يوجد فيه شيء بعد العدم، إذ حلول شيء في شيء يلازم انفعال المحل والانفعال من لوازم الممكن ـ لأنه شيء يمكن وجوده وعدمه ـ فالواجب لا يتصف به. وأما الإضافات التي توجد وتعدم ككونه تعالى خالقاً لزيد في هذا اليوم دون غيره ورازقاً لعمرو في هذه السنة دون غيرها وهكذا فإنما هي أمور خارجة عن الذات. (مسألة) في أنه تعالى غني غير محتاج (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الحاجة) إذ الاحتياج من صفات الممكن وهو ينافي الواجب بيانه : أن الاحتياج إنما هو في الأمر المعدوم الممكن وجوده فالممتنع ليس بمحتاج والواجب ليس بمحتاج. وإن شئت قلت : إن واجب الوجود لا يكون محتاجاً في وجوده وفيما يتوقف عليه وجوده ـ فرضاً ـ إلى شيء وإلا لم يكن واجباً. (مسألة) في أنه تعالى لا يتألم (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الألم مطلقاً) عقلياً كان الألم كإدراك الجهل أو خيالياً كإدراك الصفة في الناس أو مزاجياً كإدراك الحرق أو القطع أو نحوهما، فإن الألم يستلزم تغير حال المؤلم والواجب لا تغير فيه، إذ التغير انفعال والانفعال من خواص الممكن كما عرفت. (مسألة) في انه تعالى لا يلتذ (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (اللذة) أما (المزاجية) منها فواضح لأنها من توابع الجسم ووجوب الوجود ينافي الجسمية التي هي تلازم الإمكان، وأما العقلية فقد أثبتها بعض له تعالى وتبعهم المصنف (ره) بقرينة تخصيصه نفي اللذة بالمزاجية واستدلوا لذلك : بأنه تعالى مدرك لأكمل الوجودات الذي هو ذاته فيكون ملتذاً به. وفيه نظر لأن وجوب الوجود يقتضي نفيه أيضاً فإنه من الانفعالات التي هي من لوازم الإمكان والله العالم. (مسألة) في نفي المعاني والأحوال والصفات الزائدة في الأعيان عنه تعالى (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (المعاني) والمراد بها العلم والقدرة الزائدة على الذات بأن يكون الذات شيئاً والعلم شيئاً آخر، (والأحوال) والمراد بها العالمية والقادرية الزائدة على الذات بأن يكون الذات شيئاً والعالمية شيئاً آخر، (والصفات الزائدة عيناً) والمراد بها صفات خارجة عن الذات، خلافاً لجماعة حيث اثبتوا هذه الأمور له تعالى. وإنما قلنا بنفي وجوب الوجود لها لأن هذه الأمور إن كانت واجبة لزم تعدد القدماء ـ الذي عرفت بطلانه ـ وإن كانت ممكنة فلا ربط لها بالواجب، ثم إن المصنف (ره) احترز بقوله : (الزائدة عيناً) عن الصفات الزائدة اعتباراً التي هي عين الذات فإنه تعالى موصوف بصفات كمالية هي عين ذاته خارجاً وإن كانت مغايرة له اعتباراً. (مسألة) في أنه تعالى مستحيل رؤيته (و) ذلك لأن وجوب الوجود يدل على نفي (الرؤية) له، فإن واجب الوجود مجرد كما عرفت وكل مجرد غير قابل للرؤية لأن كل مرئي لابد وأن يكون في جهة مقابل للرائي أو في حكم المقابل ـ كالمرئي في المرآة ـ والجهة عبارة عن المكان والمجرد لا مكان له. وقد ذهبت الأشاعرة إلى رؤيته في الآخرة، والمجسمة إلى رؤيته في الدنيا. واستدلوا لذلك بوجوه : (الأول) ـ قوله تعالى حكاية عن موسى : (قال ربِ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) الآية، فإن الرؤية لو كانت ممتنعة لم يسألها موسى (ع) لأنه إما أن يكون عالماً بالإمتناع أو جاهلاً، والأول يستلزم عبثية السؤال ومثله لا يليق بشأن موسى (ع)، والثاني يستلزم عدم نبوته لأن الجاهل بأصول الدين لا يصلح للنبوة. (و) الجواب ـ مضافاً إلى أن العبث والجهل عند العامة لا ينافيان النبوة أن (سؤال موسى (ع) ) كان (لقومه) لأنهم قالوا له : (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) فسأل (ع) ليتبين لهم امتناع الرؤية. لا يقال : فلم قال أرني ولم يقل أرِهم؟ لأنّا نقول : يجوز أن يكون الوجه بيان عدم الإمكان بالنسبة إليه (ع) فكيف بالنسبة إليهم، والكلام في هذا المقام طويل نكتفي منه بهذا القدر. (الثاني) قوله تعالى : (إلى ربها ناظرة) فإنه يدل على نظر المؤمنين إليه تعالى في الآخرة. (و) الجواب أن (النظر لا يدل على الرؤية) فإنه يقال : (نظرت إلى أعمال فلان ونظرت إلى فلان ـ وهو ميت) وهكذا مع أن المراد ليس الرؤية بل أمر آخر وهنا كذلك، مع أنه لو سلمنا أن النظر حقيقة في الرؤية كان اللازم تأويله (مع قبوله للتأويل) بعد ضرورة العقل بعدم إمكان رؤيته تعالى. بل لو فرضنا انه كان بحيث لا يقبل التأويل اضطررنا إلى تكلفات لعدم مقاومة السمع للعقل. هذا مضافاً إلى الأدلة النقلية التي دلت على امتناع الرؤية كقوله تعالى : (لن تراني) وقوله : (لا تدركه الأبصار) إلى غير ذلك من الآثار. (الثالث) ـ انه تعالى علق رؤيته باستقرار الجبل في حال التجلي واستقراره أمر ممكن فالرؤية ممكنة. (و) الجواب أن (تعلق الرؤية باستقرار) الجبل (المتحرك) في حال التجلي (لا يدل على الإمكان) بل على الامتناع، إذ التجلي علة تامة للحركة فعدم الحركة في حاله غير معقول والمعلق على غير المعقول غير معقول. ثم إن احتمال ما ذكرناه كافٍ في سقوط الاستدلال بالآية، فلا يقال : من أين لكم بإثبات استحالة الاستقرار حال التجلي؟ ثم إن الأشاعرة استدلوا لجواز رؤيته تعالى بوجه عقلي، وهو : أن الجوهر والعرض اشتركا في صحة الرؤية، وهذا الحكم المشترك يستدعي علة مشتركة، ولا مشترك بينهما إلا الحدوث، والوجود والحدوث لا يصلح للعلية لأنه مركب من قيد عدمي فيكون عدماً، فلم يبق إلا أن تكون علة الرؤية الوجود، فكل موجود يصح رؤيته والله سبحانه موجود فيصح رؤيته (و) الجواب أن (اشتراك المعلولات) كاشتراك الرؤية في المقام بين الجوهر والعرض (لا يدل على اشتراك العلل) فإن المعلول الشخصي لا يكون له إلا علة شخصية واحدة وأما المعلول الواحد بالنوع فيجوز أن تكون له علل متعددة، فليس للرؤية علة واحدة هي الوجود حتى يقال : إن كل موجود قابل للرؤية. (مع منع التعليل) فأنّا لا نسلم أن صحة الرؤية تفتقر إلى علة موجودة إذ الصحة معناها الإمكان وهو أمر اعتباري لا يفتقر إلى علة موجودة بل يكفيه الحدوث الذي هو أيضاً أمر اعتباري. (و) منع (الحصر) فأنّا لا نسلم كون العلة إما الحدوث أو الوجود فإن الإمكان أيضاً مشترك فلم لا يجوز أن يكون هو العلة؟! (مسألة) (و) كما كان وجوب الوجود يدل على نفي جملة من الأشياء فإنه يدل أيضاً (على ثبوت) جملة من الأشياء منها : (الجود) وهو إفادة ما ينبغي لا لعوض، إذ لو كان مستعوضاً لم يخل الأمر من كونه ناقصاً مستكملاً بغيره، وهو ينافي الوجوب إذ الاستكمال فرع الإمكان أو كونه عابثاً وهو خلاف الحكمة. (و) منها (الملك) وهو الغني الذي لا يستغني عنه شيء، والواجب كذلك لأنه لا يحتاج إلى غيره وغيره يحتاج إليه. (و) منها (التمام) وهو الذي حصل له جميع ما من شأنه أن يحصل له، والواجب كذلك لأنه ليس فيه نقص من جهة حتى يكون بعض جهاته بالإمكان لا بالفعل. (و) منها (فوقه) أي فوق التمام، وهو الذي يكون كمال غيره منه، والواجب كذلك لأن كمال الممكنات منه. (و) منها (الحقيقة) وهي الثبوت والدوام، والواجب كذلك فإنه الثابت الدائم بخلاف الممكن فإنه لا حقيقة دائمة له. (و) منها (الخيرية) والخير ما لا يكون فيه شيء بالإمكان بل جميع شؤونه حاصلة بالفعل، وقد سبق في أول الكتاب أن الوجود خير محض والعدم شر محض، فالواجب لكون كمالاته كلها حاصلة بالفعل خير محض والممكن ليس كذلك فليس خيراً بقول مطلق. (و) منها (الحكمة) والمراد بها إما العلم بالأشياء على ما هي عليها وإما وضع الأشياء في موضعها، والواجب حكيم بكلا المعنيين إذ الواجب مجرد والمجرد عالم بكل معلوم كما سبق، والواجب غني عالم والغني العالم لا يضع الأشياء إلا في مواضعها. (و) منها (التجبر) سواء أُريد به الجبر المقابل للكسر لأنه يجبر ويكمل كسر الممكنات ونقصائها، أو الجبر مقابل الاختيار لأنه يجبر الشيء على ما لا يقتضيه فإن الممكن لا اقتضاء فيه للوجود فهو يوجده، أو الجبر بمعنى التعزز المقابل للابتذال لأنه منيع لا يصل إليه أفهام الطالبين ولا ينال ما لديه إلا بإرادته فإن الكل من مقتضيات وجوب الوجود بداهة. (و) منها (القهر) لأنه يقهر الممكن على الوجود أو العدم كما عرفت (و) منها (القيومية) بمعنى القائم بالذات المقيم للغير، وهذه من شؤون الواجب لا الممكن كما لا يخفى. (مسألة) (وأما اليد) إذا اضيفت إلى الله تعالى فالمراد بها القدرة (والوجه) يراد به الوجود أو الرضا نحو (ابتغاء وجه الله) (والقدم) يراد به البقاء (والكرم والرضا) يراد بهما إرادة مخصوصة (والتكوين) يراد به الايجاد الناشئ عن القدرة (فـ) هذه وأمثالها ليست أموراً مستقلة في قبال ما عرفت، بل هي (راجعة إلى ما تقدم) خلافاً لمن جعل اليد مغايرة للقدرة، والوجه مغايراً للوجود، والرضا والقدم مغايراً للبقاء، والكرم والرضا مغايراً للإرادة، والتكوين صفة أزلية. |