الفهرس

فهرس المبحث الثاني

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

أحكام النفس

وهي جوهر مجرد لتجرد عارضها وعدم انقسامه.

وقوتها على ما يعجز الــمقارنات عنه، ولحصول عارضها بالنسبة إلى ما يعقل محلاً منقطعاً ولاستلزام استغناء العارض استغناء المعروض، ولانتفاء التبعية ولحصول الضد، ودخولها تحت حد واحد يقتضي وحدتها. واختلاف العوارض لا يقتضي اختلافها، هي حادثة وهو ظاهر على قولنا وعلى قول الخصم لو كانت أزلية لزم اجتماع الضدين أو بطلان ما ثبت أو ثبوت ما يمتنع، وهي مع البدن على التساوي ولا تفنى بفنائه، ولا تصير مبدأ صورة لآخر وإلا بطل ما أصلناه من التعادل، وتعقل بذاتها، وتدرك بالآلات للامتياز بين المختلفين وضعاً من غير إسناد وللنفس قوى تشارك بها غيرها هي الغاذية والنامية والمولدة، وأخرى أخص بها تحصل الإدراك أما للجزئي أو للكلي، وللغاذية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة، وقد تتضاعف هذه لبعض الأعضاء.

والنمو مغاير للسمن، والمصورة عندي باطلة لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلاً، وأما قوة الإدراك للجزئي فمنه اللمس وهو قوة منبثة في البدن كله وفي تعدده نظر، ومنه الذوق ويفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية الخالية عن المثل والضد ومــنه الشم ويفتقر إلى وصول الهواء المنفعل من ذي الرائحة إلى الخيشوم.

ومنه السمع ويتوقف على وصول الهواء المنضغط إلى الصماخ، ومنه البصر وهي قوة مودعة في العصبتين المجوفتين اللتين يتلاقيان ويتفارقان إلى العينين بعد تلاقيهما، ويتعلق بالذات بالضوء واللون وهو راجع فينا إلى تأثير الحدقة ويجب حصوله مع شرائطه بخروج الشعاع.

فإن انعكس إلى المدرك أبصر وجهه وإن عرض تعدد السهمين تعدد المرئي.

ومن هذه القوى بنطاسياً الحاكمة بين المحسوسات. لرؤية القطرة خطاً والشعلة دائرة، والمبرسم ما لا تحقق له. والخيال لوجوب المغايرة بين القابل والحافظ، والوهم المدرك للمعاني الجزئية.

والحافظة، والمتخيلة المركبة للصور والمعاني بعضها مع بعض.

(مسألة) في أن النفس من المجردات (وهي جوهر مجرد) في ذاته لأمور :

(الأول) ـ (لتجرد عارضها) لمقدمات ثلاثة : (الأولى) وجود معلومات مجردة كالباري تعالى والكليات كما هو واضح. (الثانية) إن العلم بالمجرد مجرد لأن العلم يلزم أن يطابق المعلوم فلو كان العلم مادياً لم يطابق المعلوم وذلك لأن العلم عبارة عن الصورة العقلية فلو لم تكن مجردة لكانت محفوفة بغواش المادة من مقدار معين وأين معين وكيف معين ووضع معين وغير ذلك فلا تكون مطابقة لما ليس له تلك الأمور : إذ ذو المقدار والوضع والكيف ونحوها لا تكون مرآة وصورة لما ليس له تلك الأمور. (الثالثة) إن محل العلم وهو النفس مجردة، لأن المحل لو كان له أين ووضع وكيف ومقدار كان الحال فيه متصفاً بها لكن الحال لا يعقل اتصافه بها فالمحل كذلك. وفيه أنه يتوقف على كون العلم صورة وهو ممنوع بل العلم ليس الإنكشاف ولو كان العلم صورة لم يعقل العلم بالمجرد لأنه لا صورة له

(و) الثاني من أدلة تجرد النفس (عدم انقسامه) أي انقسام العارض بيانه : أن النفس الناطقة غير منقسمة ولا شيء من الماديات غير منقسم. أما عدم انقسام النفس فلأن الوحدة والنقطة اللتين تعقلهما النفس غير قابلتين للانقسام وكلما كان المعقول غير قابل للانقسام كان محله كذلك وإلا فلو انقسمت النفس لكان معقولها منقسماً لوجوب التطابق بين الشيء وصورته ومحل الصورة كما تقدم في الدليل الأول، وأما أن كل مادي منقسم فلما تقدم من أنه لا وجود لوضعي غير منقسم، فهاتان المقدمتان تنتجان تجرد النفس وعدم كونها مادياً. وفيه ما تقدم في الدليل الأول.

(و) الثالث من أدلة تجرد النفس (قوتها) أي النفس (على ما يعجز المقارنات) للمادة (عنه) فإن النفس الناطقة تقوى على معقولات غير متناهية والماديات لا تقوى على ذلك : أما الصغرى فلأنها تقدر على تعقل الأعداد غير المتناهية، وأما الكبرى فلما تقدم من أن المادي متناهٍ وكل متناهٍ لا تقدر على غير المتناهي. وفيه أن النفس لا تقدر على ما لا يتناهى لما في القوشجي من أنه إن أردتم به أنها لا تتناهى إلى معقول إلا وهي تقوى على تعقل آخر بعد، فالقوى الجسمانية أيضاً كذلك فإن القوة الخيالية ـ مثلاً ـ لا تنتهي في تصور الأشكال إلى حد إلا وهي تقوى على تصور شكل آخر بعد، وإن عنيتم به أنها تستحضر معقولات لا نهاية لها دفعة واحدة فهو ممنوع.

(و) الرابع من أدلة تجرد النفس (لحصول عارضها) أي عارض النفس وهي الصورة العلمية (بالنسبة إلى ما يعقل محلاً) أي أن صورة الشيء الذي يفرض محلاً للنفس كالقلب والدماغ، هذه الصورة تحصل للنفس حصولاً (منقطعاً). فقد يتصور الشخص القلب وقد لا يتصوره، فهذا دليل على عدم محل لها. بيان ذلك : أن النفس لو حلت في جسم من قلب أو دماغ أو غيرهما من الجسمانيات لزم أحد الأمرين : إما أن تعقله دائماً أو لا تعقلهُ دائماً لأنه إن كفى صورة ذلك المحل في تعقله لتعقله دائماً لحضوره عندها، وإن لم تكفِ لم تعقله أبداً لاستحالة أن يكون تعقلها مشروطاً بحصول صورة أخرى للزومه اجتماع المثلين، فوجود التعقل منقطعاً قد يكون، وقد لا يكون كاشف عن أن النفس غير حالة في محل وكل ما لا محل له مجرد. وفيه انه يمكن أن يكون لتعقلها لمحله شرط كالتوجه إلى المحل ونحوه، كما نرى في الخارجيات أن مع اجتماع جميع شرائط الرؤية قد لا يرى الإنسان المرئي لعدم توجه النفس إليه.

(و) الخامس من أدلة تجردها : إن الصورة العقلية العارضة للنفس مستغنية عن المادة، فمحلها وهي النفس مستغنية عن المادة (لاستلزام استغناء العارض استغناء المعروض). أما أن الصورة العقلية مستغنية فلما تقدم من إدراكها المجردات، وأما التلازم بين استغناء العارض والمعروض فلأن العارض محتاج إلى المعروض، فلو كان المعروض محتاجاً إلى شيء لكان العارض أولى بالاحتياج إليه ـ فتأمل.

(و) السادس من أدلة تجردها : إن القوة المنطبعة في الجسم تابعة للجسم في القوة والضعف، والنفس غير تابعة للجسم فالنفس غير منطبعة : أما الصغرى فلما هو المشاهد من أن الحس والحركة الحالَّتين في البدن تضعفان بضعفه وتقويان بقوته وكسائر سائر القوى الظاهر، وأما الكبرى فهو واضح (لانتفاء التبعية) فإن النفس تقوى حال ضعف الجسم فإن وقت الشيخوخة تقوى تعقلات النفس. وفيه نظر بين.

(و) السابع من أدلة تجردها : إن القوى المنطبعة في الجسم تَكلّ عند توارد الأفعال عليها خصوصاً الشاقة منها، والنفس تقوى بذلك، فالنفس غير منطبعة : أما الصغرى فلما هو المشاهد من أن الباصرة لا ترى بعد نظر طويل إلى قرص الشمس، والشامّة بعد شم رائحة قوية لا تدرك رائحة ضعيفة وهكذا، وأما الكبرى فهو واضح (لحصول الضد) من ذلك، فإن النفس عند كثرة التعقلات تقوى وتزداد والنظر فيه أيضاً ظاهر.

(مسألة) ذهب جمع إلى أن النفوس البشرية متحدة بالنوع وإنما تختلف بالصفات والملكات وذهب آخرون إلى أنها مختلفة بالمهية كاختلاف الإنسان والفرس والبقر (و) اختار المصنف (ره) الأول لأن النفوس البشرية داخلة تحت حد واحد و(دخولها تحت حد واحد يقتضي وحدتها) أما الصغرى فلما تقدم في تعريف النفس، وأما الكبرى فلأن الأمور المختلفة بالمهية يمتنع أن يجمعها حد واحد فلا يمكن جمع الإنسان والفرس والبقر تحت حد واحد. أقول : ويمكن أن يكون هذا الحد الواحد حداً للجنس لا النوع، كأن يحد الإنسان وسائر الأنواع : بالجسم النامي المتحرك بالإرادة فالحد الواحد لا يدل على الاتحاد النوعي.

(و) إن قلت : (اختلاف العوارض) الطارئة على النفس كالجبن والشجاعة والفهم والبلادة والسخاء والبخل وغيرها يدل على اختلاف حقائق النفوس. قلت : إختلاف العوارض (لا يقتضي اختلافها) أي اختلاف النفوس بالمهية لأن هذه عوارض مفارقة غير لازمة ولذا قد ينقلب الشجاع جباناً وهكذا فاختلافها لا يقتضي اختلاف المعروض. أقول : والواقع غير معلوم والأدلة النقلية قابلة للأمرين.

(مسألة) في حدوث النفوس (وهي حادثة، وهو ظاهر على قولنا) بحدوث العالم فإن النفوس من أجزائه فهي حادثة (و) أما (على قول الخصم) القائل بقدم العالم فإثبات حدوث النفوس يحتاج إلى البرهان، وهو أن النفوس (لو كانت) قديمة (أزلية) فلا يخلو إما أن تكون في الأزل واحدة أو متعددة، وعلى الأول فإن بقيت بعد التعلق بالأبدان واحدة أيضاً (لزم اجتماع الضدين) لأن نفس زيد المتصفة بالكرم هي بعينها نفس عمرو المتصفة بالبخل، فيلزم أن تكون النفس الواحدة كريمة بخيلة عالمة جاهلة شجاع جبان الخ. وهو محال، وإن تعددت بعد التعلق بالأبدان ولا يمكن ذلك إلا بأن تبطل النفس الواحدة وتحدث نفوس كثيرة (أو) تتجزأ بأجزاء كإناء من الماء إذا تجزأ بأجزاء، ومن ذلك يلزم (بطلان ما ثبت) أي بطلان النفس الأولى التي ثبت أنها في الأزل واحدة غير متكثرة ولا متجزئة ـ وهو محال ـ لأن القديم لا يمكن انقلابه كما تقدم في محله. وعلى الثاني فإن كان التعدد بالذات (أو) اللوازم لزم (ثبوت ما يمتنع) لأنّا قد قدمنا اتحاد النفوس البشرية بالحقيقة فلا يمكن اختلافها بالحقيقة أو بلوازمها، إذ اختلاف اللوازم دال على اختلاف الملزومات، وإن كان التعدد بالعوارض الطارئة من الأبدان فلا أبدان في الأزل حتى تختلف النفوس باختلافها.

(مسألة) (وهي) أي النفس (مع البدن على التساوي) فلكل نفس بدن، كما أن لكل بدن نفساً فعدد النفوس مساوٍ لعدد الأبدان وبالعكس.

أما أن للبدن الواحد نفساً واحدة فلأن كل إنسان يجد ذاته ذاتاً واحدة، ولو كان له نفسان لوجد ذاته ذاتين، وأما أن للنفس الواحدة بدناً واحداً فلأن تعدد البدن واتحاد النفس يتصور على نوعين :

(الأول) أن تنتقل النفس بعد خروجها عن بدن إلى بدن آخر، وهو محال للزومه أن يجتمع في البدن نفسان منتقلة وحادثة، لأن حدوث النفس من العلة القديمة يتوقف على حصول الاستعداد في القابل وعند حصوله تحدث نفس له، فإذا انتقلت إليه نفس لبدن سابق اجتمعت فيه نفسان ـ وقد تقدم بطلانه.

(الثاني) أن تكون النفس الواحدة لبدنين في عرض واحد، وهو أيضاً باطل، إذ لازمه أن يكون معلوم أحدهما عين معلوم الآخر وكذلك سائر الصفات وهو باطل بالوجدان. أقول : في غالب مقدمات هذه المسألة مناقشة وكذا في الأدلة الأخر التي ذكروها لبيان هذا التساوي.

(مسألة) في أن النفس لا تفنى بفناء البدن (ولا تفنى بفنائه) لما دل من النقل على بقاء النفس، وذكر له دليلان آخران : (الأول) إن المعاد قطعي، ولو انعدمت النفس لم يعقل المعاد، لامتناع إعادة المعدوم. (الثاني) إن إمكان الفناء ـ السابق على الفناء ـ لابد له من محل، فلا يخلو إما أن يكون محله النفس، وهو محال لامتناع أن يكون الشيء محلاً لإمكان مباينه، وإما أن يكون غيرها ـ وهو باطل ـ لامتناع قيام إمكان شيء بشيء آخر، وحيث بطل الشقّان بطل إمكان الفناء فتدبر.

(مسألة) في إبطال التناسخ (ولا تصير) النفس بعد خروجه عن البدن (مبدأ صورة لـ) بدن (آخر) كأن تنتقل نفس زيد بعد الموت إلى عمرو ويكون بينهما من العلاقة مثل ما بينها وبين زيد (وإلا بطل ما أصلناه من التعادل) بين النفوس والأبدان، إذ الانتقال موجب لتعدد البدن ووحدة النفس، وهذا خلاف ما تقدم من أن لكل بدن نفساً. ثم اعلم أن لهم ـ في انتقال النفس بعد الموت إلى شيء آخر ـ اصطلاحات : (الأول) النسخ وهو الانتقال إلى بدن إنساني آخر. (الثاني) المسخ وهو الانتقال إلى بدن حيوان. (الثالث) الفسخ وهو الانتقال إلى نبات أو شجر. (الرابع) الرسخ وهو الانتقال إلى معدن أو جماد.

(مسألة) في كيفية تعقل النفس للكليات والجزئيات (وتعقل) النفس الكليات (بذاتها) بدون احتياج إلى آلة ولذا لو فرض أن هناك شخصاً فقَدَ جميع حواسه لم يزل يعقل الكليات، (وتدرك) النفس الجزئيات (بالآلات) كالبصر والسمع وغيرهما خلافاً لمن ذهب إلى أن مدرك الجزئيات هو الحواس فقط. وفي إثبات هذا المطلب نحتاج إلى أمرين :

(الأول) انه ليس المدرك هو الحاسة فقط، ويدل عليه أن النفس تحكم بين الكلي والجزئي ـ كما هو بديهي ـ والحاكم بين الشيئين لابد وأن يدركهما.

(الثاني) إن إدراك النفس بواسطة الآلة بمعنى أن صور الجزئيات ترتسم في قوى النفس الجسمانية لا في ذاتها، وقد أشار إليه بقوله : (للامتياز بين المختلفين وضعاً من غير إسناد) وتوضيحه بلفظ القوشجي : قد نتخيل مربعاً مجنحاً بمربعين متساويين في جميع الوجوه إلا أن أحدهما على يمين المربع الوسطاني والآخر على يساره على هذا الشكل، من غير استناد ـ أي من غير أن يستند هذا التخيل إلى الخارج بأن يرى هذا الشكل في الخارج بل نتخيله بمحض اختراعنا ونميز بين جناحيه المختلفين في الوضع ـ وليس هذا الامتياز بينهما بحسب المهية ولوازمها وعوارضها كالمقدار والشكل والسواد والبياض، لفرض تساويها من جميع الوجوه بل بالمحل، بأن يكون محل أحدهما غير محل الآخر. وليس هذا هو المحل الخارجي لأن المفروض انه لم يؤخذ من الخارج، فتعين المحل الإدراكي لذلك، والمجرد لا يصلح أن يكون محلاً لذلك فتعين الآلة الجسمانية ـ انتهى. أقول : حيث لم يقم دليل على تجرد النفس ـ كما تقدم الإشكال في أدلته ـ بطل هذا الدليل.

(مسألة) في القوى النباتية (وللنفس قوى تشارك) النفس (بها) أي في هذه القوى (غيرها) من سائر ما له نمو من النبات والحيوان (هي الغاذية) وهي القوة الموجبة لاستخلاف ما ذهب بما يأتي، إذ البدن بسبب الحرارة الخارجية والداخلية دائماً في التحلل، ولذا نرى أن المبتلى بالإسهال يضعف، وذلك لأن هذه القوة لا تتمكن حين الإسهال من الاستخلاف فإذا انعدم جزء بسبب الحرارة لم يخلفه غيره فيضعف. وهذه القوة تفعل أفعالاً ثلاثة : الأول ـ تحصيل جوهر البدن كالدم. الثاني ـ الإلزاق بالعضو. الثالث ـ التشبيه بالعضو المغتذى. (والنامية) وهي التي تداخل الغداء بين أجزاء المغتذى الأصلية كالعظم والعصب والرباط، فيزيد في الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية. (والمولدة) وهي القوة التي تجعل بعض الغذاء مستعدة لقبول صورة النوع حتى يحفظ النوع مثلاً يجعل بعض الغذاء نواة قابلة لصيرورتها شجرة ونحوها، وكذا يجعل بعض الغذاء منياً قابلاً للصورة الحيوانية أو الإنسانية.

(مسألة) في القوى الحيوانية (و) للنفس قوى (أخرى) وهي (أخص) من القوى النباتية (بها تحصل الإدراك أما للجزئي) وهذه القوى مشتركة بين الحيوان والإنسان، وهي خمس ظاهرة : البصر والسمع والذوق والشم واللمس، وخمس باطنة : الحس المشترك والخيال والمتصرفة والواهمة والحافظة.

(مسألة) في القوى الإنسانية (أو للكلي) وهي مختصة بالإنسان وهي القوة المدركة للكليات.

(مسألة) (وللغاذية) قوى أربع هي مركبة منها (الجاذبة) التي تجذب الغذاء إلى كل عضو، (والماسكة) التي تمسك الغذاء لتهضمه الهاضمة (والهاضمة) التي تحيل الغذاء إلى حالة المغتذي ليصير جزءاً منه (والدافعة) للفضلات. وهذه القوى الأربع كما أنها للغاذية كذلك للنامية. وإنما لم يذكرها المصنف (ره) لمعلوميته بالالتزام إذ النامية تتوقف على الغاذية (وقد تتضاعف هذه) القوى الأربع (لبعض الأعضاء) كالمعدة والكبد فإن فيهما الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة بالنسبة إلى غذاء جميع البدن وبالنسبة إلى غذاء نفسهما كسائر الأعضاء فقواهما ثمانية.

ثم إن مراتب الهضم أربعة : (الأول) الهضم الكيلوسي بمعنى صيرورة الغذاء جوهراً شبيهاً بماء الكشك الثخين ـ وهذا الهضم في المعدة. (الثاني) الهضم الكيموسي وهو في الكبد، فإن الكبد يجذب الغذاء من المعدة بواسطة العروق الدقاق إلى نفسها فينتشر الغذاء الكيلوسي فيها فينهضم ويتبدل صورته ويستحيل إلى الأخلاط الأربعة. (الثالث) الهضم في العروق وابتداؤه من العرق الطالع من الكبد. (الرابع) الهضم في الأعضاء وابتداؤه حين ترشح الدم من فوهات العروق (والنمو مغاير للسمن) إذ النمو كما تقدم تداخل الغذاء في الأجزاء الأصلية وكبرها بنسبة طبيعية، والسمن زيادة في الأعضاء المتولدة من الدم كاللحم والشحم، ولذا كان بينهما عموم من وجه فالصبي المهزول نامٍ غير سمين، والشيخ السمين غير نامٍ سمين، ويجتمعان في الصبي السمين، والنمو يقابل الذبول والسمن يقابل الهزال.

(مسألة) أثبت الحكماء للنفس قوة (و) سموها (المصورة) وفعلها إحالة المني إلى الشكل الإنساني أو الحيواني، ولكنها (عندي باطلة لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلاً) فإن هذا الفعل المحكم العجيب لا يصدر عن قوة لا شعور لها، مضافاً إلى أن هذه التشكيلات الكثيرة لا تصدر عن قوة واحدة ـ إذ الواحد لا يصدر منه إلا الواحد ـ أقول : لولا الأدلة النقلية الدالة على الملائكة المصورة، أمكن القولان إذ لا مانع من تعدد القوى، وكذا لا مانع من إعطاء الله سبحانه لقوة واحدة إمكان إصدار هذه التشكيلات الكثيرة، فإن إطلاق أدلة الواحد لا يصدر منه إلا الواحد مدخول.

(مسألة) لما فرغ المصنف من القوى النباتية شرع في القوى الحيوانية فقال : (وأما قوة الإدراك للجزئي فمنه اللمس وهي قوة منبثة في البدن كله) يدرك بها المنافي والملائم. ولا يخفى أن هذه القوة تختلف باختلاف الأعضاء وفي الكلية المذكورة في المتن نظرة من وجوه (وفي تعدده نظر) خلافاً لمن قال بأن اللمس عبارة عن قوى أربع : (الأولى) الحاكمة بين الحار واليابس. (الثانية) الحاكمة بين الرطب واليابس. (الثالثة) الحاكمة بين الصلب واللين. (الرابعة) الحاكمة بين الخشن والأملس. واستدل من قال بأنها قوة واحدة بأن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف المدرك كما أن اختلاف الألوان لا يوجب اختلاف الباصرة، واستدل الآخرون بأن القوة الواحدة لا تصدر منه إدراكات مختلفة وليس اختلاف هذه المدركات من قبيل اختلاف الألوان بل من قبيل اختلاف اللون والصوت.

(مسألة) (ومنه الذوق) وهو قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان (ويفتقر) إدراك المذوقات (إلى توسط الرطوبة اللعابية الخالية عن المثل) للمذوق (والضد) فإن رطوبة اللسان لو كانت حلواً لم يدرك الإنسان الحلو ولا المر بصرافتهما، وهكذا، وهو بديهي لا يحتاج إلى البرهان.

(مسألة) (ومنه الشم ويفتقر) إدراك المشمومات (إلى وصول الهواء المنفعل من ذي الرائحة إلى الخيشوم) وهو أقصى الأنف فإن هذه القوة مودعة في زائدتين شبيهتين بحلمتي الثدي متصلتين بمقدم الدماغ قد فارقتا لين الدماغ ولم يلحقهما صلابة العصب. وفي كيفية الإدراك أقوال ثلاثة : (الأول) وصول الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة إلى الشامّة. (الثاني) بتجزء أجزاء ذي الرائحة فيحملها الهواء وتصل إلى الشامة. (الثالث) فعل ذي الرائحة في الشامّة من غير استحالة في الهواء ولا تجزء وانفصال. أقول : والكل محتمل ولا دليل قطعي على أحدها.

(مسألة) (ومنه السمع و) هي قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ و(يتوقف على وصول الهواء المنضغط إلى الصماخ) والانضغاط يحصل من القرع والقلع مع مقاومة المقروع للقارع كالطبل والمقلوع للقالع كشق الكرباس فإنه لولا المقاومة لم يحصل الصوت. ويدل على حمل الهواء للصوت رؤية البرق قبل سماع صوت الرعد مع أنهما يحدثان في حال واحد، وليس ذلك إلا لمقدار سير الهواء الحامل.

(مسألة) (ومنه البصر وهي قوة مودعة في العصبتين المجوفتين اللتين) تنبتان من غور البطنين المقدمين من الدماغ عند جواز الزائدتين الشبيهتين بحلمتي الثدي يتيامن النابت منهما يساراً ويتياسر النابت يميناً فـ (يتلاقيان) ويصير تجويفهما واحداً (ويتفارقان إلى العينين بعد تلاقيهما) فينفذ النابت يميناً إلى الحدقة اليمنى والنابت يساراً إلى الحدقة اليسرى، فالتجويف الملتقي هو الذي أودع فيه تلك القوة، (ويتعلق) البصر (بالذات بالضوء واللون) ثم يرى بالواسطة سائر المبصرات كالشكل والمقدار والحركة والوضع والحسن والقبح وغير ذلك من أقسام المرئيات.

(مسألة) (وهو) أي الإبصار (راجع فينا) احتراز عن الإبصار في الله سبحانه (إلى تأثير الحدقة) وهي سواد العين، فتأثر الحدقة عبارة أخرى عن الإدراك قبال مَن يقول إن الإبصار أمر زائد على تأثر الحدقة.

(مسألة) (ويجب حصوله) أي حصول الإبصار (مع) وجود (شرائطه) فلو لم يوجد شرط منها لم يعقل الإبصار، لأنّا نجد بالضرورة انتفاء الرؤية عند انتفاء شيء من شرائطها، كما أنه لو وجدت الشرائط لم يعقل انتفاء الرؤية وإلا جاز أن يكون بحضرتنا جبال شاهقة مع اجتماع شرائط الإبصار ومع ذلك لا نراها وهو باطل ضرورة. وشرائط الإبصار ـ على ما ذكره في الكشف ـ سبعة ـ (الأول) عدم البعد المفرط ولذا لا نرى البلاد البعيدة. (الثاني) عدم القرب المفرط ولذا لا نرى ما يلتصق بالعين. (الثالث) عدم الحجاب ولذا لا نرى ما وراء الحجاب وإن استوفى بقية الشرائط. (الرابع) عدم الصغر المفرط ولذا لا نرى الجراثيم الصغار مع وجودها بالضرورة. (الخامس) أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل بأن يكون هناك واسطة كالمرآة التي تجعل الخلف في حكم المقابل، ولذا لا نرى ما في الخلف بلا واسطة. (السادس) وقوع الضوء على المرئي إما من ذاته كالشمس أو من غيره كالقمر ولذا لا نرى الأجسام في الليل المظلم. (السابع) أن يكون المرئي كثيفاً ولذا لا نرى الماء الصافي في القارورة ولو اجتمعت الشرائط. أقول : لا يبعد أن يقال إن البعد سبب لرؤية الشيء صغيراً أو على غير كيفيته الواقعية، ولذا نرى النيرات صغيرة ونرى خطي القطار مثل الملاصق.

(مسألة) في كيفية الرؤية وقد اختلف الناس فيها فذهب المصنف (ره) وجمع إلى أنها (بخروج الشعاع) من العين إلى المرئي وهو مخروط كالصنوبر رأسه متصل بالعين وقاعدته عند المرئي. وذهب أبو علي وجماعة إلى أن الإبصار إنما يكون بانطباع صورة المرئي في الرطوبة الجلدية، إذ للعين سبع طبقات وثلاث رطوبات، وترتيبها من ظاهر العين هكذا : (1) المحمة (2) القرنية. (3) العنبية. (4) الرطوبة البيضية. (5) العنكبوتية. (6) الرطوبة الجليدية. (7) الرطوبة الزجاجية. (8) الشبكية. (9) المشيمية. (10) الصلبة. ثم لا يخفى أن قوله سابقاً : (بتأثر الحدقة) لا ينافي قوله : (بخروج الشعاع) إذ خروج الشعاع أيضاً بعد تأثر الحدقة، فإن كل إدراك لا يتحقق إلا بتأثر المدرك.

(مسألة) في كيفية رؤية الإنسان وجهه في المرآة (فإن انعكس) الشعاع الخارج من العين (إلى المدرك) وذلك فيما إذا كان المقابل الواقع عليه الشعاع صيقلياً كالمرآة (أبصر) المدرك (وجهه) لحصول شرط الرؤية وهو اتصال الشعاع بالمرئي، فإنه لا يلزم أن يكون وصول الشعاع إلى المرئي بلا واسطة بل يدرك الشخص المرئي وإن كان بوسائط عديدة ـ هذا ما عللوه أصحاب الشعاع. وأما وجه رؤية الشخص نفسه عند أصحاب الانطباع فهو أن الصورة تنطبع في المرآة ثم الصورة المنطبعة في المرآة تنطبع في العين.

(مسألة) في بيان علة الحول (وإن عرض تعدد السهمين تعدد المرئي) هذا وجه الحول عند القائلين بالشعاع، فإنهم قالوا : إذا وقع سهم المخروط الخارج من العين إلى المرئي رآه الشخص فإذا خرج من العينين مخروطان التقى سهمهما على المرئي فأدركه الإنسان واحداً، فإذا كان في العين حول لم يلتق السهمان ووقع كل سهم مستقلاً على المرئي ولذا كل عين تدرك المرئي إدراكاً مستقلاً فيرى الشيء الواحد إثنين، كما أن من يضغط على عينه حتى تكون الحدقة عند الأنف يرى الشيء الواحد إثنين لهذه العلة نفسها. وأما القائلون بالانطباع فذهبوا إلى أن انطباع صورة المرئي في الجليدية غير كافٍ في الإبصار وإلا لرأى الشيء الواحد إثنين دائماً بل لابد من تأدي الصورتين من الجليدتين إلى ملتقى العصبتين فيرتسم فيه صورة واحدة فيرى بها ذلك الشيء واحداً وإن عرض أن لا تتأدى الصورتان من الجليديتين إلى الملتقى دفعة واحدة لاعوجاج عارض في إحدى العصبتين خلقة كالحول أو عارضاً كالضاغط على عينه رأى ذلك الشيء متعدداً.

(مسألة) لما فرغ المصنف من الحواس الخمسة الظاهرة ـ أعني اللمس والشم والذوق والسمع والبصر ـ شرع في القوى الخمسة الباطنة ـ وهي الحس المشترك ثم الخيال ثم المتصرفة ثم الواهمة ثم الحافظة ـ مرتبة من أمام الرأس إلى خلفه ـ كما قالوا ـ (ومن هذه القوى) الخمسة الباطنة (بنطاسياً) أي الحس المشترك، استدلوا على وجودها بأمور:

(الأول) ما أشار إليه بقوله : (الحاكمة بين المحسوسات) وهذه القوة شأنها إدراك المحسوسات والحكم عليها. مثلاً لو رأى الشخص السكَّر وذاقه حتى عرف طعمه فإذا رآه ثانياً بعد مدة يحكم عليه بأن حلو، وذلك لأن صورة السكر وطعمه موجودان في هذا الحس، فإذا رأى أحدهما حكم بالآخر وإذا ذاق أحدهما حكم بالآخر أيضاً، وكذلك بالنسبة إلى سائر الحواس الخمس. قال في الكشف : الدليل على ثبوت الحس المشترك وجوه : (أحدها) أنّا نحكم على صاحب لون معين بطعم فلابد من حضور هذين المعنيين عند الحاكم، لكن الحاكم ـ وهو النفس ـ إنما تدرك الجزئيات بواسطة الآلات على ما تقدم فيجب حصولهما معاً في آلة واحدة وليس شيء من الحواس الظاهرة كذلك فلابد من إثبات قوة باطنة هو الحس المشترك، وإلى هذا الدليل أشار بقوله : (الحاكمة بين المحسوسات) أقول : بعد عدم ثبوت تجرد النفس لا يستقيم هذا الدليل كسائر الأدلة للقوى.

(الثاني) (لرؤية القطرة خطاً والشعلة دائرة) فإن رؤية القطرة النازلة خطاً مستقيماً ـ كما في الشهب ـ والشعلة الجوالة بسرعة خطاً مستديراً مع أن الواقع ليس كذلك دليل على الحس المشترك، إذ مدرك الخط والدائرة ليس هو البصر فإن البصر لا يرى إلا ما يقابله حقيقة فلابد وأن تكون قوة ترتسم فيها صورة القطرة والشعلة ثم تبقى قليلاً بقدر وصول القطرة إلى آخر الخط الموهوم والشعلة إلى آخر الدائرة الموهومة.

(و) (الثالث) رؤية (المبرسم ما لا تحقق له) فمن اشتد به مرض ذات الجنب اشتغلت نفسه الناطقة عن الحواس بسبب المرض فاستولت المتخيلة ونقشت في لوح الحس المشترك صوراً مخزونة في الخيال أو اختراعية والرؤية لما كانت بحصول الصورة في الحس المشترك لم يفرق بين ورودها عليه من الباصرة أو من الداخل، وحيث لا شعور للمريض لم يفرق بينهما.

(و) من هذه القوى (الخيال) الذي هو خزانة للحس المشترك فإن صور الأشياء تزول عن الحس المشترك وتبقى في الخيال حتى إذا أرادها أرجعها، والدليل على وجودها ما أشار إليه بقوله : (لوجوب المغايرة بين القابل والحافظ) فقابل الصور هو الحس المشترك وحافظها هو الخيال لما تقرر من أن الواحد لا يكون مبدءاً لأثرين فلا يمكن أن يكون الحس المشترك قابلاً وحافظاً.

(و) من هذه القوى (الوهم المدرك للمعاني الجزئية) كعداوة زيد وحب عمرو مما ليس له صورة في المحسوسات. نعم لها منشأ انتزاع، والدليل عليه ما تقدم من أن القوة الواحدة لا تؤثر في أكثر من شيء واحد والقابل للمنافي غير القابل للصور.

(و) من هذه القوى (الحافظة) وهي خزانة الوهم، والدليل على استقلالها ما تقدم.

(و) من هذه القوى (المتخيلة المركبة للصور) المحسوسة (والمعاني) الجزئية (بعضها مع بعض) والمفصلة لبعضها من بعض، كتخيل إنسان ذي رأسين وإنسان بلا رأس، وصداقة زيد (العدو)، وعداوة عمرو (الصديق) إلى غير ذلك، والدليل على استقلالها ما تقدم.