الفهرس

فهرس المبحث الثاني

المؤلفات

 الكلام والفلسفة

الصفحة الرئيسية

 

الجواهر

(الأول) في الجواهر. الممكن إما أن يكون موجوداً في الموضوع وهو العرض أو لا وهو الجوهر، وهو إما مفارق في ذاته وفعله وهو العقل أو في ذاته وهو النفس، أو مقارن : فإما أن يكون محلاً وهو المادة أو حالاً وهو الصورة أو يتركب منهما وهو الجسم، والمحل والموضوع يتعاكسان وجوداً وعدماً في العموم والخصوص، وكذا الحال والعرض وبين الموضوع والعرض مباينة ويصدق العرض على المحل والحال جزئياً.

والجوهرية والعرضية من ثواني المعقولات لتوقف نسبة أحدهما على وسط، واختلاف الأنواع بأولوية، والمعقول اشتراكه عرضي.

ولا تضاد بين الجواهر ولا بينها وبين غيرها والمعقول من الفناء العدم، وقد يطلق التضاد على بعض باعتبار آخر، ووحدة المحل لا يستلزم وحدة الحال إلا مع التماثل. بخلاف العكس، وأما الانقسام فغير مستلزم في الطرفين. والموضوع من جملة المشخصات.

وقد يفتقر الحال إلى محل متوسط، ولا وجود لوضعي لا يتجزأ بالاستقــلال لحجب المتوسط ولحركة الموضوعين على طرف المركب من ثلاثة أو من أربعة على التبادل ويلزمهم ما يشهد الحس بكذبه من التفكيك.

وسكون المتحرك، وانتفاء الدائرة.

والنقطة عرض قائم بالمنقسم باعتبار التناهي والحركة لا وجود لها في الحال ولا يلزم نفيها مطلقاً والآن لا تحقق له خارجاً ولو تركبت الحركة مما لا يتجزأ لم تكن موجودة، والقائل بعدم تناهي الأجزاء يلزمه مع ما تقدم النقض بوجود المؤلف مما يتناهى، ويفتقر في التعميم إلى التناسب.

ويلزم عدم لحوق السريع البطيء وأن لا يقطع المسافة المتناهية في زمان متناهٍ. والضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل.

والقسمة بأنواعها يحدث اثنينية تساوي طباع كل واحد منهما طباع المجموع، وامتناع الإنفكاك لعارض لا يقتضي الامتناع الذاتي، فقد ثبت أن الجسم شيء واحد متصل يقبل الانقسام إلى ما لا يتناهى ولا يقتضي ذلك ثبوت مادة سوى الجسم لاستحالة التسلسل ووجود ما لا يتناهى. ولكل جسم مكان طبيعي يطلبه عند الخروج على أقرب الطرق، فلو تعدد انتفى، ومكان المركب مكان الغالب أو ما اتفق وجوده فيه وكذا الشكل والطبيعي منه هو الكرة، والمعقول من الأول البعد فإن الامارات تساعد عليه. واعلم أن البعد منه ملاقٍ للمادة وهو الحال في الجسم، ويمانع مساويه، ومنه مفارق يحل فيه الأجسام ويلاقيها بجملتها ويداخلها بحيث ينطبق على بعد المتمكن ويتحد به، ولا امتناع لخلوه عن المادة.

ولو كان المكان سطحاً لتضادت الأحكام ولم يعّم المكان، وهذا المكان لا يصح عليه الخلو من شاغل وإلا لتساوت حركة ذي المعاوق حركة عديمة عند فرض معاوق أقل بنسبة زمانيهما والجهة طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة وليست منقسمة، وهي من ذوات الأوضاع المقصودة بالحركة للحصول فيها وبالإشارة والطبيعي منها فوق وسفل وما عداهما غير متناهٍ.

(المقصد الثاني) من مقاصد الكتاب (في الجواهر والأعراض وفيه فصول) ثلاثة :

الفصل (الأول في الجواهر) وإنما قدمها لشرافتها فإن وجود العرض متوقف على وجود الجوهر وفي هذا الفصل مسائل :

(مسألة) (الممكن إما أن يكون موجوداً في الموضوع) وهو المحل المتقوم بنفسه المقوم لما يحل فيه (وهو العرض) كالسواد والبياض (أو لا) يكون الممكن موجوداً في الموضوع بل لا يحل أصلاً أو يحل ولكن لا في الموضوع (وهو الجوهر) كالمادة والصورة، (وهو) أي الجوهر على خمسة أقسام لأنه (إما مفارق) عن المادة (في ذاته) فليس مادياً (وفعله) فلا يحتاج في فعله إلى المادة (وهو العقل) وثبوته محل نظر أو منع كما ستعرف، (أو) مفارق عن المادة (في ذاته) فقط وإما في فعله فيحتاج إلى المادة (وهو النفس) وفي تجردها أيضاً نظر، (أو) الجوهر (مقارن) للمادة في ذاته وفعله وهو على ثلاثة أقسام : (فإما أن يكون محلاً) لجوهر آخر (وهو المادة) وفي جعل المادة مقارنة للمادة نوع مسامــحة أوجبها السياق، (أو حالاً) في جوهر آخر (وهو الصورة) فالصورة تحل في المادة أي الهيولي والهيولي محلها، (أو يتركب) المقارن للمادة (منهما) أي من الحال والمحل (وهو الجسم)

(مسألة) (والمحل) وهو الشيء الذي يحل فيه شيء آخر سواء احتاج المحل إليه كالهيولي الحالة فيه الصورة أو لم يحتج كالجسم الحال فيه البياض (والموضوع) وهو المحل المستغني عن الحال كالجسم الحال فيه البياض (يتعاكسان وجوداً وعدماً في العموم والخصوص) فالموضوع أخص مطلقاً من المحل إذ كل موضوع محل ولا عكس واللاموضوع أعم مطلقاً من اللامحل إذ بانتفاء الموضوع يمكن انتفاء المحل وعدم انتفائه، كما هو شأن كل عام وخاص فإن عدم الخاص أعم من عدم العام. (وكذا الحال) وهو الشيء الذي يحل في شيء آخر سواء احتاج المحل إليه كالصورة الحالة في الهيولي أم لم يحتج كالبياض الحال في الجسم (والعرض) وهو الحال في الموضوع بلا احتياج للموضوع إليه كالبياض الحال في الجسم، يتعاكسان في الوجود والعدم فالحال أعم من العرض وعدم العرض أعم من عدم الحال. (وبين الموضوع والعرض مباينة) إذ الموضوع متقوم بنفسه والعرض متقوم بغيره (ويصدق العرض على المحل والحال جزئياً) فالخط الذي هو محل للانحناء عرض، والبياض الذي هو حال عرض. والحاصل أن بين المحل والعرض عموماً من وجه فبعض المحل عرض كالخط المعروض للانحناء، وبعضه ليس بعرض كالجسم المعروض للبياض، وبعض العرض ليس بمحل كالانحناء العارض على الخط. وبين الحال والعرض عموم مطلق فبعض الحال ليس بعرض كالصورة وكل عرض حال.

(مسألة) (والجوهرية والعرضية من ثواني المعقولات) وليسا جنسين لما تحتهما فهما مما ينتزعه العقل من الموجود الخارجي ثم يصفه به لا انهما جزء لما تحتهما من الأفراد، فهما مثل الوجود والشيئية والوحدة ونظائرها وذلك لوجوه.

الأول ـ (لتوقف نسبة أحدهما) إلى الشيء (على وسط). فأنّا إذا أردنا إثبات الجوهرية للصورة احتاج ذلك إلى البرهان وتشكيل القياس، وكذا لو أردنا إثبات عرضية المقادير احتجنا إلى القياس، ومن هذا تبين انهما ليسا جنسين إذ الجنس ذاتي والذاتي بيَّن الثبوت فلا يحتاج إلى قياس. ثم إن المعقولات الثانية على قسمين : (الأول) ما يكون عروضه للشيء في العقل كالجنسية والفصلية. و(الثاني) ما يكون عروضه للشيء في العقل من حيث هو في الخارج وما نحن فيه من هذا القسم.

(و) الثاني ـ (اختلاف الأنواع بأولوية) فإن مفهوم الجوهر والعرض كلاهما مقول على ما تحتهما من الأنواع بالتشكيك. مثلاً : الشخص أولى بكونه جوهراً من الكلي، والعرض القار أولى بكونه عرضاً من غير القار، والذاتي لا يكون مقولاً على أنواعه بالتشكيك.

(و) الثالث ـ إن (المعقول اشتراكه عرضي) أي ما نتعقله من الجوهر هو صرف الاستغناء عن المحل، وما نتعقله من العرض هو صرف الاحتياج إلى المحل، والجواهر كلها مشتركة في الأول كما أن الاعراض كلها مشتركة في الثاني. ومن المعلوم أن الاستغناء والاحتياج أمران عرضيان لأنهما إنما ثبتاً لموصوفيهما بالقياس إلى غيرهما ـ أعني الموضوع ـ والذاتي ليس كذلك إذ هو ما ثبت للشيء سواء لوحظ الغير أم لا.

(مسألة) (ولا تضاد بين الجواهر) إذ الضدان هما الذاتان الوجوديتان المتعاقبتان في الموضوع، والجوهر لا موضوع له فلا يقع التضاد بين أفراده (و) كذلك (لا) تضاد (بينها) أي بين الجواهر (وبين غيرها) من سائر الأشياء لما ذكر، فإن غير الجوهر وإن كان يحتاج إلى الموضوع لكن عدم كون الجوهر في الموضوع يكفي في عدم صدق التضاد بينهما. (و) ذهب بعض إلى أن الفناء ضد للجوهر فإذا خلق الفناء انتفى الأجسام بأسرها ولكنه باطل إذ (المعقول من الفناء) هو (العدم) لا غير فليس أمراً وجودياً حتى يكون ضد الشيء، وقد تقدم أن الضد هو الأمر الوجودي. (وقد يطلق التضاد على بعض) من الجواهر، ولكن ليس إطلاق التضاد بمعناه المتقدم بل (باعتبار آخر) بأن يقال : الضدان هما الذاتان اللتان لا تجتمعان في المحل ـ بدل قولهم في الموضوع ـ وعليه فيكون بين الصور النوعية تضاد إذ لا يجتمع النطق والنهق في محل واحد.

(مسألة) (ووحدة المحل لا يستلزم وحدة الحال) فيمكن أن يكون المحل واحداً والحال فيه إثنان كالجسم الذي يحلّ فيه السواد والحركة (إلا مع التماثل) فإنه لا يمكن أن يحل المثلان في محل واحد ـ وهذا هو المعبر عنه بأن اجتماع المثلين محال ـ ووجه عدم الإمكان واضح إذ الامتياز بين المثلين حين الحلول في محل واحد إما بالذات والمفروض أن الذات واحدة لا تمايز فيها، وإما بلوازم الذات وحيث إن الذات واحدة فاللوازم أيضاً واحدة، وأما بالعوارض الخارجية فيلزم الدور إذ اتصاف أحد المثلين بعارض دون الآخر متوقف على امتيازه عن المثل الآخر فلو كان امتيازه بذلك العارض لزم الدور ـ فتأمل. (بخلاف العكس) فإن وحدة الحال يستلزم وحدة المحل فلا يقوم العرض الواحد أو الصورة الواحدة بمحلين، لأن لازمه أن يكون الواحد إثنين وهو ضروري البطلان.

(وأما الانقسام فغير مستلزم في الطرفين) فانقسام المحل لا يستلزم انقسام الحال وانقسام الحال لا يستلزم انقسام المحل : أما الأول فلأن الأبوة لا تقبل القسمة مع أن محلها وهو جسم الأب قابل للقسمة، وأما الثاني فقد قال العلامة : وأما الحال فإنه لا يقتضي انقسامه انقسام المحل فإن الحرارة والحركة إذا حلاّ محلاً واحداً لم يقتضِ ذلك أن يكون بعض المحل حاراً غير متحرك وبعضه متحركاً غير حار.

(مسألة) في بيان استحالة انتقال العرض (والموضوع من جملة المشخصات) هذا دليل على استحالة انتقال العرض. وبيانه : أن العرض إما أن لا يحتاج إلى موضوعه أصلاً وإما أن يحتاج، وعلى الثاني إما أن يكون الاحتياج في الوجود أو في التشخص أو في كليهما : أما عدم الاحتياج مطلقاً فهو باطل إذ العرض كما تقدم هو ما لا يوجد إلا في الموضوع، وأما الاحتياج في الوجود فهو مستلزم للاحتياج في التشخص إذ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد، وأما الاحتياج في التشخص فهو متيقن قطعاً. وكيف كان فاحتياجه في تشخصه إلى موضوعه مستلزم لاستحالة انتقاله إذ لو انتقل لم يكن الشخص المنتقل عين الشخص الأول (وقد يفتقر الحال إلى محل متوسط) بين الحال والمحل. بيانه : أن الحال قد يحل في الشيء بلا واسطة كالحركة الحالّة في الجسم وقد يحلّ في الشيء بواسطة كالسرعة الحالّة في الجسم بواسطة الحركة فإن السرعة كيفية الحركة والحركة حالّة في الجسم، بل قد يحتاج إلى وسائط كالنقطة الحالّة في الجسم بواسطة الخط والخط بواسطة السطح.

(مسألة) في نفي الجزء الذي لا يتجزأ (ولا وجود لوضعي) أي مشار إليه بالحس وهو احتراز عن العقول والنفوس بزعم الحكماء (لا يتجزأ بالاستقلال) الجار متعلق بقوله : (لوضعي) أي لا وجود لوضعي مستقل لا يتجزأ، واحترز بهذا القيد عن مثل النقطة فهي وضعية غير مستقلة. والمراد بالوضعي المستقل الجسم الطبيعي وهو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة : الطول والعرض والعمق. والحاصل أن الممكن إما غير وضعي كالعقول وإما وضعي، وهو إما غير مستقل بذاته كالنقطة أو مستقل كالجسم الطبيعي، والكلام الآن في القسم الثالث، فقد اختلفوا في أنه هل يمكن أن يكون جزءاً غير قابل للتجزئة أم لا، فالمصنف (ره) على أنه لا يمكن أن يكون جزءاً غير قابل للتجزئة واستدل لذلك بأمور :

الأول ـ (لحجب المتوسط) يعني إذا وقع جزء بين جزءين بحيث كانت هناك ثلاثة أجزاء متلاقية فلا يخلو الأمر من أن يكون الوسط حاجباً للطرفين عن التماس وأن لا يكون حاجباً، الثاني غير معقول لأنه يلزم منه التداخل أي دخول الجزء الوسط في الجزءين، والأول يثبت المطلوب لأنه إذا حجب المتوسط الطرفين عن التماس لزم انقسام الوسط لأن ما يلاقي منه أحد الطرفين غير ما يلاقي منه الطرف الآخر، وكذا يلزم انقسام الطرفين إذ الطرف المماس للوسط غير الطرف الذي في مقابله فانقسمت الثلاثة.

(و) الثاني ـ (لحركة) الجزءين (الموضوعين على طرف) الخط (المركب من ثلاثة) أجزاء. وتقريره بلفظ العلامة (ره) : أنّا إذا فرضنا خطاً مركباً من ثلاثة جواهر وعلى طرفيه جزءين ثم تحركا على السواء في السرعة والبطء والابتداء فلابد وأن يتلاقيا وإنما يمكن بأن يكون نصف كل واحد منهما على نصف الطرف والنصف الآخر على نصف المتوسط فيقسم الخمسة ـ انتهى. ولا يخفى أن هذا البرهان لا يختص بما إذا كانت الجواهر السافلة ثلاثة بل يتصور في كل مركب من أجزاء وتركا لخمسة والسبعة.

الثالث ـ (أو من أربعة على التبادل) فإذا فرضنا خطاً مركباً من أربعة أجزاء وفوق أحد طرفيه جزء وتحت طرفه الآخر جزء ثم تحرك الجزآن على السواء في السرعة والابتداء فاللازم تقابلهما في الوسط الذي بين الجزء الثاني والثالث فيلزم تقسيم هذه الأجزاء الأربعة المتوسطة، وحيث إن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد فالأول والآخر أيضاً يكونان قابلاً للقسمة. ولا يخفى أن هذا البرهان يجري في كل خط مركب من زوج.

(ويلزمهم) أي القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ محالات :

الأول ـ (ما يشهد الحس بكذبه من التفكيك) بين أجزاء الرحى حالة الحركة. بيانه : أنّا لو فرضنا خطاً خارجاً من مركز الرحى إلى الطوق العظيم منها فذلك الخط يكون مركباً من أجزاء لا تتجزأ، فإذا تحرك الجزء الأبعد من هذا الخط وهو الذي على الطوق بمقدار جزء لا يتجزأ فالجزء المتصل بالمركز من ذلك الخط لا يخلو أمره من ثلاثة : إما أن لا يتحرك وهو باطل حساً لأنه يلزم التفكيك في الحركة، وإما أن يتحرك بمقدار الجزء الفوقاني وهو باطل أيضاً لأنه أقل حركة وأصغر مداراً بالحس، وإما أن يتحرك أقل من جزء وهو المطلوب. وحيث إن القائلين بالجزء التزموا بالتفكيك بأن قالوا : (إن الرحى يتفكك عند الحركة على مثال دوائر محيطة بعضها ببعض) أشار المصنف (ره) إلى هذه الفقرة من البرهان.

(و) الثاني ـ (سكون المتحرك). وبيانه : انه إذا تحرك شخصان أحدهما سريع والآخر بطيء بقدر نصف الأول من مبدأ واحد في وقت واحد فالأمر لا يخلو من أن يتساويا في السير وهو باطل ضرورة، أو يتحرك السريع دائماً ويتحرك البطيء جزءاً ويسكن جزءاً وهو أيضاً خلاف الحس لأنّا نراه دائماً متحركاً لا ساكناً، أو كلما تحرك السريع جزءاً تحرك البطيء نصف جزء وهو المطلوب فينقسم الجزء. وحيث إن القائلين بالجزء التزموا بسكون هذا الشخص نصف قدر حركة الأول أشار المصنف (ره) إليه فقط.

(و) الثالث ـ (انتفاء الدائرة). قال القوشجي في تقريره : إذا جعلنا الخط دائرة فإما أن يتلاقى ظواهر أجزائها كما تلاقت بواطنها فيلزم أن تكون مسافة ظاهرها كمسافة باطنها، فإذا أحاطت بهذه الدائرة دائرة أخرى كان حكمها مثل حكم الأولى فيكون حكم ظاهر المحيطة كباطنها وباطنها كظاهرها المحاط بها لانطباقه عليه وظاهر المحاط بها كباطنها، فيكون ظاهر المحيط كباطن المحاط بها، ثم هكذا يجعل الدوائر محيطاً بعضها ببعض بلا فرجة فيها إلى أن يبلغ دائرة تساوي منطقة الفلك الأعظم فلا يزيد أجزاء هذه الدائرة العظيمة جداً على أجزاء الدائرة المفروضة أو لا مع كونها صغيرة جداً. وإما أن لا يتلاقى ظواهرها مع تلاقي بواطنها فيلزم الانقسام لأن الجوانب المتلاقية غير الجوانب التي لم تتلاقَس ـ انتهى. وحيث التزموا بانتفاء الدائرة أشار المصنف (ره) إلى ردّه بهذا الكلام.

أقول : وقد يقرر الدليل هكذا : أن الخط إذا صار دائرة فالأجزاء إن تلاقى فوقها وتحتها لزم تساوى الدائرة القطبية للمنطقية، وإن تلاقى تحتها فقط فإن بقى فوقها معرجاً لزم انتفاء الدائرة الحقيقية وإن لم يبق كان سد التعاريج بأجزاء الجوهر الفرد فينتفي الجوهر الفرد وهو المطلوب.

(مسألة) استدل القائلون بوجود الجزء الذي لا يتجزأ بأمور : (الأول) ـ إن النقطة حيث كانت موجودة بالبرهان فإن كانت جوهراً ثبت المطلوب، وإن كانت عرضاً فمحلها إن لم ينقسم ثبت المطلوب أيضاً، وإن انقسم لزم انقسام النقطة لأن انقسام المحل مستلزم لانقسام الحال لكن النقطة لا تنقسم فلا ينقسم محلها وهو المطلوب. (و) الجواب أن (النقطة عرض قائم بالمنقسم) ولا يلزم من انقسام محلها انقسامها لأن قيامها (باعتبار التناهي) فإن انقسام المحل إنما يلزم انقسام الحال إذا كان حلوله فيه من حيث ذاته المنقسمة كحلول البياض في الجسم وحلول النقطة في المحل المنقسم ليس من حيث ذاته المنقسمة بل من حيث هو متناهٍ غير منقسم.

(الثاني) ـ من أدلتهم : أن الحركة لها وجود في الحال إذ لو لم تكن موجودة في الحال لم يكن لها وجود أصلاً إذ الماضي والمستقبل معدومان، وإذا كانت موجودة في الحال فهي غير متجزئة إذ لو تجزأت لم تكن ما في الحال في الحال بل يلزم سبق بعض أجزائها أو لحوقها (هف) ولو كانت غير متجزئة لزم عدم تجزئة المسافة التي وقعت الحركة في الحال عليها إذ لو تجزأت المسافة تجزأت الحركة، وعدم انقسام المسافة مستلزم للجزء الذي لا يتجزأ. وحاصل البرهان مركب من ثلاث مقدمات : وجود الحركة في الحال، وعدم انقسامها، واستلزام عدم انقسام الحركة الجزء الذي لا يتجزأ (و) الجواب عدم تسليم المقدمة الأولى إذ (الحركة لا وجود لها في الحال ولا يلزم) ما ذكرتم من أن نفي الحركة في الحال مستلزم لـ (نفيها مطلقاً) إذ نقول : الحركة الماضية والمستقبلة موجودتان في موطنهما ـ فتدبر.

واستدلال الخصم يشبه قول من يقول : (ليس ابن لزيد موجود فعلاً فلا إبن له أصلاً) في صورة انه كان له إبن سابقاً وسيأتي إبن له بعداً.

(الثالث) ـ من أدلتهم أن الآن له وجود إذ لو لم يكن موجوداً لزم انتفاء الزمان، إذ الماضي صار معدوماً والمستقبل لم يوجد بعد، وإذا كان الآن موجوداً فهو غير منقسم وإلا فلو انقسم لزم سبق بعضه على بعض فلم يكن الجميع آناً (هف)، وإذا لم ينقسم لم تنقسم الحركة الواقعة فيه وإلا كان بعض الحركة في الآن وبعضها سابقة أو لاحقة (هف)، وإذا لم تنقسم الحركة لم تنقسم المسافة بالبرهان المتقدم. (و) الجواب عدم تسليم التلازم بين انتفاء الآن وانتفاء الزمان بل (الآن لا تحقق له خارجاً) ولا يلزم منه عدم تحقق الزمان، إذ الزمان الماضي والمستقبل موجودان في موطنهما وإن لم يوجدا في الحال ـ فتأمل.

(و) حيث إنهم استدلوا بوجود الحركة على ثبوت الجزء الذي لا يتجزأ عارضه المصنف (ره) بأن الجزء الذي لا يتجزأ يدل على انتفاء الحركة فإنه (لو تركبت الحركة مما لا يتجزأ لم تكن موجودة). وبيانه : أن الحركة لو تركبت من أجزاء لا تتجزأ تركبت المسافة منها أيضاً للتلازم بينهما كما تقدم، وحينئذ فالمتحرك من جزء من أجزاء المسافة إلى آخر منها متصل بالأول لا يتصف بالحركة حال كونه على الجزء الأول لأنه لم يشرع بعد في الحركة، ولا يتصف بها حال كونه على الجزء الثاني لأنه قد انتهت الحركة، ولا واسطة بين الأول والثاني ليوصف بالحركة هناك فلا توجد الحركة أصلاً.

(مسألة) في القول بعدم تناهي الأجزاء (و) النظام (القائل بعدم تناهي الأجزاء) في الجسم فكل جسم قابل للانقسام لا إلى نهاية بحيث كانت تلك الأجزاء موجودة في الجسم بالفعل (يلزمه مع ما تقدم) في نفي الجوهر الفرد، لأن المفاسد المذكورة تبطل الجوهر الفرد مطلقاً سواء قيل بتركب الجسم من أفراد متناهية منه أو غير متناهية إشكالات:

الأول ـ (النقض بوجود المؤلف مما يتناهى ويفتقر في التعميم إلى التناسب) بيانه : أنّا لو فرضنا جسماً مركباً من ثمانية جواهر فردية طوله جوهران وعرضه جوهران وعمقه جوهران فإنه جسم وقد تركب مما يتناهى، وهذا نقض لقول النظام إذ هو يدعي أن كل جسم كذلك، وما ذكرناه سالبة جزئية وهي نقيض للموجبة الكلية كما لا يخفى. ثم إذا أردنا تعميم الدليل إلى جميع الأجسام قلنا : إن كل جسم كبير أو صغير فلابد وأن يكون له نسبة مع هذا الجسم المركب من ثمانية، ومن المعلوم أن نسبة الأجزاء إلى الأجزاء كنسبة الحجم إلى الحجم لكن نسبة الحجم إلى الحجم متناهية فنسبة الأجزاء إلى الأجزاء متناهية وهو يقتضي تناهي الأجزاء.

(و) الثاني ـ انه (يلزم) النظام أيضاً (عدم لحوق السريع البطيء) فإن البطيء إذا تحرك قبل السريع مقدار جزء، ثم تحرك السريع فلا يخلو الأمر من أحد أمور : (الأول) عدم لحوق السريع البطيء وهو باطل ضرورة. (الثاني) تخلل السكنات للبطيء بأن يتحرك البطيء جزءاً فيقف حتى يقطع السريع جزئين ويلحق به، وهو باطل لما تقدم من عدم تخلل السكنات في الحركة البطيئة. (الثالث) أن يتحرك السريع جزءاً ويتحرك البطيء نصف جزء، وهذا هو المطلوب لكنه يبطل قول النظام بجوهر الفرد (الرابع) أن يطفر السريع جزءاً ويتحرك جزءاً، وهذا أيضاً باطل لما يأتي من بطلان الطفرة ـ فتدبر.

(و) الثالث ـ مما يلزم النظام هو (أن لا يقطع) الجسم (المسافة المتناهية في زمان متناهٍ) لأن الأجزاء غير متناهية وقطع كل جزء يقتضي حركة وكل حركة يقتضي زماناً فحيث إن أجزاء المسافة غير متناهية فأجزاء الحركة غير متناهية فالزمان المحتاج لقطعها غير متناهٍ، وهو باطل بالضرورة وقد قرر القوشجي هذين الدليلين أي الثاني والثالث دليلاً واحداً فراجع. (والضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل).

وقد أجاب العلاّف عن هذه الإشكالات الثلاثة بجوابين فقال في الجواب عن الإشكال الأول : لا يلزم من عدم تناهي الأجزاء عدم تناهي المقدار فيمكن أن يكون نسبة الحجم إلى الحجم نسبة متناهية ولا تكون نسبة الأجزاء إلى الأجزاء نسبة متناهية. والحاصل يمكن أن تجتمع أجزاء غير متناهية في حجم متناهٍ، وذلك بأن تتداخل الأجزاء فيصير جزآن وأزيد في حيز جزء واحد وفي قدره، وهذا باطل بالضرورة لأن المفروض أن الأجزاء مصممة لا فراغ لها فلا يمكن اجتماعها إلا بزيادة الحجم.

وقال في الجواب عن الإشكالين الأخيرين : بالطفرة بأن السريع يتحرك جزءاً ويطفر جزءاً لا يحاذيه أصلاً فيلحق بالبطيء، وبأن الجسم المتحرك يقطع جزءاً في الزمان وجزءاً آخر لا في الزمان فيقطع المسافة غير المتناهية في زمان متناهٍ، وحيث إن الطفرة باطلة بالبداهة لاستحالة الحركة بدون محاذاة المتحرك للمكان أو وقوع الحركة في الزمان يبقى الإشكالان بحالهما.

(مسألة) في إبطال مذهب ذي مقراطيس القائل بأن الجسم يقبل مركب من أجزاء صغار صلبة متجزئة في الوهم بحسب الجهات الثلاث غير قابلة للتجزئة بحسب الخارج. (والقسمة بأنواعها) الثلاثة أعني الإنفكاكية والوهمية والتي باختلاف العوارض الإضافية أو الحقيقية (يحدث) في المقسوم (اثنينية تساوي طباع كل واحد منهما) أي من القسمين (طباع المجموع)، فيجوز حين تساوي الطباع على كل واحد من الجزءين المنفصلين ما كان يجوز على الجزءين المتصلين من القسمة لاتحادها في الطباع والحقيقة، فلا وجه لقبول بعض الأجزاء للقسمة الإنفكاكية دون بعض.

(و) إن قلت : قد نرى بالوجدان قبول المجموع للقسمة دون كل قسم منه. قلت : (امتناع الإنفكاك لعارض) خارج عن الحقيقة والطبيعة ككون الجسم صلباً أو صغيراً لا يتناوله الآلة القاسمة أو نحوهما (لا يقتضي الامتناع الذاتي) الذي وقع فيه الكلام، فالامتناع عرضاً لا ينافي الإمكان ذاتاً.

(مسألة) حيث أبطلنا القول بكون الجسم مركباً من الجواهر الأفراد سواء كانت متناهية أم غير متناهية وأبطلنا كونه شيئاً واحداً قابلاً للانقسام إلى ما يتناهى (فقد ثبت أن الجسم شيء واحد متصل يقبل الانقسام إلى ما لا يتناهى) وهذا القول مما يساعده الحس أيضاً.

(مسألة) في نفي كون الجسم مركباً من الهيولي والصورة. لا يخفى انه بعدما ثبت كون الجسم شيئاً واحداً متصلاً اختلفوا : فذهب أفلاطون إلى أن ذلك الجوهر المتصل قائم بذاته غير حالّ في شيء آخر فهو شيء بسيط قابل لطريان الاتصال والانفصال عليه مع بقائه في الحالين في ذاته، فهو من حيث ذاته يسمى جسماً ومن حيث قبوله للصور النوعية التي لأنواع الأجسام يسمى هيولي، وهذا القول هو مختار المصنف (ره). وذهب أرسطو إلى أن ذلك الجوهر المتصل حالّ في جوهر آخر يسمى بالهيولي.

وزبدة ما احتج به بتلخيص القوشجي : أن ذلك الجوهر المتصل في ذاته الذي كان بلا مفصل إذا طرأ عليه الانفصال انعدم وحدث هناك جوهران متصلان في ذاتيهما، فلابد هناك من شيء آخر مشترك بين المتصل الأول وبين هذين المتصلين ولابد أن يكون ذلك الشيء باقياً بعينه في الحالين وإلا لكان تفريق للجسم إلى جسمين إعداماً للجسم بالكلية وإيجاداً لجسمين آخرين من كتم العدم والضرورة تقتضي ببطلانه ـ انتهى.

أقول : إنما التزم بانعدام الجوهر المتصل حين طريان الانفصال، لأن الإتصال الذي هو لازم له انعدم حين طريان الانفصال وانعدام اللازم مستلزم لانعدام ملزومه. وفيه عدم لزوم هذا الاتصال الشخصي للجسم بل اللازم هو اتصال ما وهو لا ينعدم حين طريان الانفصال ـ فتدبر.

وكيف كان فقد أجاب المصنف (ره) عن كلام أرسطو بقوله : (ولا يقتضي ذلك) أي اتصال الجسم وقبوله للانفصال (ثبوت مادة سوى الجسم لاستحالة التسلسل ووجود ما لا يتناهى) أي يلزم القائل بثبوت مادة سوى الجسم أحد إشكالين : (الأول) التسلسل (الثاني) ثبوت ما لا يتناهى. وتقريره : أن الجسم بعد الانفصال إما أن يكون مادة كل واحد من القسمين عين مادة القسم الآخر وهو محال لأن لازم ذاك أن يكون الواحد الشخصي في مكانين في آن واحد، وإما أن تكون مادة أحدهما غير مادة الآخر فلا يخلو من أحد أمرين : (الأول) أن تكون مادة كل واحد حادثة بعد الانفصال، وذلك مستلزم للتسلسل لأن الحادث عندهم مسبوق بالمادة والمدة فلهذه المادة الحادثة مادة وتلك المادة أيضاً حادثة، لأن الفرض حدوث المادة بعد الإنفصال، والحادث حيث يكون مسبوقاً بالمادة فالمادة الثانية أيضاً ـ لكونها حادثة ـ مسبوقة بمادة ثالثة وهكذا، فيلزم ترتب أمور غير متناهية وهو التسلسل الباطل. (الثاني) أن تكون مادتا القسمين بعد الانفصال غير حادثة بل موجودة قبل القسمة ويلزمه اشتمال الجسم على مواد لا تتناهى، إذ الجسم قابل لانقسامات غير متناهية ـ كما عرفت سابقاً ـ وحيث إن التسلسل ووجود ما لا يتناهى محالان فملزومهما وهو ثبوت مادة سوى الجسم محال، فبطل القول بتركب الجسم من الهيولي والصورة.

(مسألة) في إثبات المكان لكل جسم (ولكل جسم مكان طبيعي) بحيث يقتضي طبيعة الجسم ـ بلا إرادة ـ الحصول في ذلك المكان ولو زحزح عن ذلك المكان (يطلبه) أي يطلب الحصول في ذلك المكان (عند الخروج) منه بقاسر فيرجع إليه (على أقرب الطرق) الذي هو الخط المستقيم فلو رفع الحجر عن الأرض رجع إليها على أقرب الطرق بينه وبينها ولا ينحرف في رجوعه. وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى البرهان. وقد يستدل عليه بأن الجسم لابد له من مكان إذ يستحيل المادة بلا مكان، وحينئذ فلا يخلو من أحد ثلاثة : (الأول) حلوله في جميع الأمكنة وهو محال. و(الثاني) حلوله في البعض على سبيل التبادل، ويدل على بطلانه استقراء الأجسام الموجودة. (الثالث) حلوله في البعض المعين وهو المطلوب.

(فلو تعدد) المكان الطبيعي للشيء بأن كان للشيء مكانان طبيعيان (انتفى) المكان الطبيعي فيلزم عدم المكان للشيء أصلاً، وذلك لأنه إذا حصل في أحد المكانين كان تاركاً للثاني بالطبع فلا يكون الثاني مكاناً طبيعياً له وإلا لم يتركه بالطبع وكذا العكس فلا يكون الأول مكاناً طبيعياً. وهذا يشبه ما تقدم من عدم إمكان توارد علتين مستقلتين على معلول واحد.

(مسألة) (ومكان المركب) ليس وراء أمكنة بساطته بل إما يتمكن في (مكان الغالب) من الأجزاء ـ إن كان أحدها غالباً ـ (أو ما اتفق وجوده فيه) إن لم يكن أحدها غالباً بل كانت الأجزاء متساوية. والمراد بقوله : (أو ما اتفق) الخ ـ انه لو كانت الأجزاء متساوية فإما أن يكون المركب بعيداً عن جميع أمكنة الأجزاء ـ بعداً بالنسبة ـ فإنه إذا لم يعقه عائق وقف في الوسط، وإما أن يكون قريباً إلى بعض الإمكان فإنه يقف فيه إذ الحركات الطبيعية تشتد عند القرب من أمكنتها وتفتر عند البعد عنها، فلا يكون وقوف المركب في ذلك المكان الأقرب إلى مكان بعض أجزائه دون الأجزاء الأخر ترجيحاً من غير مرجح ـ كما لا يخفى.

(مسألة) معترضة (وكذا الشكل) يعني كما أن لكل جسم مكان طبيعي كذلك لكل جسم شكل طبيعي يتشكل به لو لم يكن هناك عائق. واستدل عليه : بأن كل جسم متناهٍ وكل متناهٍ مشكل : أي محيط به حد واحد ـ كالكرة ـ أو حدود، فكل جسم مشكل (والطبيعي منه) من الشكل الذي يتصف به الجسم لو لم يكن هناك عائق (هو الكرة). قال القوشجي : يعني أن الشكل الطبيعي للجسم البسيط هو الكرة لأن الطبيعة في الجسم البسيط واحدة والفاعل الواحد في القابل الواحد لا يفعل إلا فعلاً واحداً، وكل شكل سوى الكرة ففيه أفعال مختلفة فإن المضلَّع من الأشكال يكون جانب منه خطاً وآخر سطحاً وآخر نقطة ـ انتهى.

(مسألة) مرتبطة بمبحث المكان (والمعقول من الأول) أي المكان (البعد) ههنا أمران : (الأول) أن المكان موجود. واستدلوا عليه بأن المكان مقصد المتحرك وكل ما كان كذلك فهو موجود، وحيث لا يكون جزءاً للجسم ولا حالاًّ فيه ـ لأنه يسكن فيه الجسم ـ فهو مغاير للجسم. وأيضاً المكان يقدر له نصف وثلث ونحوهما، إذ مكان النصف نصف المكان وهكذا. وأيضاً فإنه يشار إليه بالحس فيقال : (الجسم هناك) وكل مشار إليه بالحس موجود ـ فتأمل. (الثاني) اختلفوا في أن المكان ما هو : فذهب افلاطون إلى أن المكان البعد المساوي لبعد المتمكن، وذهب أرسطو إلى أنه السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي، والمصنف (ره) اختار الأول قال : (فإن الامارات تساعد عليه) أي على كونه بعداً ـ لا سطحاً ـ فإن الناس يقولون : (المكان خالي) أو (ممتلئ) ويقصدون بذلك البعد المتوهم لا السطح، ولذا لو قلنا : (إن الكوز خالٍ) تبادر إلى الذهن الأبعاد المحاطة بالكوز لا سطحه الباطن. وأيضاً يقال : (الجسم في هذا المكان) أو (في ذاك) ولا يتصور منه الجسم المحيط بل البعد. وأيضاً قولهم : (المكان ما يتمكن فيه المتمكن) يساعد كونه بعداً، إذ الجسم يتمكن في البعد لا في السطح، إلى غير ذلك.

(واعلم) انه ربما أورد على كون المكان بعداً بايراد على سبيل منع الخلو، وهو أن المكان بعد كما هو المفروض والجسم الحالّ في المكان أيضاً له بعد قطعاً فحين حلول الجسم في المكان إن بقى البعدان لزم اجتماع المثلين وإن عدم البعد الحال لزم كون الجسم بلا بعد وهو محال وإن عدم بعد المكان لزم انعدام المكان. والجواب : (أن البعد) قسمان (منه ملاقٍ للمادة وهو) البعد (الحال في الجسم، ويمانع) هذا القسم من البعد (مساويه) إذ يستحيل تداخل الجسمين فلا يمكن اجتماع البعدين المقارنين للمادة، (ومنه مفارق) عن المادة وهذا البعد هو الذي (يحل فيه الأجسام ويلاقيها بجملتها ويداخلها بحيث ينطبق على بعد المتمكن ويتحد به. ولا امتناع) في اجتماع مثل هذين البعدين (لخلوه عن المادة) ولا يلزم منه اجتماع المثلين لأن البعد المقارن لا يماثل البعد غير المقارن.

(و) حيث أثبت كون المكان بعداً شرع في ردّ مَن قال بكونه سطحاً، واستدل بأمرين : الأول ـ انه (لو كان المكان سطحاً) كما يقوله أرسطو (لتضادت الأحكام) الثابتة للجسم الواحد، فيلزم أن يكون الجسم الواحد في حالة واحدة ساكناً ومتحركاً. مثلاً : الطير الواقف في الهواء الهابة ساكن بالضرورة ويلزم أن يكون متحركاً ـ على مبنى كون المكان سطحاً ـ لأنه تتبدل عليه السطوح المحيطة به، وكذا الحجر الواقف في الماء. وأيضاً المسافر في الطائرة التي لا يدخلها الهواء متحرك بالضرورة مع أنه على مبنى أرسطو ساكن إذ لا تتبدل عليه السطوح بل السطح المحيط به واحد. (و) الثاني أنه لو كان المكان عبارة عن السطح الباطن المحيط يلزم أحد أمرين على سبيل منع الخلو : لأنه إما أن يكون كل جسم محاطاً بجسم آخر حتى يكون له مكان أم لا، وعلى الثاني (لم يعم المكان) لكل جسم بل كان المحاط فقط له مكان دون غيره، وعلى الأول يلزم عدم تناهي الأجسام وكلا الأمرين باطل باعتقاد هؤلاء.

(مسألة) في امتناع الخلاء (وهذا المكان لا يصحّ عليه الخلو من شاغل) على مبنى المصنف (ره) وجماعة خلافاً لآخرين حيث لم يقولوا بامتناع الخلاء (وإلا) فلو خلا المكان عن الشاغل (لتساوت حركة ذي المعاوق) أي حركة الشيء في الملاء (حركة عديمة) أي حركة ذلك الشيء بعينه في الخلاء، وذلك (عند فرض معاوق أقل بنسبة زمانيهما).

بيان الاستدلال : أنّا نفرض أن الجسم تحرك في فرسخ من الخلاء مقدار ساعة ثم تحرك ذلك الجسم في فرسخ من الملاء مقدار ساعتين، ثم نفرض ملاءاً أرق بقدر نصف غلظ الملاء الأول فلا يخلو إما أن يتحرك فيه مقدار ساعة فيلزم تساوي حركة ذي المعاوق وغيره وهو محال ـ وهذا ما أشار إليه المصنف (ره) ـ أو يتحرك أكثر من ساعة فيلزم أن يكون الملاء الرقيق بقدر النصف يعاوق أكثر من النصف. أقول : لو فرض أن الخالي يستغرق مقداراً كان الملآن بقدر الملاء أكثر من ذلك المقدار وكانت زيادة الملاء وقلته موجبة لاختلاف الزيادة والنقصان بعد مسلميته ذلك المقدار المستلزم للخلاء ـ فتأمل.

(مسألة) (والجهة) حيث كانت مناسبة للمكان لأن كلاً منهما مقصد للمتحرك ويشار إليه بالإشارة الحسية تعرّض المصنف لها. وكيف كان فهي (طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة). طرف الامتداد له اعتباران فبالنسبة إلى الامتداد يسمى نهاية وطرفاً، وبالنسبة إلى الحركة والإشارة يسمى جهة. وحيث إن الامتداد لابد له من مأخذ فالجهة إنما يعتبر طرف الامتداد المبدو من المشير (وليست) الجهة (منقسمة). قال العلامة (ره) : إنما كانت الجهة عبارة عن الطرف إذا لم يكن منقسماً لأن الطرف لو كان منقسماً لم يكن الطرف كله طرفاً بل نهايته فلا يكون الطرف طرفاً هذا خلف، ولأن المتحرك إذا وصل إلى النصف لم يخل إما أن يكون متحركاً عن الجهة فلا يكون ما تخلف من الجهة أو يكون متحركاً إليها فلا يكون المتروك من الجهة ـ انتهى. أقول : الأولى كون عدم التقسيم معلولاً للاصطلاح لا للبرهان كما لا يخفى.

(وهي من ذوات الأوضاع) القابلة للإشارة الحسية وليست أمراً مجرداً عن المواد وعلائقها، ثم إنها ليست من ذوات الأوضاع مطلقاً فإن كل جسم ذو وضع بل (المقصود بالحركة للحصول فيها) وأشار بقوله : (للحصول فيها) إلى أنها موجودة حال الحركة إخراجاً لما يتحرك الشيء إليه مع كونه معدوماً في حال الحركة كالحمرة التي يتحرك البسر إليها من الصفرة فإنها معدومة في حال الحركة، وليس القصد من الحركة الحصول فيها بل تحصيلها (و) كما أن الجهة تقصد بالحركة تقصد (بالإشارة) الحسية فيقال : (الشيء الفلاني في هذه الجهة وفي تلك) وهكذا.

(والطبيعي منها) أي من الجهة إثنان (فوق وسفل)، والمراد بالطبيعي ما يستحيل تغيره عما هو عليه فإن السماء لا تصير تحتاً والأرض لا تصير فوقاً سواء كان الشخص واقفاً أو منكوساً أو على جنب أو غيرها من سائر الأشكال (وما عداهما) من اليمين واليسار والخلف والأمام غير طبيعي إذ تختلف باختلاف الاعتبار، فالمواجه للجنوب يكون الجنوب قدامه والشمال خلفه والشرق على يساره والغرب على يمينه والمواجه للشمال بالعكس في الكل. ثم إن ما عدا فوق وتحت (غير متناهٍ) إذ الجهة طرف الامتداد ـ كما تقدم ـ ويمكن أن يفرض في كل جسم امتدادات غير متناهية فيكون كل طرف منها جهة. وهذه المباحث لا تخلو من نظر ظاهر والله العالم.