الفهرس

فهرس الفصل الثامن

المؤلفات

 الفقه والأحكام

الصفحة الرئيسية

 

حرية اللعان

إذا علم الزوج عن زوجته زناً أو علم بأن الولد ليس منه فهو حر في طلاقها أو إبقائها. والسبب أنها إذا لطخت فراشه ولم تكن هناك بينة فالقول ببقائها معه من أشد الحرج عليه كما أن جعل الطلاق فقط له معناه أن لها امتيازات الطلاق مع أنها مجرمة يجب كفها لئلا يقع غيره في حبالتها، بالإضافة إلى أن مثل هذا الفضح يوجب عدم جرأة بعض النساء الفاسدات ذوات الأزواج على الإقدام بمثل هذا الأمر، ولذا شرع الشارع له طريق الخلاص ودفع العقوبة عن نفسه باللعان، أما لو رأت الزوجة من زوجها الزنا أو اللواط فلها الحق في ردعه بموازين النهي عن المنكر ثم ترتب اللعان على الرجل مشروط بكون المرمية بالزنا زوجة دائمة محصنة مدخول بها وكون الرمي مقروناً بدعوى المشاهدة مع عدم وجود البينة فلو رأى الأجنبية ترك تعين الحد، ولم يرتفع باللعان، وكذلك لو كانت زوجة منقطعة أو دائمة غير مدخول بها أو لم يدع المشاهدة أو كانت مشهورة بالزنا وإن كان للزوج القاذف بينة فإنه يلزم إقامتها لإسقاط الحد عنه فلا لعان في مثل هذه المقامات.

ولو قذف زوجته المجنونة فإن أضاف الزنا إلى زمان جنونها لم يكن ذلك قذفاً اصطلاحياً لعدم كونها زانية عامدة، لأن جنونها سلب حرمة الفعل الدائر مدارها صدق الزنا العمدي وكذلك الحال لو رماها بالزنا الاستكراهي عليها أو كونها مشتبهة أو نائمة أو مضطرة أو ما أشبه النوم كالإغماء ونحوه فإنه لم يكن قذفاً كذلك ولو قذف نسوة متعددة من زوجاته بلفظ واحد تعدد اللعان فإن تراضين بمن يبدأ بلعانها فهو وإلا أقرع بينهن، أو كان للحاكم الحرية في البدء بمن شاء.

أما بالنسبة إلى نفي الولد فلو علم الرجل بانتفاء حمل زوجته عنه، سواء كانت ولدته أو لا زال جنيناً جاز له نفيه باللعان كما جاز له طلاقها بدون القذف واللعان، فإنه لو علم بأن الولد ليس له، وإن زوجته زانية فله الحق في طلاقها والاستراحة منها ونفي الولد فقط، كما أن في قذف امرأته ونفي الولد معاً فقد أتى بموجبين للعان فإن لاعن لهما سقط عنه الحد وانتفى الولد، وإن لاعن للقذف سقط عنه الحد ولم ينتف الولد، وإن لاعن لنفى الولد انتفى ولم يسقط عنه الحد إلا أن يلاعن بعد ذلك للقذف أو يقيم بينة بزناها.

ثم إنه ليس معنى نفيه للولد أنه يرميها بالزنا إذ قد يقول كنت مسافراً سنين متعددة فجاءت بولد إبان غيبتي ولعل الحمل من جذب الرحم أو ما أشبه ذلك.

الشرائط

ويعتبر في الملاعن كونه بالغاً عاقلاً فلا عبرة للعان الصبي ولا المجنون المطبق جنونه، ولا المجنون الأدواري في حال دور جنونه، والأخرس الذي يرمي زوجته بأحد الأمرين أيضاً له أن يلاعن بالإشارة وهو حر في اللعان أو في طلاق زوجته مثلاً بدون لعان، وأما في نفيه للولد فيتوقف على اللعان فقط إذا لم تكن هناك بينة.

ثم إنه إذا علم الرجل بانتفاء الولد عنه وجب عليه إنكار الولد لاختلال شروط اللحوق به كلاً أو بعضاً ووجب عليه أن يلاعن لنفيه حفظاً للأنساب من الاختلاط، أما إذا كان شاكاً بأن الولد هل ولده أم لا؟ فالولد محكوم بأنه للفراش فلا حق له في الرمي ولا اللعان.

ولا يصح اللعان إلا عند الإمام أو نائبه العام أو الخاص.

والفقهاء في عصر الغيبة لهم هذا الحق بأن يرجع إليهم في باب اللعان، وصورة اللعان أن يشهد الرجل بالله تعلى أربع مرات أنه من الصادقين فيما رماها به في مورد رميه بهذا الزنا ثم يقول الرجل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين مبدلاً ضمير الغائب بضمير المتكلم، فإذا أرادت المرأة دفع الحد عن نفسها تشهد بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين فيما رماها به، ثم تقول إن غضب الله تعالى عليها إن كان من الصادقين مبدلة الضمير المجرور بعلى بياء المتكلم.

ويجب قيامهما جميعاً عند التلفظ بهذه الشهادات وأن يبدأ الرجل أولاً بالتلفظ وبعده المرأة وأن يعينها بما يزيل الاحتمال من اسم أو وصف مميز لها عن غيرها أو إشارة إلى شخصها عند حضورها، وأن يكون النطق بالعربية مع القدرة إما مع عدم القدرة فيعبران بغير العربية.

وإذا قذف الرجل زوجته بالزنا ثبت عليه حد القذف وبلعانه يسقط الحد عن نفسه ويثبت عليها حد الزنا.

ويسقط عنها الحد بلعانها على حسب ما ذكرناه، ولو كذب الملاعن نفسه في أثناء اللعان أو نكل عن اللعان ثبت عليه الحد ولم تترتب أحكام اللعان على ما ذكره، ولو نكلت المرأة وأقرت بالزنا ثبت الحد عليها، ولم يزل الفراش ولم يثبت التحريم.

ولو كذّب الرجل نفسه بعد اللعان لحق به الولد وورثه ولم يرث هو ولا أقاربه الولد.

وليس له الحرية بالتكذيب وعدم التكذيب لنفسه، وإنما يجب عليه التكذيب إن علم كذب نفسه، ويحرم عليه التكذيب إن علم صدق نفسه وإذا اعتقل لسانه بعد القذف وقبل اللعان فإن لم يرج زوال مرضه فهو كالأخرس، وإن كان يرجى زواله لزم الصبر إلى البرء، فإذا قذف الرجل زوجته برجل معين بأنه هو الذي زنى بها فإن أقام البينة على ذلك سقط عنه حد القذف وثبت عليهما حد الزنا، وإلا فإن جاء كل من المقذوف والمقذوفة متفرقاً عن الآخر للشكاية عليه تعدد الحد على الرجل وثبت عليه لكل منهما حد قذف مستقل وله إسقاط أحد الحدين باللعان دون حد الرجل، وإن جاءا مجتمعين فإن لاعن الزوجة سقط حدها وحد حد القذف للرجل، وإن لم يلاعنها تداخل الحدان، هذا هو المشهور بين الفقهاء، لكنا احتملنا في الفقه عدم الحد بالنسبة إلى الرجل إذ ماذا يصنع الزوج وقد فرض أنه رأى زيداً مثلاً يزني بزوجته وهل يترك ذكر زيد حتى يتمادى في غيه وفساده بالنسبة إليها وإلى غيرها أو يفضحه؟

والحاكم الشرعي هو الذي يرى التكليف بالنسبة إلى الرجل المرمي بالزنا.

وإذا قذف الرجل زوجته فأقرت قبل اللعان إقراراً واحداً سقط عن الرجل حد القذف ثم إن اتبعته بإقراراتٍ ثلاث أخر ثبت عليها حد الزنا وإن اقتصرت على الإقرار الأول لم يجب عليها شيء لأن الزنا واللواط والسحاق لا يثبت إلا بشهود أربعة أو بإقرارات أربعة.

وإذا قذفها فماتت قبل اللعان فالزوجية باقية يرثها ويلحق به الولد ولم يسقط عنه حد القذف، ومن المحتمل جواز إسقاطه الحد عن نفسه باللعان وإذا قذفها مرتين فما زاد فإن لم يفصل بينهما أو بينها حد ثبت حد واحد وإن فصل بينها الحد لزم الحد للقذف المتأخر عن الحد الأول، ولو شهد أربعة والزوج أحدهم على زناها فهل ترجم المرأة أم لا؟ بل لا يثبت بذلك الحد عليها لأن بعض الأدلة دالة على لزوم مغايرة الشهود للزوج، احتمالان وقولان وروايتان ومقتضى القاعدة أن الحدود تدرأ لك بالشبهات.

ثم إن الفرقة الحاصلة باللعان فسخ وليست طلاقاً فلا يجري على مثل هذه الفرقة أحكام الطلاق كما أنه لا يعتبر في هذه الفرقة شرائط الطلاق.