الفهرس

فهرس الفصل الرابع

المؤلفات

الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

منظمة التشغيل

في كل بلد يلزم أن توجد منظمة للتشغيل مهمتها معرفة الأفراد الذين يريدون العمل ويصلحون لمختلف الأعمال، والتعرف على الأعمال الشاغرة التي تشكو الفراغ وتريد العاملين، فإذا أعلنت منظمة العمل المتكونة من خمسة أشخاص ــ مثلاً ــ عن ماهية عملها انهال عليها العاطلون، هذا مهندس يريد عملاً، وذاك محام يريد مكتباً، وذلك طبيب يطلب مطباً، وهكذا، كما انهالت عليها الطلبات من مهندس للتصميم ومحام للدفاع، ومحل فارغ لائق لأن يكون مطباً.

وبهذه الخطوة تكون منظمة التشغيل قد ملأت فراغاً هائلاً، وأسدت إلى العمل والعامل يداً بيضاء.

ولمنظمة التشغيل أن تتقاضى من الأطراف المعنية أجرة حسب المناسب.

نحو القمة

يلزم على كل فردأن يسلك سلوكاً يوصله إلى القمة في مهنته وعمله، فمثلاً الطالب، يلزم عليه الاهتمام لأن يتخرج بتفوق على صفه، أو مدرسته، أو بلده، أو قطره، فإذا تخرج وعين معلماً فاللازم عليه أن يسعى لكي يصبح معاوناً، فمديراً فسكرتيراً للوزارة، فمعاوناً، فوزيراً، وهكذا في كل الشؤون.

منظمات التخطيط

إن الحياة في العالم الحاضر، لا يمكن أن تبقى فضلاً عن أن تتقدم، إلا بالتخطيط، لكافة أطراف الحياة، وحيث أن المسلمين قليلوا النصيب من هذه الجهة، فالمنظمات التخطيطية الشرقية والغربية، أخذت تلتهم كل إمكانياتهم وكل مواردهم المادية والأدبية.

إذاً من الضروري على المسلمين، أن يكونوا لأنفسهم منظمات تخطيطية، لكل جانب من جوانب الحياة، مثلاً، الحكومة تكون مئات المنظمات، لأجل الإعلام، والمال، والجيش، والامن، والصحة، والإقتصاد، وغيرها، كذلك مختلف فئات الشعب، فالتجار يكونوا لأنفسهم منظمات تجارية، كمنظمة تجار الحبوب، ومنظمة تجار المواد الإنشائية، ومنظمة تجار المواصلات، وهكذا، وكذلك ينظم أصحاب الفنادق والمهندسون، والأطباء، والعمال، والفلاحون، والمعلمون والطلاب، وغيرهم منظمات، لأجل جلب النفع ودفع الضرر، ويكون شأن هذه المنظمات التخطيط الدقيق ثم التنفيذ الحازم.

التجميل والتنظيف

من اللازم الاهتمام بتجميل المدن والبيوت وسائر المرافق، وتنظيفها، فإن النظافة والجمال، بالإضافة إلى أنهما يوجبان أناقة وروعة، يقللان من الأمراض النفسية الناشئة عن الكآبة، والأمراض الجسدية الناشئة عن القذارة، بل اللازم تشكيل لجان لذلك، والتجميل يكون بالزرع والحدائق، والأضواء والأعلام، وغيرها.

الفن الاسلامي

لم يتدخل الغرب والشرق في شيء الا أفسداه، ومن ذلك: الفن، فأدخلا فيه الخلاعة والرقص وما أشبه، وعمما بذلك الدعارة والتأخر، واللازم على المسؤولين الاسلاميين، ان يدخلوا الفن في الحياة الاسلامية، دون أضراره الحاضرة( فإن الله جميل يحب الجمال).

وفي الآية الكريمة(خذوا زينتكم عند كل مسجد).

وفي آية أخرى(ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون).

ولا أقصد بالفن الاسلامي، معناه الشائع الآن من ما كان متعارفا في العهد الاسلامي، من طراز الابنية، والظروف، والستائر، وما أشبه ذلك، بل المراد الفن الخالي عن الاضرار والانحرافات سواء كان قديما أو حديثا.

النمو المتناسب

يجب أن يكون العامل للإسلام مراقبا؟ شديد الرقابة للنمو المتناسب للاجهزة الإسلامية، فإن المبدأ، حاله حال الإنسان الحي، في أن نموه إذا لم يكن متناسباً أوجب الفساد والخبال، فكما أن اليد والأنف، وشعر الرأس والأهداب، يختلفان في النمو، حتى أنه لو نمى الأنف كنمو اليد، اوالعكس أوجب الشويه والفساد، كذلك إذا نمت جهة إسلامية، دون جهة أخرى، مثلاً إذا بنى القائد مائة مسجد ولكن لم يهيء لإمامة الجماعة إلا خمسين، كان ذلك تعطيلاً للمساجد الخمسين الباقية، وهكذا لو بنى مائة مسجد، وهيأ مائتي إمام، فإنه تعطيل للأئمة...

إن الاجتماع له تناسب خاص، في مختلف جهات الحياة، فكلما لم يوفِّر ذلك التناسب كان نقصاً مشيناً، وكذلك إذا لم يوفر القائد الإسلامي، أو الجهة الإسلامية بعض الجهات، مثلاً إذا أردنا دفع الشباب إلى الإسلام، احتاج ذلك إلى (منظمات) و(خطابات) و(كتب) و(مجلات) و(نوادي) و(لجان تزويج العزاب) و(لجان تشغيل العاطلين منهم) و(لجان قضاء مأربهم مثل أن يشق لهم الطريق إلى المدرسة، وإلى الوظيفة، وإلى النجاح» وما أشبه ذلك.

فكل مرفق بقي فارغاً، اتجه الشاب إلى مرفق فاسد يملأ فراغه من تلك الجهة، وهكذا كل شأن من شؤون الإسلام.

كسر طوق الجمود

إن الأمة تنام كما ينام الأفراد، ونوم الأمة جمودها أولاً، ثم سيطرة سائر المبادئ عليها ثانياً، فإذا كان مبدأ الأمة حياً، دب فيها الروح ثانياً، لتنهض، وإلا يقضى عليها بالموت.

والمسلمون ناموا ثم جمدوا، وحيث إن الإسلام مبدء حيّ فلا بد له من يقظة جديدة، وهذه تحتاج إلى طائفة من المفكرين والعاملين، يحيون الإسلام من جديد، وذلك بكسر طوق الجمود، ولا يكون ذلك إلا بالتكتل، والعمل الجاد، والتضحية، وكلما مال جانب إلى البرودة والجمود وجب أن يحرك إلى الحرارة والحركة، حتى اليقظة العارمة بإذن الله تعالى، وهي مقدمة الحياة، وهناك الرخاء والسعادة والسيادة والسلام.

العمل الدائم

من اللازم على من يريدالعمل للإسلام أن يهيء نفسه للعمل الدائم، الذي لا يعرف الكلل والوقوف، وفي القرآن الحكيم(انك كادح الى ربك كدحاً فملاقية).

فالكدح مستمر إلى أن يفارق الإنسان الحياة، ويخطأ من يفكر أن الأمر ينتهي إلى قيام حكم الإسلام، فإن لو فرضنا أنه قامت حكومة إسلامية موحدة تضم تحت أجنحتها ألف مليون مسلم، فإنه يبقى التقدم محتاجاً إلى العمل الدائم، وتبقى المنافسة مع الحكومات التي تسرع إلى التقدم بخطى سريعة ووسيعة، ثم إنه يلزم أن يخطط الإنسان للعمل الدائم المتناسب، مثله مثل من يريد السير ألف فرسخ، فإنه يحتاج إلى التخطيط للوقود والسير، والرفيق، ومواجهة المحتملات، إلى غير ذلك.

إن العالم اليوم يسير بسرعة عجيبة في العمل ومن يكن أكثر عملاً يكون أكثر تقدماً ـ بالإضافة إلى لزوم سائر المؤهلات ـوأحياناً نرى أن جماعة عملت خمسين سنة حتى وصلت وأحياناً لا تصل بعد، حيث أن الطريق أمامها طويل طويل، إذاً فمن أراد تقديم الإسلام، يلزم عليه أن يتهيئ للعمل الطويل والشاق، وإذا فشل مرة أو ألف مرة، فعليه أن يقول، ان هذا هو الفشل الأول، في الطريق أو الفشل الألف، وعليّ أن أعمل وأعمل حتى أصل، لا يقول أني فشلت، فاللازم أن أترك.

وعمل الأنبياء بمجموعهم، وبأفرادهم خير أسوة ومرشد، فكان النبي الواحد يعمل سنين، حتى أحياناً يصل مجموع عمله ما يقارب الألف سنة ــ كما في قصة نوح ــ ومع ذلك لا ييأس، كما أنه كثيراً ما كان من نصيب النبي السابق عدم الإستجابة له، ومع ذلك يأتي النبي اللاحق ليكمل المسيرة، ولقد وصل الأنبياء بالفعل إلى الهدف، فإن ما انتشر اليوم في الأرض من العقيدة والشريعة والخير، إنما هو من صنع الانبياء، هذا بالإضافة إلى ما أحرزوه من الذكر الجميل والقدوة الصالحة.

كم تقدمنا

لا بد للعامل أن يتأمل كل سنة، أوأقل، كم تقدم؟ وليكن السؤال من قبيل سؤال الخصم لخصمه في محضر المحاكمة، لا سؤال الصديق للصديق في ساعة الانس..

فإذا كان الجواب إيجابياً، يتساءل مرة ثانية: كم تقدم الخصم؟ فإذا كانت النسبة أقلية الأول عن الثاني، فاللازم أن يجدد طرق عمله، فإن عمله لا ينفع، ما دام أن أعدء الإسلام أسرع منه سيراً، وأكثر تقدماً، وإن كانت النسبة أقلية الثاني عن الأول، يأتي دور سؤال ثالث: وهو نسبة التقدم إلى بُعد الهدف؟

فإن كانت النسبة ما يرجى معها الوصول، ولو بعد حين، كان عمله صواباً، فليلتزم به، وإن كانت النسبة بعكس ذلك، لزم أن يجدد السير في طريق آخر أو يسرع السير في نفس الطريق، حتى يرجو الوصول ولو بعدحين.

مثلاً: إذا كان مقصد العامل التثقيف الجماهيري، وفتح لهذا الشأن مدرسة، فاللازم أن يلاحظ أن التبشير فتح مدرستين، أو مدرسة أو نصف مدرسة، وإذا كان التبشير فتح نصف مدرسة، فاللازم أن يلاحظ هل أن أسلوبه في فتح المدارس يأتي إلى التثقيف الجماهيري، ولو بعد خمسين سنة، أم لا؟ فإن كان الجواب بالسلب لزم أن يسرع في فتح المدارس، أو يختار طريقاً آخر موصلاً إلى الهدف.

توظيف الطاقات

للقائد، أو المنظمة، العاملين للإسلام، طاقات هائلة، من الوقت والفكر والقلم واللسان والوجاهة، والمال، وغيرها، فاللازم توظيف جميع طاقاتهم في سبيل خدمة القضية الإسلامية الكبرى، حتى لا يهدر منها ولو قيراط، وتوظيف الطاقات يحتاج إلى خبرة ومهارة وتخطيط، فليس كل أحد قادر على توظيف طاقاته، ويلزم على الإنسان أن يتخذ درساً من العاملين، فربما رأى الإنسان من كان دونه في الموهبة والمكانة الإجتماعية والذكاء والثقافة، ألَّف عشرات الكتب، ونشر مئات المقالات، وأسس عدة مؤسسات، وخدم الإسلام بما لا يخدمه به هذا الإنسان، والفارق هو أن ذاك وظف طاقاته كلها، وهذا أخلد إلى الغرور أو الكسل أو السلبيات.

ثم من اللازم ركوب أخشن المراكب وعمل أصعب الامور، فإن الأعمال السهلة لا تأتي إلا بالنتائج الهشة، ولعله إلى ذلك يشير الحديث: (أفضل الأعمال احمزها) فإن معناه أن يؤسس الإنسان الجامعة، دون الإبتدائية ـ إذا دار الامر بينهما، ولو كان تأسيس الجامعة، أصعب بكثيرـوقد جُبل الإنسان على الفرار من الصعاب إلى الأمور السهلة حبَّاً للراحة وخلوداً إلى الدعة، وهذا مما ينافي تقدم الإسلام، في العالم الحاضر المزدحم بمختلف المبادئ والافكار والأنظمة المستندة إلى قوى هائلة من العلم والنشاط والحركة.

تقريب الاجهزة الإسلامية

من الضروري على العاملين في الـــحقول الإسلامــــية أن يهتموا لتقريــــب مختلف الأجهزة الإسلامية، سواء كانت أجهزة واقعية او أجهزة أممـــية، فيقربــــــوا الشعوب بعضها من بعض، وكذلك تقريب العلماء، والساسة، والمؤلفين، والمنظمات، والمؤسسات، والخطباء، والقادة، والإقتصاديين، والموظفين، والمثقفين

إلى غير ذلك، فإن كان في التقريب أفضل الثمار التي أولها: عدم هدم بعض لبعض مما يستفيد منه الكفار، ثم توحيد الجهود الموجب لكثرة النتيجة، والتقرب إلى الهدف، في المثل: (اجمع تَسُد، وفرق يَسُدِالاعداء) وكما يلزم تقريب الاجهزة الإسلامية، يلزم تفريق الأجهزة الكافرة والمفسدة، لئلا تلتقي عند خط محاربة الإسلام والمسلمين.

ولا يلزم أن يكون الإنسان ذا مكانة رفيعة ليقوم بالدورين، دور تقريب الاجهزة الإسلامية، فإنه حتى الموظف البسيط يتمكن من القيام بهما بنسبة قدراته وإمكاناته، فيقرب بين المدير الإسلامي والموظف الإسلامي، ويفرق بين الموظفين غير الإسلاميين الذين يشجعون الحاداً أو فساداً، وهكذا وهلم جرا.

خطة مئوية

من الضروري على القادة الإسلاميين، أن يوسعوا فكرهم وتخطيطهم إلى أبعد مدى ممكن، ولو إلى مائة عام.

(فأولاً) يلزم عليهم أن لا يتركوا العمل إذا لم يروا الثمر العاجل، بل إن كان احتمال اقتطاف الثمر بعد مائة عام عملوا، لذلك اليوم، فإن عدم العمل يوجب عدم الثمر أصلاً، وأيهما خير الثمر بعد مائة عام أوعدم الثمرإطلاقاً؟

(وثانياً) يلزم عليهم أن يخططوا لمائة عام ــ مثلاً ــ فيقولوا مؤسستنا تفتح ألف مدرسة في ألف بلد غربي، إلى مئة عام، فإن التخطيط الواسع المدى الزماني يوجب استنفاد الطاقات على مدى الزمن مما يوجب الآثار المطلوبة، بخلاف التخطيطات الموقتة بأزمنة قصيرة، وهكذا التخطيط بطاقتهما وإمكانياتهما، وذلك يوجب توسعة رقعة الإسلام، وسهولة تطبيقه أكثر فأكثر.

التخطيط لكسب الرأي العام

من أهم ما يجب على الفئات والنظمات الإسلامية عمله، كسب الرأي العام لقضايا الإسلام وذلك بوسائل الكتب، والنشرات، والصحف، ووكالات الأنباء، والراديو، والتلفزيون، والمسرح، وما إلى ذلك، فإن الرأي العام من أهم مقومات النهوض، وكسب الرأي العام ليس الشيء الهين، فإنه يحتاج إلى تربية جيل من أصحاب الفكر والقلم واللسان، يدخلون في مختلف وسائل الإعلام، ويكونون بمستوى المسؤولية، ويمكن التخطيط لهذا الشيء في مدة عشر سنوات، ومن لا يتمكن من الإنضمام إلى فئة تتبنى هذا المشروع، فعليه أن يهيء نفسه وأصدقائه بالمقدار الممكن، فإن ما لا يدرك كله، لا يترك كله.

المبادرة

من السمات البارزة للعاملين أنهم لا ينتظرون الآخرين في العمل، بل إنهم يعملون في أجواء الجمود والترهل، ولذا قال عيسى(عليه السلام) : (من أنصاري إلىالله؟ ) ولم ينتظر تحرك المؤمنين به كلاً.

وفي القرآن الحكيمم: ( حسبك الله من اتبعك من المؤمنين).

فإذا رأى المصلح الإسلامي، أو الجهةالإسلامية، جمودا لناس وخوفهم، وترهلهم، ويأسهم، يجب عليه أن يتحرك هو، وإلا لزم أن يقف إلى الأبد.

وظاهرةالجمود لا تخص غير العاملين، بل العاملون كثيراً ما يقفون عن العمل بحجج وأعذار واهية أوهاها» لماذا أعمل؟ وما هي الفائدة؟ ولماذا زميلي في العمل لا يعمل؟ وأنا لا أقدر، والمجتمع غير قابل، ولماذا حتى يقطف ثمره الآخرون؟ ) وما أشبه ذلك، ولذا يحتاج الامر أحياناًـبل في أكثر الأحيان ـإلى تجديد في صفوف العاملين، حينما يترهل العاملون القدامى، وهذا ما يشير إليه الثوريون بقولهم(وجوب الثورة في الثورة).

كثرة التحرك

إن القوة والحرارة تتواجدان في كل مكان توجد فيه كثرة الحركة، فالإنسان القاعد لا يمكن أن ينتفع ولا أن ينفع، ولذا يلزم على القادة الإسلاميين والمنظمات الإسلامية أن يضعوا لانفسهم برامج كثرة التحرك والأسفار، فإن قصد ذلك يفيد التعرف والتعريف وتوسعة الحركة، والإستفادة من طاقات البلاد المختلفة، وليكن ذلك ضمن خطة مدروسة بدقة، حتى يأتي من الحركة أكبر قدر ممكن من الاستفادة في صالح الإسلام والمسلمين، فمثلاً: قد تدرس المنظمة مختلف الاوضاع في أمريكا، وتزود الوفد المزمع إرساله إليها، ببرامج محددة، حول لقاءاته، وجمعه للمال، ونشره للكتب والمنشورات، والقائه الخطب، وما أشبه ذلك، ومثل هذا الوفد يستفيد من السفر فائدة كاملة، وذلك بخلاف ما إذا سافر الوفد وهو لا يعلم ماذا يصنع؟ وبمن يلتحق؟ وماذا يقول؟ وأين ينزل؟ ومن يصادق؟ وهكذا.

الإتقان في الأعمال

يجب علىالعاملين للإسلام أن يتقنوا أعمالهم بأكبر قدر من الإتقان، فإن العمل المتقن يعطي أفضل النتائج، بينما العمل غير المتقن لا يثمر إلا النزر اليسير وربما أنتج النتيجة العكسية، فإن الكهرباء الذي لم يوصل كما ينبغي ربما سبب إحراق الدار ومن فيها.

والإتقان بحاجة إلى عدة أمور أهمها الإنضباط والنظام والمحاسبة والرقابة، فيجب أن تكون هذه الأمور سارية في كل جزئي من جزيئات الأعمال الإسلامية، مثلاً: إذا أراد العامل أن ينشر مجلة أسبوعية، يلزم أن تكون المجلة ذات أبواب محددة منضبطة في تتبعها لمفاهيم خاصة تسمو بالأمة إلى المدارج العالمية، وأن تكون منظمة في الظهور والتوزيع والنشر في أيام خاصة وفي أماكن معلومة، وأن يكون لها حساب في الكتاب والكلمات والأبواب والإتجاهات والتوجيهات، وأن تكون وراء كل ذلك محاسبة دقيقة، فإنه لولا هذه الأمور ربما تكون المجلة تضر الاسلام أكثر، وأقل الضرر أن يرى الناس الإسلام من خلالها فيظنون أن الإسلام لا يصلح للحياة، لأنه لا يلائم الحياة إلا ما فيه إتقان وقد قال الرسول (صلىالله عليه وآله وسلم) : (رحم الله امرءاً عمل عملاً فأتقنه).

الاعتماد على المعلومات

من الأمور المهمة في الحركات الاسلامية الاعتماد على المعلومات فمثلاً: اذا أرادت لجنة تأسيس مدرسة، فإنها تحتاج إلى المال وإلى القوة المساندة، فاذا كان معلوماً لديهاان أهل الخيرفي البذل للمشاريع زيد وعمرو، لم تحتج إلى طرق مختلف الأبواب، وكذلك إذا علمت لجنة هداية الشباب أن المكان الفلاني محل تجمع الشباب، فإنها تتصل بهم وتهديهم إلى غير ذلك.

ومن اللازم تصنيف المعلومات، وذكر جميع خصوصياتها، حتى يكون العامل الاسلامي على بصيرة تامة من أمره، فإن ذلك يجنبه الأخطاء، ويجعل حركته ناجحة من بدئها بدون مشاكل ومضاعفات.

لكي لا تتكرر المأساة

ذكرت التواريخ أن الذي أودى بمسلم بن عقيل وهاني بن عروة-نصير الإمام الحسين(عليه السلام) -هو(معقل) عبد لابن زياد، فإنه أظهر الولاء لمسلم(عليه السلام)، بينما في الواقع كان جاسوساً عليهما، واليوم كل الحركات اصلاحية، كانت أو جذرية لها معقل ومعقل..ولاأقصد(معقل) حكومي فقط، بل أحياناً(معقل) من جهة مناوئة للحركة، فاللازم على المصلحين والجبهات الاسلامية ملاحظة هذه الناحية ‎إلى أبعد حدّ وقد قالوا: (استر ذهبك وذهابك ومذهبك) فاللازم على الحركات أن تجعل شعبة خاصة منها للأرصاد، وحفظ الحركة عن الإنهيارعلى يد الحكومات طاغية أوحساد ناقمين.

العمل المنتج

هذا سؤال يتردد على كل الشفاه أمام كل حركة؟ فالمخططون للأعمال الاسلامية يجب ان لا يغفلوا هذه الناحية المهمة فإن الناس لايؤمنون بالأقوال إلا إذا كانت معها الأعمال المنتجة، حتى نفس العمل لا يحفز الناس على الالتفاف حوله، اذا لم تظهر له نتائج ايجابية، والحاجة ألى هذه الناحية في أول الحركة اكثر، حيث تريد الحركة الظهور في وسط ازدراء وسوء ظن ومخالفات..وكثيراً ما تكون الحركة بطيئة النتائج، بطبيعتها، فالجهة الاسلامية تحتاج إلى أن تضم إلى الحركة حركة غطائية تتمكن بسببها من ابقاء الناس في حرارة والتفاف حتى تظهر النتائج البعيدة، مثلاً: إنك اذا أردت أن تنظم شباباً يكونون درعاًواقيا للبلاد أمام التيارات الوافدة فإن ذلك ربما لايثمرإلا بعد خمس سنوات، ومن المعلوم أن الشباب بأنفسهم لا عمق في تفكيرهم حتى ينقادوا بإسم نتائج مجهولة بعيدة وإنما الأباء الذين لا يحسنون الظن بمثل هذه الحركات، بل يرون أنها ضرب من الخيال، ولذا يقاومون التفاف أبنائهم حول هذه الحركة، وهناك تحتاج الجبهة العاملة الى أن تظهر للناس بعض النتائج الوقتية، مثلاً: أن تنشر بقلم الشباب نشرة أسبوعية، أو تطبع كتباً لصد الالحاد والفساد، أو تقيم ندوات دورية، أو احتفالات، حتى تتمكن أن تقول للناس: هذه النتائج، وبذلك تضمن للحركة الدفء والالتفاف والاستمرار، لكن يجب في هذه الحالة، أن لا تذوب الحركة الواقعية في الشكليات والاعلاميات والمظاهر فتقع الخسارة المزدوجة، فإن اللازم أن تكون الحركة كالانسان له قلب وكبد وعين واذن و..

خلفيات التقدم

إن كل ظاهرة من ظواهر الحياة الطبيعية أوالاجتماعية، لها خلفيات، غائبة عن الأبصار، ولولاها لم تصل الحياة إلىالظهور، مثلاً النبات الذي نراه: له خلفية النمو في التربة والجذور، والرعي والسقي، والقصر الذي نراه له خلفية المواد الإنشائية، والأعمال المتظافرة، التي طورت المواد الأولية حتى تصلح للبناء وهكذا الجيش الفاتح للمدن له خلفية الجهود المبذولة لجمعه وإيجاد الحماس فيه وتنظيم معاشه، إلى غير ذلك، والعالم إنما تقدم من أطراف المسلمين، وبقي المسلمون في الوسط، في أبشع أنواع التأخر، لعدة أمور، من جملتها الخلفيات الهائلة، التي أعدت الأرضية الصالحة للتقدم السياسي والإقتصادي و الزراعي والصناعي ما إلى ذلك بالنسبة إلى الأمم المتقدمة(وأقصد بالتقدم، التقدم الصناعي وما أشبه، لا التقدم الحقيقي الشامل لكل جوانب الحياة، فإن ذلك إنما يكون في ظل الإسلام فقط وفقط).

وإذا أراد المسلمون التقدم، لا بد لهم من الإهتمام بالخلفيات، فمثلاً: إذا أراد المسلمون التقدم الإعلامي، لا بد لهم من إعداد جيش من الكتاب والخطباء الجيدين المزودين(بالإضافة إلى العلوم العامة والفن الكتابي والخطابي) بعلم النفس الممكن للإنسان من إفراغ مطالبة في قوالب ملائمة لمختلف أذواق السامعين.

وهكذا إذا أرادوا التقدم الإقتصادي احتاجوا إلى جيش من علماء الإقتصاد وعلماء السياسة(حيث إن هذين العلمين لا يستغني أحدهما عن الآخر) بالاضافة إلى مقومات أخر، وهكذا وهلم جرا...حتى أن علماء الاجتماع ذكروا أنه إذا أرادت الحكومة توسعه المدينةـمثلاًـبمقدارربع حجمها، احتاجت إلى خلفية المؤهلات عند كل الوزارات لذلك، فإنها تحتاج إلى مقدار ربع حجم الدوائر المديرة للمدينة، فإن الربع الزائد، بحاجة إلى الشرطة والمحكمة والمدرسة والمستوصف والامن والكهرباء والماء والتلفون و.و.و..

قوة البلد

لكل بلد قوة خفية هي المسيرة لها، وربما سمي ذلك في علم الإجتماع، بروح الإجتماع، وهي التي تشكل الإرتباطات وتجلب المنافع، وتدفع المضار عن البلد، وتكون ملجأ الحوادث، وهذه القوة هي التي تسيّر البلاد، والواجب علىالحركات الإسلامية أن تجعل نفسها قوة البلد، لتتمكن من تسيير الناس إلى مناهج الإسلام، وهذا يحتاج إلى تربية جيل من الناشئة لمختلف المسؤوليات الإجتماعية.

تختلف القوة في بلد عن البلد الآخر، كما تختلف القوة من زمان إلى زمان، مثلا: في بعض البلاد يشكل قوة البلد العلماء والخطباء والمؤلفون، بينما في بلد آخر يشكلها رؤساء العشائر والجماعات التي لها الكلمة في الفصل والوصل، وفي بلد ثالث يشكلها أصحاب الجرائد والمجلات والنواب ومن إليهم، وهكذا.

منظمات التفكير

من اللازم أن يكون القائدالإسلامي، أوالجهة الإسلامية، منظمة للتفكير، لا عمل لها إلا ذلك، فمنظمة التفكير شأنها شأن المخ في الإنسان، شأنها جمع المعلومات، والتفكير في الأسباب والنتائج والتماس طرق جديدة للحركة والتقدم، ولصد الأعداء وكبح جماع المنافسين، وللاوجه المحتلة في نتائج كل حركة، وتعيين الافضل منها، ومن الممكن أن تشكل المنظمة من اثنين من الخبراء، في تلك الجهة التي يريدها القائد أو الحركة، ثم ينظم إليها آخرون حسب الحاجة.

فمثلاً تفكر المنظمة، بالنسبة إلىالأمور السياسية، لماذا لم تصل الحركة الفلانية إلى الحكم؟ ولماذا وصل الآخرون؟ وما هي علاقة الغرب ببلاد الإسلام؟ وكيف يمكن إزالتها؟ وهل إن الشرق يتمكن من غزو الشرق الأوسط؟ ولماذا تمارس الدولة الفلانية الديكتاتورية، بينما لا تمارسها دولة ثانية، مع ان كليتها تحت الإستعمار الفكري أو ما أشبه؟

وبالنسبة إلى الأمور الإقتصادية، تفكر المنظمة، كم هي ثروة البلد الفلاني؟ وكيف تصرف؟ ولماذا؟ وكيف يمكن الإستفادة من ثروات البلد الفلاني في تقوية الحركة الإسلامية؟ وما هي السبل التي يتمكن الإنسان بسببها من الوصول إلى إقناع التجار لمشروع كذا، أو صرفهم عن إيداع أموالهم في البنوك الأجنبية.

وبالنسبة إلى الشباب، تفكر المنظمة، لماذا ينقاد الشباب إلى الشباك الشرقي، ويتهافتون على اعتناق مبادئ الإلحاد؟ وكيف علاج ذلك؟ وهل الأحسن أن يوجه الشباب إلى دخول كلية الهندسة و الطب، أو كلية السياسة والعلوم الإقتصادية؟ وما هو سبب عدم رغبتهم في الزواج؟ وكيف يمكن صرفهم عن إقبالهم المتزايد على اللهو في أيام العطل، بدلاً من صرف أعمارهم في ما ينفع امتهم؟

وبالنسبة إلى الدين تفكر المنظمة. ما هي سبل جلب الناس إلى الدين؟ وما هي أسباب فرار بعض الشباب عن المساجد ونفرتهم من الطقوس الإسلامية؟ وما هي الوسائل الكفيلة بتنشيط دراسة العلوم الدينية؟ وهكذا في مختلف الأمور التي تهم الحركة الإسلامية، أو القائد الإسلامي، فإن ألف سؤال وسؤال مطروح في الساحة، وكلها تحتاج إلى دراسة وتفكير، ثم الأخذ بالنتائج المدروسة لأجل تقوية الاجهزة الإسلامية، ودفعها إلى الأمام.

الخمائر الإسلامية

المواضع الإسلامية المنكوبة، سواء بالحرب، أو بالسجن الجماهيري، أو بالتفسير الجماهيري، أو ما أشبه ذلك ـ من الكوارث التي كثرت الآن بين المسلمين ـ خير مكان لنشوء الحركات الإسلامية فإن الحركات تنبع دائماً في الكوارث والأزمات: ولو استغلت الكوارث خير استغلال، لكانت من أفضل الأراضي، لازدهار الحركات الإسلامية، التي تنتهي إلى قيام الإسلام من جديد.

فلذا يجب على المفكرين والقادة والجبهات الإسلامية، أن تضع الخطوط والتصميمات والمناهج لمثل هذه الأماكن بكل دقة وإتقان، فإن ذلك من أسرع الأمور لإنجاز أعمال إسلامية هامة. وهذه القاعدة تنطبق في الإنسان أيضاً، فإن الفرد المسجون أو المشرد أو المنكوب يسرع في قبول الإنخراط في الحركات، فاللازم توجيهه للإنضمام إلى الحركات الإسلاميةالصحيحة، فإنه بالقطرات تشكل البحار، وبالذرات تتكون القفار.

بحر من العمل

هناك مسلمون كثيرون تنهار قواهم إذا رأوا ضحالة الأعمال الإسلامية، وأمامهم البحار الهائجة من الكفر، وقد ذكرنا في هذا الكتاب مناهج متنوعة للعمل الإسلامي بعضها أصعب من بعض، وبعضها يأتي بشيء يسير من العمل، بينما بعضها الآخر لا يأتي إلا بشيء كثير من العمل، فاللازم على المفكر المنفرد، أو الجبهة القليلة القوى ان يعمل من هذه المناهج بما يستطيع ويتوكل علىالله في العمل، مهما رأى العمل قليلاً، والقوى الكافرة أمامه، كثيرة فإنه لا يسقط الميسور بالمعسور، ما لا يدرك كله لا يترك كله، وقد قال الرسول(صلىالله عليه وآله وسلم) (إذا أمرتم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».

فلا يهولن الإنسان العامل، ما يراه أمامه من بحر من العمل، فإذا راى أنه لا يقدر على نزفه ييئس ويستسلم، بل يأخذ بجانب من العمل، ثم يوسعه ويعمقه، حتى يأتي بالثمار الطيبة، ثم إن المفكر الواحد، والجبهة الضعيفة، ليس هو وحده في الميدان.فكما أن هناك بحراً من الإلحاد والكفر والفساد، فإن أمام ذلك البحر، بحر من الاعمال الإسلامية المنتشرة في طول بلاد الإسلام وعرضها، بل وفي كثير من بلاد الكفر، بالإضافة إلى أن المسلم العامل له أكبر القوى الكونية، وهي قوة الله سبحانه، وقد وعد تعالى بنصرة العاملين، قال: ( أن ينصركم الله فلا غالب لكم)وقال: (أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).