الفهرس

فهرس الفصل الثاني

المؤلفات

 الثقافة الإسلامية

الصفحة الرئيسية

 

الاعتبار بالتاريخ

هذا باب فتحه القرآن الحكيم وتبعه المعصومون (عليهم الصَّلاة والسلام) الذين هم شراح القرآن ومفسروه والمرشدون إلى معانيه وخصوصياته، قال سبحانه: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)(1) قال سبحانه: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)(2)، وعليه، فاللازم على السالكين طريق النجاة لأجل تحريك المسلمين وإيقاظهم التفكر والمناقشة في أُمور:

الأمر الأول: أحوال الماضين من المسلمين وغير المسلمين بل مطلق المتدينين وغير المتدينين.

الأمر الثاني: أحوال المسلمين في الحال الحاضر وغير المسلمين من الدول التي تسمى بالدول النامية، وأحوال الدول التي تسمى بالصناعية، بل فوق الصناعية ـ والمراد بفوق الصناعية ـ ما يحدده بعض علماء الغرب في أبعاد خمسة:

أولاً: الانتقال من إنتاج البضائع إلى اقتصاد الخدمات.

ثانياً: ضخامة الطبقة المختصة والتكنيكية.

ثالثاً: تمركز المعرفة النظرية باعتبارها مصدر تجديد، وصانعة لسياسة المجتمع.

رابعاً: سيطرة التقويم التكنولوجي والتكنولوجيا.

خامساً: خلق تكنولوجيا مثبتة.

الأمر الثالث: حول أسباب تقدم أُولئك وتأخر هؤلاء بكل دقة وإمعان، فإن الفكر السطحي لا يكفي لمعرفة الحقيقة.

الأمر الرابع: حول سبل الخلاص وطرق النجاة.

الأمر الخامس: حول المستقبل لأُولئك وهؤلاء، فإنه كما يكون للماضي المدخلية في الحال كذلك للمستقبل مدخلية في الحال، حيث أن الماضي ولّد المستقبل، والمستقبل يوجب التحفيز للتخطيط في الحال. فإذا كان لك ضيوفاً غداً فإنك ستهيئ لهم الطعام والوسائل من الآن. فإن كل واحد من الماضي والمستقبل والحال حلقات بعضها في بعض، وبعضها يؤثر في بعض.

دور الأخلاق في الإنقاذ

مسألة: الأخلاق من أهم ما يلزم على من يريد إنهاض المسلمين، وقد ذكرنا نحن في كتب متعددة جوانب من الأخلاقيات الإسلامية، ولا نريد إعادة ذلك، وإنا نريد بيان أن الواجب تعميم الأخلاق في الناهضين حتى يتمكنوا من النهضة.

فإن جوهر الحضارات الأخلاق، فإن كانت الأخلاق خيّرة كانت الحضارة خيّرة والتف الناس حولها، وإن كانت الأخلاق سيئة كانت الحضارة سيئة وانفض الناس عنها، وليس الأمر بالادعاء وإنما بالواقع، فالحبة الواقعية هي التي تنبت والفسيلة الواقعية هي التي تورق وتزهر وتثمر، والبيضة الواقعية هي التي تفقس عن جنين، أما إذا كانت تلك صورية وخيالية فإن نصيبها الفشل والفضيحة.

فالقائمون بالنجاة إذا لم يتحلوا بمكارم الأخلاق فإنهم لا يتمكنون من تحريك الناس إلى المكارم، وأخيراً يكون نصيبهم الفشل، وعليه فاللازم عليهم أن يتصفوا بأرقى الأخلاق، والأخلاق لا تأتي من دون الإيمان، فإن الإيمان يعطي الواقعية، والواقعية تأتي بالأخلاق، وقد ذكرهما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد الزواج فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) وربما يتصور الإنسان أن هذه الكمية الكبيرة من الأخلاق المذكورة في الآيات شيء فوق طاقة الإنسان؟.

والجواب: إن الإيمان الذي هو نور في داخل الإنسان يفيض عنه نور الأخلاق على طول الخط على جميع جوارحه وجوانحه، فالأخلاق تكون عفوية حتى أن خلافها يكون خارج طاقة الإنسان، فهل الظلام في أطراف النور أصل أو استثناء؟ وهل الدفء أطراف النار انسياق أو تكلف؟.

طائفة من الروايات في أخلاق المؤمن

وإليك بعض الأحاديث المتضمنة لصفات المؤمن:

فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قام رجل يُقال له: همام، وكان عابداً ناسكاً مجتهداً إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين: صف لنا المؤمن كأننا ننظر إليه؟ فقال: يا همّام، المؤمن هو الكيس الفطن، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذلّ شيء نفساً زاجر عن كلّ فان، حاضّ على كل حسن، لا حقود ولا حسود، ولا وثّاب ولا سبّاب، ولا غيّاب ولا مرتاب، يكره الرّفعة، وشنأ السمعة، طويل الغمّ، بعيد الهمّ، كثير الصّمت، وقور ذكور صبور شكور، مغموم بفكره، مسرور بفقره، سهل الخليقة، لين العريكة، رصين الوفاء قليل الأذى، لا منافق ولا متهتّك، إن ضحك لم يخرق، وإن غضب لم ينزق، ضحكه تبسم، واستفهامه تعلّم، ومراجعته تفهّم، كثير علمه عظيم حلمه، كثير الرّحمة، لا يبخل ولا يعجل، ولا يضجر ولا يبطر، ولا يحيف في حكمه، ولا يجور في عمله، نفسه أصلب من الصّلد، ومكادحته أحلى من الشّهد، لا جشع ولا هلع، ولا عنف ولا صلف، ولا متكلّف ولا متعمّق، جميل المنازعة، كريم المراجعة، عدل إن غضب، رفيق إن طلب، ولا يتهوّر ولا يتهتّك ولا يتجبر، خالـــص الود، وثيق العهد وفيّ العهد، شفيق وصول، حليم خمول، قليل الفضول، راض عن الله عزّ وجلّ، مخالف لهواه، لا يغلظ على من دونه ولا يخوض فيما لا يعنيه، ناصر للدّين، محام عن المؤمنين، كهف للمسلمين، لا يخرق الثّناء سمعه، ولا ينكى الطّمع قلبه، لا يصرف اللّعب حكمه، ولا يطلع الجاهل عمله، قوّال عمّال عالم حازم، لا بفحّاش ولا بطيّاش، وصول في غير عنف، بذول في غير سرف، لا بختّال ولا بغدّار، ولا يقتفي أثراً، ولا يحيف ببشر، رفيق بالخلق ساع في الأرض، عون للضعيف غوث للملهوف، لا يهتك ستراً، ولا يكشف سرّاً، كثير البلوى قليل الشكوى، إن رأى خيراً ذكره، وإن عاين شّراً سرّه، يستر العيب ويحفظ الغيب، ويقيل العثرة ويغفر الزلّة، لا يطلع على نصح فيذره، ولا يدع جنح حيف فيصلحه، أمين رصين، تقيّ نقيّ زكيّ رضيّ، يقبل العذر ويجمل الذّكر، ويحسن بالنّاس الظّن، ويتهم على العيب نفسه، يجبّ في الله بفقه وعلم، ويقطع في الله بحزم وعزم لا يخرق به فرح، ولا يطيش به مرح، مذكّر للعالم، معلّم للجاهل، لا يتوقّع له بائقة، ولا يخاف له غائلة، كلّ سعي أخلص عنده من سعيه وكل نفس أصلح عنده من نفسه، عالم بعيبه شاغل بغمّه، لا يثق بغير ربّه، قريب (غريب) وحيد حزين يحبّ في الله ويجاهد في الله ليتبع رضاه، ولا ينتقم لنفسه بنفسه ولا يوالي في سخط ربّه، مجالس لأهل الفقر، مصادق لأهل الصّدق، مؤازر لأهل الحقّ، عون للغريب، أب لليتيم، بعل للأرملة، خفيّ بأهل المسكنة، مرجو لكلّ كريمة (كريهة) مأمول لكلّ شدة، هشاش بشّاش، لا بعبّاس ولا بحبّاس، صليب كظّام بسّام، دقيق النّظر عظيم الحذر، لا يبخل وإن بخل عليه صبر، عقل فاستحى، وقنع فاستغنى، حياؤه يعلو شهوته، وودّه يعلو حسده، وعفوه يعلو حقده ولا ينطق بغير صواب، ولا يلبس إلاَّ الاقتصاد، مشيه التواضع، خاضع لربّه بطاعته، راض عنه في كلّ حالاته بنيّة خالصة، أعماله ليس فيها غشّ ولا خديعة، نظره عبرة وسكوته فكرة، وكلامه حكمة، مناصحاً متباذلاً متواخياً، ناصح في السرّ والعلانية، لا يهجر أخاه ولا يغتابه ولا يمكر به، ولا يأسف على ما فاته، ولا يحزن على ما أصابه، ولا يرجو ما لا يجوز له الرّجاء، ولا يفشل في الشدّة ولا يبطر في الرّخاء، يمزج الحلم بالعلم والعقل بالصّبر تراه بعيداً كسله، دائماً نشاطه قريباً أمله، قليلاً زلـله، متوقّعاً لأجله، خاشعاً قلبه ذاكراً ربّه قانعة نفسه، منفياً جهله، سهلاً أمره، حزيناً لذنبه، ميتة شهوته، كظوماً غيظه، صافياً حلقه آمناً منه جاره، ضعيفاً كبره، قانعاً بالذي قدّر له، متيناً صبره محكماً أمره، كثيراً ذكره، يخالط النّاس ليعلم ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم ويتجر ليغنم، لا ينصت (لا ينصب) للخير ليفخر به، ولا يتكلم ليتجبّر به على من سواه، نفسه منه في عناء، والنّاس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، فأراح النّاس من نفسه، إن بغى عليه صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له، بعده ممّن يباعد منه بغض ونزاهة، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده تكبّراً ولا عظمة، ولا دنوّه خديعة ولا خلابة، بل يقتدي بمـــن كان قبله من أهل الخـــير، فهو إمام لمن بعـــــده من أهل البر )(3).

وفي رواية عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) إنّ سائلاً سأله عن: (أي الأعمال أفضل عند الله؟ فقال: ما لا يقبل الله عزّ وجلّ عملاً إلاَّ به. قال: وما هو؟ قال الإيمان بالله أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظاً.

قال السائل له: قلت: أخبرني عن الإيمان؟ أقولٌ وعمل؟ أم قول بلا عمل؟ قال: الإيمان عمل كلّه، والقول بعض ذلك العمل، بفرض من الله بين، في كتابه واضح، ثابتة حجّته، يشهد به الكتاب ويدعو إليه. قال: قلت: بيّن ذلك جعلني الله فداك حتّى أفهمه؟ قال: إنّ الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التّام المنتهى تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الرّجح البيّن رجحانه.

قال: قلت: إن الإيمان لينتقص ويتم ويزيد؟ قال: نعم، قال: قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأن الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح بني آدم وقسّمه عليها، وفرّقه فيها، فليس من جوارحه جارحة إلاَّ وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أُختها، فمنه قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح، ولا تصدر إلاَّ عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، وأُذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، ولسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلاَّ وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها بفرض من الله يشهد به الكتاب، ففرض على القلب غير ما فرض على السّمع، وفرض على السَّمع غير ما فرض على اللّسان، وفرض على اللّسان غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرّجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه.

فأمّا ما فرض على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعقد والرّضا والتسليم، بأنّ الله تبارك وتعالى هو الواحد لا إله إلاَّ هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإقرار بما كان من عند الله من نبي أو كتاب فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة.

فقال عزّ وجلّ: (إلاَّ من أكره)(4) الآية. وقال: (ألا بذكر الله)(5) الآية. وقال: (الذين قالوا آمنّا بأفواههم)(6) الآية. وقال: (إن تبدوا ما في أنفسكم)(7) الآية. فذلك ما فرض الله على القلب من الإقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الإيمان.

وفرض على اللسان: القول والتعبير عن القلب ما عقد عليه وأقرّ به، فقال تبارك وتعالى: (قولوا آمنّا)(8) الآية. وقال: (وقولوا للنّاس حسناً)(9) وقال: (وقولوا قولاً سديداً)(10) وقال: (وقل الحق من ربكم)(11) وأشباه ذلك مما أمر الله عزّ وجلّ به فهذا ما فرض الله عزّ وجلّ على اللسان وهو عمله.

وفرض على السمع أن يتنزّه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وما لا يحلّ له وهو عمله، وذلك من الإيمان.

وفرض الله على العينين غضّ البصر عمّا حرّم الله وهو عملهما.

وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله وأن يغضّ ممّا نهى الله عنه ممّا لا يحل له وهو عمله وذلك من الإيمان، وقال تبارك وتعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم)(12)، من أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه أحد.

ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل شيء في القرآن من حفظ الفرج، فهو من الزنّا، إلاَّ هذه الآية فهو من النظر. ثم نظم ما فرض الله على القلب واللسان والســــمع والبـــصر في آية واحــــدة فقال: (ولا تقف)(13)، الآية. وقال: (ما كنتم تستترون)(14) الآية. يعني بالجلود الأفخاذ ما فرض الله على العينين من غضّ البصر عمّا حرّم الله، وهو عملهما، وهو من الإيمان.

وفرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم الله، وأن يبطشا إلى ما أمره الله به، وفرضه عليهما من الصدقة، وصلة الرّحم، والجهاد في سبيل الله، والطّهر للصلوات: قال الله عزّ وجلّ: (يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم)(15) الآية. وقال: (يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا)(16) الآية. وقال: (وإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب)(17) الآية. فهذا أيضاً مما فرض الله على اليدين لأن الضرب من علاجهما.

وفرض الله على الرجلين أن لا يمشي بهما في شيء من معاصي الله وأن تنطلقا إلى ما أمر الله به وفرض عليهما من المشي فيما يرضى الله عزّ وجلّ، فقال في ذلك: (ولا تمش)(18) الآية.

وقال عزّ وجلّ: (واقصد)(19) الآية.

وقال فيما شهدت به الأيدي والأرجل على أنفسها أو على أربابها من نطقها بما أمر الله به، وفرض عليها: (اليوم نختم)(20) الآية. فهذا أيضاً ممّا فرض الله على اليدين والرجلين وهو عملهما وهو من الإيمان.

وفرض على الوجه السّجود بالليل والنهار في مواقيت الصَّلاة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا)(21) الآية، فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر، (وأنّ المساجد)(22) الآية. فهذا ما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة، وسمي الصَّلاة إيماناً في كتابه، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ لمّا صرف وجه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصَّلاة إلى بيت المقدس وأمره أن يصلّي إلى الكعبة قال المسلمون للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أرأيت صلاتنا هذه التي كنا نصلّيها إلى بيت المقدس ما حالها وحالنا فيها؟ فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك: (وما كان الله ليضيع) الآية. فسمى الصَّلاة إيماناً، فمن لقى الله حافظاً لجوارحه مؤتياً كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عليها لقى الله كامل الإيمان من أهل الجنة، ومن خان شيئاً منها وتعدّى ما أمر الله عزّ وجلّ به لقى الله ناقص الإيمان.

قال السائل: يابن رسول الله، قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته؟ وما الحجة في زيادته؟.

قال أبو عبد الله (عليه السلام): قد أنزل الله عزّ وجلّ: (وإذا ما أنزلت) الآية. وقال: (نحن نقص عليك)(23) الآية. ولو كان الإيمان كله واحداً ولا نقصان فيه ولا زيادة، ولم يكن لأحد فيه فضل على أحد، لاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الإيمان، دخل المؤمنون الجنّة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون في الدرجات عند الله والنقصان منه دخل المقصّرون النار، الخبر)(24).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: في قول الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ يكفر بالإيمان فقط حبط عمله)(25)، قال: كفرهم به ترك العمل، بالذي أقرّوا به(26).

وعن سفيان بن نجيح، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال سليمان بن داود (عليه السلام): (أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا وعلّمنا ما علّم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئاً أفضل من خشية الله في المغيب والمشهد، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والتضرع إلى الله عزّ وجلّ على كلّ حال)(27).

وعن أبي عليّ محمد بن خمّام في التمحيص: روي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا يكمل المؤمن إيمانه حتّى يحتوي على مائة وثلاث خصال، فعل وعمل ونيّة وظاهر وباطن).

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا رسول الله ما يكون المائة وثلاث خصال؟ فقال: يا عليّ من صفات المؤمن أن يكون جوال الفكر جوهريّ (جهوري) الذّكر، كثيراً علمه (عمله) عظيماً حلمه، جميل المنازعة، كريم المراجعة، أوسع الناس صدراً، وأذلهم نفساً ضحكه تبسماً، وإفهامه تعلّماً، مذكّر الغافل، معلّم الجاهل، لا يؤذي من يؤذيه، ولا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يشمت بمصيبة ولا يذكر أحداً بغيبة، بريئاً من المحرّمات، واقفاً عند الشّبهات، كثير العطاء قليل الأذى، عوناً للغريب، وأباً لليتيم، بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، مستبشراً بفقره، أحلى من الشهد، وأصلد من الصّلد، لا يكشف سراً، لا يهتك ستراً لطيف الحركات، حلو المشاهدة، كثير العبادة، حسن الوقار، لين الجانب، طويل الصّمت، حليماً إذا جهل عليه، صبوراً على من أسى عليه، يجل الكبير، ويرحم الصغير، أميناً على الأمانات، بعيداً من الخيانات، ألفه التقى، وحلفه الحياء، كثير الحذر، قليل الزّلل، حركاته أدب، وكلامه عجيب، مقيل العثرة، ولا يتبع العورة وقوراً صبوراً، رضيّاً شكوراً، قليل الكلام، صدوق اللّسان، برّاً مصوناً حليماً رفيقاً عفيفاً شريفاً، لا لعّان ولا نمام، ولا كذّاب ولا مغتاب ولا سبّاب، ولا حسود، ولا بخيل، هشاشاً بشّاشاً، ولا حسّاس ولا جسّاس، يطلب من الأُمور أعلاها، ومن الأخلاق أسناها، مشمولاً بحفظ الله، مؤيداً بتوفيق الله، ذا قوّة في لين، وعزيمة في يقين، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، صبور في الشدائد، لا يجور ولا يعتدي، ولا يأتي بما يشتهي، الفقر شعاره، والصبر دثاره، قليل المؤونة، كثير المعونة، كثير الصيام طويل القيام، قليل المنام، قلبه تقيّ، وعمله زكيّ، إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، يصوم رغباً ويصلّي رهباً، يحسن في عمله كأنّه ناظر إليه، غضّ الطّرف، سخيّ الكفّ، لا يردّ سائلاً، ولا يبخل بنائل، متواصلاً إلى الأخوان، مترادفاً إلى الإحسان، يزن كلامه، ويخرس لسانه، لا يغرق في بغضه، ولا يهلك في حبّه، لا يقبل الباطل من صديقه، ولا يردّ الحقّ من عدوّه، لا يتعلّم إلاَّ ليعلم، ولا يعلم إلاَّ ليعمل، قليلاً حقده، كثيراً شكره، يطلب النهار معيشته، ويبكي اللَّيل على خطيئته إن سلك مع أهل الدّنيا كان أكيسهم، وإن سلك مع أهل الآخرة كان أورعهم، لا يرضى في كسبه بشبهة، ولا يعمل في دينه برخصة، يعطف على أخيه بزلّته، ويرضى ما مضى من قديم صحبته)(28).

روايات في سوء الخلق

كما أنه ورد في ذم سوء الخلق ولزوم اجتناب المؤمنين عنه أيضاً روايات:

فعن الرضا (عليه الصلاة والسلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الخلق السيئ يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل)(29).

وعن الباقر عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من ساء خلقه عذب نفسه)(30).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أبى الله عزّ وجلّ لصاحب الخلق السيئ بالتوبة قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأنه لا يخرج من ذنب حتى يقع فيما هو أعظم منه)(31).

وعن أبي عبد الله قال: (أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: إن سعد بن معاذ قد مات إلى أن ذكر تجهيزه ودفنه ثم قال: فقالوا: أمرت بغسله وصلّيت على جنازته ولحدته ثم قلت: إن سعداً قد أصابته ضمة؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء)(32).

وعن الصَّادق (عليه الصلاة والسلام) في حديث قال: (لا سؤدد لسيئ الخلق)(33).

وعن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبى الله لصاحب الخلق السيئ بالتوبة، فقيل يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: لأنه إذا تاب عن ذنب وقع في ذنب أعظم من الذنب الذي تاب منه)(34).

وعن النبيّ أنه قال: (خلقان لا يجتمعان في مؤمن، الشح وسوء الخلق).

وعن الصَّادق (عليه السلام) أنه قال: (لو علم سيئ الخلق أنه يعذب نفسه لتسمح في خلقه)(35).

وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (سوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار)(36).

وعن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) سئل عن أدوم الناس غماً؟ قال: (أسوأهم خلقا)(37).

وعن علي (عليه الصلاة والسلام) أنه قال: (سوء الخلق نكد العيش وعذاب النفس)(38).

وقال (عليه السلام): (سوء الخلق يوحش النفس ويرفع الأنس)(39).

وقال (عليه السلام): (سوء الخلق شؤم والإساءة إلى المحسن لؤم)(40).

وقال (عليه السلام): (سوء الخلق يوحش القريب وينفر البعيد)(41).

وقال (عليه السلام): (كل داء يداوى إلاَّ سوء الخلق)(42).

وقال (عليه السلام): (من ساء خلقه عذب نفسه)(43).

الأخلاق الكريمة

إن المجتمع الإسلامي مجتمع فاضل، وللمسلمين فيها أخلاق فاضلة في كل أبعاد الحياة، في بيعهم وشرائهم ورهنهم وإجارتهم وسفرهم وإقامتهم وضيافتهم ومعاشرتهم إلى غير ذلك، كما تقدمت جملة منها، وذكرنا بعضها أيضاً في كتاب الفقه (الآداب والسنن) والمجتمع الفاضل يكون دائماً في راحة تامة، لأنَّ سوء الأخلاق يضغط على الروح، بينما ضعف المادة يضغط على الجسد، والضغط على الروح أسوأ الضغطين.

وعلى كل حال ففي باب مكارم الأخلاق، وحسن الخلق وما أشبه وردت روايات كثيرة عامة تشمل الأخلاق التي ذكرت منفردة في كل باب باب، ونحن نذكر جملة من تلك الروايات:

فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق)(44) وقد ذكرنا معنى الحديث في كتاب (الأخلاق الإسلامية).

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: (إنا لنحب من شيعتنا من كان عاقلاً فهماً فقيهاً حليماً مدارياً صبوراً صدوقاً وفياً، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى خص الأنبياء بمكارم الأخلاق فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم يكن فليتضرع إلى الله وليسأله، قال: قلت: جعلت فداك وما هي؟ قال: الورع والقنوع والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة والبر وصدق الحديث وأداء الأمانة)(45).

وعن الجعفريات بسند الأئمَّة إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إن من مكارم الأخلاق صدق الحديث وإعطاء السائل، وصدق اليأس، وصلة الرحم، وأداء الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وإقراء الضيف)(46).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (أربع من أعطيهن فقد أعطى خير الدنيا والآخرة، بدناً سالماً، ولساناً ذاكراً وقلباً شاكراً، وزوجة صالحة).

وعن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) قال: (ذللوا أخلاقكم بالمحاسن، وقودوها إلى المكارم، وعوّدوها الحلم واصبروا على الإيثار على أنفسكم، فيما تحمدون عنه قليلا من كثير، ولا تداقوا الناس وزناً بوزن، وعظموا أقداركم بالتغافل من الدنيء من الأُمور، وأمسكوا رمق الضعيف بالمعونة له بجاهكم، وإن عجزتم عما رجا عندكم فلا تكونوا نجاشين عما غاب عنكم فيكثر عائبكم، وتحفظوا من الكذب فإنه من أدق الأخلاق قدراً، وهو نوع من الفحش وضرب من الدناءة، وتكرموا بالغنى عن الاستقصاء)(47).

وعن جابر بن عبد الله قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ألا أخبركم بخير رجالكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال إن خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين النقي الطرفين البر بوالديه ولا يلجئ عياله إلى غيره)(48).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الله عزّ وجلّ ارتضى لكم الإسلام ديناً فأحـــسنوا صحبته بالسخــــاء وحسن الـــخلق)(49).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الله عزّ وجلّ وجوهاً خلقهم من خلقه وأرضه لقضاء حوائج إخوانهم يرون الحمد مجداً والله سبحانه يحب مكارم الأخلاق، وكان فيما خاطب الله نبيه: إنك لعلى خلق عظيم) قال: السخاء وحسن الخلق)(50).

وعن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن الصبر والبر وحسن الخلق من أخلاق الأنبياء)(51).

وعن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عليكم بمكارم الأخلاق، فإن الله عزّ وجلّ بعثني بها، وإن من مكارم الأخلاق أن يعفو الرجل عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وأن يعود من لا يعوده)(52).

وعن الرضوي (عليه الصلاة والسلام) أنه روى عن العالم: (إن الله جلّ وعلا خص رسوله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم، فإن كانت فيكم فاحمدوا الله وإلا فاسألوه وارغبوا إليه فيها، قال: وذكرها عشرة: اليقين، والقناعة والبصيرة والشكر والحلم وحسن الخلق والسخاء والغيرة، والشجاعة والمروءة، وفي خبر آخر زاد فيها، الحياء والصدق وأداء الأمانة)(53).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لولديه: (إن الله عزّ وجلّ جعل محاسن الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، أيحب أحدكم أن يمسك بخلق متصل بالله؟).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (الأخلاق منائح من الله عزّ وجلّ، فإذا أحب عبداً منحه خلقاً حسناً، وإذا أبغض عبداً منحه خلقاً سيئاً)(54).

أقول: لا إشكال في أن الأخلاق صفات وجودية، والوجود يحتاج إلى الموجد، وحب الله وبغضه بسبب الإنسان نفسه لا اعتباطاً، وفي رواية: (أنه لما أتوا بأسارى طي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قامت فتاة من جملتهم فقالت: يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني إبنة سرة قومي، كان أبي يفك العاني ويعطي الطالب ويحمي الذمام ويقرى الضيف ويشبع الجائع ويكسي المعدوم ويفرج عن المكروب، أنا ابنة حاتم طي فقال: (صلى الله عليه وآله وسلم): خلوا عنها، فإن أباها كان يحب الأخلاق، فقال أبو بردة فقال: يا رسول الله، الله يحب مكارم الأخلاق، فقال: يا أبا بردة لا يدخل الجنة أحد إلاَّ بحسن الخلق)(55) إلى غيرها من الروايات الكثيرة.

الآداب الحسنة تعبد طريق النجاة

الذي يتبنى طريق النجاة عليه أن يتصف بالآداب في كل شيء، في القلم وفي البيان وفي المعاشرة مع العائلة ومع الغريب والقريب والصديق والعدو والجار، إلى غير ذلك.

فإن الآداب تجعل الإنسان محبباً إلى الناس فيلتفون حوله، والحركة بحاجة إلى التفاف الناس حولها إيجاباً حتى تتوسع وتطّرد كماً وكيفاً، حتى الوصول إلى الهدف بإذن الله، وسلباً حتى لا يتمكن المناوئون من النيل منها، فإن حركة كهذه لا بد وأن يكثر المناوئون لها، ولذا نرى الأنبياء والأئمة (عليهم السَّلام) والمصلحين في غاية الأدب في كل شيء وحتى مع الأعداء.

فالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مع أنه كان يعاني أشد الاضطهاد من أهل مكة كان يقول: (اللَّهُمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) وهكذا في سائر أخلاقه وآدابه، ويروى عنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي)(56)، وفي الحديث: (إن الله أدب نبيه بآداب ففوض إليه دينه)(57).

أما قصة قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لليهود: (إخوان القردة) فهي ليست ثابتة شرعاً ولعلها أُسطورة يهودية كأساطيرهم حول قتلة سبعمائة منهم، وإن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لسعد في هذه القصة: لقد حكمت بما حكم الله به من فوق سبعة أرقعة. وكقصة اغتياله تلك المرأة وما إلى ذلك.

فإن اليهود كانوا يختلقون الأحاديث:

أولاً: لضرب الإسلام ونبيه.

وثانياً: لاستدرار العطف على أنفسهم، ولذا لا تجد لواحدٍ من هذه الأحاديث سنداً صحيحاً، وحتى هذا القول الذي قاله لسعد ليس له سند صحيح كما لا يخفى لمن راجع الرجال، فهل يمكن النسبة إلى من كان له خلق عظيم بأمثال هذه النسب المزرية.

وليس لما اختلقه اليهود أيضاً شواهد في تاريخه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلاماً أو عملاً، وعلى أي حال فقد وردت جملة كبيرة من الأحاديث في التأدب بالآداب الرفيعة والتخلق بالأخلاق الفاضلة، وبين الآداب والأخلاق الفاضلة إذا قوبلا عموم من وجه، فأدب الكتابة لا يسمى خلقاً بينما الكرم لا يسمى أدباً، وحاصل معنى الأدب حذف الزوائد ولذا يُقال: أدبه أي أحذف منه ما يشينه والظرافة فوق التوسط، ومنه يُقال: فلان أديب، والمأدبة بمعنى الوليمة يُقال لها ذلك لأنها تكميل ناقص في هذا البعد، بالإضافة إلى الظرافة التي تُراعى في المآدب.

وكيف كان فاللازم على الحركة مراعاة الآداب في كل أبعاد الحياة حتى تصل إلى الهدف المنشود بإذن الله سبحانه وتعالى.

وقد روى المسعودي في مروج الذهب عن المنذر بن جارود قال: (لما قدم علي (عليه السَّلام) البصرة دخل مما يلي الطف ـ إلى أن قال ـ: فسار حتى نزل الموضع المعروف بالزاوية وصلّى أربع ركعات وعفر خديه على التراب، وقد خالط ذلك دموعه، ثم رفع يديه، وقال: اللَّهُمَّ رب السماوات وما أظلت ورب الأرضين وما أقلت ورب العرش العظيم هذه البصرة أسألك خيرها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها، اللَّهُمَّ أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، اللَّهُمَّ إن هؤلاء قد بغوا عليّ وخالفوا طاعتي ونكثوا بيعتي اللَّهُمَّ أحقن دماء المسلمين). فبهذا الأدب الرفيع يدخل علي (عليه السَّلام) حتى ميدان الحرب مع الأعداء.

أما الروايات في باب الأدب فكثيرة نذكر جملة منها، فقد روي عن رسول الله: (أنا أديب الله وعليّ أديبي)(58).

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: (أدبني ربي)(59)، وقال عليّ (عليه الصَّلاة والسَّلام): (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أدبه الله عزّ وجلّ وهو أدبني وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين)(60).

وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): (من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له منعة وستراً من النار).

وورد عن عليّ (عليه الصَّلاة والسَّلام) جملة كبيرة من الروايات حول الأدب.

فقال (عليه السَّلام): (الأدب إحدى الحسنيين).

وقال (عليه السَّلام): (أشرف حسب حسن أدب).

وقال (عليه السَّلام): (أكرم حسب حسن أدب)

وقال (عليه السَّلام): (حسن الأدب أفضل نسب وأشرف سبب).

وقال (عليه السَّلام): (طلب الأدب جمال الحسب).

وقال (عليه السَّلام): (عليكم بالأدب، فإنه زين الحسب).

وقال (عليه السَّلام): (قليل الأدب خير من كثير النسب).

وقال (عليه السَّلام): (حسن الأدب ينوب عن الحسب).

وقال (عليه السَّلام): (لا حسب أنفع من الأدب).

وقال (عليه السَّلام): (لا حسب أبلغ من الأدب).

وقال (عليه السَّلام): (كل الحسب متناه إلاَّ العقل والأدب).

وقال (عليه السَّلام): (حسن الأدب يستر قبيح النسب).

وقال (عليه السَّلام): (طالب الأدب أحزم من طالب الذهب).

وقال (عليه السَّلام): (حسن الأدب خير مؤازر وأفضل قرين).

وقال (عليه السَّلام): (خير ما ورث الآباء والأبناء الأدب).

وقال (عليه السَّلام): (أفضل الشرف الأدب).

وقال (عليه السَّلام): (الأدب أحسن سجية).

وقال (عليه السَّلام): (من لم يكن أفضل أخلاقه أدبه كان أهون أحواله عطبه).

وقال (عليه السَّلام): (إنك مقدم بأدبك فزينه بالحلم).

وقال (عليه السَّلام): (الأدب كمال الرجل).

وقال (عليه السَّلام): (عقل المرء نظامه وأدبه قوامه وصدقه أمامه وشكره تمامه).

وقال (عليه السَّلام): (إن هذا العلم والأدب ثمن نفسك فاجتهد في تعلمها فما يزيد من علمك وأدبك يزيد في ثمنك وقدرك).

وقال (عليه السَّلام): (إن الناس إلى صالح الأدب أحوج منهم إلى الفضة والذهب).

وقال (عليه السَّلام): (ثلاث ليس عليهن مستزاد حسن الأدب ومجانبة الريب والكف عن المحارم).

وقال (عليه السَّلام): (الآداب حلل جدد).

وقال (عليه السَّلام): (فسد حسب من ليس له أدب).

وقال (عليه السَّلام): (العلم وارثة كريمة والآداب حلل مجددة).

وقال (عليه السَّلام): (زينتكم الأدب).

وقال (عليه السَّلام): (من اشتهر بالأدب فقد زان نفسه).

وقال (عليه السَّلام): (لا حلل كالأدب).

وقال (عليه السَّلام): (لا زينة كالآداب)(61).

وعن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه لما بعث معاذ إلى اليمن قال له: (يا معاذ علمهم كتاب الله وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة)(62).

وقال عليّ (عليه الصَّلاة والسَّلام): (لا شرف مع سوء الأدب، وقال: من قل أدبه كثرت مساويه، وقال: من وضعه دناءة أدبه لم يرفعه شرف حسبه، وقال: بئس النسب سوء الأدب، وقال: لا أدب لسيئ النطق، وقال (عليه السَّلام): نعم قرين العقل الأدب، وقال: العقل الأدب، وقال: من زاد أدبه على عقله كان كالراعي بين غنم كثيرة، وقال: النفس مجبولة على سوء الأدب والعقل مأمور بملازمة حسن الأدب والنفس تجري في ميدان المخالفة والعبد يجهد بردها عن سوء المطالبة فمتى أطلق عنانها فهو شريك في فسادها ومن أعان نفسه في هوى نفسه فقد أشرك نفسه في قتل نفسه، وقال (عليه السَّلام): إن لذوي العقول من الحاجة إلى الأدب، كما يظمأ الزرع إلى المطر، وقال (عليه السَّلام): صلاح العقل الأدب، وقال (عليه السَّلام): كل شيء يحتاج إلى العقل والعقل يحتاج إلى الأدب، وقال (عليه السَّلام): لن ينجع الأدب حتى يقارنه العقل، وقال (عليه السَّلام): الأدب والدين نتيجة العقل، وقال (عليه السَّلام) لا أدب لمن لا عقل له، وقال (عليه السَّلام): آداب العلماء زيادة في العقل، وقال (عليه السَّلام): حسن الأدب زينة العقل، وقال (عليه السَّلام): الأدب في الإنسان كشجرة أصلها العقل. وقال (عليه السَّلام): الأدب صورة العقل، وقال (عليه السَّلام): الآداب تلقيح الإفهام ونتيجة الأذهان، وقال (عليه السَّلام): كفاك أدباً لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك، وقال (عليه السَّلام): أفضل الأدب أن يقف الإنسان على حده ولا يتعدى قدره، وقال (عليه السَّلام): تحرى الصدق وتجنب الكذب أكمل شيمة وأفضل أدب، وقال (عليه السَّلام): ضبط النفس عند الرغب والرهب من أفضل الأدب، وقال (عليه السَّلام): كفى بالعبد أدباً أن لا يشرك في نعمةِ ربه غيره، وقال (عليه السَّلام): أفضل الأدب ما بدأت به نفسك، وقال (عليه السَّلام): معلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس ومؤدبهم، وقال (عليه السَّلام): تولوا من أنفسكم تأديبها وأعدلوا بها عن ضراوة عاداتها، وقال (عليه السَّلام): زك قلبك بالأدب كما تزكى النار بالحطب ولا تكن كحاطب الليل وغثاء السيل)(63).

كما أنه ورد في جملة من الروايات التحريض على تأديب الأولاد، فعن لقمان قال في وصيته: (يا بني إن تأدبت صغيراً انتفعت به كبيراً)(64).

وقال الإمام علي للحسن (عليهما الصَّلاة والسَّلام): (إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك)(65).

وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنه قال: (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم يغفر لكم)(66).

وعن الصَّادق (عليه الصَّلاة والسَّلام) قال: (لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً ولا خادماً ولا جاراً ولا يزال العبد العاصي يورث أهل بيته الأدب السيئ حتى يدخلهم النار جميعاً حتى لا يفقد فيها منهم صغيراً ولا كبيراً ولا خادماً ولا جاراً)(67).

وفي رواية أنه لما نزل قوله سبحانه: (يا أيّها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) قال الناس: كيف نقي أنفسنا وأهلنا قال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): اعملوا الخير وذكّروا به أهليكم وأدبوهم على طاعة الله)(68) إلى غيرها من الروايات المتفرقة في مختلف الأبواب والتي قد يُراد بها العام وقد يُراد بها الخاص.

فإن المراد هنا بالآداب الأعم من الأخلاق والآداب بالمعنى المنصرف من الآداب لا مثل ما يُقال: فلان مؤدب بالآداب الإسلامية، مما يشمل كل الواجبات والمحرمات، ولذا يُقال: إن من لا يُصلّي لا يتأدب بآداب الإسلام، فإن الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات كلها آداب إسلامية، لكن البحث فيها خارج عن نطاق هذه المسألة، وإنما نطاقنا الآداب بالمعنى الخاص، ومن المعلوم لزوم الأولين أي الواجبات والمحرمات وترجيح الفعل في المستحبات وترجيح الترك في المكروهات وليس الكلام الآن فيه، والحاصل أن الآداب التي نحن بصددها هنا الأعم من الأخلاق والآداب، سواء قلنا بأن بينهما عموماً مطلقاً أو عموماً من وجه، كما أنه أعم من العرف والمروءة، فالعرف عبارة عما يتعارف في كل مكان ومكان وزمان وزمان وجماعة وجماعة، وفي شعر منسوب إلى عليّ (عليه السَّلام).

بنيّ إذا كنت في بلدة           فعاشـــر بآداب أربابها

وهناك روايات أُخر تدل على هذا المطلب ذكرناها في كتاب الآداب والسنن، مثلاً اعتاد الناس في بلد لباساً خاصاً دون بلد كما ترى الفرق بين ملابس الخليج وملابس العراق، لبس في كل بلد ما يناسبه وهكذا بالنسبة إلى سائر الأُمور.

وأما المروءة فهي عبارة عما يدل على الفتوة والرجولة، لا أنها خاصة بالرجل بل للنساء أيضاً مروءة لكن الرجال حيث كانوا أقرب إلى فعل هذه الأُمور لعقلانيتهم قيل: الرجولة.

وعلى أي حال فقد وردت طائفة من الروايات في اتباع المروءة وإليك بعض ما ذكره بعض كتاب الآداب بهذا الصدد، قال:

[إن هناك بعض الشرسين الذين يقودون سياراتهم بتهور وآخرين يتصرفون وكأنهم وحدهم في هذا العالم وفي بعض البلاد كأمريكا مثلاً تنتشر حوادث الطعن بالمدى وإطلاق الرصاص والاغتصاب حتى أن الصحف لم تعد تهتم بنشر أخبارها وفي سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين نشرت الهيئات المعنية بتنفيذ القانون: إن هناك مليون وخمس مليون جريمة عنف ولعل الجرائم التي لم تسجل لا تقل عن ذلك عدداً وعدد الأمريكيين الذين يموتون قتلاً أو انتحاراً يتجاوز خمسين ألف شخص في السنة، ويقوم المعنيون بالأبحاث النفسانية والمسلكية ببذل جهود مكثفة لفهم أسباب العنف وإيجاد الوسائل الناجعة لمنع العنف ولتخفيفه ولم تتعرض هذه الأبحاث للدوافع التي تثير طموحات الأشخاص أو تدفع الناس إلى التصدي للدفاع عن حقوقهم، ولا بالأفكار العدوانية، ولكن اقتصرت على ظاهرة الاعتداء الجسدي، أو الاعتداءات المباشرة التي تؤدي إلى الإيذاء والقتل، وقال أحدهم: مع نضوج الدماغ البشري يحكم الإنسان أصول مسلكية اجتماعية بالدرجة الأُولى، فالناس مثلاً لا يتخلّون في أرض الغرفة التي يسكنون فيها حتى ولو كانوا مضطرين، إنهم ينتظرون الذهاب إلى المرافق، ورغم أن التخلي حافز بيولوجي غريزي عادي لكن سرعان ما يخضع للسيطرة، والانضباط كذلك سرعان ما يعرف الشبان الشخص الذي يستطيعون الاعتداء عليه من غير أن يتعرضوا لخطر الرد، فهذا موظف لطيف أو ضعيف في المكتب ينفذ أوامر رئيسه بدون أي اعتراض أو تردد أو تذمر، لكنه ما أن يصل منزله حتى يضرب زوجته فهل نعتبر هذا الشخص عدوانياً؟ أجل إنه عدواني حين يعلم أن عدوانيته مأمونة العاقبة، وهكذا يتبين أن الكثير يتوقف على مستوى العدوان المقبول في مجتمع معين، وفي وقت معين].

وفي حوار جرى منذ وقت قريب حول نظرية النشوء والارتقاء والحرب في إحدى الجامعات بالولايات الأمريكية، قال أحد الباحثين: إن التغيير الثقافي يمكن أن يحدث بداية من العادات والتقاليد العدوانية أن تنحصر وتتحول إلى اتجاهات مسالمة، ففي البلاد الاسكندنافية التي أخرجت الفايكينغ وهم من أعنف الجماعات القديمة، اليوم عادات سليمة لا تكاد تزيد عليها أي أقطار أُخرى في عالمنا المعاصر، والإنسان إذا شب على شيء شاب عليه، ولذا نرى أن الأطفال الذين ينعتهم رفاقهم في الصفوف الابتدائية بأنهم أكثر عدوانية يرتكبون جرائم أكثر خطورة حين يكبرون، ولذا قالوا في المثل: ان (من يسرق الحبة في صغره يسرق القبة في كبره) ويرى الأطباء النفسانيون أن السلوك العدواني المتطرف ينبغي أن يعالج أثناء الطفولة بأساليب نفسانية وبتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يحيون فيها.

والحاصل أن اللازم مراعاة الآداب من ناحية ومراعاة سائر ما ينتهي إلى عالم الآداب من ناحية أخرى مثلاً ظاهرة كثرة اصطدام السيارات لها علل:

الأولى: انعدام الآداب العامة حتى يتأدب السواق بها.

الثانية: عدم الدقة في إعطاء الإجازة للسياقة من الموظفين المكلفين بذلك.

الثالثة: عدم سعة الطرق وما أشبه ذلك من الأُمور المرتبطة بالمواقف والكراجات وغيرها.

الرابعة: عدم تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي وما أشبه مما يجعل السائق متوتر الأعصاب، فالتيار الإسلامي الذي يعني بالتربية الإسلامية يجب عليه أن يُراعي كل تلك الأُمور حسب المقدرة.

والآداب كثيرة كما أن مقابلاتها كثيرة أيضاً، ونحن نذكر جملة منها على سبيل الإلماع لا على سبيل الإحصاء، فإنها أكثر من أن تحصى، فاللازم أن تتأدب النفس بما يأتي الآداب تلقائياً في كل مكان مكان ومورد مورد فالذي يسب تلميذه أو لا يصبر عليه أو لا يصبر على أستاذه أو مجالسه غير مؤدب، وهكذا الذي يملأ الدار عجيجاً وضجيجاً وصياحاً، والذي يأكل ويشرب بنهم، والذي يقهقه، والذي يحرك يديه ورجليه فوق المنبر أو في المجلس حركات غير موزونة، والذي يستهزئ بالناس، والذي يظهر نفسه بمظهر العالم الفاضل الناضج، والذي يصادق هذا في هذا اليوم ويهجره غداً، والذي يحب الراحة بكثرة النوم والكسل، والذي يتصور أن الدنيا خلقت لنفسه وحده، والذي يتكبر على الآخرين، والذي يمد رجله أمام الناس والذي يتكئ على شيء في المجلس كالوسادة أو على إنسان آخر أما ما أشبه ذلك اتكاءً غير متعارف، والذي يبصق أمام الناس، والذي يمد يده إلى الطعام الذي في أطراف السفرة أو أمام الآخرين، والذي يذكر الألفاظ القبيحة في المجالس، والذي يقول القصص التافهة، والذي يسب ويهرج ويستهزئ في البحث أو في غير البحث، والذي يتصور أن ما يراه هو الحق الوحيد وأن طرفه على الباطل على كل حال، والذي لا يعتني بالناس فلا يجيب على الرسالة والبرقية، والذي لا يقابل الإحسان بالإحسان، وأسوأ منه الذي يقابل الإحسان بالإساءة، والذي يزاحم الناس في المجلس والمعبر وما أشبه، والذي يريد كل الخيرات لنفسه دون الآخرين، والذي يسرف أو يقتر في النفقة والذي يأكل أموال الناس بالباطل بالنهب أو الغصب أو بالاقتراض ثم لا يرد القرض، والذي يضرب زوجته أو ولده أو من يتولى شأنه، والذي يصر على جهله وغروره وعنجهيته، والذي يفعل الشيء ثم يرمي به بريئاً.

والذي يحلف بالله أو بالمقدسات اعتباطاً أو بنفسه أو بالمخاطب، والذي يكرر لفظة من غير حاجة إلى التكرار، والذي يتقيد بالنظافة الزائدة التي تدخل في دائرة الوسواس في ملابسه أو وسائل منزله أو بدنه أو ما أشبه ذلك، والذي يزعم أن الكون كله مليء بالمكروبات فيتجنب عن كل شيء بهذا الزعم، والذي يمر على الناس مصعراً خده، والذي يفرط في الأكل أو الجنس أو ما أشبه ذلك، والذي يوسخ ثيابه أو داره أو حانوته أو نحو ذلك، والذي لا يقلم أظافره، والذي يمتخط في ثوبه أو يقذف ببصاقه على الجدران والذي يحك جسده بشدة، والذي يحك رأسه أو لحيته بحيث يتناثر منهما الوسخ أمام الناس، والذي يداعب ويلاعب الكبار أو الصغار بما هو خارج عن الاعتدال، والذي يمشي مرحاً ويضرب برجله بشدة على الأرض، والذي ينظر إلى الناس أو الأشياء كأنه فيلسوف، والذي يأكل الأشياء التي توجب روائحها أذى الناس كالثوم والكراث، والذي يتجشأ أمام الناس، والذي يتدخل في الكلام من غير أن يكون أهلاً له، والذي يسأل عمّا لا يعنيه، والذي يزعم أنه يعرف كل شيء وأحياناً يتبجّح بذلك، والذي يتدخل في كلام غيره بدون أن يتم كلامه، والذي لا يصغي إلى الناس حين يتكلمون، والذي يرد الكرامة، والذي يناجي صديقه في المجلس بما يسيء إلى الناس، والذي إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، والذي يتثاءب أمام الناس، والذي يتمطّى أمام الناس، والذي يأكل وحده أمام الناس، والذي يبالغ مبالغات تافهة من ناحية الكثرة أو القلة، والذي يضح يده أمام وجهه أو يضع وجهه على ركبتيه في المجلس، والذي يحرك يده باستمرار، أو يضرب يده أو رجله على الأرض، أو على شيء آخر في المجلس، والذي يظهر خضوعاً للناس غير معتدل، والذي يصفر بفمه أو يضرب على نفسه أو ينتف شعره عبثاً، والذي يبكي بكاءً غير معتدل وبغير مناسبة، والذي ينفض يده عن الأكل أمام الناس، والذي يملأ فمه بالأكل أو يأكل باليدين أو يستعين بكلتيهما في إدخال اللقمة في فمه، أو يشرب الماء أو يمضغ اللقمة بصوت، والذي يضرب الملعقة بالإناء، والذي يتملق الناس والذي له طبيعة عدوانية، والذي يظهر تصديق غيره بأسلوب أحمق، والذي يهين طرفه بأمثال أنت لا تفهم أو تحتاج إلى المطالعة أو تحتاج إلى الدراسة أو ما أشبه ذلك، والذي يظهر حباً متزايداً أو كرهاً متزايداً أو تصديقاً متزايداً أو تكذيباً متزايداً، والذي يلعن الناس اعتباطاً، ويسرع في الوقيعة فيهم، والذي يسرع في المشي بدون سبب أو يبطئ في المشي بدون سبب، والذي يظهر البخل أو الحسد أو البساطة في الفهم أو ما أشبه ذلك، والذي يقذف بقايا أكله كالعظم والقشر وما أشبه بعيداً من دون أن يضعه في الخوان، والذي يلفظ النواة من فمه، والذي يأكل الأشياء بحيث تتقاطر بقاياه على ثيابه ولحيته، ونحو ذلك، والذي يحرك رأسه ورقبته اعتباطاً عند التكلم، والذي يحدق نظره في وجوه الناس، والذي يضرب الباب خلفه بشدة، والذي يمر بالناس بدون السَّلام عليهم، أو يسلم سلاماً كبريائياً أو لا يجيب التحية، أو يجيب جواباً كبريائياً، والذي في تأليفه يسب أو يحلف أو يستهزئ أو يمدح نفسه أو يظهر مشكلاته للناس، والذي يظهر أن له أعداء أو حساداً أو ما أشبه بدون مبرر.

والذي يحرك فمه أو عينه بإشارات غير مناسبة أثناء الكلام أو تقليداً للغير، والذي يدخل على الناس بدون استئذان، والذي يقوم ويذهب بدون التعارف المتعارف عند الذهاب، والذي يلح في السؤال والذي يتبجح بما لديه والذي يتكلم فوق منطقه، ويجلس فوق مجلسه ويكلف نفسه فوق قدرته، والذي يسعل أو يعطس أمام الناس ولا يأخذ أمام فمه، والذي يخرق الصف ليتقدم على من تقدمه عند موقف السيارات، أو عند النزول، أو عند شراء شيء أو ما أشبه ذلك، والذي يدخل في سوم إنسان آخر أو خطبة إنسان آخر، والذي ينظر في كتاب الناس حين يكتبون أو حين يطالعون الرسالة، والذي لا يتغافل في موضع التغافل أو يتغافل في غير موضع التغافل إلى غير ذلك مما هو كثير.

والفضل ما شهدت به الأعداء

وننقل بهذا الصدد كلمتين: إحداهما حول المسلمين الأولين، والأُخرى حول المسلمين المعاصرين، مفادهما أمر واحد هو التأكيد على أن تقدم المسلمين الأولين كان بالأخلاقيات المنبعثة عن الإيمان، وأن بقاءهم إلى الآن بالرغم من الأعداء المجهزين بكل وسائل الدمار والعداء والإبادة إنما هو لأخلاقياتهم الرفيعة أيضاً.

فالكلمة الأولى جاءت في مقدمة كتاب (حضارة العرب) لمؤلفه (غوستاف لبون) قال:

[إن القوّة لم تكن عاملاً لانتشار القرآن ما ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم، فإذا حدث أن اعتنق بعض الأقوام النصرانية الإسلام واتخذوا العربية لغة لهم فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يروا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل ولم ينتشر القرآن إذاً بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول فقد أدرك المسلمون السابقون الذين كان عندهم من العبقرية السياسية ما ندر وجوده في دعاة الديانات الجديدة، أن النظم والأديان ليست مما يفرض قسراً فعاملوا أهل كل قطر استولوا عليه بلطف عظيم، تاركين لهم قوانينهم ونظمهم ومعتقداتهم غير فارضين عليهم سوى جزية زهيدة في الغالب إذا ما قيست بما كانوا يدفعون سابقاً في مقابل حفظ الأمن بينهم، فالحق أن الأُمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب ولا ديناً سمحاً مثل دينهم] انتهى.

ثم ذكر (غوستاف لبون) في الفصل الثاني حول أسباب عظمة المسلمين ما نصه:

[لم تكن جزيرة العرب قبل ظهور محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سوى ميدان حرب دائم واسع لما تأصل في العرب من الطبائع الحربية ولما جاء الإسلام وألف بين قلوب المسلمين وجهوا جميع قواتهم إلى البلاد الأجنبية وكانت طبائعهم الحربية من أسباب انتصاراتهم وهناك أحوال وعوامل أُخرى كثيرة لها تأثير عظيم أيضاً ونذكر على رأس هذه العوامل التي ندرسها ذلك، العامل الذي توحدت بفضله جميع القبائل العربية المنقسمة وهو الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد منح هذا الدين ما كانت تحتاج إليه الأُمم من المثل الأعلى المشترك الذي اكتسبوا به من الحمية ما استعدوا به للتضحية بأنفسهم في سبيله والمثل الأعلى الذي أبدعه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ديني محض والدولة التي أسسها المسلمون هي الدولة العظمى الوحيدة التي قامت باسم دين اشتقت منه جميع نظمها السياسية والاجتماعية وكان يمكن أن تعمي فتوح المسلمين الأولى أبصارهم وأن يقترفوا من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة ويسيئوا معاملة المغلوبين ويكرهوهم على اعتناق دينهم الذي كانوا يرغبون في نشره في العالم ولو فعلوا هذا لتألبت عليهم جميع الأمم التي كانت غير خاضعة لهم بعد ولأصابهم مثل ما أصاب الصليبيين عندما دخلوا بلاد سوريا مؤخراً، ولكن المسلمين اجتنبوا ذلك، وما جهله المؤرخون من حلم المسلمين الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة لاتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثير من الأُمم لدينهم ونظمهم ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمة حتى بعد تواري سلطان المسلمين عن مسرح العالم، ونعد من الواضح خاصة أمر مصر التي لم يوفق فاتحوها من الفرس والإغريق والرومان أن يقبلوا الحضارة الفرعونية القديمة فيها، وأن يقيموا حضارتهم مقامها. وهنالك أسباب أُخر غير تسامح المسلمين وحلمهم ساعدت على انتشار دينهم ونظمهم المشتقة منه، وذلك أن هذه النظم كانت من البساطة في الحقيقة ما لائمت معه احتياجات طبقات الأهلين الوسطى البسيطة أيضاً وإذا حدث اتفاقاً أن كانت هذه النظم غير ملائمة لهذه الاحتياجات عدلها المسلمون كما تقضي به الضرورة، وبهذا نفسر السر في اختلاف نظم المسلمين في بلاد الهند وفارس وجزيرة العرب، وأفريقيا ومصر اختلافاً كبيراً في بعض الأحيان مع أن القرآن واحد].

انتهى كلام المؤلف.

ونقول تعليقاً على آخر كلامه: إن المراد باختلاف نظم المسلمين الصغريات وإنما الكبرى الكلية واحدة في كل مكان، مثلاً في مكان تكثر المرأة يأخذ المسلمون عدة نساء، وفي مكان تقل المرأة يأخذ كل مسلم امرأة واحدة، وكذلك في مكان تكثر الثروة يوسع المسلمون حياتهم، وفي مكان تقل الثروة يزهدون ويتقشفون إلى غير ذلك مما هو جار في كل من النظام وعادات الناس.

أما الكلمة الثانية: فهي كلمة أحد الغربيين الذين كانوا في البلاد الإسلامية وهو (غلوب) المعروف بـ (أبو حنيك) الضابط البريطاني الذي قضى معظم سنوات عمله في الأردن والجيش الأردني وكتب كثيراً عن المسلمين، وحين دعي لإلقاء محاضرة عن سنواته مع المسلمين سرد رؤيته للمسلم كما عرفها وأشار إلى المزايا الإسلامية الخاصة التي يفتقدها الغرب، والتي تتعرض أيضاً في البلاد الإسلامية للزوال، وقد نقلت هذه الكلمة مجلة (الجيل) في عددها العاشر من المجلد الثامن أكتوبر (1987) ألف وتسعمائة وسبع وثمانين، وهذا نص ما ذكرته المجلة قال:

[يبدأ المحاضر بعرض تاريخي وجغرافي فيقول: إن كلمة عرب تطلق أصلاً على سكان شبه الجزيرة العربية وهي المنطقة التي تشمل اليوم العربية السعودية والساحل الغربي للخليج العربي وعمان واليمن وهم البدو الرحل وكلمة عرب هي المراد في الكلمة بدو، أما الأقطار التي تدعى اليوم سوريا وفلسطين ومصر والجزائر فقد كانت على مدى ألف سنة تقريباً جزءاً من الإمبراطورية الإغريقية ثم الرومانية، وكانت كل من سوريا ومصر تفوق بأهميتها الثقافية والاقتصادية فرنسا وبريطانيا في الإمبراطورية الرومانية ذلك الوقت عاش العرب كبدو رحل، وكانوا على احتكاك دائم مع الإمبراطورية الرومانية على طول الحدود الشرقية لسوريا والفارسية على طول نهر الفرات، وكانتا تشكلان القوتين العظميين أو حسب التعبير الحديث الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، ثم ظهر الإسلام في القرن السابع الميلادي فوحّد بين القبائل العربية المتناحرة في الجزيرة وألف ما بين قلوبهم فاندفع العرب بحماس من الصحراء وسرعان ما أقاموا إمبراطوريتهم العظمى خلال ثمانين عاماً على أنقاض الإمبراطوريتين، فامتدت من إسبانيا ومراكش في الغرب إلى الهند وحدود الصين شرقاً، والنقطة التي تثير اهتمامنا.

يقول المحاضر: إن عدد السكان في شبه الجزيرة العربية كان معظمها صحراء لم يكن ليشكل سوى نصف عدد سكان دلتا النيل لوحده في تلك الأثناء، ومع ذلك فقد انطلقوا انطلاقتهم وفتحوا البلاد الشاسعة، وبحسب التقديرات، وبعد أن تمت الفتوحات كانت نسبة العرب أو الذين ينحدرون من أصل عربي من سكان الجزيرة العربية لا يتجاوز الواحد إلى مائة من السكان الأصليين لأن الفتح الإسلامي لم يرافقه إجلاء ولا نفي ولا إبادة، كيف استقرت الأوضاع في هذه الإمبراطورية المتسعة؟.

يقول المحاضرـ: إن ذلك عائد إلى أن الغالبية العظمى من سكان البلاد المفتوحة، قد قبلوا بالإسلام ديناً وباللغة العربية لساناً في ظل المساواة والتسامح، وهو عائد بالدرجة الأُولى إلى نظام الحكم الذي طبق في أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ، إن أعظم ديمقراطية وفرها الباب المفتوح للحاكم، كان الحاكم يفتح بابه للجميع فيدخل عليه من شاء ليعرض شكايته أو ضلامته، وكان الحاكم يبت في القضية المعروضة فوراً، ويعطي كل ذي حق حقه ولم يكن هناك من محامين يتقاضون أتعاباً ولا قضاة ينالون أجراً، كان الحاكم هو القائد الديني والعسكري والسياسي يتحمل كل المسؤولية، ومع ذلك لم يكن ليحيط نفسه بمظاهر الأبهة والسلطان، بل كان يمشي في الشارع كتفاً إلى كتف مع بقية المواطنين في الأحوال الأُولى للإمبراطورية، وهكذا نجد أنه كان لدى المسلمين نظام حكم متطور جداً وكانت العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة قائمة على الحب المتبادل والتفاهم، ولذا نسمي هذا النوع من الحكم حكماً أبوياً، فالحاكم هو بمثابة أصل الأسرة وربما يكون هذا النوع من العلاقة بين الدولة والأفراد مدعاة للسخرية في الغرب، لأنهم هناك لا يرون نموذجاً للحكم إلاَّ ديمقراطيتهم وإذا كنت أنتقد شيئاً فإنما انتقد بخطأ سياستنا ـ يقول المحاضر ـ إننا حين ننظر إلى الإحصائيات والارتفاع في نسبة الجرائم لا يعود بوسعنا أن ندعي ان الديمقراطية الغربية هي النظام المثالي للحكم، إن لكل أُمة الحق أن تستلهم نظام حكمها وقوانينها ودستورها من تقاليدها وأعرافها الموروثة، ـ والمحاضر الذي عاش مدة طويلة بين البدو وفي الصحراء وتزيّا بزيهم وأعجب بعاداتهم وتقاليدهم وتعلم لغتهم لا ينفك ينحي باللائمة على القائمة المثقفة التي تخرجت من جامعات الغرب وبهرتها مظاهر الحياة الغربية فراحت تقلدها تقليداً أعمى، يقول لهؤلاء بأعلى صوته ـ لا تقلدون في كل شيء فلديكم الكثير مما يجدر بالغربيين تعلمها.

ما هي تلك الأشياء التي تعلمها المحاضر من المسلمين ويحث الغربيين على تعلمها؟ تعلمت من المسلمين الكثير ـ يقول المحاضر ـ تعلمت اللباقة والوقار واحترام الغير، ويضيف وربما يظن عندنا أن هذه الصفات ليست على جانب من الأهمية لأننا نعتبر الفضاضة ديمقراطية، وهذا هو الخطأ بعينه، فأن تكون مهذباً مع الجميع ليس معناه أن تكون ذليلاً، هناك نمطان للحياة الإسلامية ـ في رأي المحاضر ـ نمط الحياة التي تأخذ بها القلة المثقفة وهذا ما لا يقره ونمط الحياة التقليدية بعلاقاتها الإنسانية وهو ما يتكلم عنه. لكل سلوك لدى المسلمين آداب متبعة لاحظها المحاضر خلال إقامته الطويلة، فهناك آداب السلوك في الشارع وآداب السلوك في المجالس العامة وآداب السلوك في المجالس الخاصة وآداب الاستماع وآداب الاستضافة وآداب الطعام وآداب الشراب إلى آخر ما هنالك من مظاهر الكياسة التي يلمسها المرء لدى هؤلاء البسطاء، ويعجب بها، وبخاصة لدى السوريين الذين يقول عنهم المحاضر أنهم أكثر الشعوب التي عرفها تهذيباً على الإطلاق، وأن لباقتهم يمكن أن تكون مثالاً يحتذى، فاللباقة تجعل العلاقات بين الناس بسيطة وممتعة وتمدك بعبارات أفضل، سواء كنت في مهمة دبلوماسية أم كنت تشتري حاجتك اليومية، ويسوق المحاضر أمثلة يحض الغربيين على الأخذ بها، فالمسلم لا يجلس على كرسيه مستنداً إلى الخلف ورافعاً رجليه في وجه الآخرين كما يفعل الغربيون في المجالس العامة، خارج نطاق أسرته، يجلس معتدلاً يتكلم بصوت عادي واضح وهو لا يضحك دون سبب وإذا ضحك فلا يفتح فاه ملء شدقية، ولا ينفجر ضاحكاً محدثاً ضجة وجلبة وهو يعامل الكبار باحترام والصغار بلطف يحسن الاستماع لمحدث صغيراً كان أم كبيراً، والمسلم إذا ما زرته في بيته فإنه يعتبر ذلك شرفاً كبيراً حبوته به فيستقبلك هاشاً باشاً ويقدمك على نفسه في الدخول، وفي المجالس وفي الضيافة عندما تدور القهوة العربية، والبدوي إذا ما زرته في خيمته فيجلسك على الفرش والطنافس وبعد قليل يتقاطر أهل الخيام المجاورة للسلام عليك واستجلاء الأخبار، فيقوم الموجودون باستقبال الزائرين الجدد وبتقديم مجالسهم لهم هذه اللباقة تسم العلاقات القائمة فيما بين هؤلاء الناس البسطاء، وهذا ما حدا بالرواد الأوائل للمنطقة أن يدعوهم بالمهذبين بالفطرة، أما عن سلوك الغربيين بالمقارنة فيقول المحاضر: إن المرء ليشعر بالخجل بصحبة الزوار الغربيين الذين يتسكعون بملابس تكاد لا تستر عريهم، يضحكون بصخب ويحدثون جلبة ويعتبرون ذلك ديمقراطية، وذات مرة ـ يقول المحاضر ـ زرت خيام البدو وبصحبة صحفي أمريكي فأكرموا وفادتنا وفي طريق العودة قال الصحفي بحدة، ما كنت أصدّق أن مثل هؤلاء الفقراء على هذا القدر من التهذيب. وهكذا عبّر وبعفوية عن الرأي السائد بين الغربيين والذي يربط بين التهذيب والغنى، أما هنا فهذه هي الصفات الغالبة في كل علاقاتهم (العلاقات الأُسرية): المجتمع الغربي يعيش حياة معقدة في ظل الحضارة المادية التي تستبعد كل العلاقات الإنسانية بين أفراد الأُسرة الواحدة، لقد تطورت هذه الحضارة بشكل يجعل الناس يعيشون في دوامة الخوف من الفقر أو الحاجة ويعملون طوال حياتهم للحصول على المال، ولكنزه، وفي المجتمع الإسلامي يختلف الأمر، ان المسلمين لا يحبون المال وهذا ما لا يصدقه الغربيون، لأنهم هم يعيشون من أجل المال وهذا بالطبع لا يعني أن المسلمين لا يحتاجون إلى المال في معاشهم، لكنهم لا يحيون من أجله وإذا كان المسلمون لا يحبون المال فهذا في رأي الغربيين عائد إلى حالة السبات الشرقي أي التخلف وذلك لأننا في الغرب لا نتصور وجود شعب نشيط وذكي وهو لا يؤمن بالمال كافة بحد ذاته، ولكن لماذا كل هذا الاختلاف بين المجتمعين فيما يختص بجمع المال؟ سؤال طرحه المحاضر وأجاب عليه ـ معزياً السبب إلى نظام التكافل الاجتماعي في الأُسرة الشرقية والمفقودة في الأسرة الغربية. الأسرة في المجتمع الغربي مفككة فالمسنّون لا يحظون بحب الأبناء ورعايتهم، والشيخ عندما يبلغ سن العجز فإنه يزج به في مأوى للعجزة ليعيش الأبناء على هواهم دونما عائق، والشيء ذاته يحدث لهؤلاء عندما يبلغون أرذل العمر أمور كهذه لا تحدث في المجتمع الشرقي، الأُسرة هنا متماسكة الأطفال ينشأون نشأة صحيحة وطبيعية في كنف الأُسرة، يقومون بالأعمال التي يعمل بها آباؤهم، فابن الراعي يصبح راعياً وابن المزارع مزارعاً، وهكذا حتى يبلغوا سن الزواج، فإذا تزوج الأولاد انضمت زوجاتهم إلى الأسرة وعندما يبلغ الشيوخ سن العجز، يبقون تحت رعاية الأبناء والأحفاد والزوجات، ينعمون بالاطمئنان ولا يخشون الفقر ولا تسأمهم الوحدة، فلماذا تكديس المال إذاً (إن المال كوسخ اليدين يتجمع ويزول) هذا المثل يعبر عن فلسفتهم في الحياة، ولأنهم لا يحبون المال فإن الحسد غير موجود لدى المسلمين، نعم المسلم لا يحسد المسلم من أجل المال وإن كانت بوادره بدأت بالظهور بين أُولئك الطلاب لسوء الحظ الذين تخرجوا من معاهد الغرب، وتشبعوا بأفكاره وأصبحوا يهتمون بجمع المال جراء ما عانوه خلال إقامتهم هناك، وما لمسوه من احتقار الغرب للشعوب الفقيرة والنظرة الدونية لها أما المجتمع المسلم، وقبل الغزو الفكري الغربي، فإنه مجتمع بلا طبقات أي ليس هنالك فارق كبير بين غنيهم وفقيرهم والمجتمع الغربي اليوم يعاني من هذه المشكلات وينتقدها بشدة وهناك إلى جانب التفاوت الطبقي نجد عندنا المرض الذي دعوناه بالفارق بين الأجيال والعقليات وهو المرض الذي لا يعاني منه المجتمع الشرقي لأن الأُسرة فيه كما ذكرنا وحدة متماسكة متداخلة تتشكل من أفراد من مختلف الأعمار، ويجدر بالذكر هنا أن الأُسرة لا تعني الأب والأولاد، وإنما تتوسع الدائرة لتشمل الأعمام والأجداد والأحفاد يتعايشون في جو من الود والوئام والأطفال بدورهم يحظون بالرعاية وبتوجيه الكبار فيكتسبون الحكمة، والدراية والعاطفة في أهم المراحل الحساسة من العمر، وبالمقابل فإن الأولاد بالمجتمع الغربي يفصلون عن أُسرهم في هذه المراحل ويفصلون إلى الجامعات وهناك يعيشون مع زملائهم، فتحشى أدمغتهم بالمعلومات ليتخرجوا من الطرف الآخر مجازين يحملون شهادات تؤهلهم للعمل ولا تؤهلهم للحياة، فتصبح الثقافة تابعة لخط الإنتاج، ويكون همّ الحكومات زيادة الحصيلة من المتخرجين تماماً كهمهم في زيادة حصيلة المعامل من البورسلين والسيارات والإلكترونيات، ولهذا ينقطع الشباب في المراحل الأُولى عن جو الأُسرة ويتخرجون من الجامعات تنقصهم الخبرة ويعانون مدى حياتهم من القلق العاطفي والروحي حتى أساتذتهم لا يُتاح لهم الاتصال بهم والاحتكاك معهم لاكتساب الحكمة، لأن الأعداد الهائلة من الطلاب لا تتيح لهم أي للأساتذة معرفة أسماء طلابهم، وكذلك الطلاب في غالب الأحيان والجامعات تزود المتخرجين بالعلم، ولا تزودهم بالحكمة، لأن الحكمة تكتسب بالعيش وحده، فقد يكون الفلاح أكثر حكمة من أعظم عالم، والحكمة هي فن التعامل مع الناس، وسر السعادة في علاقاتنا مع الآخرين. وربما أمكن للإنسان في العصر الحديث السيطرة على المادة، أما السيطرة على الإنسان فما زالت بعيدة عن متناوله، وإذا كان شبابنا يعانون ما يعانون من القلق والفشل في الحياة العملية لكل هذه الأسباب فلا نعجب بعد هذا إذا أصبحوا ضحايا للمخدرات والانتحار والجنوح من (الدين). والمسلمون كلهم ـ عدا أُولئك المتفرنجين الذين يتبعون الأُسلوب الغربي في الحياة ويتبعون الملحدين ـ يؤمنون بالله وبحقيقة وجوده وبرحمته الواسعة، وبأنه على كل شيء قدير وهم يذكرونه في كل أفعالهم، وإنك لتسمع مثل هذه العبارات تتردد باستمرار ففي إشارة للمستقبل تسمع عبارة (إن شاء الله) وفي كل استفسار عن الصحة أو العمل تسمع عبارة (الحمد لله) ومن يغادر مجلس الجماعة يقول لهم: (أستودعكم الله) فيجيبون (بحفظ الله ورعاية الله) وإذا أراد الواحد أن يبدأ مشروعاً أو أي عمل فإنه يقول: (توكلت على الله) إلى آخر ما هنالك من العبارات المتداولة التي تضفي على نفوسهم الراحة والطمأنينة والاستقرار النفسي.

نحن نتهم المسلمين بالقدرية ونسخر منهم لاعتقادنا أنهم يقعدون بانتظار أن تقرر السماء لهم ما يفعلون هذه التهمة باطلة في رأيي.

ويستمر المحاضر: إن المسلمين نشيطون في تدبير أُمورهم وباهتماماتهم الدنيوية مثلنا تماماً لكنهم لا يستسلمون لليأس أبداً، بل يتقبلون الخسارة أو الفشل بهدوء أعصاب والمؤمن إذا أصابته مصيبة يقول: (هذه مشيئة الله والحمد لله على كل حال) ثم يستأنفون أعمالهم بصورة طبيعية، إنه التسليم بما ليس منه بد. يخالجني شعور أن معظم حالات الانهيار العصبي والجنوح والانتحار مردها إلى ضعف الإيمان بالله والدين، فقد فطن الأطباء النفسيون في الغرب لهذه الناحية، فهذا الطبيب النفساني (جنك) يقول: إن كل ما يحتاجه مرضانا هو الإيمان بالله، نحن بالطبع نرجع هذه الأزمات النفسية والعقلية إلى ضغط الحياة الحديثة ولكنني أُؤكد أن المسلمين يعيشون ظروفاً أشد وأدهى في بعض الأحيان، مثال ذلك ظروف اللاجئين الفلسطينيين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح وتُركوا يضربون في الأرض بلا مال ولا مأوى طيلة هذه السنين، ومع ذلك لا توجد لديهم مثل تلك الأزمات، لا شك أن إيمانهم هو الذي منحهم القدرة على الصبر والثبات.

وأخيراً يتطرق المحاضر للفروسية عند المسلمين فيقول: إن بلاد المسلمين هي موطن الفروسية ومنهم انتقلت عن طريق إسبانيا إلى جنوب فرنسا، ثم إلى إنجلترا، لأن جنوب فرنسا ومنطقة النورماندي كانتا تابعتين لإنجلترا في ذلك الوقت، فالفروسية هي الحرب من أجل قوانين الشرف الصارمة، وكانت المرأة هي الحكم فيها لذلك، كان الفرسان يستبسلون لنيل رضاها، وهذا ما أعطى المرأة في المجتمع الإسلامي مكانة لم تحظ بها في أي مجتمع آخر.

ويقول المحاضر: وسيعجب البريطانيون إذا قلنا لهم: إن المسلمين هم الذين علّموا الغرب احترام المرأة].

انتهى كلام هذا الرجل الغربي البريطاني الذي عاش مع المسلمين ستاً وثلاثين سنة من سنة ألف وتسعمائة وإحدى وعشرين ميلادية إلى ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين ميلادية.

 

1 ـ سورة الروم: الآية 9.

2 ـ سورة آل عمران: الآية 137.

3 ـ الكافي ج2 ص179 ج1، باب المؤمن وعلاماته وصفاته، نهج البلاغة ص303.

4 ـ سورة الرعد: الآية 28.

5 ـ سورة الأعراف: الآية 121.

6 ـ سورة المائدة: الآية 41.

7 ـ سورة البقرة: الآية 284.

8 ـ سورة البقرة: الآية 136.

9 ـ سورة البقرة: الآية 83.

10 ـ سورة الأحزاب: الآية 70.

11 ـ سورة الكهف: الآية 29.

12 ـ سورة النور: الآية 30.

13 ـ سورة الإسراء: الآية 36.

14 ـ سورة فصلت: الآية 22.

15 ـ سورة المائدة: الآية 22.

16 ـ سورة الأنفال: الآية 15.

17 ـ سورة محمد: الآية 4.

18 ـ سورة لقمان : الآية 18.

19 ـ سورة لقمان: الآية 19.

20 ـ سورة يس: الآية 65.

21 ـ سورة الحج: الآية 77.

22 ـ سورة الجن: الآية 18.

23 ـ سورة يوسف: الآية 3.

24 ـ الكافي ج2 ص32 ح7، الوسائل ج11 ص124 ح1 باب2، الفروض على الجوارح.

25 ـ سورة المائدة: الآية 5.

26 ـ انظر الوسائل ج11 ص124 باب2.

27 ـ انظر البحار كتاب الإيمان والكفر ج67، و68، و69، و70 و72.

28 ـ البحار ج67 ص311.

29 ـ الوسائل ج8 ص506 باب104 ح18.

30 ـ الكافي ج2 ص321 ح4.

31 ـ الكافي ج2 ص321 ح2.

32 ـ البحار ج73 ص298 ح11.

33 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص338 باب69 ح5.

34 ـ البحار ج73 ص299 ح12.

35 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص338 باب69 ح9.

36 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص338 باب69 ح11.

37 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص338 باب69 ح12.

38 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص229 ح85.

39 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص229 ح87.

40 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص229 ح84.

41 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص229 ح86.

42 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص288 ح20.

43 ـ غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس ص345 ح769.

44 ـ مكارم الأخلاق ص8.

45 ـ الوسائل ج11 ص155 باب6 ح1.

46 ـ الجعفريات ص151.

47 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص282 باب6 ح6.

48 ـ الكافي ج2 ص57 ح7.

49 ـ الكافي ج2 ص56 ح4.

50 ـ الوسائل ج11 ص156 باب6 ح9.

51 ـ البحار ج69 ص378 ح33.

52 ـ البحار ج69 ص375 ح24.

53 ـ الكافي ج2 ص56 ح2.

54 ـ البحار ج71 ص494 ح64.

55 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص283 باب6 ح21.

56 ـ نور الثقلين ج5 ص392.

57 ـ البحار ج17 ص4، تفسير نور الثقلين ج5 ص389.

58 ـ نور الثقلين ج5 ص393.

59 ـ البحار ج16 ص231.

60 ـ البحار ج7 ص267.

61 ـ راجع غرر الحكم.

62 ـ تحف العقول ص25.

63 ـ راجع غرر الحكم.

64 ـ البحار ج13 ص411.

65 ـ شرح نهج البلاغة ج16 ص66، البحار ج77 ص201.

66 ـ الوسائل ج15 ص195 ح9، مكارم الأخلاق ص222، البحار ج104 ص95.

67 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص3620.

68 ـ مستدرك الوسائل ج2 ص362.