الفهرس

فهرس القسم الأول

المؤلفات

الحقوق والقانون

الصفحة الرئيسية

 

بين القاضي وشورى الفقهاء

مسألة: ثم إذا اختلف القاضي وكان مجتهداً جامعاً للشرائط، في حكم من الأحكام مع شورى الفقهاء المراجع، الذين نصبوه في منصب القضاء، فهل اللازم اتباع رأيه أم رأيهم؟

الظاهر: الثاني، إلا إذا علم القاضي بخطئهم في هذا المقام، حيث لا يمكن له فصل القضية لا حسب رأيه لأنه يوجب الفوضى في القضاء، ولا حسب رأيهم لأنه يعلم ببطلانه ـ فرضاً ـ ومعلوم أنه على خلاف العلم لا يجوز أن يعمل الإنسان وقد تقدم الالماع إلى مثل ذلك.

من شروط القضاة

مسألة: يجب ضبط القضاة ضبطاً دقيقاً، بالإضافة إلى لزوم كونهم عدولاً حتى لا ينحرفوا عن جادة الصواب، وكم رأى التاريخ الغابر والمعاصر انحرافهم، فإن المعصوم (ع) وحده هو المأمون عن الانحراف، أما سائر الناس ولو كان لهم أقوى الملكات فيمكن انحرافهم، وفي التاريخ نماذج كثيرة من الأقوياء الذين انحرفوا، وهو خير شاهد لذلك، فبلعم بن باعوراء(1) وعابد برصيصيا(2) وغيرهما، يشهدان لما ذكرناه.

وضبط القضاة يكون بأمور:

الأول: كون الحكم معتمداً على تعدد الأحزاب ـ لا الحزب الواحد ـ حتى يكون كل حزب من الأحزاب الحرة المنافسة للحزب الحاكم، مراقباً للحزب الذي في الحكم، فلا يتمكن الحزب الحاكم من توجيه القضاة كما يشاء، ومن جعل القضاء ألعوبة بيده.

الثاني: وجود المحامين والوكلاء الذين يدققون في الأمور.

الثالث: وجود شورى المراجع الذين يراقبون قضايا الأمة بكل دقة.

الرابع: الصحافة الحرة التي تخافها الحكام ويخاف منها القضاة، والصحفيون الأحرار الذين يحاسبون الحكام والقضاة على كل صغيرة وكبيرة، وما أشبه ذلك.

الخامس: الإعلام الحر من محطات الراديو والتلفزيون.

السادس: إشراف قاضي القضاة على الأمر، مع وجود قاضي القضاة الآخر المنافس لقاضي القضاة الذي في الحكم، مما يكون هذا القاضي الثاني في الظل.

السابع: استقلالية القوة القضائية، فلا تتأثر بالدولة الحاكمة والحزب الحاكم.

الثامن: جعل محكمة التمييز والاستئناف.

وإن لم تجتمع هذه الأمور، فربما ينحرف القاضي والقضاء إلى ما لا يحمد عقباه، كما أدى انحراف القاضي والقضاء في زمان نمرود إلى إصدار الأمر بإحراق إبراهيم الخليل (ع) حيث ورد في التاريخ أن نمرود جعل لثلاثمائة من القضاة في ذلك اليوم النظر في أمر إبراهيم (ع) فحكموا جميعاً ـ لانحرافهم ـ بوجوب إحراقه (ع)(3).

وكما أصدر قاضي الكوفة ـ حينما أرسلت إليه البدرات وأكياس الأموال ـ الفتوى بقتل الإمام الحسين(ع)، وصدّر قاض آخر في بغداد حكماً بسجن الإمام موسى بن جعفر(ع).

أو يكون قاضي القضاة مصداقاً لقول الشاعر:

متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها           إذا كان قاضي المسلمين...

إلى غير ذلك من نماذج القضاة المنحرفين وأساليب القضاء المنحرف، مما سود التاريخ الغابر والحاضر في بلاد الاستبداد والدكتاتورية، التي ابتلي بها المسلمون، وتلوثت بها بلاد الإسلام، وقد أصبح على أثرها أموال الناس ودماؤهم وأعراضهم وحيثياتهم نهب الشهوات ومطمع المستبدين والطغاة.

بين قانون الإلزام وقانون العقوبات

مسألة: لو كان قانون الإلزام يقتضي أخصية العقاب عن العقاب المقرر في الإسلام أو أشديته، أو عدمه أو وجوده، مما لم يكن موجوداً، أو لم يكن مطابقاً لما في الشريعة الإسلامية الصحيحة، سواء في العامة أو في غير المسلمين، جاز لنا أن نعاملهم حسب ما يرونه.

مثلاً: إذا كان الشروع في الجريمة بدون ارتكابها موجباً للعقوبة عندهم لا عندنا، أو كان عقاب من سقى السم لإنسان بريء فلم يمت، القتل عندهم وليس ذلك عندنا، أو كان شرب الفقاع لا عقاب عليه عندهم، بينما له عقاب عندنا، أو كان المحرم الفلاني عندهم له عقاب كذا، وليس محرماً عندنا، أو لا عقاب عليه لدينا، أجرينا الحكم في حقهم كما يرون.

وقد ذكرنا في الفقه أن القاعدة تشمل له وعليه.

أما بالنسبة إلى القانون في بلاد الإسلام، المخالف للشريعة عندنا وعند العامة، فلا يجوز الحكم بموافقته، إذ لا يشمله قانون الإلزام، فإن قانون الإلزام لغير المسلم الشيعي، نعم بالنسبة إلى الكفار الذين يعتقدون بالقانون يشمله الإلزام، لأنهم يرون (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله).

وإذا كان النزاع بين يهودي ونصراني مثلاً، أو بين حنفي وشافعي، وكل يرى قانوناً، تخير القاضي بين إجراء أي الحكمين عليهما، أو ترك القضية ليترافعوا إلى قضاتهم، أو أجرى بينهم قاعدة العدل لإعطاء بعض الحكم لهذا وبعض الحكم لذاك.

الشكاية من الظلم والظالم

مسألة: تصح الشكاية عند الحاكم الشرعي من الظالم وظلمه، وقد قال سبحانه: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)(4) ، فإذا تمكن الشاكي من إثبات مظلمته فهو، وإن لم يتمكن لم يكن عليه شيء، لأن الشارع أذن للمظلوم في الشكاية.

مثلاً: لو اغتصب أحد امرأة واشتكت المرأة ولم تتمكن من الإثبات، لم يكن عليها حد القذف، وهكذا بالنسبة إلى سائر المظالم.

نعم إذا ثبت أن الشاكي كاذب عمداً، كان للمشتكى عليه، أو الإدعاء العام معاقبة الكاذب، فاللازم على الحاكم الفحص عنه، فإن ظهر له كذبه حق له عقابه عقاب الكاذب، وإلا فإن الحد يدرأ بالشبهات.

وفي قضية من قضايا الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): أن امرأة اشتكت إليه من ظلم زوجها، فقال (عليه السلام) نحقق في ذلك فإذا كنت صادقة ضربناه، وإن كنت كاذبة أدبناك، ثم أخذ (ع) في الصلاة فهربت المرأة(5)، فلم يؤاخذها أمير المؤمنين (ع) بشيء، ولم يعقب قضيتها، بل تركها وشأنها، مما يظهر منه ومن غيره من القضايا المشابهة: أنه لو انسحب الشاكي لم يلزم تحقيق الحال وتعقيبه، وإلا كان اللازم عليه (عليه الصلاة والسلام) التحقيق والتعقيب، نعم إذا كان أمراً عاماً يهم الحاكم والأمة وجب التعقيب والتحقيق.

مدخلية الزمان في قانون العقوبات

مسألة: الزمان دخيل في بعض العقوبات ثبوتاً أو سقوطاً، خفة أو شدة.

مثلاً: إذا كانت القوانين التطبيقية من صغريات (لا ضرر) أو (الأهم والمهم) أو نحو ذلك مما يصوغها للبلاد شورى الفقهاء المراجع، اقتضت العقاب على فعل أو ترك في يوم الجمعة، أو اقتضت شدة العقاب أو خفته في ذلك اليوم، لم ينسحب الحكم إلى السابق أو اللاحق.

مثلاً: لو حصل فوضى في البلاد مما اضطر الحاكم إلى سن قانون منع التجول، وجعل له في النهار عقاب دينار، وفي الليل عقاب دينارين، فإن هذا القانون ليس له حالة رجعية بالنسبة إلى السابق من وضع القانون، كما أنه لا ينسحب إلى حالة ما بعد رفع المنع، وكذلك لا ينسحب حال النهار إلى الليل ولا العكس، وكذلك ينحصر القانون في المقدار المحصور فيه، فإذا خصص منع التجول بالشباب لم يشمل الشيوخ، وكلما شك في شمول القانون لفرد من باب الشبهة المصداقية أو الصدقية لا يشمله، وفي الأصول قالوا: (ثبت العرش ثم انقش).

وواضح أن مثل هذا العقاب يجري في التحديدات المكانية، كما إذا كان منع التجول في الشارع الفلاني لا الشارع الآخر، أو جعل عقاب التجول في الشارع الفلاني ديناراً وفي شارع آخر دينارين.

ثم إنه من المعلوم أن الحكم لو كان مستنداً إلى شورى الفقهاء وجبت إطاعته، وإلا فلا، بل يكون كما ذكرنا سابقاً: من أنه يدور وجوبها وعدمها مدار (لا ضرر) وما أشبه بموازينه الفقهية الخاصة.

العقوبة التعليقية

مسألة: لم أجد في الأدلة الشرعية اعتبار العقوبة التعليقية، ولا وجدتها في كتب الفقهاء، لكن ربما يحتمل الصحة في ما كان للحاكم العفو، فإنه إذا كان له العفو كان له التعليق بطريق أولى.

لكن يجب أن لا يكون هذا التعليق سيفاً مشهوراً على رأس المجرم، بل اللازم ملاحظة الحرية الإسلامية بالنسبة لمن عُلق الحكم في حقه، كما يلاحظ في حق غيره، وذلك في جميع شؤونه، وإلا لربما كان التعليق أسوأ من الإجراء.

هذا على أنه لا يحق لفقيه واحد اعتبار مثل هذا التعليق، وإنما يحق لشورى الفقهاء المراجع بأكثرية الآراء كما ذكرناه سابقاً.

ثم أنه من الواضح عدم نفوذ حكم فقيه على فقيه آخر ولا على مقلديه.

قانون الجب

مسألة: من القواعد التي ورد النص عليها أن «الإسلام يجبّ ما قبله»(6) ، فإذا أسلم الكافر شمله دليل الجب المشهور، لكن ذلك إنما هو بالنسبة إلى حقوق الله تعالى، لا حقوق الناس، مثل الأمانات والديون وما شابه ذلك، فإن دليل الجب منصرف عنه، وكذا بالنسبة إلى ما يشمله قوله سبحانه: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا)(7) مما هو مذكور في الفقه فإنه منصرف عنه أيضاً للدليل، وقد استدل به الإمام (عليه الصلاة والسلام) لعدم رفع العقاب عن الكافر الذي أسلم فراراً عن العقاب.

نعم كلما أبطله الإسلام ولم يسمح به للمسلم، بطل بالنسبة إلى الكافر الذي أسلم عليها أيضاً، ولم يشملها دليل الجب، كزوجة من هي أخته في المجوسي أو رضيعته أو ما أشبه ذلك، فإنه إذا أسلم بطل زواجه منها ولزم أن ينفصل عنها، وكذلك الزائد على الأربع دواماً وإن صح أخذهن متعة.

هذا وقد ذكرنا في الفقه مسألة: ما لو طلق باطلاً عندنا حال تسننه ثم تشيع، فهل ترجع زوجته إليه بدون نكاح جديد أم لا؟

وكذا ذكرنا: أنه لو كفر المسلم ولم يقتل لأمر عام أو خاص، فإنه لم يترتب عليه أحكام المسلمين بعد كفره، لعدم شمول إطلاقات أدلة المسلم له، بينما تشمله إطلاقات أدلة الكافر، نعم حيث أن الكفر على أقسام، فإنه يشمله دليل ولاية الكفار الذي دخل فيهم، لوضوح اختلاف اليهودي والنصراني والمجوسي وغيرهم من أقسام الكفر في الأحكام.

هذا إذا أسلم الكافر، لكن إذا كان العكس، بأن كفر المسلم، فالظاهر أنه لا يشمله، بل تبقى عليه العقوبات السابقة لأنه لا دليل على إسقاط الكفر لتلك العقوبات.

تبدّل العقوبات بتبدل شورى الفقهاء أو رأيهم

مسألة: لو أن شورى الفقهاء المراجع اعتبروا عقوبة معينة على شيء، وقد أجرم إنسان بذلك الجرم ولم ينفذ عليه العقاب بدنياً أو مالياً أو ما أشبه ذلك، ثم تبدل أشخاص الشورى أو اجتهادهم وصار على عدم العقاب، فإنه لم ينفذ على المجرم.

وكذلك إذا خف العقاب، فإنه لا يشدد عليه.

ولكن إذا شدد العقاب، فإنه لا ينفذ عليه إلا الخفيف.

وفي عكسه: بأن رأى الشورى عدم العقاب، ثم رآه في تبدل أفراده أو اجتهادهم، لم ينفذ العقاب على من ارتكب قبل التبديل، بل ولا على من ارتكب بعد التبديل إذا لم يعلم بالتبديل قصوراً أو تقصيراً، وذلك على كلام سبق منا مثله في القصور قطعاً، وفي التقصير احتمالاً.

العقاب بين الابتداء والوصول

مسألة: قد ذكرنا في الفقه الصور الأربع لاختلاف الأحوال في العقاب وعدمه، بين الابتداء والوصول، كما إذا رمى في الدقيقة الواحدة ووصل الرمي إلى المرمى والهدف في الدقيقة الثانية وكان إنساناً فقتله، فإنه قد يكون الرامي مسلماً في حال الرمي كافراً في حال الوصول، أو كافراً في حال الرمي مسلماً في حال الوصول، والمرمي كافراً في حال الرمي مسلماً في حال الوصول، أو مسلماً في حال الرمي كافراً في حال الوصول.

وكذلك إذا ادخل في حال الزوجية وأبقاه في حال انقضاء الزوجية كالمتعة، أو بالعكس، أو أدخل في حال الزوجية وأبقى في حال عدم الزوجية واستمر الإبقاء إلى حال زوجية ثانية إذا لوحظ ثلاث حالات: أولاً ووسطاً وأخيراً.

وفي المثال السابق إعطاء السم في حال كفر المعطي أو إسلامه، فقتله في الحال المعاكس، وكذلك بالنسبة إلى حالات المسموم.

وهكذا يأتي الكلام لو رمى في حال صغره فوصل إلى المقتول حال كبره، أو جنونه وإفاقته كذلك، رمياً أو وصولاً، إلى غيرها من الأمثلة الكثيرة المرتبطة بأمثال هذه المسائل.

من صور اختلاف العقاب

وفي المقام نقول: إذا اختلف القانون الفرعي للعقوبة، المستند إلى (لا ضرر) ونحوه، مما سبق الكلام فيه وجوداً أو عدماً، أو شدة وضعفاً، مثل ارتداء الإنسان العادي لباس العسكر والشرطة مما منعه القانون الفرعي، أو إخفاء الأموال المسروقة، أو الحبس غير المشروع، أو ترك الإنفاق على واجبي النفقة، أو تشويق الناس بالفساد والفحشاء والمنكر، أو استمرار الغصب، أو استمرار النهي عن المعروف، أو استمرار الاختلاس والارتشاء أو ما أشبه ذلك فله صور:

الأولى: أن يتفق وقوع ما ذكر من التخلفات قبل اعتبار القانون، أو قبل اعتبار القانون الأشد، وهذا لا عقاب عليه في الأول وعقابه أخف في الثاني.

الثانية: أن يتفق وقوعها بعد اعتبار القانون أو بعد اعتبار القانون الأشد، وهذا يعاقب حسب القانون أصلاً أو شدة بشرط الوصول إليه.

الثالثة: أن يتفق وقوعها قبل إلغاء القانون أو قبل إلغاء القانون الأشد، ثم أُلغي، وقد ذكرنا سابقاً أن هذا لا يعاقب في الأول ولا يعاقب بالأشد في الثاني لأنه الآن بريء في الأول ومستحق لعقوبة أخف في الثاني.

الرابعة: أن يتفق وقوعها بعد إلغاء القانون أو بعد تخفيف القانون، وهذا لا شيء عليه في الأول وعقابه خفيف في الثاني لأنه أجرم في حال كون عقابه الأخف.

الخامسة: أن استمر في حال القانونين الأشد ثم الأخف، فهذا يخفف عليه.

السادسة: أن استمر في حال القانونين الأخف ثم الأشد، فهذا يشدد عليه لفرض أنه عمل بموجب العقاب الأشد في وقت اعتبار العقاب الأشد، لكن بشرط الوصول كما هو واضح.

السابعة: لو استمر في حال عدم القانون إلى حال اعتبار قانون العقاب، وهذا يعاقب لأنه اتفق الاستمرار في حال اعتبار قانون العقاب بشرط الوصول.

الثامنة: إذا استمر في حال اعتبار القانون إلى حال إلغاء القانون وهذا لا يعاقب.

إلى غير ذلك من الصور الواضح حكمها مما ذكرناه.

ولو شك في مورد الوصول للعقاب أو شدته فالأصل قاعدة درء الحدود بالشبهات.

إذا اعتبر التخفيف حين الإجراء

مسألة: لو حكم القاضي بالسجن أو الغرامة أو الحد أو ما أشبه، ثم اعتبر شورى الفقهاء المراجع القانون الأخف وقد نفذ بعض العقوبة سقط الباقي، لأن التخفيف دليل على صلاحية الأخف لهذا الزمان، فلا يعمل بما ليس بصالح، سواء بالنسبة إلى الكل كما إذا كان الأخف قبل تنفيذ أي شيء، أو بعد البعض.

ولو فرض الشك في الأمر كان مجرى درء الحدود بالشبهات.

وقد ذكروا في الفقه أن على القاضي الجديد أن يراجع ملف السجناء ويتفقد السجون ومن فيها، ويطلق سراح البعض، أو يخفف عن البعض، أو ما أشبه ذلك.

الشك في القانون الأخف

مسألة: ثم أنه قد ذكر في المسألة السابقة أن اعتبار القانون الأخف ينسخ ما كان معتبراً من القانون الأشد.

وعليه: فإن علم الخفة والشدة كمائة دينار غرامة أو خمسين ديناراً فهو، وإن لم يعلم أيهما أخف كالتبعيد والسجن، أو السجن والغرامة، أو السوط والسجن، أو ما أشبه ذلك، فالمرجع العرف إن كان، وإلا فنفس المتهم، وإلا استصحب السابق، وذلك لأن دليل الأخذ بالأخف هو ما تقدم: من أنه أصلح، والأصلح إنما يعينه العرف، إذ هو من الموضوعات فالعرف محكم فيها.

أما بالنسبة إلى نفس المتهم فلأن الأخف اعتبر للإرفاق به، وما يراه بنفسه يكون أرفق.

وإذا لم يكن هذا ولا ذاك وتمت أركان الاستصحاب وجب الأخذ به، فإن الاستصحاب إنما يجري بعد اليأس عن الأدلة الاجتهادية كما قرر في الأصول.

وصول القانون إلى الناس

مسألة: لو وضع شورى الفقهاء المراجع قانوناً صغروياً في المرور وغيره، ينطبق عليه كبرى (الأهم والمهم) أو (لا ضرر) أو ما أشبه ذلك، فالمعيار الوصول إلى الناس، لقبح العقاب بلا بيان، ولرفع ما لا يعلمون لما كان قصوراً، وقد تقدم الكلام في التقصير.

وعليه: فاعتبار أيام خاصة لتنفيذ القانون في حق الجميع، كعشرة أيام أو شهر أو ما أشبه ـ كما يرى في بعض القوانين ـ غير ظاهر الوجه، فإن الاعتبار ليس بالأيام والأشهر وإنما بالوصول وعدم الوصول.

نعم لنفس الشورى أن يحكم حسب ما يراه الصلاح، في تحديد وقت العمل بالقانون الجديد، كأن يحددّ العمل به في نفس ذلك اليوم إذا نشر في وسائل الإعلام أو بعد شهر أو بعد أيام ـ مثلاً ـ فإن اعتبار وقت التنفيذ إنما هو حسب الصلاح، وذلك يختلف بسبب الأزمنة والأمكنة وسائر الخصوصيات، ومن الممكن أن يكون الصلاح تطبيقه في العاصمة في نفس اليوم وبعد عشرة أيام في سائر البلاد، وإلى غير ذلك.

الجرم إذا وقع في بلاد الإسلام

مسألة: لو أن مسلماً أجرم داخل بلاد الإسلام أو خارجها، مع توفر سائر الشرائط، عوقب بالعقاب الإسلامي، أما في داخل البلاد فواضح، وأما في الخارج فإنه إذا تمكن القاضي الإسلامي من تطبيق العقوبة في حقه، كما إذا جاء المجرم إلى بلاد الإسلام ونحوه، شمله إطلاق أدلة العقوبات.

وبلاد الإسلام كلها بلد واحد، والمسلمون كلهم سواسية، فليست الحدود الجغرافية المصطنعة معياراً، نعم لو كان محذور في إجراء الحد ـ كما لو وجد المحذور مثلاً في العراق بالنسبة لأتباع تركيا ـ فإنه يلاحظ ذلك المحذور، لكن هذا هو استثناء لا أنه أصل كما أنه قد نهي عن إجراء الحد على المسلم في بلاد الكفار(8)، ومن الواضح أن الاستثناء محدود بحدوده.

ولو أن غير المسلم ارتكب الجرم داخل بلاد الإسلام، فإن كان من الجرائم العمومية مما يراه هو أيضاً جرماً ـ مثل مخالفة المرور ـ عوقب بالعقاب الإسلامي، سواء كان من تبعة بلاد الإسلام أو من تبعة بلاد الكفر، وإن كان من الجرائم التي لا يراها ذلك الكافر جرماً، ترك وشأنه لقاعدة الإلزام، وذلك كما إذا شرب الخمر في داره لا علناً، أو تزوج محارمه وهو مجوسي جائز في دينه.

ومن الكلام المتقدم: يعرف الحكم في الجرم الممتد من بلد الإسلام إلى بلد غير الإسلام وبالعكس(9)، فإن بعض الجرم إذا وقع في بلد الإسلام كان بحكم وقوع تمام الجرم فيه من دون الامتداد إلى غيره.

ولا فرق فيما ذكرناه بين البري والجوي والبحري، في بلد الإسلام وغير بلد الإسلام.

ولو اختلف الشيعي والسني والحنفي والشافعي ـ مثلاً ـ في قدر العقوبة أو خصوصياتها أو أصل العقوبة، فإنه يلزم أن يعامل مع كل طائفة حسب اعتقاده، لقاعدة الإلزام على ما عرفت بالنسبة إلى غير الشيعي، ولقاعدة التقليد بالنسبة إلى الشيعي.

غير المسلم في بلد غير إسلامي

مسألة: غير المسلم الذي يعمل في بلد غير إسلامي بما ينافي قوانين الإسلام، لا يرتبط ببلد الإسلام في شيء، كما إذا زنى أو ما أشبه ذلك في بلد الكفار فإنه لا يرتبط بالمسلمين.

لكن إذا عمل الكافر في بلد الكفر بما ينافي بلد الإسلام، من تزوير النقد الإسلامي، أو إشاعة ما يضعف بلد الإسلام، أو التجمع ضد الإسلام أو المسلمين أو ما أشبه ذلك، فاللازم أن يتوسل حاكم المسلمين إلى تجميده، فإن أصر وتمكن الحاكم الإسلامي من عقوبته، حق له العقوبة إذا لم يكن محذور خارجي، سواء جاء إلى بلد الإسلام، أو بقي في بلده، أو ذهب إلى بلد ثالث من بلاد الكفر.

نعم يجب ملاحظة قانون الأهم والمهم بما لا يوجب عقوبته ضرراً زائداً على بلاد الإسلام، وإلا ترك عقابه.

ومنه يعلم حال مختلف بلاد الإسلام التي فرقتها الحدود الجغرافية بالباطل، فإنها غير صحيحة، وإنما المسلم له حكم واحد أين ما وجد، إلا إذا كان هناك قانون (الأهم والمهم) أو ما أشبه من الاستثناءات.

حرية التجارة وقانون المرور

مسألة: التجارة حرة باستثناء تجارة المحرمات، كالخمر، وتجارة المواد الضارة كالمخدرات، وليس شيء في بلاد الإسلام يسمى بالتهريب وما أشبه ذلك، نعم هناك مسألة لا ضرر حيث يلزم على التاجر أن لا يستورد ولا يصدر ما يوجب ضرر المسلمين، أو ضرر غير المسلمين الساكنين في بلاد الإسلام، الذي يجب على الحاكم الإسلامي رعايتهم، وذلك لأن (لا ضرر) شامل لكلا الفريقين، وقد ذكرنا في الأصول أن (لا ضرر) يشمل ثلاثة أقسام من الضرر:

الأول: إن الله سبحانه وتعالى لم يشرع الحكم الضرري.

الثاني: إن الإنسان لا يحق له أن يضر نفسه ضرراً بالغاً، كقتل نفسه، أو قطع يده أو إذهاب نور عينه، أو ما أشبه ذلك.

الثالث: إن الإنسان لا يحق له أن يضر الآخرين ولو ضرراً خفيفاً.

وعليه: فإذا كان هناك حكم ضرري بالنسبة إلى أحد، سقط عنه، كالوضوء والصوم والغسل إذا صار ضررياً، وذلك لأن الله لم يشرعه في حقه.

وإذا أراد أحد أن يضر نفسه ضرراً بالغاً، أخذ على يده وحيل بينه وبين ما يريد، وإن أضر عالماً عامداً عوقب كما إذا عمد إلى يده فقطعها، أو عينه ففقأها.

وإذا أضر بالآخرين عوقب ويلزم عليه إعطاء خسارة الضرر، فإن ضرر الآخرين فيه الدية وفيه الأرش وما أشبه ذلك، فإذا أعمى إنسان إنساناً وجب عليه إعطاء الدية للعينين ألف دينار في غير صورة القصاص، وعزّر أيضاً لأنه فعل حراماً شديداً فيما كان عالماً عامداً.

كما أنه لا يحق للإنسان أن يستورد ما فيه ضرر على المسلمين كإيجابه تعطيل العاملين أو ما أشبه حسب ما يشخصه شورى الفقهاء المراجع.

وكذلك لا يحق لإنسان أن يصدّر ما يوجب ضرراً على المسلمين أو غير المسلمين كإيجابه ارتفاع الأسعار الضار أو ما أشبه ذلك.

وقد تقدم الالماع إلى أن الجمارك والمكوس حرام قطعاً، وأخذ المال من الناس بالباطل تحت أيّ اسم كان موجب للضمان، ويعزر الفاعل بالعقوبة الإسلامية مع العلم والعمد.

وهكذا الحال في تخطيط الحدود الاقتصادية بين بلاد الإسلام وبلاد غير الإسلام، فإن الحاكم الشرعي يتمكن من تخطيط برنامج اقتصادي لتفادي الضرر في دخول البضائع أو خروج البضائع، وهذا يقدر بـ(لا ضرر)، بينما الجمرك لا يقدر بلا ضرر، وإنما بالموازين الخاصة عند الحكومة، سواء صادق (لا ضرر) أو لم يصادق كما هو واضح.

ومنه يعرف مسائل المرور المرتبطة بالمقام.

إعادة الإسلام إلى الحياة

مسألة: لا يمكن إعادة حكم الإسلام إلى الحياة بما يوجب التفاف الناس حوله ورفض كل البدائل، إلا بعد تحقيق مقدمتين:

الأولى: عرض صورة كاملة عن الإسلام الصحيح، وبيان وافٍ عن رحمته العامة وحكمته الشاملة، حتى يعرف الناس ان الإسلام أفضل من عامة القوانين الوضعية.

الثانية: عرض صورة واضحة عن قادة الإسلام، وبيان شافٍ عن سيرتهم العادلة، وسياستهم الحكيمة، وأخلاقهم السامية، حتى يطمئن الناس إلى أنهم أناس مهديون يصلحون لأن يلتفوا حولهم ويعيشوا تحت لوائهم.

ولذا نرى أن القرآن الكريم كان المنهج أمام الأفكار الجاهلية، التي كانت متأخرة جداً، حيث إن القرآن هو متقدم جداً، كما أن رسول الله (ص) الذي وصفه الله تعالى بقوله: (وانك لعلى خلق عظيم)(10) ، وبقوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم)(11) ، وبقوله: (عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(12)، كان القائم بالنهج، ومن هنا التف الناس حوله وحول منهجه.

أما تحقيق المقدمة الأولى: فإنه يحتاج إلى الملايين من الكتب، المبينة للقوانين الإسلامية في الزراعة والصناعة والثقافة والعمارة والحرية والجيش والأمن والحكومة والعقوبة والمرأة وغيرها، ومقارنتها بقوانين الغرب والشرق في هذه الأمور وبيان أفضليتها.

وأما تحقيق المقدمة الثانية: فكذلك يحتاج إلى الملايين من الكتب في هذا المجال، إضافة إلى أنه يجب على المهتمين بقيادة الأمور أن يتأسوا برسول الله (ص) والإمام أمير المؤمنين (ع) وأن يتحلّوا بما ذكره القرآن الكريم والأحاديث الشريفة في وصف القادة.

 

1 ـ راجع قصص الأنبياء للراوندي: ص173. 

2 ـ راجع قصص الأنبياء للجزائري: ص460. 

3 ـ راجع قصص الأنبياء: ص103. 

4 ـ سورة النساء: 148. 

5 ـ راجع المناقب: ج2 ص381. 

6 ـ مستدرك الوسائل: ج7 ص448 ب15 ح8625. 

7 ـ سورة غافر: 84. 

8 ـ قال المحقق (ره) في الشرائع: ولا يقام الحد في شدة الحر ولا في شدة البرد … ولا في أرض العدو مخافة الالتحاق. شرائع الإسلام ج4 ص401 مع تعليقة آية الله السيد صادق الشيرازي. 

9 ـ كما إذا اختطف في بلد الإسلام إنساناً وقتله في غيره، فقد وقع قسماً من الجرم في بلد الإسلام وامتد قسماً منه في غيره، وكذلك يكون العكس، وهناك أمثلة أخرى من نمط آخر. 

10 ـ سورة القلم: 4. 

11 ـ سورة آل عمران: 159. 

12 ـ سورة التوبة: 128.