الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

العالم قبل مبعث الرسول

كان العالم قبل مبعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يستعد لتحول عام في جميع الكيان البشري.

وقد كان الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى وبعض الكهنة يُنبئ بمقدم مثل هذا الرسول، لما وجدوه في كتبهم من صفته وزمانه.

وكانت يهود (يثرب) إذا حدثت بينهم وبين العرب (المشركين) منازعات، يتوعدونهم بظهور النبي وانهم ينصرونه، فينتقمون من أعدائهم.

قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستفتحون على (الأوس) و(الخزرج) برسول الله، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه.

وإلى هذا تشير الآية الكريمة:

(ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)(1).

وقد كان الكهان من العرب تأتيهم الشياطين من الجن، فتذكر بعض أمر الرسول، مما كانت تسترق السمع، فلما تقارب زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيل ـ في السماء ـ بين الشياطين وبين المقاعد التي كانت تقعد فيها وتسترق الأنباء، وكانت إذا أرادت أن تستمع إلى الملأ الأعلى ترمى بالشظايا والشهب.

وإلى هذا تشير الآية الكريمة ـ عن لسان الشياطين ـ (وأنّا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً وأنّا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً وأنّا لا ندري أشر أُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً).

كانت الأوضاع العالمية تنحدر من سيئ إلى أسوأ ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يكتمل ويقوى ويرقى مدارج الكمال من حسن إلى أحسن.

الرسول يتلقى الوحي

ولما كمل عمره المبارك أربعين سنة.. وكان ذات يوم في (غار حراء) وهو كهف صغير بأعلى جبل يسمى (حراء) في الشمال الشرقي من مكة، يبعد عنها نحو ثلاثة أميال إذ فتحت له أبواب السماء، ورأى أفواج (الملائكة) وطرأت عليه حالة من الدهشة والرعب، لم يسبق لها نظير.

فإذا بملك عظيم، يملأ الآفاق، يسمى (جبرئيل) عليه السلام، ينزل عليه من السماء، ويأخذ بيده، ويقول له: اقرأ!

قال (محمد) في دهشة وارتياع: ما اقرأ؟

قال (جبرئيل):

(بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق خلقَ الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم)(2).

وكان هذا الحادث الجلل، يوم في السابع والعشرين من شهر رجب، ويسمى بيوم (المبعث) حيث بعث الله الرسول إلى البشر، ليرشدهم إلى الحق، وينقذهم من الضلالة.

وقد كان نزول هذه السورة، وهي (سورة علق) بدء بعثة الرسول، حيث أوحى الله تعالى إليه بهذا الشكل، وانتخبه إله الكون ليكون سفيراً بينه وبين عباده.

ومن ذلك اليوم أُضيف إلى ألقاب (محمد) الصادق الأمين، لقب (الرسول) فصار (رسول الله) و(خاتم النبيين).

إن (جبرئيل) الملك العظيم، نزل على الرسول، وأتاه بـ(الوحي) وانتخبه الله ليكون (نبياً رسولاً).

لكن هل هذا الحادث شيء طفيف؟ وهل أن هذه السفارة بين إله الكون وبين البشر كافة، أمر هين؟

إن (الرسول) ارتاع لرؤية جبرئيل، واضطرب قلبه المبارك، لمشاهدة ملكوت السماوات والأرض، ولأول مرة في حياته يرى ما لم يكن يراه من قبل.

فنزل الرسول من (غار حراء) وتوجه نحو الدار وهو يطوي هذه المسافة الطويلة (ثلاثة أميال) بين الجبال والقفار.. ويشاهد في الطريق ما يزيده دهشة، فكل شيء في الطريق، من حجر وشجر ونبات يخر له ساجداً، بمجرد عبوره عليه، ويقول ـ بلسان فصيح ـ :

(السلام عليك يا نبي الله).

ولما دخل الدار، تنوّرت الدار بشعاع وجهه، فاستغربت (السيدة خديجة) الأمر، وسألت: ما هذا النور؟ قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا نور النبوة.. ثم قال لها الرسول: قولي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.. فأجرت هذه الكلمة المباركة، على لسانها، وأسلمت لله رب العالمين.

وقد وجد الرسول في نفسه برداً، كما يجده كل من يدهش لحادث جلل، فقال: يا خديجة دثِّريني، فدثَّرته فنام (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإذا بالوحي يوقظه، وينزل عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر)(3).

ومنذ هبوط الوحي بدأت مرحلة جديدة، في حياة الرسول، وأُلقيت على عاتقه مهمة الرسالة والدعوة.

وصل نبأ نزول الوحي إلى الرسول، إلى (ورقة) وهو من العلماء، ويتصل بـ(خديجة) زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بنسب.

فأتى إلى (خديجة) وسألها عن صفة الوحي؟

فلما أخبرته.. قام (ورقة) وقبّل رأس الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال ـ يبشّره بهذا المنصب الإلهي العظيم ـ :

(ذاك الناموس الأكبر، الذي نزل على موسى وعيسى) ثم قال: (ابشر فإنك أنت النبي الذي بشر به موسى وعيسى، وانك نبي مرسل، ستؤمر بالجهاد). ثم أنشد بعض الأشعار.

ومن الطبيعي:

أن يفكر الرسول تفكيراً طويلاً، حول قومه كيف يهديهم إلى الحق؟ وهل أنهم مستعدون لتصديقه بأن الله واحد لا شريك له، وأنه رسول إليهم من عنده؟

وكيف يصدقونه، وهم يعبدون مئات الأصنام ويجعلونها لله شركاء؟ أم كيف يستعدون أن يخضعوا له ويطأطئوا لرسالته، وهم على ما هم عليه من الكبرياء والتعجرف؟

إن مهمة الوحي والرسالة، ليست كسائر المهام التي تقوى عليها نفس عادية، انها وطأة: ثقيلة، لا تقوى لها الجبال الرواسي، كما تشير الآية الكريمة: (إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)(4).

لكنه لابد من التبليغ: ولابد من مواجهة الصعاب والرسول مستعد لذلك.. ولو كلفه الأمر ما لا يطاق ولو كان في ذلك ذهاب جميع ما لديه، ولو كان بثمن حياته الغالية!!

 

1 ـ سورة البقرة: الآية 89.

2 ـ ورة العلق: الآيات 1 ـ 5.

3 ـ ورة المدثر: الآيات 1 ـ 3.

4 ـ سورة المزمّل: الآية 5.