| فهرس الفصل الخامس | المؤلفات |
|
غزوة اُحُد |
|
و(اُحُد) جبل مشهور بالمدينة على أقل من فرسخ منها، ويسمّى بذلك لانفراده وانقطاعه عن جبال اُخر هناك، ويقال له: (ذو عينين) أيضاً، وهو الذي قال فيه رسول اللّه (ص) حين وقع نظره إليه: اُحُد جبل يحبّنا ونحبّه، وكانت عنده الوقعة المشهورة في شوال في السنة الثالثة من الهجرة النبوية المباركة. وذلك لأنّ قريشاً لما رجعوا من بدر إلى مكة وقد اُصيبوا بأصحاب القليب، منعهم أبوسفيان من البكاء والنوح على قتلاهم ليبقوا على حنقهم وغيظهم ويفكّروا في الثأر لقتلاهم، وقال تأكيداً لذلك: الدهن والنساء عليَّ حرام حتّى أغزو محمداً. وبقوا يستعدون لذلك، حتى قال صفوان بن اُمية، وعكرمة بن أبي جهل في جماعة ممن اُصيب آباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر: يا معشر قريش، إنّ محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه ـ يعنون عير أبي سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة ـ لعلنا أن ندرك منه ثأراً. فأجابوا لذلك فباعوها وكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار، وفيهم أنزل اللّه تعالى: (انّ الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه، فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ثمّ يغلبون والذين كفروا إلى جهنّم يحشرون)(1). |
|
رسالة من مكة |
|
ولما اجتمعت قريش لحرب رسول اللّه (ص) كتب العباس بن عبدالمطلب وهو في مكّة كتــــاباً يخبر رسول اللّه (ص) بخبرهم، واستأجــــر رجلاً من بني غفار واشترط عليه أن يقطع الطريق إلى المدينة في ثلاثة أيام، ويوصل الرسالة إلى رسول اللّه (ص). فلما قدم الغفاري المدينة كان رسول اللّه (ص) في بعض حيطانها فقرأه ولم يخبر أصحابه وأمرهم أن يدخلوا المدينة، فلما دخلوا المدينة أخبرهم بالخبر. |
|
النبي (ص) يستشير أصحابه |
|
فلما فشى الخبر في الناس جمع رسول اللّه (ص) أصحابه يستشيرهم في مواجهة المشركين، فقال (ص): أشيروا عليّ، ورأى ـ على رواية ـ أن لايخرج من المدينة. فقال بعضهم: يا رسول اللّه ان مدينتنا عذراء ما فضّت علينا قط، وما خرجنا إلى عدوّ منها قط إلا أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناهم، يعني بذلك: عدم الخروج من المدينة. وقال بعضهم: يا رسول اللّه إنّا نخشى أن يظن عدوّنا انا نكره الخروج إليهم جبناً عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا. وقال حمزة: والذي اُنزل عليه الكتاب لا اطعم اليوم طعاماً حتى اُجالدهم بسيفي خارجاً من المدينة. وكان هذا رأي الأكثرية، فعزم رسول اللّه (ص) على الخروج، فصلّى بالناس الجمعة ثم وعظهم وأمرهم بالجدّ والإجتهاد، وأخبر أنّ لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيّؤ لعدوّهم، ففرح الناس بذلك. ثم صلّى (ص) بالناس العصر وقد تحشدوا، وحضر أهل العوالي، واصطف الناس ينتظرون خروجه، فلبس (ص) السلاح وخرج. |
|
الخروج إلى اُحُد |
|
ولما خرج (ص) إلى اُحُد عقد ثلاثة ألوية: لواء الأوس بيد اسيد بن حضير، ولواء المهاجرين بيد علي بن أبي طالب (ع)، ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر، وفي المسلمين مائة دارع، وخرج السعدان أمامه يعدوان دارعين، واستعمل على المدينة ابن اُمّ مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة، وأدلج (ص) في السحر، وكان قد ردّ جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم اُسامة بن زيد، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم. وكان المسلمون ألف رجل ويقال: تسع مائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل، ويقال: أربعة آلاف أو خمسة آلاف، فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس، وخمس عشرة امرأة من بينهم هند، وهي ترتجز وتقول أشعاراً. وكان أبو سفيان قد استأجر يوم اُحُد ألفين من الأحابيش يقاتل بهم المسلمين. ونزل (ص) باُحُد، ورجع عنه عبداللّه بن اُبيّ بنحو ثلث العسكر فيمن تبعه من قومه وحلفائه، فتبعهم عبداللّه بن عمرو بن حرام ـ والد جابر ـ يوبّخهم ويحرضهم على الرجوع ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا. قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وتركهم. |
|
التقاء الجمعين |
|
ونفذ رسول اللّه (ص) حتى نزل الشعب من اُحُد في عدوة الوادي، وجعل ظهره إلى اُحد مستقبلاً المدينة، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم. وكان أبو سفيان قد نزل بطن الوادي من قبل اُحد مقابل المدينة، نزل بها يوم الخميس، بينما نزل رسول اللّه (ص) باُحُد يوم الجمعة. فلما أصبح يوم السبت تعبأ (ص) للقتال، وكان فيهم خمسون فارساً، فسوّى الصفوف، وبوّأ كلاً منهم مكانه، وخطب فيهم خطبة بليغة حثهم فيها على الثبات وحرضهم على الجهاد والمقاومة، وكان ممّا جاء فيها: وما من ملك إلا وله حمى، ألا وان حمى اللّه محارمه، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد، إذا اشتكى تداعى عليه سائر جسده. ثم انه (ص) جعل على ثغرة كانت في جبل اُحُد جماعة من الرماة وكانوا خمسين رجلاً، فأمّر عليهم عبداللّه بن جبير وقال له: انضح الخيل عنا بالنبل، واحموا لنا ظهورنا لايأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم. وقيل: انه (ص) قال لهم: فإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى اُرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى اُرسل إليكم. ثم جعل (ص) على راية المهاجرين علياً (ع) وعلى راية الأنصار سعد بن عبادة. وتعبأت قريش فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. وقيل: انّ أبا سفيان وضع خالد بن الوليد في مائتي فارس كميناًًًًًًًًًًًًًًًً وقال له: إذا رأيتمونا قد اشتدّ القتال وحمى، واختلط بعضنا ببعض، فأخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا من ورائهم. |
|
بدء القتال |
|
ولما اصطف الجيشان كانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبدالدار، فالتفت إليه أبوسفيان وقال له بعد أن عبأهم للقتال: إن كنتم ترون أنكم قد ضعفتم عنها، فادفعوها إلينا نكفكموها. فغضب طلحة بن أبي طلحة وقال: ألنا تقول هذا؟ واللّه لاُوردنّكم بها اليوم حياض الموت، وكان طلحة هذا يسمّى (كبش الكتيبة) فبرز ونادى: يا محمّد تزعمون انكم تجهّزونا بأسيافكم إلى النار، ونجهّزكم بأسيافنا إلى الجنّة، فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليّ، فأنا كبش الكتيبة طلحة بن أبي طلحة. فبرز إليه علي (ع) وهو يقول: يا طــلح إن كنت كـــــمـا تقول لـــكم خيــــولٌ ولنـــــا نصولُ فاثبت لننظر أيّنا المقتـــــــــولُ وأيّنــا أولـــــــــى بـما تـــقولُ فقد أتاك الأســـــــدُ الصــــؤولُ بصــــــــــارم ليــــس به فلولُ ينصـره القـاهـــر والرســول فقال طلحة: من أنت؟ قال : أنا علي بن أبي طالب. فقال طلحة : قد علمت يا قضم(2) انه لا يجسر عليّ أحد غيرك، فشدّ عليه طلحة فضربه، فأتقاه علي (ع) بالحجفة، ثم ضربه (ع) على فخذيه فقطعهما جميعاً فسقط على ظهره، وسقطت الراية، فذهب علي (ع) ليجهز عليه، فحلّفه بالرحم فانصرف (ع) عنه. فقال المسلمون : الا أجهزت عليه؟ قال (ع) : قد ضربته ضربة لا يعيش منها أبداً. فسرّ رسول اللّه (ص) وكبّر تكبيراً عالياً، وكبّر المسلمون. ثم أخذ الراية أبو سعد بن أبي طلحة فقتله علي (ع) وسقطت رايته على الأرض. فأخذها عثمان بن أبي طلحة فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها مسافع بن أبي طلحة، فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها الحارث بن أبي طلحة، فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها أبو عزيز بن عثمان، فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها عبداللّه بن أبي جميلة، فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها أرطاة بن شرحبيل فقتله علي (ع) وسقطت الراية على الأرض. فأخذها مولاهم صوأب، فضربه علي (ع) على يمينه فقطعها، فأخذها بشماله، فضربه (ع) على شماله فقطعها، فأخذها على صدره وجمع يديه وهما مقطوعتان عليها، فضربه علي (ع) على اُم رأسه فسقط صريعاً. ...فاشتدّ القتال إلى أن انهزم القوم، وولّوا مدبرين حتّى انتهوا إلى نسائهم، وأكبّ المسلمون على الغنائم. |
|
المشركون ينهزمون |
|
فلما انهزم المشركون، وأكبّ المسلمون على جمع الغنائم، ورأى أصحاب الشعب الذين أوكلهم رسول اللّه (ص) بحفظ الثغرة من خلفهم ان الناس يغنمون، قالوا: نريد أن نغنم كما يغنم الناس! قال لهم عبداللّه بن جبير: انّ رسول اللّه (ص) أمرني أن لا أبرح من مكاني هذا. فقالوا له: أمرك بهذا ما لم يبلغ الأمر إلى ما نرى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه، ولم يبرح هو ونفر قليل معه من موضعه، واشتغل الباقي بجمع الغنائم. قالوا : ما ظفر اللّه نبيّه في موطن قط بما ظفره وأصحابه يوم اُحُد، حتّى عصوا الرسول (ص) وتنازعوا في الأمر. |
|
المسلمون لما عصوا الرسول (ص) |
|
ولما عصى المسلمون أمر رسول اللّه (ص) وتركوا الثغرة التي وكلهم بها، ولم يبق فيها سوى نفر قليل، حمل عليهم خالد بن الوليد فقتلهم، بعد أن تراموا بالنبال، وتطاعنوا بالرماح، وتقاتلوا بالسيوف، ثم جاء من ظهر رسول اللّه (ص) يريده، فنظر إلى النبي (ص) وهو في قلّة من أصحابه فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون فشأنكم به. وبصرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها، فحملوا عليه (ص) حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالنبل، ورضخاً بالحجارة. وجعل أصحاب رسول اللّه (ص) يقاتلون عنه حتى قتل منهم سبعون رجلاً، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شماس، وعبداللّه بن جحش، وسائرهم من الأنصار، فانهزم على أثره الباقون، ولم يثبت للقوم إلاّ علي (ع)، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، يدفعون عن النبي (ص) وقد كثر عليهم المشركون. فالتفت النبي (ص) إلى علي (ع) وقال: ما صنع الناس يا علي؟ قال (ع): كفروا يا رسول اللّه وولّوا الدبر من العدو واُسلموك. قال : ما لك لاتذهب مع القوم؟ فقال : أذهب وأدعك يا رسول اللّه؟ أكُفر بعد ايمان؟! انّ لي بك اُسوة واللّه لابرحت حتى اُقتل، أو ينجز اللّه لك ما وعدك من النصر، فثبت معه يدفع عنه الكتائب. فنظر رسول اللّه (ص) إلى كتيبة قد أقبلت إليه، فقال لعلي (ع): ردّ عني يا علي هذه الكتيبة، فحمل عليها وفرَّقها، وكلّما حملت طائفة على رسول اللّه (ص) استقبلهم علي (ع) فيدفعهم عنه، ويقتلهم حتى تقطّع سيفه ثلاث قطع. |
|
لا فتى إلاّ علي لا سيف إلاّ ذوالفقار |
|
فلمّا انقطع سيف علي (ع) جاء إلى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه انقطع سيفي ولاسيف لي. فخلع رسول اللّه (ص) سيفه ذا الفقار الذي نزل من الجنّة(3) وقلّده علياً (ع)، فمشى علي (ع) إلى المشركين وقتل كل من برز إليه، وصدّ كل كتيبة أغارت عليهم، فلم يزل على ذلك حتى وهت درعه، وأصابته تسعون جراحة، وفي بعض جراحاته كان يسقط منها على الأرض فيرفعه جبرئيل (ع). فعرف رسول اللّه (ص) ذلك فرفع يديه نحو السماء وقال: (ننشدك يا ربّ ما وعدتني، فإنّك إن شئت لم تعبد). وفي رواية قال (ص) وهو يدعو: (اللّهمّ إنّ محمداً عبدك ورسولك، جعلت لكلّ نبي وزيراً من أهله لتشدّ به عضده، وتشركه في أمره، وجعلت لي وزيراً من أهلي: علي بن أبي طالب أخي، فنعم الأخ ونعم الوزير، اللّهمّ وعدتني أن تمدّني بأربعة آلاف من الملائكة مردفين، الــــلّهمّ وعدك وعدك انّك لا تـــخلف الميعاد، وعدتـــني أن تظهر دينك على الدين كلّه ولو كره المشركون)(4). فبينما رسول اللّه (ص) يدعو ربّه ويتضرّع إليه إذ سمع دويّاً من السماء، فرفع رأسه فإذا جبرئيل (ع) على كرسي، ومعه أربعة آلاف من الملائكة مردفين، وهو يقول: (لا فتى إلاّ علي، ولا سيف إلاّ ذو الفقار)، فهبط جبرئيل وحفّت الملائكة برسول اللّه (ص) وسلّموا عليه. فقال جبرئيل (ع): يا رسول اللّه والذي أكرمك بالهدى لقد عجبت الملائكة المقرّبون من مواساة علي (ع) لك بنفسه. فقال رسول اللّه (ص) : يا جبرئيل وما يمنعه أن يواسيني بنفسه وهو منّي وأنا منه. فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما(5). فبكى علي (ع) سروراً وحمد اللّه على نعمته. |
|
مصرع حمزة سيّد الشهداء |
|
ولما اقتتل الناس وحميت الحرب كانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وسط المعركة، فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلاً ومكحلة وقالت: انما أنت امرأة فاكتحل بهذا. وكان حمزة بن عبدالمطلب عم النبي (ص) يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحد، وكانت هند قد أعطت وحشياً عهداً: بأنه إن قتل محمداً، أو علياً، أو حمزة، لأعطته رضاه، وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشياً. فقال وحشي: أما محمد فلا أقدر عليه، وأما علي فرأيته رجلاً حذراً كثير الإلتفات فلم أطمع فيه، وأمّا حمزة فإني أطمع فيه، لأنه إذا غضب لم يبصر بين يديه. قال : فكمنتُ لحمزة، فرأيته يهدّ الناس هدّاً ما يقوم له شيء، فمرّ بي فوطئ على جرف نهر، فانهار به، فأخذت حربتي فهززتها ورميته، فوقعت في خاصرته وخرجت من ثنيته فسقط. ثم جاءت هند وأخذت تمثّل بجسد حمزة فبقرت بطنه واستخرجت كبده فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، كما قطعت أصابعه وكل ما برز من جسمه وجعلتها قلادة لها. وعلى رواية عن وحشي انه قال: فأتيت حمزة فشققت بطنه، فأخذت كبده وجئت بها إلى هند، فقلت لها: هذه كبد حمزة، فأخذتها في فمها فلاكتها، فجعلها اللّه في فيها مثل الداغصة، فلفظتها ورمت بها، فبعث اللّه ملكاً فحمله وردّه إلى موضعه. قال أبو عبداللّه (ع): أبى اللّه أن يدخل شيئاً من بدن حمزة النار. ولما رأى رسول اللّه (ص) ما صنع بحمزة قال: (اللّهمّ لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان على ما أرى). ثم قال ـ على رواية ـ: (ولئن ظفرت لامثلنّ ولأمثلنّ). فأنزل اللّه تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصّابرين)(6). فقال رسول اللّه (ص): أصبر، ثم صلّى على حمزة سبعين صلاة، وكبّر عليه سبعين تكبيرة، ودفنه في ثيابه بدمائه التي اُصيب فيها. |
|
دناءة بني اُمية وأتباعهم |
|
وروي : ان الحليس بن علقمة وهو سيد الأحابيش يوم اُحُد، نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأ به في شدق حمزة، فقال الحليس: انظروا يا معشر بني كنانة إلى من يزعم انه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحماً! وأبو سفيان يقول: ذق عقق. فلما التفت أبو سفيان إلى الحليس وما يقوله قال له: صدقت، اكتمها عليَّ. |
|
مع أبي دجانة |
|
وكان أبو دجانة هو الآخر الذي كان يحمل على القوم حتى أمعن فيهم، وقد جعل من نفسه ترساً يقي رسول اللّه (ص) من سيوف الكفّار ورماحهم حين انكشف أصحابه عنه فقد ثبت هو ولم يكن من المنكشفين. فالتفت إليه رسول اللّه (ص) وقال: يا أبا دجانة أما ترى قومك؟ قال : بلى. قال : فالحق بقومك، وأنت في حلّ من بيعتي. فبكى أبو دجانة وقال: لا واللّه لا جعلتُ نفسي في حلّ من بيعتي، إنّي بايعتك، فإلى من أنصرف يا رسول اللّه، إلى زوجة تموت، أو ولد يموت، أو دار تخرب، أو مال يفنى، أو أجل قد اقترب؟ فرقّ له رسول اللّه (ص). فلم يزل يقاتل حتى أثخنته الجراحة وهو في وجه، وعلي (ع) في وجه، فلما سقط احتمله علي (ع) فجاء به إلى النبي (ص) فوضعه عنده فقال: يا رسول اللّه أوَفيتُ ببيعتي؟ قال : نعم، ودعا له بخير، فالتأمت جراحاته وعاش حتى كان يوم اليمامة، فاشترك فيها كما كان يشترك في غيرها من قبل، وقاتل حتّى قُتِل شهيداً. |
|
الثابتون مع الرسول (ص) |
|
وكان ممّن قاتل مع رسول اللّه (ص) يوم اُحُد نسيبة المازنية اُم عمارة وابناها عبداللّه بن زيد، وعمارة بن غزية، وزوجها غزيّة. يقول عبداللّه بن زيد: شهدتُ اُحُداً مع رسول اللّه (ص)، فلمّا تفرّق الناس عنه دنوتُ منه واُمّي تذبّ عنه. فقال (ص) : يا ابن اُم عمارة؟ قلت : نعم. قال : ارم، فرميت بين يديه رجلاً من المشركين بحجر وهو على فرس، فاُصيب عين الفرس، فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه. ثم نظر (ص) إلى جرح باُمّي على عاتقها، فقال: اُمّك اُمّك، اعصب جرحها بارك اللّه عليكم، لمقامك ومقام أخيك ومقام اُمّك ومقام زوج اُمك خير من مقام المنكشفين والمنهزمين عنّي. ثم قال (ص) : رحمكم اللّه من أب واُم واخوة. قال : فقالت اُمّي وهي لا تملك نفسها فرحاً: ادع لنا يا رسول اللّه أن نرافقك في الجنّة. فقال : اللّهمّ اجعلهم رفقائي في الجنّة. فقالت : ما اُبالي بعدها ما أصابني من الدنيا. |
|
عمرو بن الجموح والشهادة |
|
وكان عمرو بن الجموح رجلاً ذا عرج في رجله، فلما كان يوم اُحُد شهد مع النبي أربعة من ولده، أمّا هو فأراد قومه أن يحبسوه وقالوا له: انك ممّن لا حرج عليه، وقد ذهب بنوك الأربعة مع النبي (ص) فابق عندنا. فأجابهم قائلاً: بخ لهم يذهبون إلى الجنّة، وأنا أجلس عندكم؟ فقالت امرأته: كأنّي أنظر إليه مولّياً قد أخذ درقته وهو يقول: اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي، فخرج ولحقه بعض قومه يكلّمونه في القعود، فأبى. ثم جاء إلى رسول اللّه (ص) فقال: يا رسول اللّه انّ قومي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك، واللّه انّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة. فقال له (ص): أمّا أنت فقد عذرك اللّه ولا جهاد عليك، فأبى. فقال النبي (ص) لقومه وبنيه: (لا عليكم أن لا تمنعوه، لعلّ اللّه يرزقه الشهادة) فخلّوا عنه، فبقي في صفوف المسلمين وقاتل فقتل يومئذ شهيداً. وبعد شهادته، أقبلت إليه امرأته لتحمله مع ابنها خلاّد وأخيها عبداللّه والد جابر الأنصاري، فحملتهم على بعير تريد بهم المدينة. فالتقى بها بعض النساء اللاتي خرجن يتفقّدن خبر رسول اللّه (ص) فسألنها عنه؟ فقالت : خيراً، أمّا رسول اللّه (ص) فصالح، وكلّ مصيبة بعده جلل، أي: قليل، واتّخذ اللّه من المؤمنين شهداء، وهؤلاء: ابني وأخي وزوجي أحملهم لأدفنهم في المدينة، فسارت بهم، فلما بلغت منقطع الحرّة برك البعير، فكانت كلما توجّهه إلى المدينة برك، وإذا وجّهته إلى اُحُد أسرع. فرجعت إلى النبي (ص) فأخبرته بذلك. فقال (ص): انّ الجمل لمأمور، هل قال عمرو بن الجموح شيئاً؟ قالت : نعم يا رسول اللّه، انه لما توجّه إلى اُحُد استقبل القبلة ثم قال: اللّهمّ لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة. فقال (ص): (فلذلك الجمل لا يمضي، انّ منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على اللّه لأبرّه، منهم عمرو بن الجموح، يا هذه ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن)؟ ثم مكث رسول اللّه (ص) في قبرهم ثم قال: انّهم قد ترافقوا في الجنّة جميعاً: بعلكِ وابنكِ وأخوكِ. فقالت امرأته : يا رسول اللّه فادع لي عسى أن يجعلني معهم، فدعا لها بذلك. |
|
الشهادة والمساهمة عليها |
|
وكان خيثمة أبو سعد بن خيثمة ممّن قاتل بين يدي رسول اللّه (ص) في اُحُد ونال الشهادة، فقد أشار على رسول اللّه (ص) بالخروج من المدينة لمجابهة قريش والتعرّض للنصر أو الشهادة قائلاً: لقد بلغ من حرصي على الشهادة أن ساهمت ابني في الخروج إلى بدر فخرج سهمه، فرزق الشهادة، وقد رأيته البارحة في النوم وهو في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنّة وأنهارها، ويقول لي: ألحق بنا ترافقنا في الجنّة، وقد كبرت سنّي، ورقّ عظمي، وأحببت لقاء ربّي، فادع اللّه أن يرزقني الشهادة. فدعا له رسول اللّه (ص) بذلك، فقاتل بين يديه حتى قتل باُحد شهيداً. |
|
غسيل الملائكة |
|
وكان حنظلة غسيل الملائكة رجل من الخزرج تزوّج في الليلة التي كانت صبيحتها حرب اُحُد، فلما أصبح خرج ولم يغتسل وحضر القتال. فالتقى بأبي سفيان بن حرب وهو يجول بين العسكر، فحمل عليه فضرب عرقوب فرسه، فاكتسعت الفرس وسقط أبوسفيان إلى الأرض فصاح: يا معشر قريش أنا أبو سفيان وهذا حنظلة يريد قتلي، ثم عدا يركض نحو قومه وحنظلة في طلبه. فعرض له شداد بن الأسود الليثي فطعنه، فمشى حنظلة في طعنته فضرب الليثي فقتله، وسقط حنظلة إلى الأرض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبداللّه بن حزام، وجماعة من الأنصار. فقال رسول اللّه (ص): رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف من ذهب، فكان يسمّى (غسيل الملائكة) لأنه خرج من عند زوجته إلى القتال مسرعاً ولم يغتسل من جنابته. وقال أبو سفيان : حنظلة هذا بحنظلة وهو يقصد ابنه حنظلة الذي قتل ببدر. |
|
عين قتادة |
|
وكان ممّن شهد اُحُد وقاتل دون رسول اللّه (ص) قتادة بن النعمان، فاُصيبت عينه حتى وقعت على وجنته، فأخذها بيده وجاء إلى النبي (ص) وقال: يا رسول اللّه اني جديد عهد بالزواج وامرأتي شابة اُحبّها وتحبّني وأنا أخشى أن تكرهني مكان عيني. فأخذها رسول اللّه (ص) فردّها إلى مكانها، فأبصرت وعادت كما كانت لم تؤلمه ساعة من ليل ولا نهار. فكان يقول بعد أن كبر وطعن في السنّ: هي أقوى عينيَّ، وكانت أحسنهما. |
|
يد ابن عتيك |
|
وكان ممّن شهد اُحُد وأبلى مع رسول اللّه (ص) بلاءاً حسناً عبداللّه بن عتيك فاُصيب يده فاُبينت، فأخذها وجاء بها إلى رسول اللّه (ص) واشتكى له ما يلقاه من ألمها. فأخذها رسول اللّه (ص) وأركبها في محل قطعها ومسح عليها بيده الكريمة، فاستوت يد عبداللّه كأن لم يكن بها شيء. |
|
نيف وسبعون جراحة |
|
قال أنس بن مالك : اُتي رسول اللّه (ص) بعلي (ع) يوم اُحُد وعليه نيف وسبعون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول اللّه (ص) يمسحها وهي تلتئم بإذن اللّه تعالى، كأن لم تكن. وقيل: انّ رسول اللّه (ص) أخذ الماء بفمه فرشّه على جراحاته، فكأنّها لم تكن من وقتها. |
|
المتجرئون على رسول اللّه (ص) |
|
ورمى ابن قميئة الليثي رسول اللّه (ص) بقذافة فأصاب كفّه، وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبداللّه بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه، وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية: فأما ابن قميئة، فقد سلّط اللّه عليه الشجر، فكان إذا مرّ بها وقع في وسطها فتأخذ من لحمه، فلم يزل كذلك حتى صار مثل الصرّ ومات. وقيل: انه أتاه تيس جبل وهو نائم بنجد، فوضع قرنه في مراقّّه ثم دعسه فجعل ينادي: واذلاّه حتى أخرج قرنيه من ترقوته ومات. وأما عتبة بن أبي وقاص فمات على كفره قبل أن يحول عليه الحول، وكذلك كان مصير ابن شهاب. ورمى المغيرة بن العاص رسول اللّه (ص) بحجر فأصاب جبهته (ص)، فضرب اللّه المغيرة بالتحيّر، فلما انكشف الناس تحيّر فلحقه عمار بن ياسر فقتله. |
|
مع اُبيّ بن خلف |
|
وروي : ان اُبيّ بن خلف قال للنبي (ص) بمكة : انه يعلف فرساً له ليقتله يوماً عليها. فقال له رسول اللّه (ص): لكن أنا إن شاء اللّه تعالى. فأقبل اُبي يوم اُحد على فرسه وحمل على رسول اللّه (ص) وكان الرسول بين الحارث بن صمّة وسهل بن حنيف، فوقاه مصعب بن عمير بنفسه، فطعن مصعباً فقتله. فأخذ رسول اللّه (ص) عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن اُبيّاً في جرّبان الدرع، فاعتنق فرسه وانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور. فقال له أبو سفيان: ويلك ما أجزعك؟ انما هو خدش ليس بشيء. فقال : ويلك يا ابن حرب أتدري من طعنني؟ انما طعنني محمد وهو قال لي بمكة: اني سأقتلك، فعلمت انه قاتلي، واللّه لو انّ ما بي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم، فلم يزل يخور حتى مات. |
|
نماذج من الصحابة المؤمنين |
|
فلما سكن القتال قال رسول اللّه (ص): من يطلب لنا سعد بن الربيع، وأشار بيده إلى موضع من المعركة. فجاء رجل نحو الموضع يطلبه، فرآه صريعاً بين القتلى. فقال: يا سعد، فلم يجبه، حتى قال له: يا سعد إنّ رسول اللّه (ص) يسأل عنك. فرفع سعد رأسه وانتعش كما ينتعش الفرخ، ثم قال بصوت ضعيف: انّ رسول اللّه (ص) لحيّ؟ فقال له: نعم. قال سعد: الحمد للّه، أبلغه عنّي السلام، وأبلغ قومي الأنصار عنّي السلام وقل لهم: واللّه ما لكم عند اللّه عذر ان تشوك رسول اللّه (ص) شوكة وفيكم عين تطرف، ثم تنفّس فخرج منه مثل دم الجزور وقضى نحبه شهيداً. فجاء الرجل وأخبر بذلك رسول اللّه . فقال (ص) : (رحم اللّه سعداً نصرنا حيّاً، وأوصى بنا ميتاً). |
|
يوم بلاء وتمحيص |
|
ولما انكشف المسلمون يوم اُحد وانهزموا أصاب فيهم العدو، فكان يوم بلاء وتمحيص أكرم اللّه فيه من أكرم بالشهادة، وقد خلص العدو إلى رسول اللّه (ص) فدُق بالحجارة حتى شج في وجهه وكلمت شفته السفلى، وكادوا أن يقتلوه (ص) لولا حفظ اللّه تعالى له، فقام رافعاً يديه إلى السماء وهو يقول: (إنّ اللّه اشتدّ غضبه على اليهود حين قالوا: عزير ابن اللّه، واشتدّ غضبه على النصارى ان قالوا: المسيح ابن اللّه، وان اللّه اشتدّ غضبه على من أراق دمي، وآذاني في عترتي)(7). وفي الحديث : انه كلما سال الدم على وجهه المبارك (ص) تناوله بيده فرمى به في الهواء، فلا يرجع منه شيء. قال أبو عبداللّه (ع): واللّه لو سقط منه شيء على الأرض لنزل العذاب. وقيل له (ص) : ألا تدعو عليهم؟ فقال (ص) : (اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون). ثم كان يقول (ص) أسفاً عليهم: (كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى اللّه)؟ |
|
رجل من أهل الجنّة |
|
وقيل : انه لما شج (ص) في وجهه واختضبت وجنتاه بالدم، أقبل مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري فامتصّ الدم من وجنة رسول اللّه (ص) فاستساغه ولم يمجّه. فقال (ص) له : مجّه. فقال : واللّه لا أمجّه أبداً حتى يمتزج بلحمي ودمي فأكون عند اللّه من الفائزين بك. ثم أدبر يقاتل، فقال النبي (ص): من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا، فقاتل، فقتل شهيداً. |
|
ابليس ينتهز الفرصة |
|
وكان ممّن قاتل دون رسول اللّه (ص) حتى قُتل: مصعب بن عمير، وكان الذي قتله ابن قمئة وهو يظنه رسول اللّه، فصاح ابن قمئة: قتلت محمداً. وصرخ الشيطان : ان محمداً قد قتل، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين. فقال بعضهم: نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به. وقال آخرون : لو كان نبياً لما قتل، وارتد بعضهم، وانهزم بعضهم، وقال بعضهم: لو أرسلنا إلى أبي سفيان من يأخذ لنا أماناً منه، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. فمرّ أنس بن النضر بقوم قد ألقوا بأيديهم فقال: يا قوم ما تنتظرون؟ فقالوا : قتل رسول اللّه (ص). قال : فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه. ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ فقال: يا سعد اني لأجد ريح الجنّة من دون اُحد. ثم استقبل المشركين وقال: اللّهم إنّي أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني بعض المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين. ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل. وذهبت صيحة ابليس حتى دخلت بيوت المدينة، فبكت فاطمة(ع) ولم تبق هاشمية ولا قرشيّة إلا وضعت يدها على رأسها، وخرجت فاطمة(ع) باكية حتى انتهت هي وصفيّة إليه (ص). فلما دنت فاطمة(ع) ورأت ما بأبيها (ص) من الجراحات خنقتها العبرة، وجعلت تمسح الدم وتقول: اشتدّ غضب اللّه على من أدمى وجه رسول اللّه (ص). |
|
المسلمون يثوبون |
|
ثم أقبل رسول اللّه (ص) نحو المسلمين، وكان أول من عرفه كعب بن مالك الشاعر، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول اللّه (ص). فأشار إليه رسول اللّه (ص) أن اصمت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي (ص) على الفرار. فقالوا : يا رسول اللّه فديناك بآبائنا واُمهاتنا أتانا الخبر بأنك قتلت، فرعبت قلوبنا فولّينا مدبرين، فأنزل اللّه تعالى: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئاً وسيجزي اللّه الشاكرين)(8). وقيل : نزلت هذه الآية عندما رجع رسول اللّه (ص) من اُحد إلى المدينة، فاستقبله أهلها بأجمعهم وهم يبكون ويطلبون التوبة ويقرّون بالذنب، ونساء الأنصار قد خدشن الوجوه، ونشرن الشعور، وجززن النواصي، وخرقن الجيوب، وحزمن البطون على النبي (ص)، فلمّا رأينه قال لهنّ خيراً وأمرهنّ أن يتستّرن ويدخلن منازلهنّ، وقال: ان اللّه عزوجل وعدني أن يظهر دينه على الأديان كلها، ثم قال لهم رسول اللّه (ص): (أيها الناس انكم رغبتم بأنفسكم عنّي، ووازرني علي وواساني، فمن اطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني وفارقني في الدنيا والآخرة)(9). |
|
صاحب المهراس |
|
روي انه لما صاح ابليس بالمدينة: قتل محمد لم يبق أحد من نساء المهاجرين والأنصار إلاّ وخرجت، كما وخرجت فاطمة بنت رسول اللّه (ص) تعدو على قدميها، حتى وافته وقعدت بين يديه تبكي لما رأت ما أصاب أبيها رسول اللّه (ص) من الجراحات، وأقبل علي بن أبي طالب (ع) وقد ملأ درقته بماء من المهراس(10) فجاء به رسول اللّه (ص) ليشرب منه، ثم غسل به عن وجهه الدم، وإليه يشير قول علي (ع) يوم الشورى: (نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وقفت الملائكة معه يوم اُحد حين ذهب الناس غيري؟ قالوا : لا. قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد سقى رسول اللّه (ص) من المهراس غيري؟ قالوا لا). وعن سهل: انه سئل عن جرح رسول اللّه (ص) فقال: واللّه إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول اللّه (ص) ومن كان يسكب الماء؟ كانت فاطمة ابنته تغسله وعلي بن أبي طالب يسكب الماء، فلما رأت فاطمة أن الماء لايزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فاستمسك الدم. |
|
الصلاة في زوال اُحد |
|
وذكر مولى عفرة: ان النبي (ص) صلّى الظهر يوم اُحد قاعداً من الجراح، وكذلك صلّى المسلمون خلفه قعوداً من شدة ما بهم، وقد انهزم قوم من المسلمين يومئذ فبلغ بعضهم إلى الحلوب دون الأعوص. فلمّا قدموا بعد ثلاثة أيام من هزيمتهم قال لهم رسول اللّه (ص): إلى أين انتهيتم؟ قالوا : إلى الأعوص. قال : لقد ذهبتم فيها عريضة، أي: واسعة. |
|
دأب بني اُمية وأتباعهم |
|
ولما انكشف المسلمون عن رسول اللّه (ص) اشتغل المشركون ونساؤهم بقتلى المسلمين يمثلون بهم ويقطعون الآذان والاُنوف وغيرها، ويبقرون البطون، ويستخرجون منها الأكباد والكلى.. فلما تتبّع المسلمون قتلاهم لم يجدوا قتيلاً إلاّ وقد مثلوا به، إلاّ حنظلة غسيل الملائكة، فإنّ أباه وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول اللّه (ص) أبو عامر الفاسق وهو صاحب مسجد ضرار، كان مع المشركين فترك له، وكان حمزة عم النبي (ص) أكثر من مثّل به من بين القتلى.
|
|
1 ـ الأنفال : 36. 2 ـ تفسير علي بن إبراهيم قال : وحدّثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله (ع) انه سئل عن معنى قول طلحة بن أبي طلحة لما بارزه علي (ع) : يا قضم؟ قال (ع) : إن رسول الله (ص) كان بمكة لم يجسر عليه أحد لموضع أبي طالب, فأغروا به الصبيان, وكانوا إذا خرج رسول الله (ص) يرمونه بالحجارة والتراب، فشكى ذلك إلى علي (ع) فقال : بأبي أنت واُمي يا رسول الله إذا خرجت فأخرجني معك, فخرج رسول الله (ص) ومعه علي (ع) فتعرض الصبيان لرسول الله (ص) كعادتهم, فحمل عليهم علي (ع) وكان يقضمهم في وجوههم وآنافهم وآذانهم فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ويقولون: قضمنا علي، قضمنا علي, فسمي لذلك : القُضَم. (راجع بحار الأنوار : ج 20 ص 52 ب 12 ح 3). 3 ـ راجع بحار الأنوار : ج 39 ص 47 ب 73 ح 15 بيان، و : ج 42 ص 57 ب 118 ح 1. 4 ـ بحار الأنوار : ج 20 ص 105 ب 12 ح 30. 5 ـ الكافي : ج 8 ص 318 ب 8 ح 502 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 10 ص 182 ب 190 و ج 13 ص 261 وج 14 ص 251 دار إحياء التراث العربي ط 2. 6 ـ النحل : 126. 7 ـ بحار الأنوار : ج 27 ص 206 ب 8 ح 14. 8 ـ آل عمران : 144. 9 ـ بحار الأنوار : ج 20 ص 106 ب 12 ح 30. 10 ـ قيل: هو صخرة منقورة تسع كثيراً، وقيل : هو اسم ماء بأحد. |