الفهرس

المؤلفات

التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الأول

مقدمات في فلسفة التاريخ

الفرق بين علم التاريخ وفلسفته

مسألة: من الضروري للباحث في التاريخ أن يعرف الفرق بين علم التاريخ وفلسفته(1)، فالعلم ـ بما هو علم ـ عبارة عن المفردات أو المجموعات السطحية الظاهرة من اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو ما أشبه.
أمّا الفلسفة، فهي عبارة عن الروح العامة الدارجة في كلّ ذلك في أي بعد من أبعاد الحياة، مثلاً العوائل هي مفردات لعائلة زيد، وعائلة علي، وعائلة خالد، وهكذا. فالعلم، بأنْ يعلم كلّ إنسان كيف يصنع كلّ واحد مع زوجته وأولاده، وكيف تصنع الزوجة والأولاد مع أبيهم، أو كيف يصنع الأقرباء بعضهم مع بعض، بالنسبة إلى عائلة بني تميم، أو بني كلاب، أو بني ضبّة، أو ما أشبه ذلك.
أمّا الفلسفة، فهي عامّة بالنسبة إلى كلّ العوائل، فيؤخذ في الفلسفة المشتركات بينها، ويترك الخصوصيات حال ذلك حال الجنس أو النوع في الاصطلاح المنطقي. فالمنطقي لا ينظر إلى هذا الفرد الجزئي وتلك ـ كالشاة، أمّا المؤرّخ فهو ينظر إلى كلّ واحدة مفردة عن الأخرى، وإنّما المنطقي يأخذ حال الجزئي ـ الشاة مثلاً ـ بالنسبة إلى النوع، ولذا قال الحاج السبزواري:
فلازم للفيلسوف المنطقي *** أن ينظر اللفظ بوجهٍ مطلق(2)
وليس المراد باللفظ بما هو لفظ وإنما اللفظ بما هو مثال، وهكذا حال الجنس الشامل للجزئيات المختلفة للبقر، والشاة، والمعز، وغير ذلك. وهكذا الحال بالنسبة إلى مختلف الجزئيات لغير الحيوان ـ مثلاً، فتاريخ هذه الشجرة، وتلك الشجرة، علمٌ، أمّا بالنسبة إلى تاريخ المجموع سواء كان نوع البرتقال، أو جنس الشجرة، فهو جنسٌ، وهكذا يكون حال الخاصّ، والعرض العام باصطلاح المنطقيين، فقد يتكلّم حول مال زيد أو قبح عمرو، وهكذا بالنسبة إلى خالد، وبكر، أو غيرهم. أمّا بالنسبة إلى الفلسفي؛ فينظر إلى الجمال في أشخاص جميلين بقول مطلق، أو إلى القبح في هذا وذاك بقول مطلق.
هذا بالنسبة إلى الخاصّة وبالنسبة إلى العرض العامّ هكذا على ما ذكروه في بحث الكلّيّات الخمسة سواء ما ذكروه في الفقه، أو في الفلسفة، أو في الحكمة، أو في غيرها.
والحاصل: أنّ موضوع التاريخ، لمفرده، علم مستقل، ولمجموعه يدخل في نطاق الفلسفة، فالمؤرّخ إنّما يؤرّخ للذين دخلوا التاريخ، ولعبوا دوراً فيه، وحرّكوا مساره، سواء دخلوا التاريخ للإفساد كفرعون(3)، وهتلر(4)، وستالين(5)، أو دخلوا التاريخ للإصلاح، كما فعل الأنبياء والمصلحون، ولا فرق في ذلك بين الساسة، والقادة، والعلماء، والفلاسفة، والمفكّرين، والشعراء، والمخترعين، وأصحاب الصناعات والحرف.
ولا يقتصر التاريخ والفلسفة على الجانبين السياسي والعسكري، أو جانب ثالث، أو جانب رابع، أو ما أشبه ذلك، بل بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع سواء كانوا شخصيات، أو حضارات، أو أدياناً، أو حروباً، أو غير ذلك، ولذا فلكلّ من العلماء الذين ذكروا المفردات، والفلاسفة الذين ذكروا الروح العامّة للتاريخ، فضلٌ كبير بالنسبة إلى العلم والأجيال الآتية، فإنّ التحوّل في العصر الحديث من تاريخ الأفراد إلى تاريخ الحضارات ليس معناه أنّ تاريخ الأفراد صار منسيّاً؛ لأنّ الاستفادة تكون من الجانبين، فقد يكون بعض العلماء قد اتّخذ التاريخ والفلسفة معاً معياراً للعلم، فلهم علم التاريخ، ولهم فلسفة التاريخ.

علاقة التاريخ بالأخلاق

مسألة: من موضوعات فلسفة التاريخ التي يجب على الباحث التاريخي أن يلاحظها: النظر إلى تاريخ الأمّة بصورة إجمالية، والقول إنّ تاريخها تاريخٌ أخلاقي، أو تاريخ غير أخلاقي.
وفي البدء يمكننا القول: إنّ الأخلاق لا تتكون عند الإنسان إلاّ بالدين والإيمان بالله سبحانه، واليوم الآخر، حقيقةً لا لفظاً وادّعاءً، فالأخلاق بدون الدين لا تكون أخلاقاً صحيحة وإنّما أخلاقاً خياليّة، وكما أنّ للأفراد أخلاقيات سليمة وفاسدة، كذلك للدول والحضارات، والأحزاب، والمنظّمات، والهيئات، والاجتماعات، والعشائر ومن أشبههم، أخلاقيات صحيحة أو فاسدة، فإذا كان هناك في الدولة: التراحم، والتعاطف، والشورى، والخدمة، وما أشبه ذلك، فهذه الدولة لها أخلاق صحيحة وسليمة. أمّا إذا لم تكن هذه الأمور بل كان الاستبداد، والإسراف، والترف، والتبذير، والبطش؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ))(6)، بتقريب فئة، وتبعيد فئة، واتّخاذ بطانة للمؤامرة والمكر دائماً، فهذه الدولة، تصبح دولة لا أخلاقية.
ومن الواضح أنّ الفرد كالمجتمع، والمجتمع كالفرد، وكلاهما كالحكومة والحزب، فيكتب لها البقاء، إذا كانت لها أخلاقيات صحيحة؛ لأنّ الأخلاقيات الصحيحة هي التي تواكب الحياة، وتكون حسب موازين الكون، والفطرة،وليس حسب موازين ما يريده الإنسان، وما تشتهيه نفسه. فمن يقول: لا أعترف بالجاذبية، ويُلقي نفسه من شاهق، لابدّ وأن يصطدم بالأرض، ويتقطّع جسده قطعاً متناثرة. كذلك من يقول: إنّي لا أؤمن بالهواء الطلق النظيف في البيئة السليمة، فأنتقل إلى بيئة موبوءة، لابدّ وأن يصيبه الوباء. وهكذا بالنسبة إلى من لا يعترف بأنّ النار محرقة، فيدخلها فلابدّ وأن يحترق.
وهذه الأمور الملموسة للإنسان، تقاس عليها الحكومات والدول، فإنّ الله سبحانه وتعالى كما جعل لكلّ شيء موازين وحدوداً من الأمور المخلوقة، كذلك جعل للمجتمعات والأفراد مثل هذه الموازين. فالعصفور لا يكبر إلى حجم الحمام، والحمام لا يكبر إلى حجم النعامة، والنعامة لا تكبر إلى حجـم الفيل، والعكس صحيح أيضاً، فالفيل لا يصغر إلى حجم النعامة، والنعامة لا تصغر إلى حجم الحمام، والحمام لا يصغر إلى حجم العصفور، وهكذا بالنسبة إلى سائر موازين الكون حسب ما قاله سبحانه وتعالى: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى))(7)، وهكذا جعل الله سبحانه وتعالى لكلّ من الاقتصاد، والاجتماع، والتربية، والفكر، والثقافة موازين خاصّة، فـإذا خالف كائن ذلك الميزان، اصطدم بموازين الله سبحانه وتعالى، وسننه؛ ليتحطّم ويفنى.
مثلاً: بنو أميّة(8) خالفوا موازين الله سبحانه وتعالى في الحكم؛ ولهذا تحطموا بعد عهد من الطغيان والجبروت، وكان سبّ الإمام أمير المؤمنين (ع) مَعلماً لطغيانهم، فقد ذكر لنا الشافعي(9) أنّ بني أميّة نصبوا 70 ألف منبر لسبّ علي (ع)، ممّا يدلّ على كثرة منابر المسلمين في طول البلاد وعرضها، ومع ذلك، لمّا خالفوا سنن الله سبحانه وتعالى في الحكم، قصم ظهورهم، وأقصاهم عن السلطة، وهكذا رأينا نحن في زماننا كيف سقط الشاهان ـ رضا شاه وابنه(10) ـ في إيران، وكيف سقط حكّام العراق من عبد الكريم قاسم(11)، وعبد السلام عارف(12)، وعبد الرحمن عارف(13)، والبكر(14)، فإنّ الحكام إذا خالفوا موازين الله سبحانه وتعالى، يكون حالهم حال من يخالف موازين الله في إلقاء نفسه من الشاهق.
وعلى كلّ حال: فأخلاقيّات الحكّام سواء انبعثت عن الإيمان بالله واليوم الآخر أو انبعثت عن العقل الذي يقول: إنّ الأخلاقيات المنحرفة تسبّب سقوط الحكم حالها حال أخلاقيات الفرد، فإنّ الفرد إذا كانت له أخلاقيات صحيحة عن إيمان أو عن تعقّل، لابدّ وأن يزدهر، وأن يتقدّم، وأن يلتفّ حوله الناس، ويصل إلى هدفه، بينمـا إذا لـم يكـن كذلك، انفض الناس من حوله. كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع): (لا وحشةَ أوحش من العجب)(15) .

الاستقراء

مسألة: إنّ دراسة التاريخ في منهجه وغايته، تعتمد على الاستقراء، والتمثيل، والقياس المنطقي، كالعلوم الأخرى؛ وذلك لوحدة الجامع في العلوم، فالاستقراء هو تتبع الجزئيات، والأمور المتشابهة؛ ليستفاد منها الكلّي العام ـ مثلاً ـ نلاحظ أنّ الفرس، والبغل، والحمار، وألف حيوان وحيوان آخر، يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ، فنستفيد من ذلك أنّ كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ، فنجعل ذلك قاعدة كلّية، فإنْ كان الاستقراء تامّاً بالنسبة إلى كلّ الحيوانات، فتكون القاعدة قطعية، وإن لم يكن الاستقراء تامّاً في كلّ المفردات وإنّما في كثير من المفردات، فيكون الاستقراء ناقصاً، وإنّما تأتي بنحو الكلّية من باب أن الظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب إلاّ أن يتدخّل بداهة في الأمر، فيكون الاستقراء أيضاً قطعياً، ويسمّى الاستقراء المعلل.
مثلاً: إنّا نرى أنّ النار في العراق، وفي إيران، وفي مصر، وفي الشام، وفي الصين، وفي عشرات الأماكن الأخرى، تحرق اليابس الذي تلتقي به من خشب، أو عود، أو ورق، أو ما أشبه ذلك، فإنّا نقطع بأنّ النار تحرق اليابس مع أنّه ليس لنا استقراء تام. ولذا لا استثناء في ذلك إلاّ إذا كان الأمر مرتبطاً بالله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ((يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماًً))(16)، كما حدث في قصّة إبراهيم (ع) .
أمّا بالنسبة إلى كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ، فقد رأينا استثناء ذلك في بعض أقسام من الحيوانات البحرية على ما ذكروه.
وبالقواعد الكلّية التي انتهينا إليها، نستطيع استيعاب العلوم المختلفة، فنرى أنّ العلوم تقوم على أساس الاستقراء. كما أنّ كثيراً من العلوم تستفيد من التمثيل، وكثيراً من العلوم تستفيد من القياس المنطقي، حيث تشكّل الصغرى والكبرى، وتكون النتيجة قطعية إذا كانت كلّ من الكبرى والصغرى قطعية، فنقول: زيد إنسان، وكل إنسان يموت، فزيد يموت، حيث إنّ الأصغر يدخل تحت الأكبر؛ بسبب الحدّ الأوسط المكرّر في كلّ من الصغرى والكبرى حسب الأشكال الأربعة التي ذكرها المنطقيّون والصناعات الخمسة وهي حسب المادّة، وأمّا القياس فهو حسب الصورة، وهذا كما يأتي في علوم الفيزياء، والكيمياء، والعلوم الإنسانية، يأتي أيضاً في فلسفة التاريخ؛ إذ العلوم لها جامع واحد من هذه الجهة؛ لأنّ منهج علم التاريخ، يعتمد على جمع أكبر عدد ممكن من الوقائع التاريخية بهدف الوصول إلى أحكام كلّية على طبق ما ذكر في العلوم الطبيعية، إمّا على نحو القياس، أو على نحو الاستقراء، أو على نحو التمثيل. وقد أضاف بعض علماء الأصول الاستحسان، لكن الاستحسان ليس له ضوابط خاصّة، ولهذا فإنّ الفقهاء أسقطوا الاستحسان عن الاستدلال؛ لأنّه حسب ذوق العالم الذي يستحسن. ولذا فأحدهم يستحسن شيئاً، وأحدهم يستحسن شيئاً آخر. مثلاً: أحدهم يقول: إنّ الضبع كالظبي؛ ولهذا فهو حلال، والآخر يقول: إنّ الضبع كالكلب؛ ولذا فهو حرام، إلى غير ذلك من الأمثلة الموجودة في الفقه.
والنتيجة: لا يؤدّي الاستحسان إلى تأسيس أحكام كلية، فهو ليس منهجاً علمياً، وبالتالي لا يوجد قاعدة كلية. وهذا من جهة منهج العلم.
كما أنّ فلسفة التاريخ أيضاً تشابه العلوم الطبيعية والإنسانية من جهة غاية العلم وهي الغايات العملية في الطبيعية لأجل تسخير العلوم الطبيعية لصالح الإنسان، وأمّا بالنسبة إلى فلسفة التاريخ، فالهدف من ذلك تزويد الإنسان بأحكام تمكّنه من أن يفهم معنى الأحداث الحاضرة أو المستقبلية في ضوء خبرته بالماضي، وقد ذكرنا في موسوعة الفقه في كتاب الفقه المستقبل: إنّه كيف يمكن استمداد المستقبل من الماضي والحاضر؛ لأنّ الزمان يشبه بعضه بعضاً، والحضارات تشبه بعضها بعضاً، بحسب ما نستفيد من القياس، أو التمثيل، أو الاستقراء من الجهات المشابهة سواء كانت الحضارات صحيحة، أو باطلة، أو كانت أموراً اقتصادية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو غير ذلك، مستقيمة أو غير مستقيمة، مثل الاقتصاد الرأسمالي، أو الاقتصاد الشيوعي، أو الاقتصاد الاشتراكي، أو غير ذلك من اتحاد الاقتصاد.
وعلى أي حال: فإنّ فلسفة التاريخ منهج علمي يستفيد من منهج العلم ومن غاية العلم، كما أنّه يستفاد من ذلك احتياج العلم إلى الدين، وأنّه لا يمكن للعلم أو الدين أن يؤثر لوحده، فهما جناحان للحضارة الصحيحة، وقد أضحت غاية العلم خدمة أغراض الدين، فإنّ العلم بدون الدين لا يتمكّن أن يخدم الإنسان، بل كثيراً ما يكون العلم آلة للهدم بيد الإنسان، كما رأيناه في هذين القرنين بالنسبة إلى البلاد الغربية، وقبل ذلك كان دين المسيحية دون وجود أي دور للعلم، فأفسدت الكنيسة إفساداً لا مثيل له.
وفي هذين القرنين، وبعد أن أضحى العلم بدون وجود الدين، أفسد العلم إفساداً لا مثيل له، حتّى انتهى إلى صنع القنبلة الذرّية المدمرة.
ومن هذه التجارب الأخيرة التي مرّت على العالم في القرون الوسطى، والنهضة الصناعية إلى اليوم، استقرأ المؤرّخون النظرة الأخروية التي تجعل غاية التاريخ عالم الدنيا، وعالم الآخرة، على ما قاله سبحانه وتعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا))(17)، فالاستعمار، والاستثمار، وقتل الأبرياء، والسيطرة على الأفراد والشعوب ونهب مواردها وخيراتها، ما هي إلاّ نتيجة أنّ العلم صار بيد أناس لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
وعلى أي حال: فتجرد العلم عن الأخلاق، والإنسانية، والعدل، والإنصاف؛ يولد الظلم، والقهر، والاستبداد، وكلَّ ما هو سوء.
ولذا ورد في رواياتنا (فأحببْ لغيرك ما تحبّ لنفسك)(18)، و (من نادى يا للمسلمين فلم يجيبوه فليسوا بمسلمين) (19)،و (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه)(20)،و (اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً)(21)، إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي تبيّن هذا الأمر بعد القرآن الحكيم، الذي فيه إشارات كثيرة إلى هذه الجهة.
ولذا نشاهد أنّ الغرب بعد ابتعاده عن الدين خلال القرون الماضية، وبعد أن رأى الآثار السلبية للعلم عندما تجرد عن الإيمان، أخذ يقترب منه رويداً رويداً حتّى تنبأ أحد فلاسفة بريطانيا أنّه لا تمرّ مائة سنة القادمة إلاّ والبريطانيون يدخلون في دين الإسلام كافّة.

أدوار التاريخ

مسألة: إنّ للحضارات أدواراً كأدوار الليل والنهار، والفصول الأربعة، أو سائر ظواهر الكون. بمعنى أن الحضارات تبدأ صغيرة، ثمّ تكبر وتشبّ، ثمّ تأخذ في الهرم، ثمّ تأخذ بالسقوط. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في آيات متعدّدة، وهنا نذكر جملة من الآيات في سورة المؤمنون، تدلّ على هذا الشيء، وعلى هذه فقس ما سواها، قال سبحانه وتعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلاَئِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً منْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ * أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * إِنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ * قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ * فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ * فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ))(22).
وقد تقدّمت جملة من الآيات الأخرى التي ذكر الله سبحانه وتعالى فيها أنّ جماعة كانت تشابه جماعة في تكذيب الأنبياء، وأنّ بعضهم كان يشابه بعضاً في أخذ الله سبحانه وتعالى لهم بمختلف العقوبات المناسبة لأعمالهم المنحرفة وعقائدهم الباطلة، وقد أشرنا إلى مناسبة العقاب بالعمل في آيات القرآن الحكيم في كتاب حول القرآن الحكيم(23) ممّا لا نريد تكراره هنا.
وعلى أي حال: فالحضارات حالها حال الكائنات الحيّة فيها ميلاد، وشباب وشيخوخة، وفنـاء، ولا يقصـد بالفنـاء الفناء المطلق بل فناء الكيفية. ومن الممكن أن تكون هناك حكومة على الغرار المنحرف ثمّ تستقيم، فتبقى كما ذكرنا ذلك في كتاب (الغرب يتغيّر)، بينما ذكرنا قبل سقوط الشيوعية بسنوات متعدّدة، أنّ الشيوعية تسقط سقوطاً مطلقاً في كتاب ماركس ينهزم(24)، والذي نراهُ أنّ الصيغة الأخيرة الصحيحـة الباقية هـي صيغة الإسلام الصحيح الواقعي حيث ليس لحكم الله منتهى، وقد قال سبحانه وتعالى: ((وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى))(25)، ونحن الآن نرى أنّ الغرب إذا أخذ بالإسلام، ستبقى حكومته بدون حروب، أو ثورات، أو مشاكل اقتصادية، أو اجتماعية إلاّ بالقدر الملازم للبشرية، حيث قال الإمام علي (ع) في وصف الدنيا: (دار بالبلاء محفوفة وبالغدر معروفة لا تدوم أحوالها ولا يسـلم نزّالها) (26) .
أمّا إذا لـم تأخذ البلاد الغربية بالإسلام الصحيح، فإنّها معرّضة أيضاً للاهتزازات والسقوط، والإسلام ليس إلاّ عقيدة صحيحة، وقولاً صحيحاً، وعملاً صحيحاً، في مختلف جوانب الحياة. ولكنّ الكلام في أنّ عقلاء الغرب هل يدركون هذه الحقيقة فيغيّرونه إلى المسار الصحيح الذي هو باق أم لا؟ حتّى يكون السقوط نهايته؟!

كلام فولتير وردُّه

وفولتير(27) المفكّر الغربي المشهور يشير إلى هذا المطلب، حيث يقول: إنّ بعض المؤرّخين اهتموا بالحروب والمعاهدات، ولكنّي بعد قراءة ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف معركة ببضع مئات من المعاهدات، لم أجد نفسي أكثر حكمة من قبلها؛ حيث لم أتعرّف إلاّ على مجرّد حوادث لا تستحق عناء المعرفة.
أقول: لو أنّ فولتير درس الإسلام الصحيح الكامل لا ما ارتكبه الحكّام المنحرفون، لم يتكلّم بمثل هذا الكلام؛ فقد قال الله سبحانه وتعالى: ((أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))(28)، وليس المراد لقلقة اللسان، وإنّما ذكر الله واقعاً في أقواله وعقائده وأعماله.
وقال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ((هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً))(29)، وفي آية أخرى في السورة نفسها: ((لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً)) (30)، وفي آية رابعة: ((وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)) (31).

الدراسة الموضوعية للتاريخ

مسألة: يلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ، أن يدرس التأريخ بتجرد وموضوعية، وأن يفهم الخصوصيات والمزايا للأحداث والوقائع، فمن يعمل ذلك، سيعرف أن كثيراً من المكتشفات الحديثة لم تكن حديثة كالطائرة، واكتشاف القارّة الأمريكية، واكتشاف الدورة الدموية بل واكتشاف آلات الطابعة، وما أشبه ذلك، قد تحقّق وجودها بفضل سبغ غور التاريخ، إنّ هذه الأمور اكتشفت قبل ذلك ولعلّها بقرون، فإنّ الدورة الدموية ـ مثلاً ـ مذكورة في كلام الإمام الصادق (ع)، الذّي ألقاه على المفضّل، والذي أملاه عليه في كتاب (توحيد المفضّل)(32)، وهكذا كان اكتشاف القارّة الأمريكية على يد بحّار مسلم اسمه أحمد.. إلى غير ذلك(33) ممّا لسنا بصدد ذكره الآن.
وعلى أيّ حال: فليست فلسفة التاريخ إلاّ مثل سائر الأشياء الوجودية بحاجة إلى واقعية في الفلسفة، واستقامة في أهلية المؤرّخ، وإلاّ كانت النتيجة خطأً سواء في تخطئة أحدهما، أو في تخطئة كليهما.
والحاصل: أنّه من أراد الوصول إلى الحريم التاريخي، والفلسفة العامّة في قضايا مختلفة، ليستفيد منها الروح العامّة السارية في التاريخ حاضراً ومستقبلاً بل وماضياً، عليه أن يحشر موضوعات كثيرة من التفاصيل التاريخية المشابهة، مثل الحروب المتعدّدة، أو الدول المتعدّدة، أو القضايا الاقتصادية المتعدّدة، أو ما أشبه ذلك؛ حتّى يحصل الاستقراء التام، أو الاستقراء الناقص المفيد ولو للظنّ، ممّا يمكن تشكيل القياس المنطقي منها صغرى وكبرى، بالإضافة إلى حصر الوقائع المراد دراستها من حيث الزمان، والمكان، والخصوصيات والمزايا، حتّى يستطيع الباحث أن يستوفي دراستها، ويصل إلى النتيجة المطلوبة السارية في جميعها، متسلحاً بالروح النقلية التي تستند إلى الوثائق والمستندات زيادة ونقيصة، وقوّة، وبعثاً، وإلاّ لم يصل إلى النتائج المطلوبة الموثوق بها بل يكون منتهى الأمر نقصاناً، أو ظنّاً لا يفيد علماً ولا عملاً.
هذا مع الفرق التامّ بين الجانب الشخصي والجانب الاجتماعي، والاهتمام بالجانب الحضاري. إذ لا تفهم روح التاريخ من دراسة التاريخ، أو الشخصيات، أو أعمالهم، أو حروبهم، أو اقتصادياتهم، أو ما أشبه ذلك، بدون النقد، والفحص، والبحث، والتدقيق، والمناقشة، والمعادلة والتراجيح، وما أشبه ذلك.
وتدقيق النظر في زمان ومكان الحدث، وسائر جوانبه، كثيراً ما يصل بالإنسان إلى صحّة الواقعة أو بطلانها، وزيادتها أو نقيصتها، وقد ورد في التاريخ أن بعضاً من اليهود في منطقة ما عرضوا على أحد الخلفاء العباسيين وثيقة بخط الإمام علي بن أبي طالب (ع) بإملاء رسول الله (ص) وبشهادة نفرين من الأصحاب، أنّ الرسول رفع الجزية عن هؤلاء أبداً، وتحيّر الخليفة في ذلك وأحضر العلماء، وبعد التدقيق، تبيّن أن الوثيقة ملفَّقةٌ، وأنّ الشاهدين أحدهما لم يكن مسلماً حين كتابة الوثيقة، والثاني لم يكن مولوداً، ولذلك أبطلت الوثيقة، وأجرى الخليفة الجزيّة عليهم، كما كان يأخذها من سائر اليهود.
ولا يخفى أنّ الجزية في الإسلام لغير المسلم سواء كانوا أهل كتاب أو غير أهل كتاب كما نراه في الفقه، بأنّ غير أهل الكتاب أيضاً تؤخذ منهم الجزية، والجزية هي في مقابل حماية الدولة لهم، فالمسلم تؤخذ منه الزكاة والخمس، وغير المسلم تؤخذ منه الجزية.
ومن الملاحظ في التاريخ الإسلامي الطويل، وفي عرض الإسلام وطوله في البلاد أن غير أهل الكتاب أيضاً كانوا يعايشون المسلمين على طول التاريخ، وحتّى إنّ نهج البلاغة تضمن بعض الرسائل الدالّة على أنّ بعض القرى التي جعل عليها الإمام والياً مسلماً، كانوا مشركين.
وعلى أيّ حال: فاللازم ملاحظة أصالة الوثيقة وخلوّها من الأخطاء، والتزوير، والزيادة والنقيصة، وصحّة نسبة الوثيقة إلى مؤلّفها، والنقد الداخلي السلبي عليها، حيث يتبيّن الباحث من درجة دقّة الراوي في الرواية، والنقد الداخلي الإيجابي، حيث تفسير مضمون الوثيقة خصوصاً إذا كان كاتبها يلجأ إلى الغموض والرمز، ومقارنة هذه الوثيقة بالوثائق الأخرى هل بينهما تساوٍ، أو تباين، أو عموم مطلق، أو عموم من وجه.

التحليل الدقيق للتاريخ

مسألة: يلزم على من يريد الوصول إلى فلسفة التاريخ أن يتأنى في قبول التفسيرات العصرية للنصوص القديمة، وهكذا التفسيرات في العصور السابقة على الوثيقة، أو التفسيرات في العصور اللاحقة على الوثيقة؛ لأنّ في كلّ زمان اصطلاحات ومفاهيم خاصة به، وأحياناً تكون مستوعبة، وأحياناً تكون غير مستوعبة ممّا ذكره الأصوليون في مباحث التعادل والتراجيح بالنسبة إلى الروايات المختلفة، فإنّ مثل ذلك أيضاً، يأتي في مقام تحليل التاريخ، وفلسفـة القضايـا الكلّيـة، أو الجزئيـة الشخصية، أو الزمنية، أو المكانية، أو غيرها.
فالفرق بين الاصطلاحات في كلّ زمان، ومكان، وجماعة، وأمّة، يفيد المحلّل التاريخي كثيراً ـ مثلاً ـ الصلاة قبل الإسلام كانت بمعنى الدعاء، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً))(34)، أمّا الصلاة بعد شيوع الاصطلاح الإسلامي فهي خاصّة بالأركان المخصوصة، والشرائط، والآداب.
وهكذا بالنسبة إلى الزكاة، حيث كانت قبل الإسلام عبارة عن مقدار خاصّ من المال، يسبّب تطهير المال بإعطائه الفقراء، والمساكين، والمشاريع، وما أشبه ذلك. ثمّ بعد الاصطلاح الإسلامي، صارت الزكاة اصطلاحاً خاصاً للمقدار المخصوص من الحيوانات الخاصّة، أو الذهب، أو الفضّة، أو الغلاّت الأربع، وهكذا.
فعلى محلّل الحدث التاريخي أن يقوم بمقارنة الظواهر الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، واللغوية، في مختلف المجتمعات، والأنظمة، والدول، حيث للألفاظ معانٍ متعدّدة؛ بسبب اختلاف الأزمنة، والأمكنة، والمجتمعات، وما أشبه ذلك. فلا يصحّ الاعتماد على التخيّل إلاّ بعد توفّر الجوانب المختلفة، والمناحي المتعدّدة لهذه الأمور.
نعم، كثيراً ما يسدّ التخيّل الثغرات الموجودة بين شيء وشيء، سواء كان التخيّل بالنسبة إلى المبصرات، أو المسموعات، أو غير ذلك. وإذا كانت مرحلة التجريب، والجمع والطرح، والزيادة والنقيصة كفيلة بتمحيص الفرض، فإنّه بالنسبة إلى التاريخ، يجد المؤرّخ الذي يريد التحرير، نفسه في موقف مماثل لموقف عالم الأحياء، الذي يقوم بالتحليل، والتشبيه، والتركيب المعتمد على التخيّل، والتصنيف وفقاً للفصائل، والسلالات، وأوجه الشبه والاختلاف.
وهكذا يفعل الذين يكتشفون حيوانات قديمة مثل الديناصورات، وما أشبه ذلك، حيث يتمّون الجزء المكتشف وما يكمله حيواناً حسب الموازين العلمية المرتبطة بذلك الحيوان.
والحاصل: أنّ تحليل الحدث التاريخي، يحتاج إلى مثل تلك الأمور المرتبطة بالمكتشفات، وما أشبه ذلك. وهذا يقوم على ركني العلم الكثير، والتجارب الوفيرة، والذهن الخلاّق بالنسبة إلى الجمع، والتفريق، والتركيب، وما أشبه.
ولابد للباحث ألاّ يطمئن إلى صدق رواية ليس لها إلاّ راوٍ واحد غير مستجمع للشرائط خصوصاً إذا كان معروفاً بذلك، فإنّ ذلك من أخبار الآحاد على اصطلاح الأصوليين، إلاّ إذا كان الراوي الواحد من الدقّة والإتقان بمنزلة كبيرة كما ذكر مثل ذلك بالنسبة إلى نهج البلاغة، حيث قال الإمام (ع): (لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا)(35)، فالمعيار هو الوثاقة في الرواية؛ إمّا مـن جهة السند، وإمّـا من جهة المضمون، وإمّا من جهة الشواهد والقرائن، أو غير ذلك، فإنّ قوّة الشريف الرضي(36) (رحمه الله)تعطي روايات نهج البلاغة من الوثاقة الشيء الكبير، ولذا يستدلّ العلماء بها، وإن لم يورد السيّد الرضي سند الرواية، ولهذا عَمِلَ العلماء بمراسيل ابن أبي عمير(37).
وعلى أي حال: إذا كان للراوي وزنه، وثقله في الرواية، يؤخذ قوله وإن كان منفرداً.
نعم، في باب التنازع لابدّ من شاهدين على الأكثر، أو رجل وامرأتين؛ كما ذكر ذلك القرآن الحكيم، والسبب كون اثنتين منهما بمنزلة رجل واحد، حيث قال سبحانه وتعالى: ((أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى))(38)، كما ذكرنا تفصيل ذلك في بعض المباحث المرتبطة بالتساوي واللا تساوي بالنسبة إلى الجنسين.

مناقشات في أدوار التاريخ

مسألة: البعض قسّم أدوار التاريخ إلى ثلاثة أقسام:
الأوّل: دور الآلهة، حيث كانت الشعوب الأمميّة تعيش في ظلّ حكومات تشرّع قوانينها بما تعتقد أنّه مشيئة الآلهة، وذلك عن طريق الرؤساء الدينيين أو من وحي الكهّان، فكان ما يقع في ذهن المشرع، يُنسب إلى الآلهة، سواء إله الخير، أو إله الشرّ، أو إله البحار، أو إله الشمس، أو ما أشبه ذلك. ويكون لحكم هؤلاء الرؤساء الدينيين أو وحي الكهّان، قداسة خاصّة لا يمكن تخطّيها، فمن تخطّاها يرون أنّه يعاند المشيئة الإلهية، فيستحقّ العقاب التكويني كالزلازل، والفيضانات، أو العقاب التشريعي مثل الإلقاء في النار، أو في البحر، أو في غابة لتأكله السباع، أو في بئر عميق، أو يستحق القتل بالجلد، أو الرجم، أو الذبح، أو قطع الأعضاء.
الثاني: دور الأبطال، حيث كان الاعتراف بأبطال أشدّاء محاربين، وكان الناس يعتقدون أنّهم أسمى من البشر، وتسود الأرستقراطية نُظم الحكم هذه، وفي هذا الدور نشأت الفروسية وكانت تمجِّد الحرب.
الثالث: دور البشر، حيث الإقرار بسواسية الناس، وبذلك ظهرت الأنظمة الديمقراطية بعد الممالك الاستبدادية.
قال هؤلاء: اجتازت كل الشعوب هذه الأدوار وهي تجتازها في تاريخها، حيث تتوالى في تعاقب دوري، تتّصل نهاية الدور الثالث بالدور الأول: إمّا لنفس الأمّة، أو لأمّة أخرى، وهي دائرة أزليّة مرسومة لكلّ أمّة.
أقول: إنّ هذه الأدوار الثلاثة ـ التي ذكروها ـ لا مصدر لها من تاريخ مقطوع، ولا دليل عقلي يدلّ عليها، والغالب أنّها من صنع الذين ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى وشرائع السماء، وإلاّ فمن يعترف بوجود الله سبحانه وتعالى وأنّ أبانا آدم (ع) هو أوّل الأنبياء جاء إلى الأرض، فكان الخليفة قبل الخليقة، لا يعترف بمثل هذه الأدوار، وإنّمـا تختلط هذه الأدوار بعضها مع بعض من ذلك اليوم وإلى هذا اليوم، كما نجد في الهند، أو الصين، أو بعض بلاد أفريقيا، الأدوار الثلاثة نفسها في وقت واحد، أو متعاقبة، على عكس ما ذكروه.

أقوال وردود

وقد ذكر بعض العلماء المعتقدين بهذا التقسيم مثالاً تطبيقياً للأدوار الثلاثة بطريقة مصر القديمة، قائلاً: في الدور الأوّل تكلّم المصريون اللغة الهيروغيليفية، ثمّ اللغة الرمزية، ثمّ سادت اللغة العامية للشعب، وكان المصريون القدماء على علم بهذا التقسيم لتاريخهم.
أقول: أنت ترى أنّه لا صحّة لهذا التقسيم، لا في مصر القديمة، ولا في سائر الشعوب.
وأسوأ من هذا التقسيم ما قيل: إنّ هناك لوحة تاريخية لأهمّ وقائع التاريخ القديم منذ خُلق العالم مستنداً إلى التوراة، فأبناء نوح بعد الطوفان لم يسيروا على نمطٍ واحد، وبينما حافظ أبناء سام على لغتهم وعاداتهم، تشتت أبناء حام على سطح الأرض، وعاشوا عيشة أقرب إلى الحياة الحيوانية، ففقدوا مزاياهم البشرية، وأصبحوا ذوي أجسام ضخمة، ومن ثمّ انقسم البشر إلى قسمين: من سلالة سام، وإلى عمالقة من نسل يافث وحام.
ثمّ يضيف هذا القائل: شَعَرَ العمالقة بالخوف من بعض الظواهر الجوّية كالبرق، والرعد، والصواعق، واعتبروها غَضَباً من الآلهة، فتحايلوا على إرضائه بالكهانة، وحينما استقرّت الأُسر؛ بسبب حرفة الزراعة، وملكيّة الأرض، أخذ العمالقة يفقدون ضخامة أجسامهم، ولكن بعضهم بقي على تشرّده، وأصبح هؤلاء في حالة أسرهم، خدماً وموالين للمزارعين من أصحاب الأراضي؛ وبذلك نشأ نظام الرقّ. وقد شكّل الآباء، أو الرؤساء من أصحاب الأراضي طبقة من النبلاء، كما شكّل الخدم والعبيد طبقة الرقيق، فتكوّن بذلك المجتمع الأرستقراطي، ولكن لما قويت شوكة رقيق الأرض، بدأ هؤلاء يحصلون على بعض المزايا، فتكوّن النظام الديمقراطي، ولكنّ ذلك أدى إلى الفوضى، فظهر رجل شديد البأس، قبض على زمام الأمور، وأعلن نفسه حاكماً مطلقاً، فتأسس بذلك حكم الفرد.
أقول: إن كلّ المذكورات ليست إلاّ أوهاماً من نسيج الخيال، وعلى أحسن الفروض ظنون لا دليل عليها مـن علـم ولا عمل، ولا مـن توراة ولا من غير توراة، وحتّى إذا كانت مستندة إلى التوراة، فالتوراة محرّفة في اعتقادنا كما يدلّ على التحريف التوراة نفسها على ما ذكرنا تفصيله في كتاب هؤلاء اليهود(39).
ثمّ يطبق هذا القائل آراءه في الأدوار الثلاثة على تاريخ اليونان، والرومان، ثمّ العصور الوسطى، فيرى أنّ عصور الأبطال لم تستمر طويلاً لدى اليونان، لأنّ ظهور الفلسفة عجّل الانتقال من الدور الإلهي إلى الدور البشري دون أن يبقوا مدّة طويلة في الدور البطولي، عكس ما حدث في عهد الرومان إذ طال الدور البطولي، ثمّ عاد الناس في العصور الوسطى إلى البربرية الشبيهة بالبربرية الأولى، فاجتازوا دوراً إلهياً جديداً، وهو دور يتولّى فيه الملوك المناصب الدينية، ثم اجتازوا دوراً بطولياً عندما نشأت الفروسية، وقامت الحروب الصليبية. أمّا الدور الثالث، فقد بدأ في العصر الذي عاش فيه هذا القائل. انتهى كلامه مع تعليقنا عليه.

الفلسفة العقلية ومعرفة التاريخ

والفلسفة التي تعتمد على آراء عقلية مجردة لا يمكن استخدامها في معرفة التاريخ، فالتاريـخ لا يمكـن أن يستكشف بالفلسفة، أو يقال عـن مثل ذلك، لأنّ التاريخ شيء حقيقي لابدّ أن يكتشفه الحاضر بنفسه، أو لا يكتشفه الغائب غير المخبر إلاّ فـي بعض الحفريات التي لا تدلّ حتّى على عشر هذه الآراء، فلم يبق إلاّ أن يخبر الإنسان الصادق المتّصل بالله سبحانه وتعالى، ومثل هذا الإنسان هو في اعتقادنا نبي الإسلام وآله المعصومون (ع)، حيث إنّهم يخبرون عن عالم الغيب؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً))(40)، والذي بأيدينا من تاريخ الحضارات السابقة علـى رسول الإسلام (ص) هـو تاريخ بعـض الأشخاص عادةً لا البشر، فإنّ الناس كانـوا يكتبون تاريـخ الحكومات، والحروب، والانتصارات والهـزائم، ومـا أشبـه ذلـك. ومثـل هـذا يوجـد أيضـاً بعـد نبـي الإسلام، حيث كتب بعض المتزلّفين تاريخ بني أميّة، وبني العبّاس(41)، والعثمانيين(42)، والقاجاريين(43)، ومن أشبههم، بينما نرى كثيراً من المؤرّخين بعد ظهور الإسلام بسبب عدّة من العوامل؛ كتبوا تاريخ الحضارة لا الحكّام، فإنّه كان للقرآن الكريم الأثر الأكبر في تصوّر المسلمين للتاريخ، وإنّ ما ذكره القرآن عن قصص الأنبياء مع أقوامهم ومع الطغاة أمثال نمرود(44)، وفرعون، وهامان(45)، إنّما أريد بها محورية الأنبياء الذين يجسِّدون خط الإصلاح، وليس محورية الطغاة، والجبابرة من الملوك والحكّام.
فإذا ذكر القرآن الكريم قصّة فرعون ذكره من حيث صلته بموسى(ع)، كما أنّه إذا ذكر قصّة عاد وثمود، ومن أشبههم، ذكرهم باعتبار اتّصالهم بالأنبياء وبسبب ذلك تحوّل التاريخ إلى الدين لا السياسة. وذلك لأنّ الهدف من قصص القرآن هـو الموعظة والاعتبار، فهـو هـدف ديني، أخلاقي، إنساني قـد أرجع الأمر إلى محلّه، حيث إنّ المعيار الإنسان خيره وشرّه وحقيقته وأخلاقه وعمله وقوله، كمـا قـال سبحانه وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى))(46). وفي المرحلة اللاحقة لنزول القرآن الحكيم، فقد ارتبط التاريخ الإسلامي في نشأته ارتباطاً وثيقاً بالحديث المرويّ عن رسول الله (ص)، وبعض أصحابه، أو عن الأئمّة الطاهرين (ع)، وتأثّر التاريخ في نشأته بمنهج رجال الحديث، والرواية، والإسناد، صحّتهم، وسقمهم، وصدقهم، وكذبهم، وأمّا من حيث الموضوع، فبالرغم من أنّه بدأ بما يسمّى بالمغازي، فلم يكن البدء بغزوات الرسول (ص) الّتي تمثل الجانب العسكري، وإنّما بسيرته كرسول حتّى إذا ذكروا تاريخ حروب الرسول وخصوصياتها ذكروا ذلك لتكون أسوة، كما قال سبحانه وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) (47)، وهكذا مع أنّ بداية تاريخ التقويم الإسلامي قد حُدّد في عهد الرسول نفسه، ذكر ذلك العلاّمة المظفّر في كتابه البشرى بقدوم البشير، فلم يكن ذلك تاريخاً للحكّام وما أشبه ذلك، فإنّ السياسة لم تكن إلاّ وسيلة لغاية نبيلة، شريفة، هي نشر الدعوة، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور، وهكذا ارتبط التاريخ بالحديث موضوعاً، فالحديث هو أقوال الرسول، وأفعاله، وتقريراته. فالتاريخ ابتدأ من الكتاب والسنّة، وذلك يحقّق هدفاً مشتركاً؛ هو تسجيل نظم الحياة الدينية، والفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والعائلية، والتربوية، والعسكرية، وما أشبه ذلك، وكلّ ذلك لهُ جوانب حضارية.
والحاصل: أنّ التاريخ في الإسلام، بدأ من تاريخ الشعوب لا من تاريخ الحكّام والعسكريين، وقد قال سبحانه وتعالى: ((إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(48)، فالمحور هو التعارف بينهم، والتقوى في شرائعهم، وخصوصيّاتهم، ومعاملاتهم، وبذلك يجب أن نفهم فلسفة التاريخ الإسلامي، والتحليل التاريخي من هذا المنطق، لا من منطق الحكّام، والمستبدّين، والعسكريين، والغزاة في سبيل المال، والشهوة الجنسية، والسلطة.
أمّـا الإجماع، فهو مستند إلى قول رسول الله (ص): (لا تجتمع أمّتي على ضلالة)(49)، وإلى غير ذلك ممّا ذكر في علم الأصول، فليس بشيء جديد سوى الكشف عن قول المعصوم. ولذا نشاهد المسلمين قد اهتمّوا بسيرة النبي، والأئمّة والصحابة، والتابعين، وأصحاب الأئمّة، والعلماء، في سيرتهم، وأقوالهم، وأعمالهم، وما أشبه ذلك. أمّا الذين كتبوا حول الحكّام، فكانوا طلاّب رئاسة، ومال، وشهوة جنسية، وما أشبه ذلك، ولذا ذهب أولئك بسيرهم، وبقي العلماء بتواريخهم، ـ مثلاً ـ من زمان السيّد المرتضى(50)، والشيخ المفيد(51)، والشيخ الطوسي(52)، والسيّد الرضي، حيث مضى ألف عام وأكثر، الناس يعرفون هؤلاء العلماء، ويحبون ذكراهم، أمّا حكّام زمانهم، والزمان الذي جاء من بعدهم، فلا يُعرف عنهم شيء، فهم نكرات في التاريخ؛ لأنّ الخلود دائماً لأصحاب العطاء.
فما عطاء أولئك الخلفاء الذين فسقوا في الدنيا، وانغمسوا في شرب الخمور، وغيرها من الموبقات، فالمسلمون يريدون أن يعرفوا الحلال، والحرام، والواجب، والمستحب، والمكروه، وهو منشأ الصلاح لدينهم، ودنياهم، ولذا ورد: (الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك)(53) وحتّى الخلفاء، والأمراء؛ على طول تاريخهم، كانوا خاضعين بدرجة، أو بأخرى للعلماء؛ لأنّهم يريدون كسب القلوب، والتقرّب إلى القلوب لا يكون إلاّ من طريق العلماء.
بل كان لنا الكثير من المؤرخين العلماء، الذين عاكسوا الخلفاء، والأمراء، وما أشبه، فقد سجّلوا ضد نظرهم، مثلاً سجّلوا واقعة صفّين، وغيرها، رغم حكومة معاوية المطلقة، وسجّلوا مقتل الإمام الحسين (ع)، وأخبار المختار بن أبي عبيدة الثقفي(54)، ومناقب آل البيت (ع)، وذكروا الحكّام المعارضين لهم كابن زياد، والحجّاج، وما أشبه، بكلّ نفرة وانتقاص، فقد صرف الخلفاء المبالغ الطائلة؛ لأجل توجيه الناس إلى مناحيهم لكن لم يجدوا إلاّ من يعاكسهم، ـ مثلاً ـ عجز الأمويّون عن أن يفرضوا على المؤرّخين مبدأ الجبر، الذي كانوا يعتنقونه، حتّى يقولوا للناس إنّ كلّ شيء يفعلونه إنّما هو بقضاء من الله وقدره، فلا حيلة للناس فيه، ومن يعارضهم، فإنّما يعارض قدر الله سبحانه وتعالى، ويستحقّ العقاب في الدنيا، والعذاب في الآخرة، بل كانت كتابات المؤرّخين تعكس المبدأ المعارض الذي هو عبارة عن مسؤولية الإنسان عن أفعاله، وأقواله، وحركاته، وسكناته.

التاريخ دينٌ لا سياسة

ومن هذه الجهة، نجد أنّ المسلمين، بعلمائهم، وعامّتهم، بنوا الأضرحة، والبنايات الضخمة، سواء عند السنّة أو الشيعة ـ مثلاً ـ قبر الإمامين الكاظمين(ع) في الكاظميّة، وهكذا بنى السنة قبر أبي حنيفة في بغداد، وقبر الشافعي في القاهرة، وإلى جانبه مسجد الإمام الحسين (ع)، وكذلك مقام السيّدة زينب (ع) في الشام.
ونجد إهمالاً متعمّداً لقبر معاوية، مؤسّس الدولة الأمويّة، بينما نجد لأهل البيت (ع) مقابر، وقباباً، وأضرحة، ومساجد، حتّى لطفلهم الصغير كالسيّدة رقيّة في دمشق، أو حتّى قطرة من دم الإمام الحسين (ع) الطاهرة لها مشهد؛ وأقيم عليها مسجد سمّي بمشهد النقطة في مدينة حلب، فلم يتمكّن الخلفاء بأموالهم الطائلة، وجيوشهم الجرارة أن يسيطروا على أفكار، وأقلام المؤرّخين؛ لأنّ عوامل أخرى أكثر فاعلية، كان لها الأثر، والتوجيه في مسار الفكر، والثقافة، والعلم، والهداية.
والخلفاء العبّاسيون على كثرتهم، وامتداد زمانهم ما يقارب خمسة قرون، لا أثر لقبر أحدٍ منهم إلاّ قبر هارون، وإنّما بقاء قبر هارون كان حسب معجزة للإمام الرضا (ع)، كما هو مذكور في التاريخ(55)، أمّا بقيّة أولئك الخلفاء فلا يعرف لهم قبر.
وهكذا قلب الإسلام الحضارة السابقة عليه من حضارة الحكّام إلى حضارة الأنبياء، والأئمّة، والعلماء. فمن يريد كتابة فلسفة الحضارة، أو التاريخ، يجب أن يلاحظ ذلك بعين الاعتبار، وأن يبدأ بما بدأ الله سبحانه وتعالى ممّا ذكرناه سابقاً الخليفة قبل الخليقة.
ومن الواضح أنّ الخليفة يورث الحكم إلى الخليفة لا للحكّام المستبدّين، والعسكريين، والديكتاتوريين، ـ وقد قال رسول الله (ص) في سعيه: (ابدؤوا بما بدأ الله، حيث قال سبحانه وتعالى: ((إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ))(56))(57)، فبدأ الرسول بالصفا اتّباعاً للقرآن الحكيم، حتّى وصل الأمر إلى عصر الديمقراطيين الذين اتّبعوا بعض طريق المسلمين في الحكم لا طريق المستبدّين والديكتاتوريين. وليس معنى ذلك أنه قبل الإسلام لم يكن تاريخ للأنبياء، وعظماء العلم، والزهد، والنسك، وإنّما معنى ذلك أنّ الغالب في تواريخ ما قبل الإسلام هم الحكّام، والملوك، والفراعنة، ومن أشبههم، وكان تاريخ الأنبياء ومن إليهم حاله حال نور الحباحب أنوار ضئيلة متفرقة هنا وهناك، بينما لمّا جاء الإسلام، صار النور كنور الشمس، فصار التاريخ تاريخ الأنبياء، والأوصياء، والعلماء، والزهّاد، والعبّاد، ومن إليهم، ولذا صار تصوّر المؤرّخين المسلمين أنّ النشاط والفعالية في الحضارة الإسلامية للأمّة جميعاً لا للفرد حسب الآية القرآنية حيث قال سبحانه وتعالى: ((خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ))(58) بل صار في عهد الخلفاء، والأمراء، ومن إليهم موضع نقد شديد من كافّة الأمّة حتّى المقرّبين منهم، فلم يُدرس التاريخ بسير ملوك أو سلاطين؛ لأنّهم لم يجدوا في أولئك علماً نافعاً، أو سيرة حسنة، فهل يكتبون أنّ الخليفة المتوكّل (59) كان من قوم لوط وفي الحال نفسه كان له غلامان يلوطان به، أو يكتبون أنّ الوليد(60) كان يدخل مع جواريه حوض الخمر، فيشربون منها حتّى يتبين عليه النقص(61)، ويكتبون أنّ حميد بن قحطبة بأمر من هارون العباسي قتل 60 علوياً في ليلة واحدة وألقاهم في البئر(62)، وهذا نزر قليل من جرائم هؤلاء الحكّام العتاة.
وهكذا جعل المؤرخون موضوع التاريخ، تاريخ الأنبياء وسنتهم، والأوصياء وسيرتهم، والعلماء ومذاهبهم، والحكماء وآراءهم، والزّهاد ومواعظهم، لأنّهم علموا أنّ المسلمين يتحرّون رضى الله سبحانه وتعالى في معاملاتهم، ومعاشراتهم، وأخذهم، وعطائهم.
نعم، أرّخوا شيئاً من قضايا الحكّام وشعرائهم ومن إليهم مع تجنّب غالب المؤرّخين في ذكر أحوالهم نقاط الضعف الكثيرة، فذكروا بعض أخبار الملوك وسياستهم وأسباب الدول ورجالها وشروعها وانقراضها وكثيراً من أعوان الملوك والوزراء وما يتّصل بذلك من الأقوال والأعمال. فكان الجانب الحضاري عندهم هو الجانب الأهم الذي هو جانب الروح والواقع والفطرة والعقل، لا جانب الجسد وملذّاته، كما قال سبحانه وتعالى: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا))(63) فللدنيا نصيب، لكن اللازم هو تحرّي رضى الله والآخرة ورضى أنبيائه وأوليائه.
وكان الحقّ مع المؤرّخين الذين كتبوا تاريخ الأنبياء والأوصياء والعلماء وتركوا تواريخ الطغاة والجبابرة والفراعنة وهم النزر اليسير اليسير، فهل يكتبون قصص ألف ليلة وليلة(64) أو يكتبون قول الإمام علي (ع) في الخراج والضرائب عندما وصّى مالك الأشتر (65) بقوله: (وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً... وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنّهم بالبقاء، وقلّة انتفاعهم بالعبر)(66).
أو هل يكتبون مخازي المأمون العبّاسي(67) وزواجه ببوران(68) وابتهاجه بيوم العيد وأمامه بنات النصارى سافرات متبرّجات في حالة لهو ورقص؟، أو قول الإمام علي (ع) في كتابه إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني الذي كان من عمّاله على البلاد يقول فيه: (بلغني عنك أمرٌ إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وعصيت إمامك، إنّك تقسمّ فيء المسلمين الذي حازته رماحُهم وخيولُهم، وأريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك (69) من أعراب قومك، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لئن كان ذلك حقّاً لتجدنّ لك عليّ هوانا ولتخفَّن عندي ميزاناً، فلا تستهن بحقّ ربّك، ولا تصلح دنياك بمحقّ دينك، فتكون من الأخسرين أعمالاً، ألاّ وإنّ حقّ من قِبَلك وقِبَلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردون عندي عليه ويصدرون عنه)(70) إلى غير ذلك من سيرتهم الطاهرة (ع) وأقوالهم الرفيعة في قِبال سفاسف الخلفاء والأمراء ومن إليهم.

التجرد الموضوعي

مسألة: اللازم على من يريد تحليل التاريخ، وذكر فلسفته، أن يعزل موضوعه زماناً، ومكاناً، وشرائط، وخصوصيات، ومزايا عن سائر العصور، والدول، والأزمنة، والأمكنة، وغير ذلك، حتّى يصل إلى جوهر التاريخ، كما يعزل العالم الطبيعي الظاهرة الطبيعية عمّا هو من حولها من الظواهر الأخرى، حتّى يصل إلى الجوهر العامّ والكلّي المختفي في الظواهر، فإنّ لكلّ شيء ظاهراً وباطناً، وأحياناً يكون الباطن بعد باطن حتّى يصل إلى سبعين باطناً، كما ورد بالنسبة للقرآن الكريم: (إنّ له سبعين بطناً)(71)، وإذا أردنا أن نمثل ذلك بمثال وإن كان المثال يقرّب من جهة ويبعّد من جهة، نمثله بالجنين؛ المستخلص من المني؛ المستخلص من الدم؛ المستخلص من التفّاح؛ المستخلص من الشجرة؛ المستخلصة من التراب، والماء، والنور، والهواء.

تركيب وصياغة المادة التاريخية

مسألة: يلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ، أن يجمع أكبر قدرٍ ممكن من الحالات، والمعلومات، والخصوصيات، والمزايا المتعلّقة بموضوع الدراسة، وأن يقوم بدراسة دقيقة للوثائق أهي صحيحة أو غير صحيحة، قطعية أو ظنّية أو شكّية أو وهمية، وأن يصب ذلك في قوالب الأشكال الأربعة مراعياً للصناعات الخمس حسب ما يقوله المنطقيّون حتّى يصل إلى التحليل الدقيق، وأن يقوم بعملية تركيبية، وصياغة المادّة التاريخية صياغة علمية، متجاوزاً مرحلة السرد والوصف إلى التعليل، فإنّ لكلّ شيء سبباً، ولكلّ شيء مسبّباً، فيتعرّض المحلل التاريخي للوقائع التاريخية مع تناول علل وأسباب يريد استخلاصها، فما هو علّة هذا، وما هو سبب هذا، وما هو المعلول، وما هو المسبّب؟ وأن يصل بذلك إلى أحكام كلّية، وتلك الأحكام الكلّية جارية في السابق، والحاضر، والمستقبل. وبذلك يتمكّن أن يتنبّأ عن المستقبل تنبؤاً علمياً.
وربّما يخطئ الإنسان بل كثيراً ما يخطئ، لأنّ الظروف متداخلة، فلا يتمكّن الإنسان من استخلاصها حقيقة، ولا يتمكن من فهم الشرائط، والمزايا، والخصوصيّات، والمتداخلات التي تتحكّم بالمستقبل كثيراً، حال ذلك حال الطبيب الذي يشاهد المريض، فيحكم على حالته أن يعيش إلى وقت كذا، أو يموت إلى وقت كذا، ومع ذلك لا يعيش إلى ذلك الوقت، ولا يموت إلى ذلك الوقت، بل الأمر أبعد من هذا، فقد قال (ع): (لولا آيةٌ من كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة)(72)، والمراد بالآية: ((يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكتَابِ))(73). ومن ذلك نشأ البداء، الذي يقول العلماء به، وقد فصّلنا شيئاً منه في كتاب مقدّمة الفقه كتاب العقائد(74). فبناءً على هذا نشاهد أنّ الذين يصلون إلى روح التاريخ وفلسفته، إنّما يفعلون ذلك بأسباب، من جملتها القلق على مصير الحضارات القائمة سواء كانت حضارة إسلامية، أو حضارة غربية، أو حضارة شرقية مثل حضارة الهند إلى غير ذلك، فإنّ تحليل التاريخ وفلسفته، يوصل الإنسان إلى أن يكتشف المستقبل من الماضي ومن الحاضر؛ لأنّ الماضي، والحاضر، والمستقبل كلّها سلسلات بعضها مرتبطة ببعض، وقد قال الحاج السّبزواري:
كونُ المراتب في الاشتداد***أنواعاً استنار للمراد(75)
والذين يريدون مثل ذلك بالنسبة إلى الحضارات البائدة، والقائمة، والمستقبلة بحاجة إلى مقدرة فائقة على المقارنة بين مختلف الحضارات كالحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية الحديثة، والحضارة المسيحية، والحضارة اليهودية، والحضارة الإبراهيمية، والحضارة اليونانية القديمة، والحضارة الآشورية، والحضارة الفينيقيّة، والحضارة الخسروية، والحضارة الرومانية، وما أشبه ذلك(76).
ومـن الواضـح أنّ الأمـر لا يقف عند هـذا الحد، فالعالـم عالـم قديم لإله أزلي سرمدي قديـم، وإن كـان بينهمـا فـرق، فالله سبحانه وتعالى قائـم بذاتـه وأزلي أبدي، بينما العالم القديم قديم قدماً نسبياً، وحادث ذاتاً وزماناً، مستند إلى الإله تبارك وتعالى، وقد مرّت دهور ودهور بما لا تدخل تحت الألفاظ ولم يكن شيء إطلاقاً، ولذا ورد: (كان الله ولم يكن معه شيء)(77)؛ هذا بالنسبة إلى الماضي، وأمّا بالنسبة إلى المستقبل، فقد قال سبحانه وتعالى: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ))(78) .
ومحلّل التاريخ يتكلّم حول أسباب قيام الحضارات ثمّ شيخوختها ثمّ سقوطها ثمّ بعد ذلك تقوم حضارة أخرى.
وقد رأينا نحن بأنفسنا كيف قامت حضارة الشيوعيين، ثمّ كيف قويت، ثمّ كيف ضعفت خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، ثمّ كيف سقطت وإن تصوّر الشيوعيون بأنهم يمتلكون ما لا حصر له من الأسباب والأموال والقدرة وغير ذلك لأن تبقى سلطتهم قروناً وقروناً، حتّى إنّي قرأت في التاريخ أن ما هيّأه الشيوعيون من القنابل الذرّية فقط تكفي لإفناء العالم سبع مرّات، وقد قال الشاعر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى***ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ(79)

المقارنة بين العلوم الطبيعية والتاريخ

مسألة: يجب على من يريد تحليل التاريخ، أن يقارن تحليله بسائر العلوم الطبيعية، كالكيمياء، والفيزياء، والحساب، والهندسة، والفلك، وغير ذلك، فإنّ للأمور الطبيعية ظواهر وبواطن، والبواطن على الأغلب تكون متشابهة، ممّا يمكن أن يستفاد من تلك الظواهر والمفردات الحكم الكلّي الساري في جميع ذلك.
مثاله مثال ما ذكره سبحانه وتعالى: ((وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ))(80)، وكما قال القدماء بأنّ جوهر كلّ شيء نشاهده في هذا العالم هو مكوّن من أربعة أشياء: الماء، والتراب، والهواء، والنور أو النار، ولا يخفى أن هناك فرقاً بين النور والنار، ذكره علماء الطبيعة وإن كان بينهما جامع مشترك.
وبذلك تبيّن أنّ مفردات الحوادث لم تقع مصادفة، وإنّما وفقاً لظروف معيّنة وكلّي عام متحد في جميعها وشرائط وأزمان مختلفة.
ومنطق التفسير في الأمور الطبيعية أو في غير الطبيعية واحد في جوهره في كلّ من التاريخ، والعلوم الطبيعية، ولا يكون التنبؤ حينئذ علمياً بل هو قائم على قوانين عامّة لا غنى عنها لمن يريد تحليل التاريخ عنها. لكنّ هذه القوانين لا تعني الحتميّة والقطعية كالتدخّلات التي لا نعلمها، ولأن إرادة الله سبحانه وتعالى التي لا تدع شيئاً إلاّ وتتدخّل فيه زيادة ونقيصة وإفناءً وإيجاداً، ولذا يبقى المجال للإمكان والاحتمال.
نعم، قد يكون الإمكان قوياً، وقد يكون الاحتمال قوياً، وقد يكون الإمكان أو الاحتمال ضعيفاً بدرجات الضعف، فربّما يصل الأمر إلى100% وهو القطع، وربّما لا يصل آخذاً في النقيصة إلى الواحد ودون الواحد.

استيعاب المفردات

مسألة: يلزم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ، أن يجمع قدراً كبيراً من المفردات، والخصائص، والشرائط. مثلاً؛ إنَّنا من دون الجمع، لا نتمكّـن أن نحكم حكماً قطعياً ببقاء هذه الحضارة أو تلك،وموت هذه الحضارة أو تلك،فإنّ الأشياء إنّما يصل علم الإنسان إليها في حدود شرائط خاصّة بأزمنة خاصّة، وأمّا الغيب فلا يعلمه إلاّ الله، والراسخون في العلم الذين يريد الله لهم أن يعلموا الغيب؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ))(81)، مثلاّ إنّا إذا ألقينا نظرة دقيقة على خريطة جغرافية، ظهرت لنا الحدود بين الدول كخطوط دامية؛ لكثرة ما جرى فوقها من حروب فـي الماضي والتي أثرت في الجغرافيا، خاصّة بين الدول المنظّمة تنظيماً صارماً.
وقد شاهدنا نحن في عمرنا القصير كيف تغيّرت الحدود بسبب الحرب العالمية الثانية، ومن الواضح أنّه لا يمكن بشكل عام تغيير هذه الحدود إلاّ بحروب جديدة أو ثورات غير طبيعية، كالزلازل، والتقاء الأرض بالشهب، أو ما أشبه ذلك، فإنّه يوجد على سطح الكرة الأرضية مناطق متميّزة، فإنّ الله سبحانه وتعالى فضلّ الأشياء بعضها على بعض، كالتراب، والذهب، وكالإنسان المفضّل على غيره؛ كما قال سبحانه وتعالى: ((وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً))(82)، والذي يظهر من الروايات والآيـات أنّ فــي الآخرة أيضـاً مناطـق مفضّلة بعضها على بعض، كما قال سبحانه وتعالى: ((انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَـى بَعْضٍ وَلَلآخِـرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً))(83).
وفي الحديث أنّ بعض الناس يسألون عن أصدقائهم، فيقال لهم إنّه في مرتبة كذا فينظر إلى تلك المرتبة، كما ينظر أهل الأرض إلى النجوم(84)، وهذه المناطق المفضّلة في الأرض على مدى العصور، دلّت على أنّها أكثر ملاءمة من غيرها لسكنى البشر.
ولا يخفى أنّ مسألة الإنسان الأوّل(85)، كما يذكره المؤرّخون الغربيون الجدد ومن إليهم إنّما هو تخرّص بالغيب، وإلاّ فإنّنا نحن المسلمين نعتقد بأنّ الإنسان الأوّل هو آدم (ع)، وقد جاء من الجنّة إلى الدنيا بحضارة كاملة، ظهر بعضها ولم يظهر بعضها الآخر حسب الظروف والملائمات(86).
وعلى أيّ حال: ففي هذه المناطق المعتدلة، وجد الإنسان أفضل الشروط للعيش، ولهذا توجّه إلى تلك المناطق، والاعتدال إنّما يكون بالماء، والهواء، والتربة. أمّا تلك المناطق التي تقع إلى الشمال من مدار السرطان مثلاً، فتشكّل شريطاً متّصلاً تقريباً، يمتد من شواطئ الأطلسي إلى شواطئ المحيط الهادي، ويبلغ طوله آلاف الكيلومترات، ويمكن أن ندخل فيه الشريط الساحلي في إفريقيا الشمالية الذي يبدأ من المغرب ويصل إلى مصر ثمّ يتّصل بالهلال الخصيب في آسيا الصغرى.
وتاريخ هذه المناطق مجهول لنا إلاّ بالتخرّصات، والتخمينات، والظنون، ومن الواضح ((إنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً))(87) كما قاله سبحانه وتعالى، وقد اكتشف قبل سنوات قرب مدينة مشهد المقدسة الإيرانية مدينة ذكروا أنّ عمرها 5 آلاف سنة، كما اكتشفت في الصين أجساد موميائية، ذكروا أنّ عمرها 10 آلاف سنة، وقبل مدّة قرأت في إحدى الصحف العالمية أنّ في مصر مدينة قدّر العلماء عمرها 150 ألف سنة، وهناك في إفريقيا اكتشفت جماجم إنسانية قدّروا عمرها بسبعين مليون سنة، واكتشف في ألمانيا بعض الأسماك التي قدّر عمرها بثلاثمائة مليون سنة، وهكذا.
وكم يبقى من العالم أيضاً فإنّه مختلف فيه أبعد الاختلاف عند علماء الغرب، فمنهم من ذكر أنّ بقاء الدنيا بهذه الحضارة والكيفية عمرها المستقبلي خمسة مليارات من السنوات(88)، كما ذكر بعضهم أنّ عمر الكون حسب موازينهم 16 مليار سنة، وذلك ممّا لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى .
نعم، في العصر القريب كان الجزء الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسّط منطقة لقاء بين الحضارات منذ أقدم عصور التاريخ المدوّن، بل ومنذ عصور ما قبل التاريخ على الاصطلاح الحديث. أمّا ما وراء المحيط الهادي، فإنّ المنطقة المعتدلة تمتد حتّى أواسط الأمريكيتين، فالمكسيك والبيرو كانتا مهد حضارات سابقة، ولكن هذه الحضارات تطوّرت بدون احتكاك مع العالم الخارجي قبل وصول الأسبان أو المسلمين حسب ما يعتقد المسلمون حولها، وخطوط التصدّع في هذه القارّة هي بلا شكّ أقلّ وضوحاً من تلك الخطوط المماثلة الموجودة فوق القارات الآسيوية والأوربية، ولأنّ مـن ينظر إلى هاتين القارتين آسيا وأوربا يراهما ملتحمتين بشكل يجعل خطوط التصدّع الموجودة فوقهما متّصلة بدون انقطاع، فقد بدأت فيهما الحضارات التي يسمّونها بالعظمى وتطوّرت منذ آلاف السنين.
وإنّما ذكرنا ذلك لمجرّد المثال وإلاّ فالأمثلة كثيرة، ولعلّ الأمثلة في المجرات الأخرى أو في الأنجم الأخرى في مجرّتنا تكون أروع وأوسع في الطول والعرض والعمق. وقد ذكر بعض العلماء(89): إنّه ما لا يقل عن 100 ألف كوكب يسكنها البشر. وقد ذكر الإمام علي (ع) حينما سئل عن الكواكب؟ فقال: (مدائن مثل المدائن التي في الأرض)(90). لكن الذي يظهر من الآيات والروايات أنّ الشيء الذي يبقى ممّا يكون الزيادة عليه مؤقّتة، والنقيصة عنه مؤقّتة أيضاً هي الفطرة، كما قال سبحانه وتعالى: ((فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا))(91) وأمّا التقاليد والعادات والأعراف والقوانين الموضوعة وما أشبه ذلك، فكلّها وقتية سواء دام وقتها عشرات السنوات أو لم تدم إلاّ سنوات قلائل. ولهذا نشاهد في البشرية منذ بداية التاريخ سواء التاريخ الديني الذي يبتدئ بآدم (ع) وما بعده أو التاريخ الحضاري أو الغربي أنّهم كانوا متشابهين في كثير من الأمور، وإنْ كانوا مختلفين في العادات والتقاليد والأعراف والقوانين الموضوعة وما أشبه ذلك. لكن التاريخ البشري ليس منه بأيدينا لا دينياً ولا دنيوياً الشيء الكثير، بل إنّ الذي عندنا بعض المجملات، وكنت في السابق احتمل أنّ نوحاً (ع) كان قبل مائة مليون سنة، ثمّ وجدت في كتاب حديث أنّ الغربيين حدّدوا زمن نوح (ع) حسب موازينهم بثمانين مليون سنة، وهكذا فالمحلّل التأريخي يحتاج إلى مقدار كبير من المفردات الزمانية والمكانية والشرائطية وما أشبه ذلك، حتّى يتمكّن من تحليل التاريخ وفلسفته واستخلاص ذلك الكلّي المبطّن في هذه الأمور أو الحضارات.

مهمّة المؤرّخ

مسألة: على المحلل التاريخي أن يراعي ظروف الزمان والمكان والشرائط والخصوصيات والملابسات للأحداث والأمم التي أصابتها تلك الأحداث، وألاّ يصدر أحكام الزيغ والضلال على الماضي، أو إصدار أحكام الزيغ والضلال على المستقبل حسب موازينه الشخصية.
إنّ إصدار أحكام الزيغ والضلال خاصّ بالله سبحانه وتعالى وبأنبيائه عليهم أفضل الصلاة والسلام سواء كان بالنسبة إلى الماضي أو بالنسبة إلى المستقبل، فلا يحقّ للمؤرّخ والفيلسوف أن يجعل من نفسه واعظاً عقيدياً معتمداً على ذوقه الشخصي، لأنّ ذلك لن يؤدّي إلاّ إلى أحكام خاطئة إذا قيست بعقلية ذلك العصر، الذي يدرسه سواء بالنسبة إلى العصر الماضي أو العصر المستقبلي، فإنّ لكلّ عصر تاريخاً بل لكلّ حقبة ذلك، كما أنّ لكلّ حضارة شخصيتها وقيمها، وليس للمؤرّخ أن ينظر إلى الماضي من خلال معايير الحاضر، كما أنه لم يكن للمؤرخ السابق أن ينظر إلى الحضارة الحاضرة حسب مقاييس الماضي، وإن كان بين الماضي والمستقبل والحاضر معايير كلّية هي كالروح السائدة في أجزاء البدن، أمّا الوصول إلى ذلك فهو مشكلة المشاكل، ولا يمكن إلاّ بقدر معين من العلم وقدر معين ممّا ورثه الإنسان عن الأنبياء عن الله سبحانه وتعالى. فإنّ الإنسانية ليست شكلاً واحداً ولا طابعاً مستقلاً ولا نمطاً متفرداً ماضيه ومستقبله وحاضره، إلاّ في صور خاصّة وموازين قطعية.
ولذا ينبغي التعبير عن كلّ عصر بتعبيرات خاصّة به، لأنّ لكلّ عصر ولكلّ أمّة طابعاً فريداً غير قابل للتكرار، بل قال بعضهم: إنّ كلّ فرد من الإنسان كلّي منحصر بفرده في الخصوصيات والمزايا والشرائط والأفكار وما أشبه ذلك، وقد أشار إلى ذلك القرآن الحكيم ـ فإنّه قابل للتطبيق على الأمم وعلى الأفراد وعلى الجماعات ـ قال الله سبحانه وتعالى: ((أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا))(92)، فإذا أردنا أن نمثل ذلك بأوانٍ، فهناك إناء يستوعب مثقالاً من الماء وهناك إناء فوق ذلك وفوق ذلك إلى أن يصل إلى بحار الدنيا، حتّى يصل إلى ما يكون بحار الدنيا جزءاً صغيراً منها كما قال سبحانه وتعالى: ((وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ))(93)، فأفضل ما خلق الله الماء في إطار الماديات ثمّ جعل من الماء السماء كما قال سبحانه وتعالى: ((وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات))(94)، ولا نعلم إلى اليوم أنّ المراد بسبع سماوات هل العدد أو المبالغة كما قال: بكلٍّ بعضٌ.
وعلى كلّ حال: فليست الحضارة المصرية القديمة كالحضارة العراقية، أو الآشورية أو ما أشبه ذلك، كما أنّهما لا يشابهان حضارة الصين، أو حضارة اليونان، أو حضارة الرومان، وهكذا لا تشابه بين حضارة اليهود الموسوية، وحضارة المسيحيين العيسوية، وحضارة المسلمين المحمّدية صلوات الله على أنبياء هذه الحضارات، وإن كان يشبـه بعضهـا بعضـاً في الجامع الذي أقرّه الله سبحانه وتعالى، حيث قال: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(95)، فإنّ (الأنبياء أخوة من أمّهات شتى) (96)؛ كما ورد فـي الحديث، وإنّما الفروق تكون زمانية ومكانية وحسب خصوصيات الأمم. ولذا قال عيسى المسيح (ع) لليهود: ((وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ))(97)، وقال سبحانه وتعالى: ((وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ))(98)، ثمّ غير تلك الجهة العامّة بالنسبة إلى الحضارات المختلفة، فقد تشكّلت كلّ منها بطريقة متمايزة منفردة؛ ومن ثمّ وجب على المؤرّخ أن يلاحظ العصر الذي يدرسه والدين الذي يدرسه وما أشبه ذلك.
وعليه، فاللازم على من يريد معرفة فلسفة التاريخ ألاّ يتجاوز ظروف الزمان والمكان والشرائط والخصوصيات والأمم، حتّى يصدر أحكاماً مطلقة، فهذا غير صحيح، إلاّ في الكلّي العامّ الدقيق الجاري في الكلّ، مثال ذلك مثال الفواكه المختلفة التي فيها جامعٌ عامٌ من العناصر الأربعة، بينما لكلّ واحد منها لون وشكل وطعم وخصوصية ومزيّة وخاصيّة وغيرها.
وقد قرأت في بعض الكتب أنّه يعيش على الكرة الأرضية 30 مليوناً من الأحياء سواء كانت أحياء نباتية أو أحياء حيوانية أو أحياء إنسانية، وهذه الثلاثون مليوناً على فرض صحة هذا الرقم فيها جامعٌ واحدٌ من الحياة النباتية أو الحيوانية أو الإنسانية، بينما لكلّ واحد منها خصوصية ومزيّة، كما نشاهد ذلك بالنسبة إلى النباتات المختلفة، فأحدها لا يشبه الآخر إطلاقاً، وإن كان في الجميع جامع واحد يعبّر عنه بالنبات، أو بالنسبة للحيوان يعبّر عنه بالحيوان.

المنهج المادّي في دراسة العلوم

مسألة: لا يتسنى التعرّف على روح الأمّة، وشخصيتها المعنوية، وفلسفة التاريخ بمنهج العلوم الطبيعية من فيزيـاء وكيمياء؛ إذ هذه العلوم الطبيعية لا تكشف إلاّ عمّا هو ظاهري وخارجي، بينما فلسفة التاريخ أمرٌ معنوي، وروح عامة. والماضي التاريخي والمستقبل الآتي والحاضر أمر روحي، ولا يمكن التعرّف على الروح من الظاهر، وإنّما الروح هي التي تعرف الروح، أمّا الظاهر فيعرَّف بظاهر ويعرِّف الظاهر. فالروح الداخلية للإنسان هي التي يمكن أن تكشف روح العصر سابقاً أو حالاً أو مستقبلاً، فلابدّ للمؤرِّخ الذي يريد أن يتعرّف على شخصية الأمّة ويصل إلى روحها العامة ـ ممّا نسميه بفلسفة التاريخ ـ أنْ يتفاعل مـع الأمّـة وأنْ يستشعر فـي ذاته تراث الأمّة، ولا يتسنى فهم ذلك من خلال الأمور الطبيعية والعلوم الظاهرية، فإنّ الإنسان ليس مجرّد عقل، ولا مجرّد عاطفة، ولا ما ينبع عنهما من الإرادة المنتهية إلى الأعمال الخارجية، بل الإنسان كلّ ذلك.
وفي هذه الأمور الفردية تختفي الروح العامة كما لا تفهم شخصية الإنسان إلاّ في ضوء هذه الجوانب كلّها، أي إنّك إذا أردت أن تعرف زيداً، فلابدّ أن تسبر عقله، وتعرف عواطفه، وتدري كيفية استخدامه لإرادته، كذلك الروح المميّزة للأمّة في عصر معيّن، لا تفهم إلاّ في ضوء مكوّناتها جميعاً. وليست هذه الأمور مجرّد أفعال خارجية، وأمور ظاهرية من اقتصاد، وسياسة، واجتماع، وتربية، وفكر، وما أشبه ذلك، وإنّما طبيعة باطنية، تكمن خلف هذه الأفعال، وتشكّلها في صور مختلفة، ونواحٍ متعدّدة، وكما لا يمكن فهم الإنسان الواحد إلاّ من خلال مرور الزمان، وعبر مظاهر إرادته، وليست البواعث الذاتية محدّدة تحديداً جازماً لسلوكه، كما تحدّد خصائص الشجرة وفقاً للبذرة، وكذلك بالنسبة إلى الحيوان، فإنّ البذرة، والحيوان الصغير، إذا رآه الإنسان، وكان عارفاً بنوعيته وخصوصياته، يعرف الشجرة، والحيوان الكبير المتحوّل من هذا الحيوان الصغير، وليس الإنسان كذلك من حيث علاقته بالتاريخ الماضي، وكذلك المستقبل، فإنّ الحياة البشرية طابعها الاستمرار كلّ لحظة، ترتبط بأخرى لتكوِّن وحدة متكاملة، وهذا الإنسان يتغيّر تغيّراً سريعاً، ويتنوّع تنوّعاً مختلفاً، وبينما نشاهد أنّ الحيوان منذ أنْ حفظ التاريخ لم يتغيّر عن حالته السابقة، وإنّما يعمل النحل بكيفية خاصّة، والنملة بكيفية خاصّة، وهكذا بالنسبة إلى الأسد، والدبّ، وسائر الحيوانات، بينما نرى الإنسان في ارتقاء وانخفاض، وصعود ونزول، وتوقف وتحرّك، لأنَّ الإنسان يحمل إرادة واعية، ويتصرُّف باختيار، وحرية في المواقف التي تواجهه، لذلك لا يمكن تخمين رد الفعل الإنساني في استجابته. أمّا الحيوان؛ فإنّه يتصرّف حسب غريزته؛ لذلك يكون ردُّ فعله واحداً.
كما هو بالنسبة إلى الفرد، كذلك بالنسبة إلى الأمّة، فإنّ الإرادة والاختيار شيء غريب في الإنسان لا يعرف حقيقتهما إلاّ الله سبحانه وتعالى، وقال عزَّ وجلَّ: ((الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى))(99)؛ أيّ خلقه وهداه إلى مصالحه مستمرّاً وهكذا في الحيوان على نحو واحد، مع تغيير يسير في سلوكه وحياته، وكذلك حال الشجرة، والفرق بينهما الروح الحيوانية، وعدم الروح الحيوانية. كما أنّ هناك فرقاً آخر بين الحيوان والشجر، إنّ الشجر مرتبط بالأرض، بينما الحيوان يتحرّك هنا وهناك، بينما الإنسان يختار، ويفعل، ويتغيّر يوماً بعد يوم، ارتفاعاً ونزولاً، وقلّةً وكثرةً، وتجدّداً وتجمّداً.
وتفهم الحياة الإنسانية في ضوء الاستمرار، والتنوّع، والتغيّر في الزمان، وليس هناك أيّ كائن حيّ آخر تتسم حياته بذلك حسب علمنا، إذ نحن لم تصل علومنا إلـى معرفة سائر الكائنات الحيّة بخصوصياتها كالجنّ، والملك، والشيطان، وما أشبه ذلك، لكن مقتضى أنّ الأنبياء بعثوا إلى الجن والأنس، وأنّ الجن أيضاً له شبه بالإنس في بعض الخصوصيات، ولذا كان عرضة للامتحان، والسؤال والجواب، والثواب والعقوبة، ولكن من الظاهر أنّه لا يصل إلى حدّ الإنسان في الوصول إلى هذه الخصوصيات، ولذا فقد ورد في الأحاديث: (إنّ محلّ الجنّ الصالح الأعراف لا الجنّة) .
ومن ناحية أخرى، فإنّ حاضر الإنسان مشحون في الماضي، كما أنّ الحاضر مشحون بتوقّعات المستقبل، ولذا نجد آنات الزمان لدى الإنسان في ديمومة، وانفصال، واستمرار، وعلوّ، وهبوط، وتجدّد، ولا نجد مثل هذا الاتّصال أو الاستمرار في العالم الطبيعي، ولا في مثل عالم الحيوان والشجر. وإذا انتقلنا من الفرد إلى المجتمع، وجدنا الماضي ماثلاً في الحاضر على نطاق أكثر اتساعاً متّخذاً شكل تراث من أنظمة، وعقائد، وأفكار، ومعارف، وصنائع، واقتصاديات، وسياسيات، واجتماعيات، وغير ذلك ممّا يشكّل تراث الأمم، ومن ذلك نعرف شخصيات أولئك والروح العامة فيهم ممّا نسميه بفلسفة التاريخ، والمقولات الأساسية التي تميّز الزمان التاريخي هي التنوّع، والتغيّر، والديمومة، والصعود، والنزول، والتجدّد، والتجمّد.
ولابدّ أن تكون للمؤرّخ الذي يريد دراسة التاريخ، والوصول إلى الروح العامة منه، حاسّة تاريخية كي يدرك ذلك، ومن ثمّ يتجنّب النظر إلى الماضي باعتباره صورة مماثلة للحاضر من جانب السابق، وهكذا بالنسبة إلى المستقبل في الجانب الآتي. فلا يستطيع المؤرخ أن يستنسخ الماضي، أو المستقبل حسب محدوديته، ونظرته الضيقة في الحاضر.

دور القيم والمشخص

ثمّ لا يخفى أنّ الحضارة جوهرها القيم، فإنّ القيم المعنوية هي التي تدير الحضارة بصور مادّية مختلفة، فقيم الشيوعيين هي التي تدير الشيوعية، كما أنّ القيم الرأسمالية هي التي تدير الرأسمالية، وقيم الإسلام هي التي تدير بلاد المسلمين، والأمر كان كذلك من القديم، لأنّ الإنسان هو الذي أقامها، وإن كان ما يقدّمه الإنسان جوهره القيم، ولكنهّ ليس معزولاً عن الوجود المشخّص.
ومـن هنـا لـم تكـن القيم تنتمي إلى الإنسان فقط، بل إلى الوجود المشخّص أيضاً. إذ لا وجود بغير تشخّص، فإنّ الكلّي الطبيعي على اصطلاح المنطقيين هي الماهية بالوجود المشخّص كما قال الحاج السبزواري:
كليّ الطبيعي هي المهية***وجودُه وجودها شخصيّة(100)
فعلاقة الإنسان بالوجود، وعلاقة الوجود بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى إنّما تكون علاقة ذات بعدين: بعد التشخيص، وبعد الحقيقة.
والأخير هو الذي يحمل القيم ويسري إلى الوجود الشخصي. فالإنسان حقيقة وشخصية وقيم، والقيم مربوطة بكليهما، وهناك شخصية وهناك جماعة وهناك نوع وهناك جنس، ولكن الجماعة والنوع والجنس لا وجود لها بدون الأفراد.
ومن هنا كان لابدّ لنا أن نلاحظ هذه الأمور الأربعة، والقيم إنّما تكون منسوبة إليها جميعاً، فيقال قيم زيد وقيم الحزب الفلاني وقيم نوع الإنسان، وربما قيم نوع الحيوان، فإنّ للحيوان أيضاً قيماً يسير عليها مثل قيمة الغضب أو الرضى أو الشهوة أو ما أشبه ذلك، ممّا يشترك الإنسان والحيوان فيها، ولذا يقال الوجدان الفردي والوجدان الجماعي، والوجدان الجماعي عبارة عن مجموعة وجدانات فردية تهيمن عليها قيم واحدة.
ومن الواضح أنّ القيم غير النوع، كما أنّ النوع غير الجماعة، والوجدان هي المكوّنة في داخل الإنسان ممّا يعطي الإنسان القيم، والإنسان هو محلّ القيم، ولولا وجود الإنسان لما كان هناك شيء نسميه عالم القيم، إلاّ أن نوسّع في القيّم لتشمل الحيوان أيضاً على ما ذكرناه. ولولا وجود القيم لكان الإنسان في حالة طبيعية لا لون له. ولذا قال الله سبحانه وتعالى: ((صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً))(101)، والصبغة تكون في ظاهر الإنسان وفي باطنه.
مثلاً: صبغة الرحمة أو صبغة العنف، فإنّ النفس تتلوّن بهاتين الصبغتين ثمّ لهاتين الصبغتين مظهر في خارج الإنسان، حيث يكون الإنسان عنيفاً أو يكون في أموره رحيماً، ولذا قال الله سبحانه وتعالى: ((وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ))(102) والفظّ في الظاهر، و غليظ القلب في الباطن، وقد ذكرنا في بعض كتب تفاسيرنا أنّ قوله سبحانه وتعالى: ((الرحمن الرحيم)) حكاية عن ظاهر الرحمة وباطن الرحمة مع أنّ الله سبحانه وتعالى ليس له نفس وظاهر بمعنى الإنسان، وإذا أردنا أن نقيس ذلك بالإنسان نجد أن بعض الناس يظهرون الرحمة ويبطنون الفظاظة، وبعض الناس باطنهم الرحمة أمّا ظاهرهم فالقسوة، وكلاهما خلاف موازين الإنسان والإنسانية، والله يريد أن يبيّن بقوله: ((الرحمن الرحيم)) حسب ما يستفاد من هاتين الكلمتين أنّه ظاهر الرحمة، وباطن الرحمة أيضاً، وفي التعبير العرفي يقال فلان رحيم القلب، ولا يقال رحمان القلب، وبذلك يظهر أنّ الحضارة مرتبطة بالوجدان، كما أنّ فلسفة التاريخ والروح العامة أيضاً كذلك، لكن ليس معنى ذلك أنّ الروح العامة لا تظهر في المظهر، وإلاّ فمن الواضح أنّ الروح العامة تظهر في مظهر كلّ فرد فرد، وجماعة وجماعة، وأمّة وأمّة، وهكذا.
علاقة الوجدان الاجتماعي بالله سبحانه
إنّ الوجدان الاجتماعي لا يتحقّق في الإنسان إلاّ بالأمور الخارجة عن ذاته وبتفكيره، بالإضافة إلى عوامله الفطرية، مثلاً الوجدان الصحيح إنّما يتكون بعامل الدين، ونتيجة اعتقاد الإنسان بالله الرقيب عليه الذي بيده نفعه وضرّه، وبإيمانه باليوم الآخر حيث يحاسب عليه، وإحساس الإنسان الفطري بذلك.
أمّا ما يقوله بعض الفلاسفة من أن مصدر القيّم الصحيحة والوجدان هو الذات فقط، فهو غير تامٍ، إذ كيف يمكن للوجدان أن يتحقّق بدون الإيمان بالله واليوم الآخر. والعقل وإن كان ينادي بالأشياء الحسنة وترك الأشياء القبيحة، إلاّ أنّه محدود إذا لم يكن هناك ضوء من الخارج، وخوف من الله سبحانه وتعالى، لم يتمكّن العقل من القيادة، ولهذا نشاهد أنّ العقلاء دائماً في العالم موجودون، ومع ذلك تقع المظالم التي لا حدود لها، وقد اعترف بذلك حتّى كبار العلمانيين، ففي كتاب نصر بلا حرب، الذي كتبه نيكسون(103)، الرئيس الأسبق للولايات المتّحدة، جاء فيه هذا النصّ: لقد نهض بتأسيس أميركا أفراد كانوا ينشدون الحرّية الدينية، وأرادوا أن يكون لهم حقّ عبادة الله بطريقتهم الخاصّة، وأن يبحثـوا عن معنىً للحياة حسب شروطهم الخاصّة. وعلينا ألاّ نغفل عن هذا المبدأ الموحى من مبادئ بلادنا، وعلينا ألاّ نسمح لمنافستنا مع موسكو بأن تنحدر، وتصبح سباقاً بين الطرفين على أيّهما يستطيع إنتاج أكبر عدد من القنابل، وأطول العمارات، وأعلى معدّل للدخل الفردي من الناتج القومي الإجمالي، فإنْ كانت الثروة المادّية هـي هدفنـا الوحيد، لـم نختلف فـي شيء عن الشيوعيين. علينا أن نصغي إلى التحذير الذي ساقه ماركس، وكون المادّية مخرّبة أنانيّة تصبغ الروح البشرية بالبيروقراطية في قفص حديدي نقدّمه إلى الغرب. علينا أن نوجّه المنافسة الأمريكية ـ السوفياتية إلى اتّخاذ طريق الحوار حول أفكار الطرفين وأيّتها تسفر لا عن أقوى أو أغنى اقتصاد فحسب، بل تسفر كذلك عن أعدل المجتمعات، والشيوعيون ينكرون وجود الله، ولكنْ ليس هناك من منكر أنّ الشيوعية عقيدة، وفي اعتقادنا أنّها عقيدة زائفة، ولكنّ الردّ على العقيدة الزائفة لا يمكن أبداً أن يكمن في إنكار العقيدة، وإنّما كانت أميركا ضعيفة، وفقيرة، منذ مائتي سنة مضت، كانت عقيدتنا هي التي أبقت علينا، ونحن ندخل القرن الثالث، ونستقبل الألف سنة المقبلة، أن نعيد اكتشاف عقيدتنا، وأن نبثّ فيها الحيوية إلى آخر كلامه.
ولكن يضاف إلى ذلك أنّ العقيدة المسيحية التي كانت عقيدة آباء الأميركيين والأوربيين لم تتمكّن من ردّ الشرور، ولهذا أقاموا الحربين العالميتين في أقلّ من نصف قرن(104)، بالإضافة إلى المليارات من المشاكل الفردية والجماعية التي تموج فيها أميركا وأوربا، ولا علاج إلاّ بالرجوع إلى الإسلام. والإسلام هو ما تدعو إليه المسيحية الصحيحة التي تناسب الوقت الحاضر. ولذا ورد أنّ (الأنبياء أُخوة من أمّهات شتى)(105). وورد في القرآن الكريم: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمـَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِـنْ رَبِّهِـمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيـْنَ أَحَـدٍ مِنْهُـمْ وَنَحْنُ لـَهُ مُسْلِمـُونَ))(106). إذ المسيحية بدّلت وغيّرت كثيراً من مفاهيم المسيح (ع)، فهل قول المسيح المشهور: (إذا ضُربت على خدّك الأيمن فمدّ له خدّك الأيسر، وإذا سلبك العدو شيئاً أعطه شيئاً آخر)(107)، هو المطبّق في الغرب المسيحي، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا الاستعمار والاستثمار؟ ولماذا فـي أميركا وحدها فـي الحال الحاضر يوجد 30 مليون فقير كمـا صرّحوا هم بذلك؟ ولماذا؟ ولماذا؟ وما أكثر هذه التساؤلات.
لا يقال: إنّ الرجوع إلى المسيحية الموجودة كاف.
لأنّه يقال: المسيحية حُرّفت، والتحريف هو سبب المشاكل التي لا تعدّ، إضافة إلى أنها تلبي بعض الحاجات، وتغطي بعض الجوانب، ولذا أصبح دين الإسلام كصيغة متكاملة وصحيحة خاتمةً للأديان.

متطلّبات الباحث في فلسفة التاريخ

مسألة: من ينظر إلى فلسفة التاريخ، يحتاج إلى أمرين: النظر إلى المفردات، والنظر إلى الظروف.
لأنّ كلّ واحد من المفردات، والظروف هي التي سبّبت تلك النظرية، فالإنسان ليس معصوماً ـ إلاّ من عصمهم الله سجانه وهم قلّة ـ حتى يدرك الواقع، فيكتب عنه، فإذا لم يعرف المفردات، لا يعرف الروح العامة، وتلك المفردات، لا تكون معلّقة فـي الفراغ، وإنّما تكون مفردات بظروف خاصّة، زماناً، ومكاناً، وشرائط، وأجزاءً.
فعلـى سبيل المثال: مـن يريد أن يدرس نظرية فلاسفة اليونان، الذين قالوا بشيء، فإنّ مجرّد قراءة النصّ في لغة اليونان، التي تكلّم أولئك الفلاسفة بها ليس كافياً، وإنّما عليه أن يستوعب المشكلة التي تشكّلت بسببها نظريات أولئك الفلاسفة، حيث أرادوا حلّ تلك المشكلة. فعليه أن يدرس مفرداً مفرداً، كنظرية أفلاطون، ونظرية سقراط، ونظرية ديوجنس، وهكذا.. ثمّ يدرس النظريات البديلة التي يمكن أن تقدّم حلاًّ للإشكال نفسه، ثمّ عليه أن يدرس عوامل اختيار أولئك الفلاسفة لتلك النظريات دون سائر البدائل، وهذه الدراسة تحتاج إلى معرفة الزمان، والمكان، والمزايا، والشرائط، والخصوصيات، التي منها نشأت نظريات أولئك الفلاسفة.
ومثال آخر: إذا رأينا عشرة من الفلاسفة قالوا بوحدة الإله، وعشرة قالوا بالاثنينيّة، وعشرة قالوا بالأكثر من ذلك ـ كما نسب شرح التجريد إلى الرّازي أنّه قائل بآلهة خمسة أو على الأصحّ بقدماء خمسة. وأراد الباحث أن يدرس نظرية أولئك الموحّدين على حدة، فيدرس نظرية الأوّل، والثاني، والثالث، والعاشر منهم مفردةً مفردةً، فإنّ نظرية التوحيد أيضاً يمكن أن يكون فيها اختلاف، كما نشاهد أن جماعة من المسلمين، يقولون بالتوحيد ومع ذلك يقولون بالتجسيم، وجماعة يقولون بالتوحيد ولا يقولون بالتجسيم، وهكذا. وبعد ذلك يدرس النظريات البديلة للذين يقولون بالتعدّد أو ما أشبه ذلك، ثمّ يدرس ظروف نظريات القائلين بالتوحيد زماناً، ومكاناً، وشرائط، وخصوصيات. وبذلك يستخلص تلك النظرية التي كانت لأولئك، وذلك الاستخلاص يعطي روح التاريخ، وفلسفته.
وعلى كل حال: فإنّ فهم أفكار الآخرين وتجاربهم، لا يقف عند مجرّد فهم المواقف، والأفكار، والسلـوك، بل اللازم أن يعيش هذا الذي يريـد الوصول إلى فلسفة التاريخ معيشتهم، ويجعل نفسه كأحدهم بشروطه الزمانية والمكانية، حتى يصبح جزءاً مـن كيانهم، وكأنّه عاش فـي ذلك الوقت. مثلاً: يفترض نفسه سقراطاً بزمانه، ومكانه، ومزاياه، وخصوصياته، والنظريات المقابلة لنظريته، وذلك لكـي يبعث الروح فـي رفات ذلك الماضـي، ويكون كأنّه هـو.
ومن الخطأ أيضاً القول: إنّ التاريخ مجرّد دراسة لما وقع، لأنّ الواقع الفعلي يحدّد فكراً لابدّ أن يتمثّله المؤرّخ. ومن ثمّ فكلّ التاريخ تاريخ فكر وعمل، وحيث إنّ العمل إنما ينشأ مـن الفكر أيضاً، يكون التاريخ تاريخ الفكر فـي نهاية الأمر.
ومن الواضح هناك فرق بين دراسة التاريخ للوصول إلى فلسفته، وبين دراسة الأمور المرتبطة بالعلوم الطبيعية، ذلك بأنّه لا خصوصيّة للزمان، والمكان، والمزايا بالنسبة إلى الأمور الطبيعية كالأشجار فضلاً عن الجمادات، فإنّ الجمادات والأشجار لا حرّية لها حتّى تتغيّر وتتبدّل بخصوصيّاتها. ولذا نجد أنّها جامدة لا تغيّر فيها، وإن كان بعض العلماء قالوا بأنّ المستقبل البعيد جداً مثلاً مليون من السنوات يمكن أن تتغيّر الأشجار، ويمكن أن تتغيّر الحيوانات في مناهجها ـ مثلاً: النحل يبني بيوته مثمّناً عوض المسدّس، وأنّ شجرة البرتقال تعطي برتقالاً بشكل الرمّان وهكذا، بل قال ابن سينا (108): إنّ الحيوانات قابلة للنطق لكنّها تحتاج إلى جهود كبيرة كعشر سنوات أو عشرين سنة من التدريب.
وقد تمكن البعض من تدريب بعض الحيوانات على بعض الأصوات المفهومة.
وقد ذكر بعض علماء الغرب أنّه من الممكن أن تصبح الذئاب كالكلاب، مأنوسة بالناس فتأتي إلى البيوت، ولهذا جماعة منهم أخذوا يربّون الذئاب، ويعيشون معها لعلهم يصلون إلى هذه النتيجة.

الدراسة التاريخية تجربــة حدسيــة

مسألة: إنّ من ينشد فلسفة التاريخ، يحتاج إلى جمع المفردات، إذ الدراسة التاريخية تجربة حدسية مباشرة، تجعل شخصيات الماضي جزءاً من التجربة الحاضرة للمؤرّخ الذي يدرسها، فإنّـه ينبغي أن يكـون موضوع المؤرّخ موضوعاً اندماجياً ذاتياً، فإنّا إذا انتقلنا من الفرد إلى المجتمع، وجدنا الماضي ماثلاً في الحاضر على نطاق أكثر اتساعـاً، متّخذاً شكل تراث مـن أنظمة، وعقائد، وفكر، ومعرفة، وتكنولوجيا، وبذلك الماضي الماثل يتميّز تراث الأمم، ومن ثمّ تتشكّل شخصيّاتها الكلّية السارية في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ولذا نستكشف المستقبل أيضاً، ولكن الاستكشاف كما ذكرناه ليس قطعياً بل ظنّياً، حيث إنّ الاستقراء لا يكون تاماً، والذي يفيد هو الاستقراء التامّ، وأمّا الاستقراء الناقص فلا يفيد إلاّ ظناً. وعلى مبنى الاستقراء الناقص، بنى العالم الغربي كما هو المشاهد في اتّخاذهم نتائج من فحص مئات، أو ألوف، أو أقلّ من ذلك البشر في ناحية خاصّة ثمّ يحكمون على البشرية من تلك الناحية، ولابدّ أن تكون للمؤرّخ حاسّة تاريخية؛ كي يدرك ذلك، ومن ثمّ يتجنّب النظر إلى الماضي باعتباره صورة مكرّرة، أو مماثلة للحاضر، وتتّضح خلفية هذه الحاسّة أخلاقها حين يعالج مثلاً مسميات من الدولة الرومانية، مثل الشريف، والنبيل والرقيق، والعبد، والسيد، وما أشبه ذلك، فإنّه لا يصحّ أن تفهم هذه المسمّيّات كما نفهمها الآن، وذلك ما ذكروه في الأصول حيث قالوا: يلزم علينا أن نعرف مفاهيم الألفاظ في زمان المعصومين (ع)، وكثيراً ما يكون مفهوم لفظ في زمان غير مفهوم لفظ في زمان آخر.
كما أنّ الأمم أيضاً تختلف في المفاهيم ـ مثلاً ـ لفظ النجس بالنسبة إلى الهندوسي عبارة عن أنّه إذا نظر إليه تنجس بصره، أو مسّه بلا رطوبة، تنجست يده، بينما مفهوم النجس عند المسلمين غير ذلك، وهذا هو الذي يسبّب التشويش التاريخي، ويقع فيه كثير من الناس.
وقد قال الحاج السبزواري:
فلازم للفيلسوف المنطقي*** أن ينظر اللفظ بوجهٍ مطلق(109)
لكن ما ذكره خاصّ بالمنطق، وإلاّ فالشأن كذلك بالنسبة إلى الفيلسوف التاريخي، أو الفيلسوف الرياضي، أو الفيلسوف الفيزيائي، وإن كان الإطلاق سيكون نسبياً حينئذٍ، وليس ينظر إلى اللفظ فقط، وإنّما تكون النسبة للمنحى الذي يقصده من التاريخ، أو الرياضيات، أو الفيزياء، أو غير ذلك.

التجرّد من الأهواء فـي دراسة التاريخ

مسألة: يجب على من يريد تحليل التاريخ وتناول فلسفته، التجرّد عن العواطف، والأهواء، والميول، والاتّجاهات السابقة، وإلاّ فالإنسان بطبعه يميل إلى الأهواء، والتبرير، وبذلك لا يتمكّن من تناول فلسفة التاريخ تناولاً واقعياً، وإنّما يفسّر التاريخ حسب نظره وبعيداً عن المنطق.
فالموضوعية مطلوبة في كلّ شيء، وخصوصاً في التاريخ، ولذا نشاهد أنّ الشيوعيين، يفسّرون التاريخ استناداً للعامل الاقتصادي، وفرويد(110)، يفسّر التاريخ حسب نظره إلى قضايا الجنس (111)، والبروتستانت، يفسّرون التاريخ حسب نظر مارتين لوثر(112) الإصلاحي، والكاثوليك، يفسّرون التاريخ على عكس ذلك، وهكذا نشاهد بين المسلمين من يفسّر التاريخ حسب وجهة نظر ابن خلدون(113)؛ لأنّهم يأخذون بمذهبه فـي التاريخ، بينما هناك من يرفض آراء ابن خلدون، ويفسّرون التاريخ خلاف ذلك، فتعارض التفسيرات التاريخية هو نتيجة اختلاف وجهات النظر بين المؤرّخين، لكن الواقع لا يحمل إلاّ شكلاً واحداً، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، وهذا صحيحاً، والصحيح إمّا في شيء ثالث، أو في أحدهما فقط، أو يكون بينهما عموم من وجه، فالبعض من هذا، والبعض من ذاك، أو البعض من هذا، والبعض من الأمر الثالث.
وليس الخلاف بين المؤرّخين ومن يذكرون التاريخ التحليلي هو نتيجة اختلاف العقائد، والأفكار، والمذاهب، والآراء، والاتّجاهات فقط سواء كان الأمر مرتبطاً بالاقتصاد، أو السياسة، أو الاجتماع، أو التربية، أو الفكر، أو ما أشبه ذلك. وقد ورد أنّ الإمام الصادق (ع)، كتب إلى ثلاثة من تلاميذه كلمة جيم، ففهم أحدهم من الجيم جلاء الوطن والأمر بترك الوطن. وفهم الثاني الذهاب إلى الجبال. وفهم الثالث الجنون، حتّى لا يُعتقلوا أيّام الخلفاء الجائرين.
والحاصل: أن التجرّد عن الميول، والأهواء، والاتّجاهات المسبقة، من الشروط الأساسية لذكر فلسفة التاريخ. وقد روي أنّ امرأة جاءت إلى رسول الله (ص)؛ ليقوم الرسول بنهي ابنها عن أكل التمر، فأرجأه الرسول إلى وقت آخر. ثمّ جاءت المرأة إلى الرسول (ص) مع ولدها، فنهاه الرسول عن أكل التمر؛ لأن التمر كان مضراً له، ولمّا سألت المرأة عن سبب الإرجاء؛ علل الرسول (ص) أنّه في ذلك اليوم الذي جئتي إليَّ كنت قد أكلت التمر، ومن فعل شيئاً لا يؤثّر كلامه في الآخرين، إذا أراد نصيحتهم في ذلك الشيء، فبناءً على صحة هذه الواقعة، فإنّ الرسول الأكرم (ص)، أراد تعليم الناس، وتذكيرهم بأنّ لا فائدة من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذا لم يلتزم الشخص عملياً بالأمر والنهي، يقول الشاعر:
لا تنهَ عن خلقٍ وتأتي مثله*** عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ(114)
ونقل أنّ الشيخ مرتضى الأنصاري(115)، سئل عـن مسألة، فأرجأ الجواب. فسألوا عن سبب إرجائه مع أنّه يعلم جواب المسألة، فقال: لأنّي أميل إلى هذا الجانب، وما قصدت أن أذكر جواباً يمكن أن يصدر عن ميل، وإنّما أردت مراجعة المسألة مرّة ثانية، للتدقيق فيها، حتّى أقول الجواب المجرّد عن الميول، وإن كانت الميول ميولاً فقهية(116).
فاللازم على من يريد تحليل التاريخ، أن يتجرّد عن ميوله، وينظر إلى الواقع بما هو واقع. وهذا وإن كان صعباً بالنسبة إلى غير المعصوم، لكنّه صعب يجب سلوكه، كما قال الشاعر:
لابدّ من صنعا***وإن طال السفر
وقول بعض علماء الغرب: إنّ تعارض التفسيرات التاريخية نتيجة اختلاف وجهات نظر المؤرّخين، لا يلغي بعضها بعضاً، وإنّما يكمّل بعضها البعض، وذاك أمرٌ ضروري طالما لا يمكن تحقيق الإجماع على قبول وجهة نظر معيّنة، وطالماً أنّ التاريخ تاريخ فكر لا وقائع؛ لا يخلو من التأمل.
إذ من الواضح أنّ هذا غير صحيح، فهل يمكن أن يكمّل المتناقضان أحدهما الآخر، أو المتضادان، أو فيما كانت النظريتان على طرفي ارتفاع النقيضين.
وعلى هذا، يلزم على الباحث أن يعرف وجهة نظر المؤلّف، وفكره، ومبادئه، وعقائـده، واتّجاهاتـه، ومناحـي نظرياته قبل فهم المادّة التاريخية التي يحرّرها، وكلّما كان الإنسان أقرب إلى البحث، والفحص، والتفتيش، والمناقشة، والمباحثة، وما أشبه ذلك، يكون أقرب إلى الموضوعية، والواقعية، وفلسفة التاريخ، وهذا الأمر هو الذي يقرّب الإنسان إلى الواقع في العلوم التي ليست كالهندسة، والرياضيات، وما أشبـه ذلك مـن الأمـور القطعية أمثال بعض مباحث علم الفلك.

اختلاف المقتضي

ولمّا كانت المقتضيات تختلف عند المؤرّخين المختلفين، الذين كتبوا الكتب التاريخية، فاللازم أن يحتاط الإنسان في النظر إلى آرائهم سواء كانوا يسردون التاريخ سرداً، أو يحلّلون تحليلاً. فإنّ السرد أيضاً يأتي فيه ذلك. إذ السارد، يحذف بعض التاريخ، ويزيد في البعض الآخر، ـ مثلاً ـ نشاهد أنّ الذين رووا أنّ رسول الله (ص) اتّكأ على الفضل وعلي (ع)، عند مجيئه إلى المسجد في المرّة الأخيرة، يذكر بعضهم الفضل لا عليّاً، ويقولون رجلٌ آخر، ويذكر بعضهم اسم علي لا الفضل؛ لأنّه من العباّسيين، وهم لا يحبّون العباسيين، ويذكر بعضهم ـ الحياديون ـ كليهما، ويذكر الرابع الشخصين مجهولاً، فيقول: اتكأ على نفرين من أصحابه. ولذا اشترط في راوي الحديث أن يكون ثقة؛ كما قال (ع): (لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا)(117). بل قال قبل ذلك القرآن الحكيم: ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))(118)، على ما يفصّله الأصوليون في بحث الخبر الواحد(119).
والانحراف في تفسير التاريخ، أو نقض التاريخ، قد يكون بسبب العاطفة الذاتية، إزاء من يؤرّخ لهم من الشخصيات، أو المطالب والقضايا، وأحياناً بسبب انتماء المؤرّخ إلى حزب معيّن، أو طبقة معينّة، أو اتّجاه خاص. ولذا فاللازم على من يريد تحليل التاريخ أن يتجرّد عن الأمرين، حتّى يأتي تاريخه موافقاً للواقع، أو أقرب إلى الواقع، وكذلك بالنسبة إلى تحليل التاريخ.
أمّا إذا كانت عقلية المؤرّخ وانتماؤه إلى طبقة معيّنة، فذلك يعني أن هناك خلفيّة تشكّل الطبقة التاريخية لذهن المؤرخ وعقله، ومن الطبيعي حينئذ أن يتميّز، ويتخيّر الوقائع والأفراد التي تؤيّد وجهة نظره، ويتجاهل، أو على الأقلّ يبخس من قيمة الوقائع، والأشخاص الذين لا يؤيدون وجهة نظره.
وقد قرأت في كتاب كتبه أحد الأشخاص، الذين كانوا لا يؤيّدون المشروطة اسم الآخوند الخراساني(120) بلفظة كاظم الهروي عليه ما عليه، بينما المشروطة والمستبدّة اتجاهان سياسيان، تزعّم أحدهما الآخوند الخراساني، والآخر السيّد اليزدي(121) قدس الله سرّهما، ونشأ هذا الاختلاف في الاتجاه السياسي نتيجة الاختلاف في الاجتهاد(122).
وقد ورد فـي الحديث: (إن للمصيب أجرين وللمخطئ أجراً واحداً)(123)، وبغـض النظـر عـن كونـه حديثـاً يطابـق الواقـع، فإنّ المصيب حيث سلك الطريق فله أجر، وحيث أصاب الواقـع لـه أجـرٌ ثـانٍ، بينمـا المخطئ حيـث ســلك الطـريق لــه أجـر، وحيث لـم يُصب الواقع لـم يكـن لـه أجـر ثـان. وهذا مـا نشاهده في الأحـزاب أيضـاً، كمـا رأينـا ذلـك فـي العراق قبـل أربعين سنة، حيث كانت الأحزاب الحـرّة، مثـلاً حـزب الأمّـة وحـزب الـدستور(124)، كان لهما اتجاهان، وكلّ واحد منهما يفسّر الأمور حسب نظر حزبه. كما أنّه يؤيّد، أو يبعّد الأفراد حسب أفراد حزبه، وعدم كونه من أفراد حزبه.

الصدق والكذب في التوريخ

ثمّ لا يخفـى: إنّ الصدق صدق، والكذب كذب، سواء عرفهما الناس أو لم يعرفهما، وسواء كان الذي لا يعرف على نحو الجهل المركّب، أو على نحو الجهل البسيط، وللشيء الواحد يقال صدقٌ؛ لأنّه يطابق الواقع، ويقال له حقّ؛ لأنّ الحقّ مطابق له على ما ذكره بعض العلماء.
ومـن الواضح: إنّنـا قـد لا نتمكّن أن نحكم على الدعوة التاريخية، أو غير التاريخية مثـلاً الاقتصاديـة، أو السياسيـة، أو الاجتماعيـة، أو العقائديـة، أو ما أشبه ذلك بأنّها صادقة، أو أنّها كاذبة، لكن من الواضح أنّ الإنسان قد يكون جاهلاً مركباً، فيرى الصدق كذباً، أو الكذب صدقاً، وهذا لا يضرّ بالواقع أعني كون الكذب كذباً، والصـدق صدقــاً، وعمـل المـؤرّخ إنّمــا هـو تسجيل الواقـع بدقّـة وأمـانـة كبيـريـن،فاللازم أن يلاحظ هل هذه الوثيقة صادقة، أم كاذبة؟. وهل نسبتها إلى راويها أو كاتبها مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع؟ فما وقع، يكون صادقاً، إذا رويناه كما وقع، وما لم يقع، يكون كاذباً، إذا رويناه باعتبار أنّه واقع. فالواقع واقع وإن لم يؤرّخ له مؤرّخ، أو لم يكتب له كاتب، أو لم يروِ له راوٍ.
نعم، لاشكّ أنّنا لم نؤت من العلم إلاّ قليلاً، والوثائق التاريخية قليلةٌ حتّى أقل من واحد، بالنسبة إلى مليار مليار جزء سواء كان من الحوادث القديمة، أو الحوادث المتأخرة. هذا بالإضافة إلى أنّ كثيراً من الوقائع التاريخية المعاصرة تكتمها الحكومات خوفاً من إفشائها، وحتّى لا يطَّلع عليها الناس إطلاقاً، إمّا لهدف سياسي، أو لهدف اقتصادي، أو لهدف اجتماعي. فهنا أمران بالنسبة إلى المؤرّخ: هل وقع الشيء الفلاني أم لم يقع؟، والمشكلة الثانية هي في الأمر الثاني، وهو في التعرّف على ما لم يقع.

مثالية الفكر والواقع

أمّا ما يتصوّر أنّ الواقع لا مثالية له، وإنّما الفكر له مثالية، فهذا غير صحيح، وقد شبهوا لذلك بالإنسان الذي لا يدرك أنّ وراءه أفعى، فإنّ عدم إدراكه، سبب لعدم تحرّكه، وعدم فراره، بينما الإنسان الذي يدرك أنّ وراءه أفعى، يفرّ وإن لم تكن الأفعى واقعاً موجودة. فقول بعضهم حيث قال: أنا أقول على المنضدة التي أكتب عليها إنّها توجد، أي إني أراها وأحسّها، وعندما يقال إنّ هناك رائحة، فالمقصود أنّها تشمّ، وأن هناك صوتاً، فالمقصود أنّه يسمع؛ غير صحيح.

الإدراك وعلاقته بالواقع

وقد أشكل الحسّيون على انفصال الواقع عن الإدراك بقولهم: إنّ وجود الأشياء غير المفكّر فيها وجودٌ مطلقٌ دون أيّة صلّة بكونها مدركة، فذلك ما يتصور على الإطلاق، فوجود الأشياء هو كونها مدركة بإحدى الحواس الخمس من بصر، وسمع، وشمّ، وذوق، ولمس.
أقول: وهذا الكلام خلط واضح بين الإدراك وبين الواقع، فالواقع واقع أُدْرِكَ أو لـَمْ يُـدْرَكْ. والمُـدْرَكُ مـُدْرَكٌ قـد يكـون واقعـاً وقـد لا يكون واقعاً، وإن اسـتدلّ بهذا بعض الإسلاميين من خلال الآية الكريمة: ((وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ))(125)، مع أنّهم كانوا يقولون: إنّك لرسول الله، ورسول الله (ص) واقع، ولكن حيث لم يدركوه، قيل: إنَّهم كاذبون.
لكن أجيب عن ذلك(126) بأنّ المراد بكذبهم أنّهم لا يقولون ذلك عن عمق وعقيدة والتزام، لا أنّهم كاذبون بالمعنى المصطلح للكذب، حيث لم يكن رسول الله (ص) في نظرهم رسولاً، ولذا تداركه الله سبحانه وتعالى بقوله: ((وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)) (127).
والحاصل أنّ هناك ثلاثة أشياء:
1. الواقع الذي يسمّى بالحقّ.
2. الإدراك
3. الوثيقة التاريخية.
فقـد تكـون الوثيقـة التاريخيـة التي ندركهـا واسطـة للوصـول إلـى الواقع، وقد لا تكون واسطة، فالوثيقة قد تكون طريقاً، وقد لا تكون طريقاً، حالها حال المقدّمة التي قد تكون موصلة، وقد لا تكون موصلة، فالتاريخ كما هو سواء كان حادثاً أو غير حادث، كقولنا: إنّ الله لا شريك له، فإنّ ذلك ليس بحاجة بل هو حقيقة إذا عرفناها، فقـد وجدنا السبيل إلى معرفته، فإنّ السلب يعرف كما أنّ الإيجاب يعرف، فأمّا الذي لا يقول ذلك فإنّه يتكلّم حول المعرفة واللامعرفة، والذهن واللاذهن.
نعـم، يترتّب علـى المعرفة واللامعرفة، الثواب والعقاب، ولذا قال رسول الله (ص): (رُفع ما لا يعلمون)(128)، فليس المراد بالرفع مطلقاً، بل الرفع في الجملة الذي منها رفع العقاب قطعاً، إذا لم يكن مقصِّراً بالمقدّمات، سواء كان عقاباً دنيوياً أو أخروياً.
نعم، يمكن أن يكون هناك أثر القضاء، والكفّارة، وما أشبه ذلك، كمن لا يعلم بخروج الوقت عن قريب، فلا يصلّي لا أنّه يريد العصيان، وإنّما يريد الصلاة بعد ساعة، بينما هو جاهل بأنه بعد ساعة يخرج الوقت، أو بعض أقسام كفّارات الحجّ أو ما أشبه ذلك.

فلسفة التاريخ وفلسفة الواقع

مسألة: إنّ معرفة الواقع الكلي، أو العام، هو المؤثر في فهم فلسفة التاريخ، سواء علم الإنسان هذا الواقع، أو لم يعلمه، فإنّ ما نسميه بتحليل التاريخ، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ إنّما نريد به الواقع الذي هو عام، وكلّي في المفردات التاريخية لا ما يزعم أنّه عام. حال ذلك، حال مفردات الدواء، حيث إنّه إنّما يكون دواءً، إذا كانت للمفردات روح عامة في كونه علاجاً، أمّا ما زُعم أنّه علاج، وليس بعلاج، فلا يصحّ أنْ يسمّى فلسفة التاريخ، وإنْ زعم الطبيب ـ مثلاً ـ أنّه هو دواء.
ومن الواضح: أنّ الآثار إنّما تترتّب على الواقع لا على الخيال، والذهن، والفكر، والتصوّر. فإنّ البيضة التـي لا تكـون بيضـة واقعيـة، وإنّمـا فـي صـورة البيضـة، لا تفرخ، وكذلك الحبّة التي هي في صورة الحبّة، ولا تكون حبّة واقعيّة، لا تنبت، وبالعكس إذا زعمنا أنّ هذه البيضة ليست واقعية، وكانت واقعية، فإنها تفرخ، والحنطة إذا زعمنا أنّها ليست بحنطة، وإنّما صورة حنطة بينما هي حنطة واقعية، فإنّها تنبت.
وعلى هذا، فإنّ الواقع هو المؤثّر سواء علمه الإنسان أو لم يعلمه، وغير الواقع لا يؤثّر، علمه الإنسان أو لم يعلمه(129) .
وهناك مسألة أخرى هي مسألة التجرّي، المذكورة في الفقه، والأصول، حيث يتصور الإنسان ما لا واقعية له، فيفعله، أو يتركه، فيكون متجرّياً. مثل ما إذا عَلِمَ ذهناً علماً غير مطابق للواقع بأنّ هذا المائع خمر، وشربه، ولم يكن في الواقع خمراً، فإنّ هذا الإنسان هو المتجرّي سواء كان بالنسبة إلى ما فعله أو ما تركه، وهذا ينطبق على فلسفة التاريخ، فيمكن أن تكون هناك وثيقة لا يدركها الإنسان، ومع ذلك يدرك الواقع بالحاسّة السادسة، أو ما أشبه ذلك.
وعليه: فقد لا تكون وثيقة، لكن الواقع يدرك بسبب الحاسّة السادسة.
فهناك ثلاثة أشياء: الواقع، والإدراك، والوثيقة ـ كما أسلفنا سابقاً ـ وكلّ واحد منها قد لا يرتبط بالآخر، فقد يكون واقع مع إدراك، أو بدون إدراك، وقد يكون لا واقع بإدراك خطأ، أو لا. وقد يكون لا واقع بوثيقة خطأ، وبدونها، وقد يكون واقع بوثيقة، أو بدونها.
وعلى كلّ حال: فعلى المؤرّخ أن ينفذ ببصيرته، وإدراكه، واستقرائه، من خلال القشرة التي تغطي سطح الأحداث؛ ليكتشف ببصيرته الفكر الكامن وراءها، ولذا قال أحدهم: إن نظرة قدسية تكشف عن الحيوية المتدفّقة بما تنطوي عليه من ثراء في الأحاسيس، والمشاعر، وتنوّع في الكيفيّات، وأزمات وحلول، وحرب وسلم، من حبٍّ وكرهٍ لمنهجٍ صحيحٍ ـ في أيّ بعد من أبعاد الحياة ـ أو غير صحيح. كلّ ذلك بالنسبة إلى الحياة بكلّ فعلها، وانفعالها، وصخبها، وهدوئها. ولا يمكن الوصول إلى شيء من ذلك إلاّ بالاستقراء التامّ، أو بالانكشاف الحدسي القطعي، كمن يشاهد النار في العراق، وفي إيران، وفي مصر، وفي سوريا، وما أشبه ذلك، ثمّ يحكم أنّ النار في روسيا، والصين، وفيتنام أيضاً محرقة، وتبعث على الإضاءة، وتعطي الحرارة، بينما لم يشاهد إلاّ قليلاً من النيران الموجودة في المكان المعيّن، أو أمكنة معيّنة، أو في الزمان المعيّن، أو الأزمنة المعيّنة.
لكنّ الحدس يعطي ما وراء ذلك، الذي هو الروح العامة في النيران مطلقاً، وهذا الحدس هو المعيار للمنطقيين في كلماتهم بالنسبة إلى الصناعات الخمس لا الحدس الذي لا حجّية فيه ولا اكتشاف للروح العامة.
أمّا الاستقراء الناقص؛ الذي ليس من مواضع الحدسيّات العلمية التي ذكرناها، فلا يفيد علماً، وعملاً، وإن ظنّ الإنسان بالجامع والفلسفة، لأنّ ((الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً))(130)، فلا ينكشف الواقع، والكلّي، والفلسفة، في الأمور المشتتّة المتباعدة مكاناً، أو ما أشبه ذلك.
نعـم، هناك مـن يبني الأمـور علـى الاستقـراء الناقـص، وذلك من التواضع لا من الحقيقة، فهناك فرق بين أن يتبنى جماعةٌ أحكاماً على ما يستقرئونه استقراءً ناقصاً، وبين أن يراد الواقع الجامع الذي لا ينكشف إلاّ بالاستقراء التامّ، أو بسبب الحدس العلمي القطعي الذي ذكرناه.
وليس معنى ما ذكرناه أنّ الاستقراء الناقص قد لا يصادف الواقع، وإنما المعنى أنّه لا يمكن الاعتماد على الاستقراء الناقص في العليّة والمعلوليّة، واتّخاذ الآثار المترتّبة على الواقع العام، ـ مثلاً ـ إذا وجد إنسانٌ خمرَ التمرِ مُسكراً،وكذلك خمر الزبيب، والعنب، والتفّاح، وما أشبه ذلك، فحكم أنّ كلّ خمر مسكر بدون موازين الحدس التي ذكرناها، فإنّ الاستقراء وإن كان ناقصاً إلاّ أنّه أصاب الواقع، ويكون أثر الواقع مترتّباً على كلّ خمر، لكنّ الكلام هنا في أنه كيف نتمكّن أن نستدلّ على العلّية الواقعية، والمعلولية الواقعية، بالاستقراء الناقص، إذا لم يكن هناك حدس قطعي، ولم تكن هناك مطابقة للواقع، وإن لم يصل الفيلسوف، أو المؤرّخ، أو العالم إلى ذلك الواقع؛ بسبب أحد الأمرين السابقين من الاستقراء التامّ، أو الحدس القطعي؛ بالكاشف للجامع.
ثمّ بالإضافة إلى سلامة المادّة ممّا ذكروه في الصناعات الخمس، وجوب سلامة الهيئة ممّا ذكروه في الأشكال الأربعة المنطقية، وكلّ واحد منهما لا يغني عن الآخر على نحو القاعدة الكلّية، وإن كان أحياناً يصادف الواقع بشكل غير منطقي، أو بمادّة غير منطقيّة، فإنّ اللازم في العلوم، القواعد الكلّية لا الجزئيات الخارجية. فإنّ الجزئي علـى اصطلاح المنطقيين لا يكـون كاسباً ولا مكتسباً، ولا يفيد علماً ولا عملاً، إلاّ في نطاق جزئي خارجي، من قبيل القضايا الخارجية التي ذكروها.
والكلام في العلوم إنّما يدور حول القضايا الحقيقية، بحيث كلّما وجد الموضوع، وجد الحكم، أو كلّما رأينا وجدان الحكم، اكتشفنا وجدان الموضوع بالدليل الإنّي، فإنّه كما يدل الأثر على المؤثّر بالدليل الإنّي، كذلك يدلّ المؤثّر على الأثر بالدليل اللمّي؛ لفرض العلّية والمعلولية.

الفرق بين التاريخ الصحيح والمزيّف

مسألة: المهم في فلسفة التاريخ أن يجد الإنسان الروح العامّة للتاريخ الواقعي لا التاريخ المزيّف، فإنّ التاريخ المزيّف عبارة عن سفسطة، ومجموعة أكاذيب، لا تمتُّ إلى الواقع بصلة.
والتاريخ المزيّف هو الذي وصفه الإنسان بالعموم والخصوص، أو التباين، أو من وجه لأجل إدخال فلسفة زمانية، أو مكانية، أو شرائطية،فإن مثل هذه الفلسفة بالإضافة إلى أنها أمر غير واقعي، لا ينفع في المستقبل بل يسبب تحريف المستقبل.
مثلاً: قال الطبيب: الرمّان له خاصية دفع الصفراء، فاستنتج أن كثرة تناول الرمّان لأمّة من الأمم هو السبب في صحّة أجسامهم. فالحكم التاريخي رتّب على موضوع أكل الرمّان، فيأتي الفلسفي المزيّف ليقول إنّ المراد بالرمّان هو البرتقال بقرينة كذا، أو الأعم من الرمّان والبرتقال، أو الأخصّ الذي هو رمّان الطائف ممّا لا نواة له، لا كل رمّان أو الرمّان في الصيف لا الرّمان في الخريف والشتاء، وغير ذلك، أو الأعم من وجه، والأخصّ من وجه، كالرمّان الحلّو لا كلّ رمّان، والرمّان الأعمّ من الرمّان والبرتقال، فهو أخصّ من ناحية، وأعمّ من ناحية، إنّه بهذا العمل لا يفلسف التاريخ بل يفلسف زعمه، ويبني عليه الحكم المستقبلي.
ومن الواضح أنّ فلسفة الصحّة الجسدية لأولئك الذين كانوا يأكلون الرمّان مترتّبة على الرمّان بما هو رمّان لا الشيء الخاصّ ولا العام ولا المباين ولا الذي بينه وبين الرمّان عموم من وجه، كما أنّ الأكل كان يراد به الأكل بالمعنى المصطلح، لا أن يفسّر الأكل بالتزريق أو التقطير في الأنف أو العين أو الأذن.
لقد كان هذا ـ العدول عن الفلسفة الحقيقية التي جاء بها الشرع، والتمسك بأنماط من الفلسفة المزيفة ـ هو بعينه سبب سقوط المسلمين بعد تلك الحكومة الطويلـة العريضة القويّة، حتّى صاروا تبعاً لغيرهم بل صاروا أذلّة لا حول لهم ولا قوّة، وليس لهم حال، ولا مستقبل بل هم كلّ يوم في انحطاط أكثر وأكثر في كلّ مناحي الحياة(131).
إنّ (حلال محمّد حلالٌ إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة)(132)؛ كما في الحديث، و ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ))(133)؛ كما جاء به القرآن الحكيم وبيّنه الرسول الأعظم وآله الطاهرون (ع)، فإنّ ذلك هو الذي جعل المسلمين: ((وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ))(134)؛ حسب التعبير القرآني، أو (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه)(135)؛ حسب تعبير نبي الإسلام (ص)، لا الفلسفات المزيّفة التي جعلها الحكّام أصحاب الأهواء إسلامهم، وحكموا الناس بالحديد والنّار، والدعايات المسمومة.
وهناك ألف مثال ومثال ممّا ادّعاه الحكّام إسلاماً، وهولا يمت إلى الإسلام بصلـة، نذكـر منهـا بعض المـوارد المعدودة التي يعايشها المسلم في كلّ بلاد الإسلام، من غير فرق بين عربهم وعجمهم.

أمثلة وشواهد

مثلاً: قالوا الخمر المحرّمة هي المسكر، أمّا إذا أخذ سكر الخمر كانت حلالاً. وإنّ الخمر إنّما كانت محّرمة، إذا لم يتوقّف الاقتصاد الوطني عليها، فإذا توقّف الاقتصاد الوطني عليها، كانت حلالاً؛ كما قال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق ـ مصدّق (136) ـ في قبال السيّد الكاشاني(137) (رحمه الله). أو قالوا: إنّ الزنا المحرّم هو ما كان مضرّاً أو بالاغتصاب لا ما كان بالرضى، وليس خطراً بسبب احتمال تفشي الأمراض الزهرية وغيرها. وقالوا: إنّ الإسلام إنّما حرّم الضرائب؛ لعدم وجود الحاجة في ذلك اليوم ما عدا الضرائب الأربع ـ الخمس، والزكاة، والجزيّة، والخراج، أمّا إذا احتاجت الدولة إلى الضرائب، كحالنا، لتعقّد الأمور، والاحتياجات الكثيرة، فليست الضرائب محرّمة حتّى إذا وصلت إلى أكثر من 90 %.
وقالوا: إنّ التعذيب المحرّم في الإسلام إنّما هو التعذيب الذي يراد به الاعتباط لا التعذيب الذي يراد به أخذ الاعترافات من فئات، أو أفراد محترفين، أو إنّ السجن الاعتباطي حلال في هذا الحال مثل سجن القاتل.
وقالوا: إنّ الإعدام إنّما جعله الشارع في موارد محدودة جدّاً؛ لأنّ الناس في ذلك اليوم كانوا بسطاء، أمّا في هذا اليوم؛ فيجب أن نزيد على موارد الإعدام الشرعية؛ لتعقّد الحياة، كما فعله العراق أيّام الشيوعيين، والقوميين، والبعثيين حتّى أوصلوا أنواع الإعدام إلى 200 نوع(138).
وقالوا: إنّ الحدود الجغرافية ضرورية لحماية الدولة من الاعتداءات الخارجية ومن فرق التهريب، وفي السابق لم تكن هذه الأمور موجودة، أمّا اليوم حيث هذا الاحتمال قائم، فمن الضروري أن نحدّ الحدود الجغرافية حول أراضي البلاد، صغيرةً كانت أو كبيرةً.
وقالوا: إنّ الحرّيات الإسلامية التي جعلها الله سبحانه وتعالى: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ))(139)، وبينها الرسول الأكرم (ص) بقوله: (الناس مسلّطون على أموالهم وأنفسهم)(140) بزيادة مستفادة من ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ))(141)، إنّما كانت حيث لا احتياج للدولة للمال، ولا لتكثير الموظّفين، ولا، ولا.. أمّا في هذا اليوم فكلّ هذه الاحتياجات قائمة، ولهذا نحتاج إلى كبت الحرّيات وتحديدها.
وقالوا: إنّ الأخوة الإسلامية كانت إذا لم يكن العصر حديثاً، أمّا إذا صار العصر الحديث فلا عمل بآية: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))(142) .
وقالوا: إنّ الزواج بالأربعة إنّما كانت حيث النساء الكثيرات؛ بسبب حصاد الحروب للرجال، أمّا في هذا اليوم؛ فلا يحقّ للرجل إلاّ الزوجة الواحدة، ثمّ من الضروري أن يستأذن الزوج من الزوجة الأولى إذا أراد أن يتزوّج زوجة ثانية؛ لأجل زيادة النسل، أو ما أشبه ذلك.
وقالوا: إنّ حرمة الاستمناء إنّما كان في السابق نتيجة عدم وجود الدواء لضعف الأعصاب، حيث يسبّب ضعف الأعصاب، أمّا اليوم؛ فحيث توجد الأدوية لضعف الأعصاب؛ فلا حرمة للاستمناء.
وقالوا: إن الاستبداد إنّما يكون محرَّماً كما قال الإمام علي (ع): (من استبدّ برأيه هلك)(143)، وغير ذلك من الروايات، والآيات، حيث قال الله سبحانه وتعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))(144)، و ((شَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ))(145)؛ لأجل أنّه لم يكن بالإمكان تسيير الحكومة إلاّ بالشورى، أمّا اليوم؛ فلمّا أصبح بالإمكان الاستغناء عن المشورة بالأجهزة المتطورة، فلا حاجة لنا إلى الشورى، فإنّ مصلحة النظام هي المقدّمة على كلّ حكم، فإذا تعارضت مصلحة النظام مع محرّم أو واجب وحتّى مع التوحيد، أمكن تقديم المصلحة على الأحكام الإسلامية بل والعقائد الإسلامية كما قال بكل ذلك جماعة من الطغاة.
أقول: نعم لا إشكال في التوسيعات الشرعية مثل الخمر حرام حيث يوسّع إلى كلّ مسكر حسب الدليل، والتضييقات الشرعية مثل تقيّد الأحكام بلا ضرر حيث قاله الشارع، وذلك ما يعيّنه شورى الفقهاء المتعاونين مع أهل الخبرة والاختصاص، الذين نسميهم بالأحزاب الحرّة، أو الأفراد المستقلّين، وكم هو الفرق بين الأمرين؟ فالتوسيعات الشرعية، أو التضييقات الشرعية، إنما تكون مع استنباط شورى الفقهاء ذلك التضييق أو التوسيع في الحكم حسب الأدلّة الأربعة المشهورة: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، وقد فصلنا هذا البحث في موضع آخر.

رأي وتعليق

وقد قرأت في أكثر من كتاب تمسك بعض المسلمين بأقوال مونتسكيو(146)، أو فولتير، والتي هي بمنأى عن الإسلام، وسننقل بعض المقاطع من أحدهما مع شرحه لها.
يقول الكاتب: مونتسكيو يحدّد العوامل التي تشكّل قوانين الدولة، وشكل الحكومة، وشخصيـة الأمّـة، فيرجعها إلى عوامل إمّا مادّية طبيعية، أو معنوية اجتماعية. ومن العوامل الطبيعية، عامل الجغرافية، التي يوليها مونتسكيو اهتماماً خاصاً إلى حدّ أن اعتبرها أغلب الباحثين أهمّ ما يميّز مؤلّفه، الذي يتكوّن من ستّة أجزاء في 31 باباً، فمن نتائج بحثه: يختلف الناس في مختلف الأقاليم تبعاً لعوامل المناخ، وطبيعة الأرض، والموقع، ونوع الأراضي، ذلك أنّ للمناخ أثراً على كلّ أجزاء الجسم الإنساني وما به من عصارات، وإفرازات، ومن ثمّ يتشكّل مزاج الإنسان، وأخلاقه، وعاداته، وطباعه، فحيوية الناس في المناطق الباردة غيرها في المناطق الحارّة. وقد ترتب على ذلك كثير من الأنظمة الاجتماعية، ذات الطابع الخاصّ في المناطق الحارّة، كتعدّد الزوجات، وتحريم الخمر، وإنجاب النساء، كذلك يتأثّر به نظام الأمّة؛ إذ العبودية طابع المناطق الحارّة، ومن ثمّ سادها النظام الاستبدادي في الحكم، كذلك يختلف مفهوم الحرّية في الأنظمة الاقتصادية، كالضرائب، وأنظمة الحرب في هذه المجتمعات، وفقاً لشكل الحكم فيها، وهذا بدوره قد شكّلته العوامل الجغرافية؛ إنّ حالة القحط قد أدّت بالتّتار إلى الاندفاع نحو الحروب، والتعطّش للدماء، والتدمير، بينما تميل الأقضية العربية إلى الحرّية؛ وإن عانت من القحط أيضاً.
وأضاف هذا الكاتب: أمّا العوامل المعنوية والاجتماعية؛ التي تشكّل بدورها قوانين الدولة، ونظام الحكومة، فأهمّها المزايا الاقتصادية، وأمور الدين.
أمّا حول المسائل الاقتصادية؛ فيعرض مونتسكيو أنظمة التجارة، والضرائب في بعض المجتمعات القديمة، خصوصاً الدولة الرومانية، وعوامل تطوّرها، وأثر القوانين الوضعية في النقد، وحركة التجارة، وانعكاس ذلك على عدد السكّان، وحركتهم، ونموهم، وثقافتهم، أو تخلخلهم. فإنّ القوانين الوضعية، وإن كانت تعكس رغبة المشرّع، والحكومة القائمة، فإنّها بدورها لابدّ أن تتأثّر بالقوانين الطبيعية.
أمّا الدين؛ فيرى مونتسكيو أنّ الإسلام أكثر ملاءمة لشعوب الشرق، بينما المسيحية تناسب الأوروبيين؛ لأسباب جغرافية من جهة، ولأسباب تتعلّق بشكل الحكومة من جهة أخرى، وهو إذ يفصل القول في الجوانب الاجتماعية في الدين، والأعياد، فإنّه يحمل حملة شعواء على الاضطهاد الديني، ومحاكم التفتيش.
خلاصة القول: لقد درس مونتسكيو بإسهاب مستخدماً المنهج التاريخي، والمنهج المقارن،كيف يتحدّد نظام الحكم بالعوامل الجغرافية، والمادّية، والاجتماعية، أو الثقافية. وهو وإن أولى العوامل الجغرافية اهتماماً خاصاً في بيان أثرها بشكل المجتمع، فإنّه أشار إلى أنّ العوامل الجغرافية إن ساد تأثيرها على العوامل الثقافية، والاجتماعية، فإنّ هذا يعني جمود المجتمع، وضعف مقدرته على التطوّر؛ نظراً لثبات العامل الجغرافي إن أُضِيفَ إلى العامل الثقافي.
أقول: وأنت ترى أنّ هذه الكلمات ليست إلاّ تضخيماً من جانب، وتصغيراً من جانب آخر، ولم يقم أي دليل على ما ذكره مونتسكيو، أو الكاتب، ولكن لو كان الأمر كذلك، كانت الدول الأوربية في الزمان السابق المتعدّدة اللغات، والأديان، والاقتصاديات، والمناخات، لم تتمكّن أن توحّد جهودها في دولة أوربية برفع الحدود الجغرافية عنها بعملة موحدة وبرلمان مشترك و… وكذلك بالنسبة إلى الدول الأمريكية التي اتّحدت فصارت دولة واحدة(147)، إلى غير ذلك من التناقض، والإشكالات التي لسنا بصدد ذكرها، وهي أكثر من أن تحدّد في واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو عشرين، أو حتّى مائة.

كيفية استنباط السنن التاريخية

مسألة: فلسفة التاريخ هي قواعد كلّية مستنبطة من مجموعة الأحداث، بمعنى أن تكون المقدّمات متعلّقة بالتاريخ العالمي باستقراء المواد المختلفة من الأمم والشعوب، والشرق والغرب، والإمبراطوريات القديمة والحديثة، والانتصارات والانكسارات.
ومن الواضح أنّ هذه القواعد لا تحتاج إلى الاستقراء الكلّي، الذي لا يمكن تحقيقه بالنسبة إلى الإنسان في هذا العصر، فكيف بالعصور القديمة، وقد كتب جماعة من العلماء فلسفة التاريخ، ولم يشكل عليهم بأنّهم لاحظوا بعض العصور، أو بعض الأمم، وذلك لأنّ الاستقراء إذا كان معلّلاً، لم يحتج إلى تصفح جميع الجزئيات.
مثلاً: من يريد أن يقول كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ حيث لا يستند هذا الإدعاء إلى علّة عامة مشتركة، يحتاج إلى أن يشاهد الإنسان كلّ حيوان حيوان، بينما إذا وصل الأمر إلى الاستقراء المعلّل، لم يحتج إلى الاستقراء التامّ، ولذا فرّق المنطقيّون بين الاستقراء التام وبيـن الاستقراء الناقص، وبين الاستقراء المعلل وغيره، فكما أنّا لا نشاهد إلاّ بعض النيران، ومع ذلك نقول: كلّ نارٍ حارّةٍ، أولا نشاهد إلاّ بعض أقسام الضرب، ومع ذلك نقول إنّ الضرب أمرٌ غير محبذ، كذلك بالنسبة إلى فلسفة التاريخ لوحدة الطبيعة الإنسانية من جهات متعدّدة، فإنّها تكمن خلف اختلاف الشعوب، وتمايز ألوانها وعوائدها، ومن ثمّ فمن النتائج الكلّية المستخلصة من مادّتها المحدودة يمكن أن تطبّق على غيرها من المجتمعات.
مثلاً: إذا رأينا أنّ الشاب له قوّة الاندفاع، فإنّه لا يحتاج الأمر إلى أن نشاهد كلّ شابٍّ شاب. بل إذا رأينا ألوفاً من الشباب لهم هذه الخاصّية، نقول بأنّ كلّ شاب، له قوّة اندفاعية إلاّ الشاب المريض، أو ما أشبه ذلك، وهكذا إذا رأينا الشيوخ لهم هدوء، وسكينة، وعدم اندفاع، فإنّه لا يحتاج إلى أن نرى كلّ الشيوخ، بل نقول ذلك بالنسبة إلى كلّ الشيوخ؛ لاكتشاف ذلك الكلّي من عشرات المئات من الشيوخ الذين شاهدناهم، وكذلك الحال في كثير من القضايا مثل قولهم: الربا شرارة الحروب، والخمارون ينتهون إلى أمراض القلب، والمدمنون للمخدّرات ينتهون إلى ضعف الأعصاب، إلى غير ذلك من القضايا الكلّية التي لا اختلاف فيها إطلاقاً، مع أنّ التاريخ العالمي لدى معظم فلاسفة التاريخ كانت أبحاثه مركَّزة على مجتمعات معيّنة وأزمنة معيّنة، لأنّ الإنسان ليس في طول الزمان من أوّل الخلقة إلى آخرها، ولا في سعة الأمر من الناس الذين هم في عصره من الأشخاص المتشتّتين في شرق الأرض وغربها.
وعلى هذه الأمور تترتّب كلّ القضايا باستثناء الضروريات الحسابية، أو الرياضية، أو ما أشبه ذلك، كالطبّ، والهندسة المعمارية، والمحاماة، والقضاء، وألف علم وعلم، كلّها حاصلة من مثل تلك المفردات.
نعم، العلوم الضرورية كالحساب، والهندسة العلمية، وبعض مسائل الفيزياء، والكيمياء، وما أشبه ذلك هي من الضرورات بحيث لا تحتاج إلى جمع المفردات الكثيرة وإلاّ فالعلوم التجريبيّة كافّة بحاجة إلى جمع المفردات الكثيرة حتّى يكتشف منها السرّ العامّ، والفلسفة الجامعة لكلّ تلك المفردات في المنحى الذي قصده العالم.

الأسباب والمسببات

مسألة: إن معرفة فلسفة التاريخ تحتاج إلى استكشاف العلل والمعلولات، والأسباب والمسبّبات، وذلك كما في الحديث: (أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب)(148)، وفي القرآن الحكيم ذكر مرتين قوله سبحانه وتعالى: ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً))(149) فإنّ الله جعل الدنيا دار أسباب ومسبّبات باستثناء ما قد يفعله من المعجزات الخارقة.
مثلاً: الإنسان إذا صار مريضاً؛ احتاج إلى الدواء، لكن الله سبحانه وتعالى أجرى على يد عيسى المسيح (ع) الشفاء بدون الدواء. كما أنّه جعل كذلك في نار إبراهيم، فإنّ النار تكون محرقة، بينما جعل الله سبحانه وتعالى النار لإبراهيم (ع) برداً وسلاماً.
والحاصل: أنّه بدون الصور المستثناة، تكون الدنيا دنيا الأسباب والمسبّبات، ومن يريد فلسفة التاريخ، واكتشاف الروح العامة؛ يجب أن يعرف الأسباب والمسبّبات كأسباب النهوض، وأسباب السقوط، وأسباب الغنى، وأسباب الفقر، وأسباب الصحّة العامّة، وأسباب المرض العام.
مثلاً: أسباب الصحّة العامة، تكمن في مراعاة الماء، والهواء، والنوم واليقظة، والإملاء، والإفراغ، فإذا كان الهواء غير نقيٍّ، أو الماء غير صحّي، يسبّب ذلك أمراضاً للإنسان بل والحيوان والنبات أيضاً، إلى غير ذلك من العلل والمعلولات، والأسباب والمسبّبات، ممّا قد يكون أسباباً ومسبّبات متعدّدة حتّى
الوصول إلى النتيجة المطلوبة، وقد يكفي في الوصول للنتيجة وجود سبب ومسبّب واحد.
وعلى أي حال: فمن يريد فلسفة التاريخ يجب أن يلاحظ هذا الأمر في كلّ شيء يريد تحصيل النتيجة من مقدّماته.
ثم إنّ هذه المقدّمات قد تكون قريبة، وقد تكون بعيدة، مثلاً: الماء، والهواء، والتراب، والحرارة؛ مقدّمة للحصول على المركب، أو المعجون الفلاني، الذي هو ناتج عن ماء التفّاح، وشجرة التفّاح الناتج عن الأرض الخصبة، إلى غير ذلك من الأمثلة. من غير فرق بين أن تكون الأسباب مترتّبة بعضها على بعض كالمثال المتقدّم، أو في عرض واحد مثل احتياج الفقه إلى اللغة، والصرف، والنحو، والبلاغة، والمنطق، والأصول، والحديث، والرجال، وما أشبه ذلك، فإنّها لا تترتّب بعضها على بعض بل كلّها في عرض واحد.
ومن الواضح أنّ التعليل يجب أن يكون تعليلاً لجملة من الأمور الكافية للاستكشاف لا أمراً جزئياً خارجياً، كما هو حال التاريخ، إذ التاريخ يكتفي في سرد حالة زيد، وعمر، وبكر، وتجارة خالد وخويلد، وعلم فلان وفلان، وفي التاريخ يجب أن يلاحظ ذلك.

التعليل الظاهري والباطني

مسألة: مـن يريد معرفـة فلسفـة التاريخ، واكتشاف الروح العامة، يجب عليه معـرفة التعليـل الباطنـي، ولا يكتفي بالتعليل الظاهـري، فإنّ التعليلات الظاهريـة لا تكفـي لكشف الـروح العامّـة، وإنّمـا الذي يكشـف الـروح العامـة هو التعليلات الباطنية، بأن ينظر إلى ما وراء أحداث التاريخ والأسباب الواقعية.
مثلاً: هـارون العبّاسي ذهب إلـى خراسان لأجل الاصطياف، هذا كـان ظاهر الأمر، أمّا باطن الأمر هـو رغبته فـي إخماد الفتن التي نشبت هناك مـن جرّاء أخذ علي بن ماهان(150) حاكمه في خراسان الضرائب المرهقة التي سببّت هيجان الناس ومن ثمّ الثورة(151). وهكذا في كثير من الأمور علل ظاهرية وعلل باطنية، والعلل الظاهرية بمفردها لا تتمكّن من كشف الروح العامة وفلسفة التاريخ.
ومن الواضح أنّ التعليل التاريخي بحاجة إلى جملة من العلوم كالمنطق، والحكمـة، والأصول المصطلـح فـي أصـول الفقـه، والحساب، ومـا أشبه ذلك، فإنّ اكتشـاف الـروح العامـة بحاجـة إلى هذه الأمـور. ومنـه يعلـم أنّـه لا يراد بالفلسفـة هنـا الفلسفـة عنـد الفلاسفـة الحكمـاء كابـن سينا، والفارابي(152)، وقبل ذلك أرسطو، وبعد ذلك الحاج السبزواري(153)، والملاّ صدرا(154)، ومن أشبههم، بل المراد بالفلسفة هنا الأعمّ من وجه والأخص بالوجه من الفلسفة المصطلحة.

فلسفة التاريـــــخ والحتمية التاريخية

مسألة: إنّ الإنسان بما أنّه مريد، له تقلّبات من حال إلى حال، بسبب شروط الزمـان والمكان، ومــا أشبه ذلـك، فليست فلسفة التاريخ متّصفة بالحتميّة التاريخية، وليس معنى كون الأمر من سنّة الله سبحانه وتعالى أنّها سنّة دائمة أو أبديّة، لأنّ سنن الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى سنن دائمة، وسنن متغيّرة، لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل التغيّر في هذه السنّة، واكتشاف نفس هذا الشيء، وإنّه من سنن الله الدائمة، ومن سنن الله المتغيّرة أيضاً يحتاج إلى سعة علم، وإطّلاع، وملاحظة للمفردات.
مثلاً: قضايا المنطق، والحساب، والهندسة من سنن الله الدائمة، فلا يعقل أنْ تتغيّر حالات الجمع، والضرب، والطرح، والتقسيم، والجبر، والمقابلة، أو حالات المثلّث، والمربّع، والمخمّس، والمعين، والمدوّر، وما أشبه، أو حالات الأقيسة الأربعة من كون الصغرى مندرجة في الكبرى، أو مثل كون الكلّ أعظم من الجزء، إلى غير ذلك. بينما تتغيّر أحوال الشعوب قوّة، وضعفاً، وعلماً، وجهلاً، وصحّة، ومرضاً، وشجاعة، وجبناً، وكرماً، وبخلاً، وما أشبه ذلك حسب الأسباب والمسبّبات التي جعلها الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة.

حركة التاريخ أمر بين أمرين

مسألة: ينطبق على فلسفة التاريخ ما ذكره علماء العقائد من مسألة الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين.
ومثالاً علـى ذلك نقـول: إنّ أحوال الأمم ليست علـى نحو التكامل الدائم، ولا على نحو الانحطاط الدائم، وإنّما يكون للأمم تكاملٌ في حال، وانحطاط فـي حال آخر.
ولمّا كان عـدد الكمالات النسبيّة كثيرةً، فليس من الغريب أن يكون أحـد المجتمعات، أو إحدى المراحل التاريخية، أكمل من مجتمع آخر، أو مرحلة تاريخية أخرى مـن حيث إحدى تلك الكمالات، ولكنّه أنقص منه من حيث كمال آخر، فإنّـه لا يمكـن إثبات كـون مجتمع معيّن، أو مرحلة تاريخية خاصّة فـي مجتمع معيّن، أكمل مـن مجتمـع آخر، أو مرحلة أخرى في جميع الكمـالات النسبية التـي هـي مقدّمـة لغيرها.
مثلاً: اليونان القديمة؛ تكاملت مـن حيث العلـم، والفلسفـة، والتجـارب الإنسانية التـي عاصرت تلك الحقبة مـن الزمان ثـمّ سقطـت حتّى لا تـرى فيها اليوم حتّى عالماً واحداً من أولئك العلمـاء مـن أمثـال: سقـراط(155)، وأفـلاطـون(156)، وأرخميدس (157) ومن أشبههم، بينما أخذت الأمم بالشرق الأوسط وما أشبه ذلك إبّان أخذهم بالإسلام في التكامل حتّى إن أحد العلماء ذكر أنّ في قرنٍ واحد كان من العلماء لمختلف الفنون من الرياضيّات، والفلك، والهندسة، والحساب، والفقه، والأصول، والقانون خمسة آلاف عالم حسب ما حفظه التاريخ، فمن يزعم أنّ حركة التاريخ تكاملية لا دليل له لا من الماضي، ولا من الحاضر، ولا في المستقبل، حتّى إنّه لو فرض بأنّ مسيرة المجتمعات، أو الحركة التاريخية، كانت في الزمان الماضي تكاملية إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّهُ يكون في الآتي هكذا، وهذا هو الأمر الذي سبب سقوط ماركس(158) في خطئه المعروف من أنّ آخر مرحلة للإنسان هي الشيوعية وستبقى هذه الشيوعية على طول الزمان ثمّ تتسع حتّى تشمل الكرة الأرضية بكاملها.
أمّا اعتقاد المسلمين بأنّه: ((لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)) (159)، فذلك بسبب الغيب لا بسبب الموازين التاريخية.
نعم، ما ذكره سبحانه وتعالى من قوله: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا))(160)، ومن قوله سبحانه وتعالى: ((وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ))(161) من السنن العامّة التي كانت سابقاً، وفي العصر الحاضر، وفي المستقبل إلى أنّ تبدّل الأرض غير الأرض، إذ يكون ذلك حينئذ من انتفاء الموضوع لا انتفاء الحكم على اصطلاح الأصوليين. وذلك لوحدة الطبيعة البشرية، وتماثل الطبائع في القوّة، والضعف، والغرور، والاهتمام، وقد ذكر أحد العلماء أنّ عامل قيام الحضارة هو نفسه عامل تدهورها وفنائها، فإنّ العصبية أساس القوّة القبلية ولا تكون الرئاسة إلاّ في أهل أقوى العصبيات، وإنّ العصبية تهدف إلى الملك وتنقل المجتمع من البداوة إلى التحضّر، ولكن إذا كان صاحب الدولة قد وصل إلى الرئاسة بمقتضى العصبية، فإنّ الرئاسة لا تستحكم إلاّ إذا جدع أنوف أهل عصبيّته وعشيرته المتقاسمين له في نسبه. ومـن ثمّ فإنّـه يدافعهم عن الأمر ولا يطيب له الملك إلاّ بالاستغناء عن العصبية التي اكتسب بها المجد.
فهنا قضيّتان متعارضتان في مسار التاريخ، في العصبية تتمّ الرئاسة، ولا تطيب الرئاسة إلاّ بالاستغناء عن العصبيّة، أو بتعبير آخر أهل العصبية عون لصاحب الدولة في قيامها، وأهل العصبية مناوئون لصاحب الدولة في رئاسته، وثمّة مكمّل لهاتين القضيّتين اتّخاذ الموالي والصنائع كبديل عن أهل العصبية. ومن ثمّ تتمّ حركة التاريخ، وتكون بداية تدهور الدولة.
ومثال آخر في نفس الموضوع: هـو أنّ الترف يزيـد الدولة في أوّلها قوّة إلى قوّتها، إنّـه غايـة الحضارة، وبالملك تتباهى الدول المتحضّرة، وبه تقاس حضارتها وقوّتها، وبه ترهب الدول المجاورة، ولكنّ الترف هو العلّة الأساسيّة لطرو الخلل في الدولة، إنّه مؤذن بالفساد، وإذا حصل الترف، أقبلت الدولة على التراجع، فالترف مظهر الحضارة، والترف هادم للحضارة، وكذلك الترف غاية العمران، والترف مؤذن بنهاية العمران. فالترف يرهب الأمم المجاورة، وهو يغري القبائل وأهل البداوة بالانقراض.
ويجب أن يضاف إلى ذلك، الهمّة بسبب الضعف، والغرور بسبب القوّة، فإنّ الضعفاء يوجّهون همّتهم حتّى يصلوا إلى الحكم وإلى المراتب العالية من السلطة، فإذا وصلوا إلى الحكم وإلى المراتب العالية يأخذهم الغرور وبذلك يأخذون بالضعف. وقد قال الإمام علي (ع): (أوحش الوحشة العجب)(162)، فإنّ المغرور المعجب بنفسه، يستغني عن هذا، وعن هذا، وعن هذا، وبذلك يكون سقوطه، فإنّ سقوطه ونهوضه إنّما كان بهذا، وهذا، وهذا. وقد شاهدنا ذلك في تاريخ الأمويين والعباسيين والعثمانيين والقاجاريين، ومن إليهم،كما شاهدنا مثل هذا الأمر في تاريخ الشيوعية العامّة بل والشيوعية الخاصّة في العراق التي تبدّلت إلى قومية، والقومية الخاصّة في العراق التي تمثَّلت بالبعثية والبعثيين وهم في العراق في هذه الأيّام يلفظون أنفاسهم، حتّى يتغيّر الأمر إلى الديمقراطية، أو ما أشبه ذلك(163).
وعلى كلّ حال: فكون قانون التكامل في الأمم قانوناً، عاماً، دائماً، ضرورياً، جبريّاً، مسيطراً على كلّ حركة المجتمع أو التاريخ، فإنّه إنّما يصحّ على نحو الجزئية لا على نحو الكلّية، بالإضافة إلى أنّه صادق في بعض أبعاد المجتمع أو التاريخ لا مطلقاً. فإنّ التكامل الذي بمعنى التعقيد المتزايد في علاقات الناس بعضهم ببعض، وارتباطاتهـم الاجتماعيـة والاقتصاديـة إنّمـا يمكـن قبولــه إذا كـان بشكـل جزئـي لا بنحو قانون عام، لأنّ ذلك تقتضيه زيادة النفوس البشرية وطبيعة الإنسان بما هو موجود، تقتضي قدرته على التوالد والتناسل والزيادة السكانية وحبّ الأولاد والأحفاد والأقرباء، وهكذا. لأنّه كلّما ازداد السكان، فإنّ الارتباطات الاجتماعية والاقتصاديـة والسياسيـة والتربوية والفكرية والعائلية والعسكرية؛ تكثر بطبيعة الحال.
ولذلك نرى أنّ العلاقات الاجتماعية في المجتمع المدني أكثر وأشدّ تعقيداً من العلاقات في المجتمع القروي، أو القبلي، أو الحزبي، كلّ في بعده. ولهذا يكون المجتمع المدني بحاجة إلى مؤسّسات ودوائر، يستغني عنها المجتمع القروي، أو القبلي. وهذا إنّما يصحّ بالنسبة إلى الدوائر التي تحتاج إليها المجتمعات، لا إلى الزوائد التي يسبّبها الديكتاتوريون حيث يحتاجون إلى كثرة المصفّقين.
وقد ذكرنا أنّ علماء الإحصاء في الغرب ذكروا عن مصر في عهد عبد الناصر(164) أنّها كانت بحاجة إلى مائتي ألف موظّف حسب الموازين الدقيقة لكنّ الحكومة جمعت حولها مليوناً ومائة ألف، وجوهر القضية إنما احتاجت إلى تسعمائة ألف من المصفقين والمهللين (165)، وما أشبه ذلك.

الاطّراد السكاني والمؤسسات

ومن السنن في هذا الحقل أن النمو التدريجي للسكان يسبب احتياج الإنسان إلى المؤسّسات والدوائر العالمية أيضاً كالمحاكم الدولية، والأمم المتّحدة، وما أشبه ذلك. وكلّما تقدّم الإنسان في المدنية والحضارة، وتقدّم في النمو والزيادة، اشتدّت التعقيدات، بحيث تحتاج البشرية لتسيير نفسها، وتنظيم ذاتها إلى مؤسّسات، ودوائر أعظم مما عليه الآن.
مثلاً: المدينة الواحدة بحاجة إلى مؤسّسات قليلة بقدر المدينة، أمّا إذا صارت مدينتان، فهما تحتاجان إلى مؤسّسة ثالثة هي التي تدير المدينتين وتنظّم العلاقة بينهما.
لكن هذه القاعدة التي ذكرناها إنّما هي فيما إذا اطّرد تقدّم الإنسان في النسل والنمو السكّاني، وأمّا إذا توقّف هذا الشيء بسبب لا نعلمه، أو ارتدّ إلى الوراء؛ ينعكس الأمر حكماً كما انعكس موضوعاً، إذ حينئذ تتوقّف كثرة العلاقات وتعقّدها بل تتقهقر إلى الوراء.
وما ذكرناه صادقٌ أيضاً في التقدّم العلمي، والتجريبي، والفنّي، والصناعي، والتكنولوجي، وما أشبه ذلك، وذلك لأنّه من أبرز ميّزات الإنسان أنّه يستغّل علوم السابقين وتجاربهم ليفجّر في نفسه القوى الكامنة بالإضافة إلى تلك الاستعدادات الكاملة ويربّي الطاقات المخبأة، وبذلك يأخذ في التقدّم، لكنّ السؤال هل سيستمر هذا التقدّم، أو ينطفئ بفعل قنبلة ذرية والعياذ بالله، أو بعوامل أخرى؟.
ومن يدّعي أنّ علوم الإنسانية وفنونها قد سارت في طريق التقدّم لحدّ الآن، فهو كلام بدون دليل، فإنا لا نعرف عن عمر الإنسان أكثر من عشرة آلاف سنة.
أمّا قبل ذلك كيف سار المجتمع تقدّماً، أو توقّفاً، أو تأخّراً، فلا نعلمه، وقد أشرنا في بعض كتبنا إلى أنّا نحتمل أنّ عمر الإنسان في الكرة الأرضية أكثر من مائة مليون سنة؛ كما دلّت على ذلك بعض الشواهد التاريخية. وأمّا بالنسبة إلى الحيوان؛ فقد دلّت الحفريات ونحوها على أن عمر بعضها أكثر من 300 مليون سنة. وبذلك لا نعلم سابق الزمان حتّى نحكم عليه أو له، أو بأنّه كان كذا وكذا، لأنّ الحكم تابع للموضوع، والموضوع تابع للعلم، ففاقد العلم لا يتمكن من الحكم.

الأمور الضرورية للمؤرّخ

مسألة: من يريد استكشاف فلسفة التاريخ عليه أن يهتمّ بثلاثة أمور الصغرى، والكبرى، والنتيجة بأن تكون مفردات الصغرى صحيحة واقعية لا خيالية ناشئة عن الأهواء، والشهوات، أو الآلات، أو الاشتباهات، وأن تكون الكبرى صحيحة واقعية لا ناشئة عن الغلط والخطأ، وتكون النتيجة أيضاً صحيحة مترتّبة على هذه الكبرى وهذه الصغرى.
مثلاً: إذا قلنا إنّ العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث، يلاحظ أن تكون صغراه صحيحة بأن كان العالم متغيّراً، وأن تكون كبراه صحيحة بأن يكون كلّ متغيّر حادثاً حسب المنطق والدليل، وأن تكون النتيجة التي هي العالم حادث أيضاً مترتّبة عبـر اجتماع شرائط أحد الأشكال الأربعة على تلك الصغرى والكبرى، وإلاّ فإذا أخطأ الإنسان في أحد الثلاثة؛ لا يصل إلى الفهم الصحيح، الذي هو طريق إلى الواقع الصحيح.
وبعبارة أخـرى؛ يجب أن تكـون صورة القياس ومادّته مطابقةً للواقع وصحيحةً، فالصورة كما ذكرها علماء المنطق، والفلسفة، على أربعة أقسام مشهورة، والمادّة على ما ذكرها أيضاً هي على الأقسام الخمسة الصناعية، وكلّ الخلاف في العالم أخذا‌ً من المبدأ إلى المعاد، وإلى أكبر مجرّة، وأصغر ذرّة، إنّما حصل بسبب أحد هذه الثلاثة، أو أحد هذين الاثنين.
أمّا الاختلاف بسبب اختلاف المصالح؛ فليس من محلّ الكلام في شيء، إذ الاختلاف قـد يكـون اختلافاً فـي الواقع والجوهر، مثل إنّ زيداً طبيب أو ليس بطبيب، وأنّ عمراً عادل أو ليس بعادل، وقد يكون باختلاف المصالح مثل تضرّر مصلحة الطبيب والمريض؛ حيث مصلحة المريض تقتضي أن يراجع الطبيب ولو في نصف الليل، ومصلحة الطبيب تقتضي أن ينام في هذا الوقت وإلاّ تسبّب له المرض، فإنّ اختلاف مصالحهما هو الذي يسبّب التضارب، وكذلك اختلاف البائع والمشتري، إذ المشتري؛ مصلحته تقتضي شراء الشيء الرخيص، بينما مصلحة البائع تقتضي أن يعطي البضاعة غالياً أو فوق الرخص. وهكذا حال مصلحة الزوجين، وسائر الشركاء.
وقد نُقِلَ عن ابن سينا أنّه إذا قيلت له قضيّة صبّ القضيّة في الصغرى والكبرى، ولاحظ أنّهـا مـن أيّ الصناعات الخمس: البرهانيّات، أو المشهـورات، أو ما أشبه ذلك. ثمّ حكم بصحّتها أو سقمها وفسادها مطلقاً أو في الجملة.
ومن أظهر الأمثلة لذلك؛ من كانوا يمدحون يزيد أو يذمّونه، أو يمدحون الحجّاج أو يذمّونه، أو يمدحون الشيطان أو يذمّونه، فإنّ هناك فرقةً تعبُدُ الشيطان باعتباره طاووس الملائكة وأنّه أوّل العابدين، وباعتباره أنّه لم ينخدع بخدعة الله سبحانه وتعالى حسب تعبيرهم. حيث إنّ الله أراد تعليم آدم وحواء أشياء في حال سجود الملائكة فأمرهم بالسجود لكنّ الشيطان لمّا عرف ذلك أبى السجود، ولذا يعبّرون عنه بسيّد الموحّدين!. إلى غير ذلك من الأمور الغريبة المذكورة في التواريخ. وقد قال الشاعر في حقّ عليّ (ع):
كم بين مَن شكّ في خلافته*** وبين مَن قال إنّه الله
ولم تكن هذه الأمور خاصّة بالزمان السابق بل وحتّى في زماننا هذا، وهو زمان العلم والنور والذرّة والرحلات الفضائية، فقسمٌ كبير من الناس ينحدرون عن الجادّة بأبشع انحراف.
مثلاً: صدّام(166) وهو الشخص الذي تفوق همجيته همجية الحجاج(167) كما ذكرنا ذلك في البيانات المرتبطة بالعراق، نجد من يمدحه أشدّ المدح، ولا بأس أن ننقل هنا مقالة لأحد العراقيين والموالين له في مجلّة المجلّـة العربيـة في السابع عشر من جمادى الآخرة سنة 1408ه‍، وهذا نصّ المقالة:
يعدّ صدّام حسين أوّل قائد عربي منذ زمن الخلافة العباسيّة، ينجح في بناء دولة متقدّمة ومجتمع مرفّه، فالعراق قبل ثورته التي قادها كان فقيراً رغم ثرائه وكان 80% من شعبه حفاة أمّيّين، يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، فانقلب الوضع جذرياً، وتجلّى ذلك في محو الأميّة، واستئصال الأمراض الشائعة، والقضاء على الفقر، وما ينجم عنه أمراض اجتماعية معروفة، وتحقيق العدالة الاجتماعية بصورة نموذجية، وبناء جيش من العلماء، والمهندسين، جعلوا العرب قادرين ولأوّل مرّة في تاريخ العصر الحديث على دخول عصر التصنيع في مجالات معقّدة. إنّ هذه بعض وليست كلّ إنجازات صدّام حسين وهي وجوهاً تكفي لجعل كلّ عراقي يتمسّك بقيادة صدّام حسين. وعلى المستوى العربي تميّز صدّام حسين بأنّه صاحب مبدأ، ورسالة، وهؤلاء يتميّزون بثبات عليها، وعدم الوقوع في إغراءات الحياة العابرة، فإذا نظرنا إلى المسؤولين العرب الآن لوجدنا أنّ الرئيس صدّام يتميّز بالتمسّك بمسيرته وهو لن يتخلّى عن إيمانه بالقومية العربية وهو لم يقبل باسم السلام التخلّي عن 90% من الأراضي الفلسطينية التي احتلّت عام 1948م كما فعل بعض العرب، ولم يغيّر قناعاته بأنّ الصهيونية كانت وستبقى عدوّة العرب اللدود، وأن أميركا هي الداعم الأوّل لها، الأمر الذي يتطلّب مواصلة النضال ضدّ الصهيونيّة وأميركا، واعتبار ذلك معياراً للأصالة، والصواب، والحقّ. وقد ارتد أغلب الزعماء العرب عن شعارات وأهداف أعلنوا تمسّكهم بها، ففرّطـوا بمصالـح، وحقوق العرب. ونحن شعب لا يكره شيئاً بقدر كراهية المرتدّين، فتمسك صدّام برسالته مبعث حبّ وتقدير لدى العراقيين، وصدّام لم يتوقّف عند حدّ التمسّك بالمبادئ العروبية بل هو القائد الذي حوّل الشعارات إلى أعمال وهو الذي نقل الحرب إلى داخل فلسطين المحتلّة بإطلاق 43 صاروخاً هدمـت مرتكـزات نظريّـة الأمـن الإسرائيليـة، وأنهت أسطورة إسرائيل التي لا تقهر. وصدّام هو الوحيد الذي لم يرتعد من وحشية أميركا، ودخل الحرب العالمية الثالثة ضدّها ومعها اثنتان وثلاثون دولة، وخرج من الحرب منتصراً بعد أن أحرق الغزو العراق وزرع حكومة عميلة فيه، وذلك من أعظم انتصارات العرب في كلّ تاريخهم وكانت مظاهرات عشرات الملايين من العرب في المشرق والمغرب استفتاءً حرّاً أكّد أنّ صدّام يتمتّع بثقّة وتقدير الشعب العربي بعكس أغلب الحكّام العرب، وصدّام من وجهة نظر المواطن العربي العادي هو القائد العربي الوحيد الذي حرّر نفط بلده، وسخّره لخدمة شعبه، وأشقائه، لبناء دولة قويّة، متحضّرة، ومتطوّرة في حين أنّ آخرين سخَّروا هذه الثروة لبناء مجتمع استهلاكي ضعيف ولخدمة الأجانب.
وأمّا على المستوى العالمي، فإنّ صدّام مثَّل أنموذجاً واضحاً للبطولة في عصر الاستذلال والخضوع للديكتاتورية الأمريكية، فهو وحده من قال لا للهيمنة الأميركية وأردفها بفعل هزّ العالم وسيأتي أثره الإيجابي على مستقبله.
إنّني لا أؤيد صدّام، فكلمة تأييد هزيلة بل أنا مقاتل ثابت في جيش صدّام بصفتي عراقياً وعربياً أقدّس الإنجازات والأعمال وحيثما أدرت رأسي وجدت إنجـازاً عظيمـاً حقّقـه صـدّام، وتزداد صلتنا قـوّة بـه ونحن نلاحـظ أنّ الآخـرين بلا إنجازات وبلا ماضٍ ولا حاضرٍ، وتتقاذفهم رياح الضعف والصهينة.
وأخيراً لابدّ من القول إنّ العربي الأصيل هو الذي لا يكتفي بعداء الصهيونية وأميركا وحسب، بل ويختار الوقوف إلى جانب صدّام، وذلك معيار لا يخطئ أبداً، فحيثما وقفت أميركا والصهيونية لا يجوز لأيّ عربي أرضه محتلّة أن يصافحهما، وبخلاف ذلك تكون صداقة أميركا والصلح مع الكيان الصهيوني تَخَـلياً عـن الهـويّة والحقـوق والتحوّل إلى مخلوقات لا تمتلك الكرامة الإنسانية ولا احترام الذات، ومن لا يحترم ذاته لا يحترمه أحد.. إنّنا لكلّ ذلك نحبّ صدّام ـ انتهت المقالة ـ.
أقول: ولولا أنّ الواقعيّة تقتضي ذكر الأمثلة لكلّ جانب ما كان ينبغي لنا أن نذكرها هنا، ألم يذكر الله سبحانه وتعالى تهجّم الكفّار والمجرمين للأنبياء والمرسلين، فقد قالوا لرسول الله (ص) الذي هـو فـي القمّة مـن البشرية إطلاقاً: ((ساحر)) (168)، و ((كاهن))(169)، و ((مجنون))(170)، و ((مسحور))(171)، إلى غيـر ذلك من الأوصاف. وهكذا ذكر سبحانه وتعالى مدح بعض الناس للطواغيت، أو مدح الطواغيت لأنفسهم حتّى قال أحدهم: ((أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى)) (172) .
نعـم، إنّ أمثال هذا الكاتب ونحوه يستحقّون ما ذكره سبحانه وتعالى: ((وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ))(173)، فإنّ جهنّم هي خير علاج لهؤلاء المرضى.
وقد قال الحسن البصري(174): إنّه إذا جاء أهل العالم بمجرميهم في صف وجئنا بالحجّاج وحده في صفّ آخر لكُنّا جئنا بأكثر من جميعهم إجراماً(175). ومع ذلك نجد الحسن البصري هذا يقول ربّما سمعت خطبة الحجّاج في التقوى فبكيتُ بكاءً مرّاً فكاد أن يخدعني.
أقول: ذكر المؤرّخون أنّ الحجّاج كان ينصح الناس بالتقوى، ويأمرهم بالطاعة لله سبحانه وتعالى، وأنّ الدنيا لا اعتبار لها، وأنّ اللازم ألاّ يعصي الإنسانُ الله حتّى في أصغر صغيرة فإنّ وراءه جهنّم. ثمّ يبكي بكاءً مرّاً حتّى تتقاطر الدموع من لحيته. وكان يلبس عمّة كبيرة جدّاً وكان يقول في شعر له:
أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا*** متى أضع العمّامة تعرفوني(176)
وصدّام أسوأ من الحجّاج بما نُقِلَ عنه (177)، وشاهدنا من أعماله في القتل، والتعذيب، ومصادرة الأموال، والانسياق وراء الشهوات بل إنّي لا أظنّ أنه جاء في العراق حاكمٌ أطغى من صدّام، وحتّى هولاكو(178) لمّا أحتلّ العراق ذهب إليه جماعة من العلماء طلبوا منه استثناء مدن الحلة، والنجف الأشرف، وكربلاء المقدّسة عن مذابح جيشه فَقَبِلَ منهم ذلك، و ترك الحلّة؛ لكونها مركزاً للعلماء، والنجف وكربلاء باعتبارهما مراكز عبادية، بينما نشاهد أنّ الأسوأ من المغول جعل كربلاء المقدّسة، والنجف الأشرف، والحلّة، مسرحاً لعمليّاته، وقتله، وسائر فضائحه، وقد ورد ذكر بعض ذلك في كتاب العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل لجماعة من الكتّاب.
وعلى أي حال: فإنّ أي انحراف ولو بحجم صغير لا بهذا الحجم الذي تكاد السماوات يتفطّرن منه، وتنشق الأرض، وتخرّ الجبال هدّاً يوجب خللاً في فلسفة التاريخ التي نحن بصددها، والآية المباركة وإن كانت في الاعتقاد بغير الله سبحانه وتعالى، حيث قال سبحانه وتعالى: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً))(179)، إلاّ أنّ هذه الآيات والتي هي من أصول الدين تناسب أمثال صدّام الذي حارب أصول الدين وفروعه على حدّ سواء وإن كان ينطق بالشهادتين فهو من المنافقين الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ((وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ))(180)، فهو كاذب حتّى في ألفاظ الشهادة كما قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى المنافقين الذين ((قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ))(181).
 
(1) وقد عرف العلماء فلسفة التاريخ تعاريف عديدة، منشؤها اختلاف المناهج، منها :
1ـ لورد بو لينغبروك: الفلسفة التي تعلّم بالقدوة.
2ـ أنطونيو لايديولا: إنها تمحيص للمناهج، والمبادئ، والأنظمة لعلوم التاريخ، إضافة إلى كونها تاريخاً، شاملاً، ومكتوباً، وجَّهته أفكار فلسفية سابقة.
3ـ أد كزينو بول: إنه وقائع متتابعة على عكس العلوم التي تعتبر وقائع متكررة.
4ـ دور كهايم: تبحث في تحديد الاتجاه العام لتطور الإنسانية، وإيجاد قانون لحركة الحياة البشرية في خطوط دائرية أو مستقيمة.
5ـ وعرفه بعضٌ: إنه معرفة الروابط التي تربط الأحداث والوقائع المتفرقة ودراستها لتبين دوافعها وارتباطاتها ونتائجها، واستخلاص السنن من خلالها والاعتبار بالدروس والعظات فيها.
6ـ وعرفه الدكتور حسن سلمان في كتابه: النظرة القرآنية لتفسير حركة التاريخ ص36 بما يلي: معرفة التحولات، والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، ومعرفة القوانين المحكمة في هذه التطورات والتحولات.
(2) شرح منظومة السبزواري، قسم المنطق، مباحث الألفاظ: ص21 للإمام المؤلف.
(3) الوليد بن مصعب، ويكنى بأبي مصعب وهو فرعون موسى، الطاغوت والجبار والمتكبر والظالم والساحر والباغي الذي قال: (أنا ربكم الأعلى، وقد اختلف أرباب التاريخ في نسبه فبعض قال: إنه من اليمن، وآخر: إنه من العمالقة، وثالث: إنه من أقباط مصر كما ذكر ذلك اليعقوبي في تاريخه ج1 ص 186، وكلمة (فرعون في اللغة المصرية القديمة تعني الملك المتصرف أو الرب الذي له حق الأمر والنهي في شعبه أو من هم تحت سلطته وقد ورد اسم فرعون في القرآن 74 مرة، وتحدث عنه الباري سبحانه وتعالى في 27سورة، وقد حكم مصر وفلسطين وبلاد الشام وبلاد ما بين الرافدين في العراق واستمر حكمه على أقل التقادير 200 عام وقد استعان في ترسيخ حكمه ببعض الكهنة والسحرة وقد وصفه القرآن الكريم بما يلي: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ )) (سورة القصص، الاية 4 و((إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ)) (سورة يونس، الآية 83. و((إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ)) (سورة الدخان، الآية 31. أرسل الله سبحانه وتعالى له موسى النبي وآزره بأخيه هارون وبعث معه آيات عديدة منها: العصا، والجراد، والقمل، والضفادع. لكن فرعون استكبر ولم يؤمن فأغرقه الله وجنوده والبالغ عددهم مليون شخص في النيل.
(4) أدولف هتلر ولد في النمسا سنة 1889 م، وانتحر في برلين سنة 1945م، تسلم مقاليد الحكم في ألمانيا سنة 1934م، أدت سياسته إلى نشوب الحرب العالمية الثانية 1939م، والتي ذهب ضحيتها قرابة الخمسين مليونَ إنسانٍ، وخسر المعركة بهجومه على روسيا سنة 1943، من مؤلفاته كتاب: (كفاحي).
(5) جوزيف ستالين ولد سنة 1879م، ومات سنة 1953م، أصبح الأمين العام للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي ـ السابق ـ سنة 1924م، واستمر إلى سنة 1953م وأصبح رئيساً للجمهورية بين الفترة 1941ـ 1953م، اتّسم حكمه بالاستبداد والديكتاتورية، وقد قضى على خصومه في محاكم صورية، وقد قتل من الشعب أكثر من عشرين مليوناً لأجل تحويل النظام الزراعي التقليدي إلى المزارع الجماعية أو المزارع الحكومية. وقد سبب هذا التحويل سحق الطبقة الوسطى في المجتمع ممّا أدى إلى خفض الإنتاج الزراعي، ونقص الملايين من رؤوس الماشية، وإحداث مجاعات في البلاد وعلى الخصوص في أوكرانيا وشمال القفقاز.
(6) سورة الشعراء: الآية 130.
(7) سورة طه: الآية 50.
(8) نسبة إلى أميّة وهو من الروم، استلحقه عبد شمس، حكموا اثنين وتسعين سنة ابتداءً من 40 ه‍ (661 م) وإلى 132 ه‍ ( 750 م)، وامتدّت دولتهم من شواطئ المحيط الأطلسي وجبال البرانس غرباً إلى نهر السند وتخوم الصين شرقاً، وعدد خلفائهم أربعة عشر خليفة، وهم كالتالي: 1. معاويـة بـن أبـي سفيان. 2. يزيد بن معاوية. 3. معاوية الثاني. 4. مروان بن الحكم. 5. عبد الملك بن مروان. 6.الوليد بن عبد الملك. 7. سليمان بن عبد الملــك. 8. عمر بـن عبدالعزيـز. 9. يزيـد بــن عبـد الملـك. 10. هشـام بـن عبـد الـملـك. 11. الوليد بن يزيد. 12. يزيد بن عبد الملك. 13. إبراهيم بن الوليد. 14. مروان الحمار.
اتّسمت سيرتهم باللهو، واللعب، والغناء، والطرب، والشراب، وإحياء الباطل، وإماتة السنة، وإظهار البدعة، ومصادرة الأموال، وبث روح العصبية وإثارة النزاعات القبلية، وقتل أهل البيت(ع). وفي زمانهم كانوا يختمون على أعناق الصحابة والتابعين على أنهم عبيد للخليفة، وكانوا يسجنون النساء ويأتي من أراد الزنا فيدخل إلى السجان فيختار من النساء ويقضي وطره مقابل مبلغ من المال.
وقامت في عهدهم عدة ثورات منها: 1. ثورة الإمام الحسين(ع) 2. ثورة أهل المدينة بقيادة عبـد الله بـن حنظلة 3. ثـورة أهـل مكـة بقيادة عبد الله بن الزبير. 4. ثورة المختار 5. ثورة مصعب بن الزبير. 6. ثورة زيد بن علي. 7. ثورة بني المهلب.
(9) أبو عبد الله، محمد بن إدريس، الملقب بالشافعي، نسبة إلى جده، ويعد مؤسس المذهب السني الشافعي، ولد سنة 150ه‍ (767م) وتوفي في مصر سنة 204ه‍‌ (820م)، هاجر إلى مصر سنة 198ه‍ (813م)، ثم سافر إلى مكة ومنها إلى بغداد ثم العودة إلى مصر سنة 200ه‍ (815م)، من مؤلفاته: كتاب الأم، رسالة في أدلة الأحكام، اختلاف الحديث، المسند.
للمزيد راجع كتاب الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: ج3 ص 175 ـ 254، تهذيب الأسماء واللغات: ج1 ص 44.
(10) رضا شاه: من ملوك إيران في القرن العشرين، أصبح وزيراً للحربية ـ الدفاع ـ في حكومة القاجار ثم أطاح بهم ولقب نفسه ب‍(بهلوي إحياءً للفارسية القديمة، ولد سنة 1295 ه‍ ـ (1878م) وحكم إيران سنة 1343 ه‍ ( 1925 م)، واستمرّ في الحكم لسنة 1359 ه‍ (1941م)، اتّسم حكمه بإحياء القومية الفارسية ونشر المذهب البهائي وهدم المساجد والمدارس والحسينيات ومنع العلماء ورجال الدين من ممارسة أدوارهم في الحياة، وأشاع الزنا والخمر والقمار في أوساط المجتمع الإسلامي، ومنع النساء المسلمات من ارتداء الحجاب الذي فرضته الشريعة، وحطم اقتصاد البلاد وعلى الخصوص قنوات الري، وقتل في ثورة مسجد (كوهر شاد في مدينة مشهد الإيرانية أكثر من ثلاثة آلاف مسلم. نفاه الإنجليز إلى جزيرة موريس في المحيط الهندي، وعيّنوا ولده محمد رضا مكانه، وأصابه في منفاه لوث من الجنون ؛ فكان يقف كلّ يوم أمام مرآة في غرفته ويعدد ألقابه ثم يضحك بهستيرية على نفسه، وكان يقضي أكثر أوقاته بهذه الكيفية، ثم قتله الإنجليز هناك سنة 1363ه‍ (1944م).
محمد رضا شاه: من ملوك إيران في القرن العشرين، عينه الإنجليز بعد أن خلعوا والده، ولد سنة 1337ه‍ (1919م)، وتسلم الحكم في إيران سنة 1359 ه‍ ( 1941 م)، وأطيح به سنة 1399ه‍ (1979م)، ومات في المنفى سنة 1400ه‍ (1980م)، ودفن في مصر.
(11) عبد الكريم قاسم: ولد في بغداد سنة 1332ه‍ (1914م)، تسلم الحكم في العراق سنة 1377ه‍ ( 1958م) بعد أن أطاح بالنظام الملكي، وأعلن النظام الجمهوري، وشكل مجلس السيادة لإدارة البلاد، استمر في الحكم لسنة 1382ه‍ (1963م )، وأعدم إثر تعرضه لانقلاب عسكري ؛ قاده عبد السلام عارف.
(12) عبد السلام عارف: ولد سنة 1339 ه‍ (1921م)، تسلم الحكم في العراق سنة 1382ه‍ (1963م)، قتل سنة 1385ه‍ (1966م) ؛ إثر سقوط طائرته في جنوب العراق.
(13) عبد الرحمن عارف: ولد سنة 1334ه‍ (1916م)، أصبح رئيساً للعراق سنة 1385 ه‍ (1966م)، بعد مقتل أخيه عبد السلام، نحي عن السلطة سنة 1388ه‍ (1968م) ؛ إثر انقلاب دبّره أحمد حسن البكر، ونفي إلى تركيا.
(14) أحمد حسن البكر: ولد في تكريت سنة 1333ه‍ (1914م)، تسلم الحكم في العراق 1388ه‍ (1968م) ؛ إثر انقلاب دبّره على عبد الرحمن عارف، واستمر في الحكم إحدى عشرة سنة، وأقصي سنة 1399ه‍ (1979م) ؛ إثر انقلاب دبّره صدام التكريتي. وقتله صدام سنة 1402ه‍ (1982م) بحقنة سبّبت ارتفاع نسبة السُّكر لديه بواسطة الدكتور صادق علوش.
(15) من لا يحضره الفقيه: ج4 ص 372 ب2 ح 5762، كشف الغمة: ج1 ص384، بحار الأنوار: ج1 ص88، غرر الحكم ودرر الكلم: ص308 ح7088.
(16) سورة الأنبياء: الآية 69.
(17) سورة البقرة: الآيات 201 ـ 202.
(18) نهج البلاغة: الكتاب 31، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص 84 ب31، وفي الأمالي للصدوق: ص 323، ومصادقة الإخوان: ص40، والاختصاص: ص27 (بالمعنى).
(19) فقد ورد في الجعفريات: ص88 (من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس من المسلمين، ومن شهد رجلاً ينادي يا للمسلمين ؛ فلم يجبه، فليس من المسلمين)، وفي وسائل الشيعة: ج15ص141 ب59 ح20169 وج16 ص337 ب18 ح21702: (من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم)، وفي الكافي (أصول): ج2 ص163 ح1 (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين، فليس بمسلم).
(20) من لا يحضره الفقيه: ج3 ص156 ب2 ح3568، وسائل الشيعة: ج17 ص76 ب28 ح22025.
(21) مجموعة ورام: ج2 ص 234، مستدرك الوسائل: ج1 ص 146 ب25 ح220، بحار الأنوار: ج44 ص 139 ب22 ح6.
(22) سورة المؤمنون: الآيات 23 ـ 52.
(23) وهو التفسير الموضوعي.
(24) وكما أشار إلى ذلك من قبل في كتاب (الاقتصاد الإسلامي المقارن(.
(25) سورة النجم: الآية 42.
(26) نهج البلاغة: الخطبة 226، وفي بحار الأنوار: ج 73 ص 82 ب 122 ح45، وص117 ب122 ح109، و ج 77 ص 298 ب 14 ح 4( بالمعنى).
(27) اسمه فرانسوا ماري أرويه ومشهور بفولتير، ولد سنة 1694م في باريس، ومات سنة 1778 م، كاتب، ومؤرخ، وفيلسوف، عمل جاهداً ضد أفكار الكنيسة وحكمها المطلق، ويعد المفكر الإيديولوجي للثورة الفرنسية.
(28) سورة الرعد: الآية 28.
(29) سورة الفتح: الآية 4.
(30) سورة الفتح: الآية 18.
(31) سورة التغابن: الآية 11.
(32) وقد جاء في إملاء الإمام جعفر الصادق (ع) على المفضل بن عمر الجعفي: فكّر يا مفضَّل، في وصول الغذاء إلى البدن، وما فيه من التدبير، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه، ويبعث بصفوه إلى الكبد، في عروق دقاق وأشجة بينهما، وقد جعلت كالمصفّى للغذاء، لكي لا يصل إلى الكبد منه شيء فيتكأها، وذلك أن الكبد رقيقة لاتحمل العنف. ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دماً، وينفذه إلى البدن كله في مجارٍ مهيئة لذلك، بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ليطرد في الأرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفائض قد أعدت لذلك، فما كان منه من جنس المِرَّة الصفراء جرى إلى المرارة، وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال، وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة. راجع توحيد المفضّل ص19 ـ 20. وليست الدورة الدموية من مكتشفات العالم الإنجليزي وليم هارفي، المتوفى في القرن السابع عشر الميلادي.
(33) مثلاً كروية الأرض ؛ اكتشفها المسلمون في القرن السادس عشر الميلادي قبل رحلة ماجلان، كما اكتشفت القارة السادسة ـ إنتاركتيا ـ والتي تبلغ مساحتها 14,107637كم2، وتقع في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، في القرن السادس عشر من قبل المسلمين قبل اكتشافها من قبل علماء الغرب سنة 1952م عبر الأجهزة العاكسة للصوت باعتبارها منطقة مغطاة بالثلوج طوال عصور التاريخ.
(34) سورة الأنفال: الآية 35.
(35) وسائل الشيعة: ج 1 ص 38 ب 2 ح 61، و ج 27 ص 150 ب 11 ح 33455، رجال الكشي: ج 2 ص 816.
(36) السيد الشريف الرضي: محمد بن الحسين الموسوي، الملقب ب‍(ذي الحسبين، ولد سنة 359 هـ (970م)، وتوفي سنة 406 هـ (1016م)، وعاش 46 سنة، فقيه متبحر، وأديب بارع، وشاعر متميز بالفصاحة والشفافية والرّقة، ومتكلم حاذق، أُعتقل أبوه من قبل عضد الدولة ؛ وسجن سنة 369ه‍ إلى 376ه‍ أي سبعة أعوام ؛ لأسباب سياسية، وكان عُمره عند اعتقال والده عشرة أعوام، لكن اهتمام والدته بالعلم هو الذي دفعها أن ترسله وأخاه السيد المرتضى إلى الشيخ المفيد ؛ ليعلمهما، كما تتلمذ عند أبي الفتوح عثمان بن جني، تولّى نقابة الطالبيين وإمارة الحج والنظر في المظالم في حياة أبيه وعمره لايتجاوز الحادية والعشرين، له مصنفات في التفسير والعقائد والأدب والحديث، وله ديوان شعري، وقد قيل في حقه: (إنّه أشعر الفقهاء، وفي أخيه السيد مرتضى: (أفقه الشعراء. من مؤلفاته: حقائق التأويل في متشابه التنزيل، مجازات الآثار النبوية، تلخيص البيان عن مجازات القرآن، الخصائص، أخبار قضاة بغداد، الزيادات في شعر أبي تمام.
(37) محمد بن زياد بن عيسى الأزدي، ويكنى بأبي أحمد، ويلقب بإبن أبي عمير، عالم جليل ومحدِّث عظيم، اشتهر بالزهد والورع ويعدُّ من أصحاب الإجماع، عاصر الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد(ع) وتعرض للمضايقات والسجن والتعذيب عدّة مرات، فقد سجنه هارون العباسي وضربه بالسياط ؛ ليكشف له عن أصحاب الإمام الكاظم(ع) وسجنه المأمون العباسي أربع سنوات تعرض خلالها للضرب المبرح بالسياط حتى أشرف على الموت وقيل: إنه ضرب ألف سوط، كما صادروا أمواله وما عنده من ممتلكات، وطلب المأمون العباسي أن يخبره عن أصحاب الإمام (ع) لكنه كتم ذلك. وله أكثر من تسعين مؤلفاً ؛ تلفت بعد أن أخفتها أخته عند سجنه. وبعد خروجه من السجن، تحدّث من مخزون ذاكرته وما كان قد رواه الأصحاب عنه في كتبهم. توفي سنة 217ه‍ (832م). للمزيد راجع رجال الشيخ الطوسي ورجال الكشي وتنقيح المقال للمامقاني.
(38) سورة البقرة: الآية 282.
(39) يقع في 144 صفحة من القطع المتوسط، أُلِّف في كربلاء المقدّسة، وطبع عدّة طبعات بعدّة لغات.
(40) سورة الجن: الآية 26.
(41) بنو العباس: حكموا خمسمائة وأربعٍاً وعشرين سنة ابتداءً من 132 ه‍ ( 750م) وإلى سقوط بغداد سنة 656هـ (1258م) ؛ عندما احتلها هولاكو، وعدد خلفائهم سبعة وثلاثون خليفة، وهم: 1. السفاح 2. المنصور 3. المهدي 4. الهادي 5. هارون 6. الأمين 7. المأمون 8. المعتصم 9. الواثق 10. المتوكل 11. المنتصر 12. المستعين 13. المعتز 14. المهتدي 15. المعتمد 16. المعتضد 17. المكتفي 18. المقتدر 19. القاهر 20.الراضي 21.المتقي 22. المستكفي 23. المطيع 24. الطائع 25. القادر 26.القائم 27. المقتدي 28. المستظهر 29. المسترشد 30. الراشد 31. المقتفي 32.المستنجد 33. المستضيء 34. الناصر 35. الظاهر 36. المستنصر 37.المستعصم.
وفي زمانهم انفصلت عنهم دول عديدة منها الحمدانية في حلب والإخشيدية والفاطمية والأيوبية في مصر والغزنوية في أفغان والهند والسامانية في خراسان وما وراء النهر.
والدولة العباسية لم تختلف عن الدولة الأموية في سيرة حكامها من الظلم، والقتل، واللهو، واللعب، وشرب الخمور، وارتكاب الفجور، وإحياء الباطل، وإظهار البدعة، ومحاربة التشيع، بل زادوا على الأمويين في ظلمهم واضطهادهم وجبروتهم.
(42) تأسست الدولة العثمانية سنة 1281م وسقطت سنة 1922م وعدد خلفائها 37 خليفة وهم كالتالي: 1. عثمان الأول 2. أورخان بن عثمان 3. مراد الأول 4. بايزيد خان الأول 5.محمد جلبي ـ الأول ـ 6. مراد خان الثاني 7. محمد الثاني ـ الفاتح ـ 8. بايزيد خان الثاني 9. سليم الأول 10. سليمان الأول ـ القانوني ـ 11. سليم الثاني 12. مراد الثالث 13. محمد الثالث 14. أحمد الأول 15. مصطفى الأول 16. عثمان الثاني 17. مراد الرابع 18. إبراهيم الأول 19. محمد الرابع 20. سليمان الثاني 21. أحمد الثاني 22. مصطفى الثاني 23. أحمد الثالث 24. محمود الأول 25. عثمان الثالث 26. مصطفى الثالث 27. عبد المجيد الأول 28. سليم الثالث 29. مصطفى الرابع 30. محمود الثاني 31. عبد المجيد الثاني 32. عبد العزيز 33. مراد الخامس 34. عبد الحميد الثاني 35. محمد رشاد 36. محمد السادس 37. عبد المجيد الثالث الذي نفاه أتاتورك إلى مدينة نيس الفرنسية. ومن أخطر مثالبهم إضافة إلى الفساد والاستبداد هو ترك مصادر التشريع الإسلامي والتوسل بالقوانين الغربية الوضعية. للمزيد راجع كتاب موجز عن الدولة العثمانية للإمام المؤلف .
(43) سلالة إيرانية، حكموا منذ سنة 1210ه‍ (1795م) وإلى سنة 1343ه‍ (1925م) ولمدة 133سنة، وعدد ملوكهم سبعة ؛ أولهم محمد علي شاه وآخرهم أحمد شاه، وأبرز ملوكهم فتح علي شاه وناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه، وفي عهدهم دخلت إيران في السلك الأوربي، وخسرت مدينة باكو وجورجيا ومعظم أرمينيا الفارسية ؛ بعد أن استولت عليها روسيا القيصرية، وأطاح بسلالتهم رضا بهلوي سنة 1343 ه‍ (1925م) للتفصيل عن قبيلة قاجار راجع أعيان الشيعة: ج3 ص 120.
(44) هو نمرود بن كوش بن حام بن نوح أول جبار على وجه الأرض وأول ملوك بابل بعد السريانيين وحكم 96 سنة، ويقال: إنه بنى مدينة نينوى عاصمة آشور والتي دمرت من قبل ملك بابل، بعث الله سبحانه إليه إبراهيم (ع) ليهديه ولكن نمرود أبى واستكبر وسجن إبراهيم ثم أحرقه بالنار ولكن الله سبحانه وتعالى أبى إحراقه فجعل النار برداً وسلاماً. راجع تاريخ اليعقوبي: ج1 ص 82.
(45) الوزير المعتمد لدى فرعون وساحره المفضل، والذي ساعده فـي ادعاء الربوبية، وأشار إليـه بإحضار السحرة مـن جميـع البلاد لمواجهة موسى، ولقـد ذمـّه القرآن فـي آيات عديدة منها: ((وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ)) سورة العنكبوت: الآية 39 ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ* إِلـَى فـِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَـارُونَ فَقَالـُوا سَاحـِرٌ كـَذَّابٌ)) سـورة غافـر: الآيتان 23ـ 24، وقد أشار المفسرون إلى بعض أعماله وتصرفاته في تفسير سورة طه والشعراء والقصص.
(46) سورة يوسف: الآية 111.
(47) سورة الأحزاب: الآية 21.
(48) سورة الحجرات: الآية 13.
(49) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج8 ص123 ب127، الاحتجاج: ج2 ص487، تحف العقول: ص458، الصوارم المحرقة: ص270. وفي كتاب الألفين: ص218: (لا تجتمع أمتي على الضلالة).
(50) السيد المرتضى: أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى المشهور بالمرتضى أو عَلَم الهدى، ولد سنة 355ه‍ (966م) في بغداد، وتوفي سنة 436 ه‍ (1044م)، ودفن في حرم الإمام الحسين (ع). من فقهاء الشيعة، عرف بالعلم والفضل والفقاهة، اهتم بتأسيس المكتبات في بغداد، وكانت مكتبته الشخصية تحتوي على 80 ألف كتاب، وقد اهتم بتربية الطلاب والمفكرين بعد أن أسس مدرسة لهذا الغرض وبعد أن خصص لهم رواتب شهرية، ومن تلامذته: الشيخ الطوسي وسالار الديلمي وأبو صلاح الحلبي والشيخ الكراجكي، وقد بلغت مؤلفاته التسعين منها: الشافي في الإمامة، الطيف والخيال، الدرر القلائد وغرر الفوائد والمشهور ب‍(الأمالي، تنزيه الأنبياء. ترجمه الكنى والألقاب ج2 ص482.
(51) الشيخ المفيد: أبو عبد الله محمد بن محمـد بـن النعمـان الملقـب بالمفيد، ولد سنة 336ه‍ (947م)، وتوفي سنة 413هـ (1022م)، وقد وجد على قبره مكتوباً بخط الإمام الحجة (عج):
لا صوت الناعي بفقدك أنه
إن كنت قد غيبت من جدث الثرى
والقائم المهدي يفرح كلما
 
يوم على آل الرسول عظيم
فالعدل والتوحيد فيك مقيم
تليت عليك من الدروس علوم
ويعد من الفقهاء المعروفين بالعلم والزهد والتقوى، آلت إليه الرئاسة الدينية في زمانه، وكان يحظى بمنزلة رفيعة في دولة آل بويه، ألّف أكثر من مائتي كتاب منها: الرسالة المقنعة، الأركان في دعائم الدين، الإيضاح في الإمامة، الإرشاد، الإفصاح، الاختصاص، العيون والمحاسن، نقض فضيلة المعتزلة. ترجمه روضات الجنات ج6 ص 153.
(52) الشيخ الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، ولد بخراسان سنة 385 ه‍ (995م)، وتوفي 460ه‍ (1068م)، ودفن في داره في النجف الأشرف، وهي الآن مسجد يسمى بـ(مسجد الطوسي)، هاجر إلى العراق سنة 408 ه‍ (1017م)، واستوطن بغداد ؛ وكان يدرس فيها عند الشيخ المفيد وأدرك شيخه الحسين بن عبد الله الغضائري المتوفى سنة 411ه‍ كما تتلمذ عند السيد المرتضى قرابة 23سنة، وفي سنة 447ه‍ تعرض الشيعة في بغداد للقتل، والنهب، والسلب، من قبل الحاكم السلجوقي طغرك بك، وأحرق كرسيه الكلامي ـ الذي كان يدرّس عليه والذي يعدّ منصباً مهماً وما كان يعطى إلا لذوي المرتبة العالية في العلم والمعرفة، وأحرقت المكتبات والمدارس التي أسسها آل بويه سنة 381 هـ، وتعرض الشيخ للهجوم وأنقذه الله من القتل، وأحرقت داره بما فيها من الكتب المخطوطة والنفيسة، فبعد هذه الحادثة هاجر الشيخ إلى النجف الأشرف وأسس حوزة علمية هناك. وبقي اثني عشر عاماً بين درس وبحث، وهداية وإرشاد، وقد بلغ عدد تلاميذه المجتهدين ثلاثمائة مجتهدٍ. يقول عنه العلامة الحلي في الخلاصة صفحة 72: (شيخ الإمامية ووجيههم، رئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، صدوق، عين، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه).
بلغت مؤلفاته ستةً وأربعين مؤلفاً في الأخبار والأصول والفقه والتفسير والدعاء والرجال، منها: التهذيب، الاستبصار، العدة، المبسوط، التبيان، والمصباح، الرجال، الأمالي، الفهرست، الغيبة، النهاية، الخلاف.
(53) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج20 ص304 ب484 الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (ع)، كنز الفوائد: ج2 ص33.
(54) مجاهد مقدام، ولد في السنة الأولى للهجرة النبوية (622م)، أحد الثوار الذين ثاروا على الطغيان الأموي، فسجنه عبيد الله بن زياد وعذبه وضربه بالقضيب حتى شتر عينه ثم نفاه للحجاز، وحكم الكوفة سنة 66ه‍ ثم ألحق بها الموصل وأرمينيا وآذربيجان بعد أن انتصر قائد جيشه إبراهيم بن مالك الأشتر ـ الذي كان مسجوناً في زمن معاوية مع أربعة آلاف وخمسمائة من الشيعة وأُطلق سراحهم بعد هلاك يزيد ـ على الجيش الأموي في معركة (أنجازر) في شمال العراق حيث قُتل فيها من الأمويين ثمانون ألفاً بما فيهم عبيد الله بن زياد والحصين بن النمير. وتتبع قتلة الإمام الحسين (ع) واقتص منهم فأدخل بذلك السرور والفرح على قلب الإمام السجاد (ع) وآل الرسول والثكالى واليتامى الذين استشهد آباؤهم مع الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء بعد خمس سنوات من استشهاد الإمام، وأنقذ العلويين من عبد الله بن الزبير عندما أراد إحراقهم في شعب أبي طالب حيث أرسل المختار إليه أربعة آلاف مقاتل كما ذكر ذلك المسعودي. واستشهد سنة 67 ه‍ (687م) في الدفاع عن الكوفة في الحرب التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير الذي طلب الولاية لنفسه في البصرة.
(55) يقول الشاعر دعبل الخزاعي في هذا الصدد في مجلس المأمون العباسي عن دفن هارون عند قبر الإمام الرضا (ع):
قبران في طوس خير الناس كلهم
ما ينفع الرجس من قبر الزكي***هيهات كل امرئ رهن بما كسبت
وقبر شرهم هذا من العبر***ولا على الزكي بقبر الرجس من ضرر
له يداه فخذ ما شئت أو فذر
 
(56) سورة البقرة: الآية 158.
(57) وقد ورد في الفصول المختارة: ص192 الحديث التالي: ( قال رسول الله(ص) حين بدأ بالصفا، نبدأ بما بدأ الله تعالى به)، وكـذا في تفسير العياشي: ج1 ص89.
(58) سورة الحجرات: الآية 13.
(59) المتوكل العباسي: جعفر بن المعتصم بن هارون، عاشر خلفاء بني العباس، ولد سنة 207ه‍ (822م)، وحكم سنة 232ه‍ (846م)، وقتل سنة 247 ه‍ (861م) من قبل ولده المنتصر في مجلس لهوه وطربه بين العود والناي. اتّسم حكمه بالقتل وسفك الدماء وعلى الخصوص لأهل البيت (ع) وشيعتهم، يقول ابن الأثير في كتابه (الكامل في حوادث سنة 236ه‍: (وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب وأهل بيته(، وكان من يبلغه عنه أنه يتولى علياً يقتله ويصادر أمواله، وقد ذكر أبو الفرج الإصفهاني: (إن المتوكل أمر واليه على مكة والمدينة أن يعاقب كل من يساعد آل أبي طالب بالإحسان، وقد بلغ بهم الفقر حداً أن العلويات كُنَّ يرتدين ملابس رثة وممزقة، ولم يكن عندهن سوى ثوبٍ واحدٍ، كن يتناوبن عليه وقت الصلاة، واستمر هذا الوضع إلى مقتل المتوكل، وكان يبذل الأموال للشعراء الذين يذمّون الشيعة فقد أعطى لأبي السمط ثلاثة آلاف دينار وعقد له على البحرين واليمامة وخلع عليه أربع حلل ؛ لأنه هجا الشيعة، وكان المتوكل أول خليفة يسخر في مجالس لهوه من سبطي رسول الله(ص) ؛ كما ذكر ذلك المسعودي. وسعى لهدم قبر الإمام الحسين (ع) وما حوله من المنازل والمباني أربع مرات ؛ لمنع الناس من الزيارة، أولاها سنة 233ه‍، وثانيها سنة 236ه‍، وثالثها 247 ه‍، وقد قتل العالم اللغوي يعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت سنة 244ه‍ (858م) ؛ لأجل تشيعه. للمزيد راجع مروج الذهب: ج4 ص 47، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ص 137، ثمار القلوب للثعالبي: ص134، مقاتل الطالبيين: ص385.
(60) الوليد بن يزيد بن عبد الملك: ولد سنة 88 ه‍ (707م)، وقتل من قبل جنده في الحرب التي وقعت بينه وبين عمه يزيد بن الوليد سنة 126ه‍ (744م)، من حكام بني أمية، ويعد الحاكم الحادي عشر وحكم سنة واحدة وشهرين. أجمع أرباب التاريخ على كفره وزندقته، وعرف باستحلاله لكل حرمة، وارتكابه لكل بدعة، واقترافه لكل موبقة، فقد سلَّ سيف البغي على رقاب العلويين، وشدّد الحصار على شيعة أهل البيت وأئمتهم (ع)، وانتشرت في زمانه الدعارة، والمجون، فقد جاء في التاريخ أنه أزال بكارة ابنته وزنا بجواري أبيه اللائي ولدن له أولاداً، وجاء في تاريخ السيوطي ص451: إنه اشتهر بالتلوط، وكان يتظاهر بالفسق، وحمل المغنين من البلدان إلى البلاد الإسلامية، وأظهر الشراب والعزف في المجالس، حتى ذكر الطبري في تاريخه: ج5 ص 557: إنه شرب سبعين قدحاً في ليلة واحدة. كما أنه اتخذ في قصره بركة فكان يملأها خمراً ثم يتعرى ويدخل فيها ويشرب منها ويظل هكذا حتى يظهر النقص عليها، وفي إحدى الأيام أذّن المؤذن لصلاة الصبح وكان الوليد في حالة سكر ومعه إحدى الجواري وأقسم أن تصلي الجارية بالناس فألبسها لباس الخلافة وبعث بها إلى المسجد وهي في حالة سكر وجنابة لتصلّي بالناس، وانتشر في عهده المغنون أمثال ابن السريج، ومعبد، والغريض، وابن عائشة، وابن محرز، ودحمان. وفي مصادر التاريخ من أفعاله وأشعاره في الفسق ما يأباه الذوق والعرف الاجتماعي، وقد عزم على أن يبني أعلى الكعبة في بيت الله الحرام قبّة يشرب فيها الخمر، ويشرف منها سكران منتشياً على الطائفين ببيت الله الحرام.
وفي إحدى المرات، رأى آيات في المصحف الشريف، تتحدث عن الحساب والجزاء، فرمى المصحف بسهام وهو ينشد:
تذكرني الحساب ولست أدري
فقل لله يمنعني طعامي
أحقاً ما تقول من الحساب
وقل لله يمنعني شرابي
ومرة فتح القرآن فوجد ورقة فيها قول الله سبحانه وتعالى: ((واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد))، فمزق المصحف بسهمه وأنشد :
تهددني بجبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر
فها أنا ذاك جبار عنيد
فقل يا رب مزقني الوليد
كما ذكر ذلك في كتاب حياة الحيوان: ج1 ص 103، ومروج الذهب: ج3، ص228.
كما واعتبر المسلمين عبيداً له، فيحدثنا التاريخ أنه كان يبيع الولايات الإسلامية بما فيها، من الناس، والموظفين، والإمكانات، والثروات ؛ فعلى سبيل المثال: باع ولاية خراسان لنصر بن سياب، ثم بدا له أن يبيعها مرّة ثانية لمن يدفع أكثر، فباعها بما في ذلك واليها وعُمّاله إلى يوسف بن عمر. للمزيد راجع تاريخ الطبري وتاريخ السيوطي والأغاني والمستطرف ومروج الذهب وحياة الحيوان وعيون أخبار الرضا.
(61) للمزيد راجع كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: ج3 ص 307.
(62) وقد ذكر ذلك عيون أخبار الرضا بسنده عن عبيد الله البزاز النيسابوري عن حميد بن قحطبة والي خراسان ؛ إنه قتل في ليلة واحدة بأمر هارون في طوس ستين نفساً من العلويين طرح أجسادهم في بئر هناك. ولا يخفى أن حميد بن قحطبة ولي مصر والجزيرة قبل خراسان، ومات سنة 159ه‍.
(63) سورة القصص: الآية 77.
(64) وهي مجموعة قصص تتحدث أن الملك شهريار يكتشف خيانة زوجته فيقتلها ويقتل الذين شاركوها في الخيانة وينقم من النساء جميعاً ويقرّر أن يتزوج كل ليلة، واحدةً، ثم يقتلها مع بزوغ الفجر وظلّ دأبه هذا حتى تزوج من شهرزاد، ابنة وزيره، فأخذت تقصُّ عليه كلّ ليلة قصة لكي تحمله على استبقائها، وكانت كلما أدركها الصباح، سكتت عن الكلام، فكان هو يسألها في الليلة التالية لإتمام حديثها إلى أنْ أتى عليها ألف ليلة فاستعقلها ومال إليها واستبقاها. ولايخفى أن هذه القصص مجهولة المؤلف، ودارت حولها وأصولها ومؤلفها بحوث كثيرة، ولكن الثابت أنها ليست لمؤلف واحد وأنها وضعت في أكثر من عصر وأنها متأثرة بالأساطير والقصص الشعبية الفارسية والهندية. راجع الموسوعة الإسلامية لحسن الأمين: ج4، ص226، موسوعة المورد: ج9 ص 207.
(65) مالك بن حارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة النخعي، وجدّه الأعلى مدحج ؛ الذي تسمّت به قبيلة من أشهر قبائل اليمن، ولقب بالأشتر ؛ لأنه شترت عينه في إحدى الحروب أيام أبي بكر، ولد قبل بعثة الرسول (ص) واستشهد سنة 39ه‍ (659م)، صحابي جليل، وزعيم متميز، وسياسي محنك، وفارس مقدام، وشاعر قدير، ورئيس عسكر الإمام (ع) في معاركه وحروبه، اشتهر بالكرم والسخاء والنبل والفضيلة والعلم والتقوى، قال عنه الرسول الأكرم ?(ص): (إنه المؤمن حقاً وقال عنه الإمام علي (ع): (إنه ممن لايخاف رهنه ولاسقطته و لا بطؤه عمّا الإسراع إليه أحزم ولا إسراعه إلى ما يبطأ عنه أمثل , تعرض للنفي في عهد عثمان بن عفان حيث نفاه إلى الشام مع تسعة آخرين، ثم جلبه إلى الكوفة، ثم نفاه إلى حمص، وقد تحدّى عثمان، وزار أبا ذر رحمه الله في منفاه في الرّبذة وتولى دفنه. شارك في حرب الجمل وقتل عبد الله بن الزبير وكان عمر مالك آنذاك ثمانين سنة، وشارك في حرب صفين، وكان على ميمنة الجيش، وكانت له صولات وجولات، أصبح والياً للإمام علي (ع) على الجزيرة، ثم أرسله والياً إلى مصر بعد اضطراب أحوالها ومقتل واليها محمد بن أبي بكر، فقال له الإمام (ع): (ليس لها غيرك، فاخرج إليها رحمك الله..، وعندما وصل خبر إرساله إلى معاوية، بعث إليه (ملاك في منطقة العريش ؛ أن يدسّ السم في طعامه مقابل إعفائه من الخراج عشرين سنة، وعندما وصل مالك إلى العريش استضافه (ملاك بمقدار من السم المخلوط بالعسل، وكان مالك صائماً في ذلك اليوم فأثر السّم فيه واستشهد، وقد أبّنه الإمام (ع) كما ورد في نهج البلاغة قائلاً: (ومَا مَالِكٌ واللهِ، لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً ولَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لا يَرْتَقِيهِ الْحَافِرُ ولايُوفِي عَلَيْهِ الطَّائِرُ، وقيل إنه (ع) قال: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله، رحم الله مالكاً وما مالك لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فنداً، وكأنه قَدْ قُدَّ مني قداً.
(66) نهج البلاغة: الكتاب53، شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد: ج17 ص70 ب53.
(67) المأمون العباسي: عبدالله بن هارون الملقب بالمأمون، سابع خلفاء بني العباس، ولد سنة 170 هـ (786م )، حكم سنة 198 ه‍ ( 813م)، واستمر في الحكم عشرين عاماً، وقتل سنة 218 هـ (833م) وعاش 48 سنة، وقد قتل أخاه الأمين سنة 198ه‍ ؛ وذلك لأن الأمين خلع المأمون من ولاية العهد ونصّب ابنه الصغير الذي كان عمره خمس سنوات، كما أنه قتل الإمام الرضا(ع).
(68) وكان ذلك سنة 210ه‍ (825م)، ويحدثنا التاريخ أن بعض ما أنفقه الحسن بن سهل وزير المأمون في زواج ابنته بوران على أمراء الدولة بلغ خمسين ألف ألف درهم إضافة إلى أربعة ألف ألف دينار. وقد ماتت بوران سنة 271ه‍ (884م).
(69) اعتامك: اختارك، وأصله أخذ من العيمة ـ بالكسرـ وهي خيار المال.
(70) نهج البلاغة: الكتاب 43، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج16 ص175 ب43.
(71) تهذيب الأصول: ج1 ص72.
(72) وفي بحار الأنوار: ج4 ص118 ب3 ح52، وتفسير العياشي: ج2ص215 سورة الرعد الحديث التالي: عن زرارة عن أبي جعفر قال: ( كان علي بن الحسين (ع) يقول: لولا آية في كتاب الله لحدثتكم بما يكون إلى يوم القيامة، فقلت له: أية آية ؟ قال: قول الله: ((يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)).
(73) سورة الرعد: الآية 39.
(74) للمزيد راجع موسوعة الفقه كتاب الفقه العقائد: ص307.
(75) شرح منظومة السبزواري، قسم الفلسفة: ص172 للإمام المؤلف.
(76) وقد أحصى بعض العلماء الحضارات إلى أكثر من عشرين حضارة، وهي: الحضارة المدنية، الآشورية، الإسلامية، الإنديزية، الإيجية، البابلية، الرومانية، السومرية، الصينية، العربية، الغربية، الفارسية، الفينيقية، المايانية، المصرية، الهندية، اليونانية، حوض نهر السعد، في البحر الأبيض المتوسط، في الشرق الأوسط، في وادي نهر هوانع هو. راجع موسوعة المورد: ج1 و ج3.
(77) الكافي (أصول): ج1 ص 116 ح7 و ص 120 ح2 (بالمعنى).
(78) سورة القصص: الآية 88.
(79) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج19 ص375.
(80) سورة الأنبياء: الآية 30.
(81) سورة الجن: الآيات 26 ـ 27.
(82) سورة الإسراء: الآية 70.
(83) سورة الإسراء: الآية 21.
(84) ورد في بحار الأنوار: ج 8 ص148 وكان أمير المؤمنين (ع) يقول: (إن أهل الجنة ينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر الإنسان إلى الكواكب).
(85) الإنسان في العصر الحجري أو ما يسمى بالإنسان (جاوه) الذي يكون أشبه بالقرد.
(86) إنّ من يراجع علم مقارنة الأديان، تتجلى له حقيقة هامة، وهي: إن اليهود يحاولون أن يمحوا قداسة الأديان ويظهروا الأنبياء مظهر الدجالين. ومن هذا المنطلق روجوا لنظرية دارون في التطور وأشباهها ؛ لأجل القضاء على الأديان والقوانين السماوية معلنين أن كل شيء بدأ ناقصاً ثم تطور، فلا قداسة إذاً للأديان والقوانين !!.
(87) سورة يونس: الآية 36، سورة النجم: الآية 28.
(88) للمزيد راجع كتاب ?نهاية الكوارث الكونية وأثرها في مسار الكون) للمؤلف فرانك كلوز، والصادر عن عالم المعرفة الكويتية ترجمة د. مصطفى إبراهيم فهمي.
(89) على ما ذكره الكاتب المصري عبد الرزاق نوفل.
(90) فقد ورد في تفسير البرغاني: ص137، وتفسير القمّي: ج2، ص218، في تفسير سورة الصّافات: (هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض).
(91) سورة الروم: الآية 30.
(92) سورة الرعد: الآية 17.
(93) سورة هود: الآية 7.
(94) سورة فصلت: الآيات 11 ـ 12.
(95) سورة البقرة: الآية 136.
(96) فقد ورد في بعض الكتب عن الرسول (ص): (الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى) كنز العمال: ج14 ص 336 ح38566، تفسير القرطبي: ج16 ص106، جامع البيان: ج3 ص396، وقريب منه في مسند الطيالسي: ج1 ص355 وتفسير ابن كثير: ج2 ص67 وتحفة الأحوذي: ج10 ص14 ومصنف ابن أبي شيبة: ج7 ص 499.
(97) سورة آل عمران: الآية 50.
(98) سورة البقرة: الآية 286.
(99) سورة طه: الآية 50.
(100) شرح منظومة السبزواري: النسب الأربعة: ص39 للمؤلف.
(101) سورة البقرة: الآية 138.
(102) سورة آل عمران: الآية 159.
(103) ريتشارد ميلهو نيكسون، ولد سنة 1913م، ومات سنة 1994م. سياسي أمريكي، تزعم الحزب الجمهوري وأصبح رئيساً للجمهورية سنة 1969م،، ويعدُّ الرئيس رقم 37، وأعيد انتخابه سنة 1972م، واستقال سنة 1974م ؛ إثر فضيحة ووتر غيت السياسية.
(104) الحرب العالمية الأولى التي ابتدأت سنة 1914م بين المانيا والنمسا والمجر من جانب، وفرنسا وانجلترا وبلجيكيا واليابان وأمر يكا من جانب آخر، وانتهت في سنة 1918م. والحرب العالمية الثانية التي ابتدأت سنة 1939 م بين دول المانيا وإيطاليا واليابان من جانب، وفرنسا وإنجلترا وروسيا وأمريكا والصين من جانب آخر، وانتهت سنة 1945م، وقد قتل في الحرب العالمية الأولى تسعة عشر مليون إنسانٍ، وفي الحرب العالمية الثانية ما يقارب خمسين مليون إنسانٍ.
(105) فقد ورد في بعض الكتب عن الرسول (ص): (الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى) كنز العمال: ج14 ص 336 ح38566، تفسير القرطبي: ج16 ص106، جامع البيانِ: ج3 ص396، وقريب منه في مسند الطيالسي: ج1 ص355 وتفسير ابن كثير: ج2 ص67 وتحفة الأحوذي: ج10 ص14 ومصنف إبن أبي شيبة: ج7 ص 499.
(106) سورة البقرة: الآية 136.
(107) وقد ورد في الأمالي للصدوق: ص519 المجلس 78 عن عيسى (ع): ( وإن لُطم خدك الأيمن فاعطِ الأيسر)، وفي تحف العقول: ص532 (ومن لطم خده منكم فليمكّن من خده الآخر).
(108) الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البلخي، ولد في بخارى سنة 371ه‍ (981م)، فيلسوف، وطبيب وشاعر، يعرف بالغرب باسم (آفيسين)، تقلّد منصب وزير الدولة، وكان كثير الاهتمام بالدرس والبحث والتأليف رغم مشاغله بالوزارة، وكان له تضلع بالتحليل النفسي والعصبي، فكان يرى أنّ للعوامل النفسية والعقلية كالحزن، والخوف، والقلق، والفزع، وما أشبه لها تأثيراً على أعضاء الجسم ووظائفه، ويعد أول من وصف التهاب السحايا، والسكتة الدماغية عن كثرة الدم، وهو أول من أشار بوضع كيس الثلج في قطعة من القماش وتغطية الرأس به، وهو أول من فرّق بين الحصى الكلوية والحصى في المثانة. تزيد مؤلفاته عن المائة في حقل الطب، والفلسفة، والرياضيات، والنفس، والمنطق، والإلهيات، والفلك، والطبيعيات، وعلم طبقات الأرض، وله نظريات مهمة في الفلسفة، ولا زالت كتبه تدرَّس في الجامعات الغربية، من أشهر كتبه الطبية: (القانون)، والفلسفية (الشفاء)، (النجاة)، (الحكمة المشرقية)، (الإشارات والتنبيهات، وله قصيدة في (النفس. توفي سنة 428ه‍ (1037م) عن عمر يناهز 57 سنة ودفن بهمدان.
ترجمه أعيان الشيعة: ج6 ص298 وموسوعة المورد: ج1 ص 223.
(109) شرح منظومة السبزواري، قسم المنطق، مباحث الألفاظ: ص21 للمؤلف.
(110) زيغموند فرويد، طبيب وعالم نفساني، يهودي الأصل، ولد في النمسا سنة 1856م، ومات في لندن سنة 1939م، له نظرية في التحليل النفسي، عرضها في كتابه (عالم الأحلام، له عدة مؤلفات، منها: المدخل إلى التحليل النفسي، ثلاث محاولات في نظرية الجنس، محاولات في التحليل النفسي، مقدمة عامة للتحليل النفساني، ولا يخفى أن فرويد يُرجع كل الميول والآداب الدينية والخلقية والأسرية الى الغريزة الجنسية ؛ كي يبطل قداستها ويُخجل الإنسان منها ويسلبه إيمانه بسموها ما دامت راجعة إلى أدنى ما يرى في نفسه.
(111) في القرن الماضي، برزت عدة نظريات، تقوم على تفسير الأحداث، والوقائع، من بعد واحد، ويعبر عنها بنظريات العامل الواحد، نذكر بعضها على نحو الإجمال :
1- النظرة المادية أو الاقتصادية: والتي دعا إليها ماركس، وتنص على أن التاريخ، يعيش في صراع، وتبدل في قيمه، وموازينه حسب تبدل وسائل الإنتاج وتطورها.
وقد ناقش الإمام المؤلف هذه النظرية في كتابه ?الفقه الاقتصاد، وكتاب ?نقد المادية الديالكتيكية.
2- النظرة المثالية: والتي دعا إليها هيجل، وتنص على أن التاريخ، يشرف على الأحداث من وجهة نظر كلية، غير خاضعة للزمن، وهي وجهة نظر عقلية، لأن العقل في نظره جوهر التاريخ، والعقل كما يراه هيجل هو الذي يحكم العالم.
وقد ناقش بعض المفكرين هذه النظرية، وأوردوا عليها بعض الإيرادات.
3- النظرة القومية والعرقية: وتنص على أن الأحداث التاريخية، وبواعثها، تنشأ من اللغة والتجمع الواحد، فمثلاً ينظرون إلى التاريخ الإسلامي على أنه حلقة من حلقات تأريخ العرب ؛ ولذا يفسرون أحداثه على أساس صراع قومي.
وقد ناقش الإمام المؤلف هذه النظرية في كتابه ?القوميات في خمسين سنة.
4- النظرة الغريزية الجنسية: والتي دعا إليها فرويد، وتنص على أن الدوافع الجنسية هي المفسرة للتاريخ.
وقد ناقش الإمام المؤلف هذه النظرية في كتابه ?نقد نظريات فرويد.
5- النظرة الحضارية: والتي دعا إليها أرنولد توينبي، وتنص هذه النظرية على أن نشوء الحضارات، يعتمد على التحدي، والاستجابة، ويفسر الأحداث التاريخية على أساس الجانب المادي، والروحي.
وإن هذه النظرية لا تخلو من مناقشة، حيث تفقد لبعض مقومات الحدث التاريخي، إضافة إلى الفهم المشوش لعناصر الحدث.
(112) زعيم الإصلاح الديني ومؤسس مذهب البروتستانت، ولد سنة 1483م، ومات 1546م، انتقد أفعال الكنيسة كسلطة البابا ـ وكان في عهد البابا لاون العاشر، والغفران، وإكرام القديسين، والنذور الرهبانية، والمطهر، والقداس.
(113) عبد الرحمن بن محمد الكندي، الملقب بولي الدين، والمشهور بابن خلدون، فيلسوف ومؤرخ، له باع في علم الاجتماع، ولد في تونس سنة 732ه‍ (1332م)، وتوفي في القاهرة سنة 808ه‍ (1406م)، شغل مناصب رفيعة في دولة بني مرين، فشغل منصب القضاء على المذهب المالكي في عهد السلطان أبي سالم، نزح إلى الأندلس وأخذ يمتهن الخطابة والتدريس، وكان من المقرّبين لثالث ملوك بني الأحمر، أبي عبد الله ؛ والذي كلفه بالانكباب على كتابة التاريخ، كما استأثر بعدّة وظائف حكومية وقضائية في الأندلس خلال خمس وعشرين سنة، له عدة مؤلفات، منها: (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، والذي اشتهر ب‍(مقدمة ابن خلدون، وله كتاب في الحساب، ورسالة في المنطق.
(114) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج7 ص168، تأويل الآيات: ص124.
(115) ولد في مدينة دزفول 1214 هـ، وتوفي في النجف الأشرف سنة1281 هـ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، تتلمذ عند السيد المجاهد، وشريف العلماء، والنراقي، والشيخ موسى كاشف الغطاء، والشيخ علي جعفر كاشف الغطاء، والشيخ الجواهري، آلت إليه المرجعية سنة 1266هـ بعد وفاة صاحب الجواهر، من مؤلفاته: الرسائل، المكاسب، الاجتهاد والتقليد، التسامح في أدلة السنن.
ترجمه الكنى والألقاب: ج2 ص 359، مصفى المقال: ص455 و 456، إيضاح المكنون: ج2 ص181، الفوائد الرضوية: ص664 و 665.
(116) ونظير هذا حدث للعلامة الحلي، عندما أراد أن يبحث في طهارة ماء البئر الذي تنجس بالقليل، فردم البئر الموجود في منزله، ثم بحث في أدلة المسألة.
(117) وسائل الشيعة: ج1 ص38 ب2 ح61 وج27 ص 150 ب11 ح33455، رجال الكشي: ج2ص816.
(118) سورة الحجرات: الآية 6.
(119) للمزيد راجع كتاب رسائل الشيخ الأنصاري بحث الظن أية النبأ وكتاب كفاية الأصول للآخوند وكتاب الأصول الجزء السادس بحث الأدلة العقلية ص20 للإمام المؤلف.
(120) الشيخ محمد كاظم بن حسين الهروي الخراساني، زعيم الحركة الدستورية في إيران، ولد في مشهد الرضا سنة 1255ه‍ (1839م) وتوفي في النجف الأشرف سنة 1329ه‍ (1911م)، هاجر إلى العراق سنة 1279ه‍ (1862م)، تتلمذ عند الشيخ الأنصاري والسيد محمد حسن الشيرازي، آلت إليه المرجعية بعد وفاة السيد الشيرازي سنة 1312ه‍ (1895م)، له مواقف سياسية عديدة، فقد تزعم الحركة الدستورية والحكم النيابي في البلاد التي كان يسودها الحكم الديكتاتوري، حيث شكل سنة 1908م مجلساً من العلماء يضم 33 مجتهداً ثم أصدر فتوى بوجوب إسقاط الشاه ـ محمد علي ـ وحرمة دفع الضـرائب للدولـة، وأدت جهوده إلـى إسقاط الشاه محمد علـي القاجـاري وإعـلان الدسـتور والحيـاة النيابيـة، ومـن مواقفـه أيضاً مساندتـه للشـعب الليبي فـي صراعـه مـع الاحتلال الإيطـالي ؛ فأصـدر فتـوى بالجهـاد المقـدس، كمـا وجـه دعـوة الجهاد ضد الـروس الذين أرادوا احتلال إيران، وتحـرك ومعـه جمع من العلماء إلى إيران لمقاومة الغزو الروسي وبينما هو يستعد لذلك اغتاله الروس بالسم، من أهم مؤلفاته: (كفاية الأصول والذي عليه مدار التدريس في الحوزات العلمية والذي عليه قرابة مائتي شرح وتعليقة.
(121) السيد محمد كاظم بن عبد العظيم الطباطبائي اليزدي، ولد سنة 1247ه‍ (1831م)، توفي في النجف الأشرف سنة 1337ه‍ (1918م)، تتلمذ عند الشيخ مهدي نجل الشيخ كاشف الغطاء والشيخ راضي النجفي والسيد محمد حسن الشيرازي، رفع لواء المستبدّة ومعه بعض العلماء المساندين له كالشيخ فضل الله النوري، من مؤلفاته: (العروة الوثقى.
(122) وقد سعى الإنجليز والروس إلى تعميق هذا الاختلاف بين الاتجاهين للقضاء على حركة الشعب الإيراني.
(123) حاشية سلطان العلماء على المعالم: ص80.
(124) إن حزب الأمة الاشتراكي، أُجيز تأسيسه في 24 حزيران 1951م برئاسة صالح جبر، وكان للحزب جريدتان إحداهما باسم ?الأمة، والثانية ?النبأ. وإن النظام الداخلي للحزب، يتكون من خمسة فصول، ذكرها بالتفصيل عبد الرزاق الحسني في كتابه (تأريخ الأحزاب السياسية العراقية) ص243- ص252.
أما حزب الاتحاد الدستوري فأجيز تأسيسه في الرابـع والعشرين مـن تشرين الثاني سنة 1949م برئاسة نـوري السعيـد. ومنهـاج الحـزب يتكون مـن أربعة فصول، ذكرها عبـد الرزاق الحسنـي فـي كتابـه (تاريـخ الأحزاب السياسيـة العراقيـة): ص232-238.
(125) سورة المنافقون: الآية 1.
(126) عن استدلال بعض الإسلاميين بالآية.
(127) سورة المنافقون: الآية 1.
(128) ونص الحديث: (رفع عن أمتي تسع: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وما لايعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة). انظر تحف العقول: ص50، الخصال: ص417ح27، التوحيد: ص353 ح24 ( بالمعنى).
(129) نعم، بعض الآثار إنّما هي آثار ذهنية لا آثار واقعيّة وهي تترتّب على الذهن.
(130) سورة النجم: الآية 28، سورة يونس: الآية 36.
(131) وقد تحدث المؤلف عن أسباب سقوط المسلمين دينياً ودنيوياً في كتابه: (سقوط بعد سقوط(، وكتاب (لماذا تأخر المسلمون ؟) .
(132) بصائر الدرجات: ص148 ب 13 ح7، وفي الكافي (أصول): ج1 ص58 ح19 إضافة قيد?أبداًn.
(133) سورة آل عمران: الآية 19.
(134) سورة محمد: الآية 35، سورة آل عمران: الآية 139.
(135) المناقب: ج3 ص241، نهج الحق: ص515، وسائل الشيعة: ج26 ص14 ب 1 ح32383، غوالي اللآلي: ج1 ص 226 ح 118 و ج3 ص496 ح15، مستدرك الوسائل: ج17 ص42 ب1 ح 20985.
(136) محمد بن هداية مصدّق: ولد في طهران سنة 1881م ومات سنة 1967م، سياسي إيراني تقلّد وزارة المالية ثم رئاسة الوزراء بين سنة 1951م ـ 1953م، وقد ألغى معاهدة النفط الإيرانية ـ البريطانية سنة 1951م، وقد حاول شاه إيران محمد رضا إقالته سنة 1953م لكن الجماهير الغاضبة أكرهت الشاه على مغادرة البلاد وما هي إلاّ أيام حتى تدخل الغرب وتمكن من إعادة الشاه إلى الحكم، وقد حُكم عليه بالسجن لثلاث سنوات ثم وضع تحت الإقامة الجبرية حتى موته. راجع موسوعة المورد: ج7 ص 68 والمنجد في الأعلام: ص665.
(137) السيد أبو القاسم بن مصطفى الكاشاني: ولد سنة 1330ه‍ (1912م)، شارك في ثورة العشرين، وكان عضواً في المجلس العلمي، وبعد انتكاسة الثورة طارده الإنجليز ؛ فهرب إلى إيران وفيها خاض صراعاً مريراً مع الطاغية رضا شاه، وله مواقف مشرفة في قضية تأميم النفط الإيراني.
(138) وقد تطرق الإمام المؤلف إلى هذه الأنواع في كتاب: (الصياغة الجديدة لعالم الحرية والرفاه والسلام ص 582 ـ ص 594 تحت عنوان التعذيب في سجون بغداد.
(139) سورة الأعراف: الآية 157.
(140) الناس مسلطون على أموالهم، حديث شريف ورد في كتاب غوالي اللآلي: ج1 ص222 ح99 الفصل التاسع وص457 ح198، وج2 ص138 ح383، وكتاب نهج الحق: ص504، وبحار الأنوار: ج2 ص272 ب33 ح7.
(141) سورة الأحزاب: الآية 6.
(142) سورة الحجرات: الآية 10.
(143) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص443 ح10111، نهج البلاغة قصار الحكم: الحكمة 161، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص382 ب 163، بحار الأنوار: ج72 ص104 ب49 ح38، وسائل الشيعة: ج12 ص40 ب21 ح15587، خصائص الأمة: ص108.
(144) سورة الشورى: الآية 38.
(145) سورة آل عمران: الآية 159.
(146) شارل دي سيكوندا، بارون دي لايريد ودي المشهور ب‍(مونتسكيو)، ولد سنة 1689م، ومات سنة 1755م، كاتب، ومؤرخ، وفيلسوف فرنسي، له باع في تنظير أيديولوجية الملكية الدستورية، وله عدة مؤلفات منها: (روح القوانين)، (رسائل فارسية، (نظرات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم).
(147) فقد شكلت جمعية تأسيسية، تتكون من (55) عضواً، يترأسها جورج واشنطن من أجل وضع دستور، يوفق بين حرية الولايات، وضرورة السلطة المركزية القوية المتمتعة بالموارد الكافية لإدارة مجموع الشعب الأمريكي، واجتمعت الجمعية لأول مرة في 25 آيار 1778م، وخرجت بقرارات، حددت فيها حقوق الحكومة الفدرالية وواجباتها. واتحدت الولايات الأمريكية على شكل مراحل آخرها في 4 تموز 1909م بعد انضمام ألسكا، وهاواي، وأصبح عَلَمُهم يحتوي على خمسين نجمة، يمثل خمسين ولاية. لمزيد من التفصيل راجع جريدة العالم: ج4 ص236 ترجمة سمير شيخاني.
(148) الكافي (أصول): ج1 ص183 ح7 وبصائر الدرجات: ص6 و ص505 باب معرفة العالم، وقريب منه في غوالي اللآلي: ج3 ص 286 باب النكاح.
(149) سورة الكهف: الآيات 89 و92.
(150) علي بن عيسى بن ماهان، تولى ديوان الجند في عهد المهدي العباسي، حكم خراسان في عهد هارون العباسي، سيّره الأمين العباسي لمحاربة أخيه المأمون، قتل سنة 195ه‍ (811م).
(151) وكان ذلك في شعبان سنة 192ه‍ حيث خرج عليه رافع بن الليث واستولى على ما وراء النهر ؛ لأن واليه علي بن ماهان قد أرهق الأهالي بالضرائب ما يقدر بحمل ألف وخمسمائة جمل.
(152) أبو نصير محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، عالم وفيلسوف وحكيم، أتقن العلوم الحكمية وبرع في العلوم الرياضية، وكتب في الفلسفة والفلك والمنطق والرياضيات والهندسة والموسيقى والنبات، ولد في إقليم خراسان سنة 260ه‍ (873م)، وقيل: 257ه‍ (870م)، عاش ثمانين سنة، وكان يجيد اللغة التركية والعربية والفارسية واليونانية واللاتينية والعبرية، وكان يسعى للتوفيق بين فلسفة أرسطو وأفلاطون، ودرس في بغداد الرياضيات والطب والفلسفة، وكان على اتصال بالصاحب بن عباد وغادرها لما أصابها من اضطرابات اجتماعية وسياسية وهجوم الديلم عليها وما أحدثوه من فتن ومصائب وتقتيل ثم سافر إلى حلب سنة 329ه‍ (941م) فاتّصل بسلطانها، سيف الدولة بن حمدان ؛ وأقام في كنفه مدة وأكرمه وقربه، ثم سافر معه إلى دمشق عندما استولى عليها ثم توجه إلى مصر سنة 338ه‍ (949م) ؛ وتوفي فيها سنة 339ه‍ (950م) وصلى عليه سيف الدولة الحمداني، بلغت مؤلفاته المائة غير أن أغلبها فقد، والموجود منها حوالي الأربعين :(31) بالعربية و(6) بالعبرية و(2) باللاتينية، من مؤلفاته: (المدينة الفاضلة، (التعليم الثاني، (إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها، (السياسة المدنية و(السيرة الفاضلة، (ماينبغي أن يتقدم قبل تعلم الفلسفة، (الموسيقى الكبير.
(153) المولى هادي بن مهدي السبزواري، حكيم وفيلسوف وفقيه وشاعر وعارف، ولد في مدينة سبزوار الإيرانية سنة 1212ه‍، ثم هاجر منها إلى أصفهان للدراسة وبقي فيها عشر سنوات، تتلمذ عند الشيخ محمد تقي ؛ صاحب (هداية المسترشدين، والشيخ محمد إبراهيم الكلباسي ؛ صاحب (إشارات الأصول، والملاّ إسماعيل الإصفهاني، والملاّ علي نوري، ثم انتقل إلى مدينة مشهد الرضا سنة 1242ه‍ ؛ وأخذ يدرس فيها، ثم انتقل إلى سبزوار سنة 1252ه‍ وطفق يدرس فيها الفلسفة والعلوم الإلهية 37 سنة، توفي سنة 1289ه‍ ودفن في مسقط رأسه، ومن تلامذته الشيخ محمد كاظم الخراساني ؛ صاحب (كفاية الأصول، والملاّ عبد الكريم القوجاني، وله أكثر من عشرين مؤلفاً منها: (شرح المنظومة وهي على قسمين: في المنطق والفلسفة، وكتاب (شرح الأسماء الحسنى و(شرح على المثنوي ؛ لجلال الدين الرومي، و(تعليقات على كتاب الأسفار الأربعة، و(حاشية على الشواهد الربوبية، و(حواشٍ على رسالة المبدأ والمعاد ؛ لصدر المتألهين، و(مجموعة رسائل و (إرجوزة في الفقه( ؛ سماها (النبراس( و (الجبر والاختيار( و (شرح دعاء الصباح( و (غرر الفوائد( في الحكمة. ترجمه المآثر والآثار: ص147.
(154) محمد بن إبراهيم صدر الدين الشيرازي، المشهور ب‍(الملا صدرا أو (صدر المحققين، فيلسوف وحكيم وعارف ومفكر إسلامي، ولد في شيراز في الربع الأخير للقرن العاشر الهجري، وتوفي في البصرة سنة 1050ه‍ (1640م) في طريقه لحج بيت الله الحرام للمرة السابعة، تتلمذ عند السيد الميرداماد والشيخ البهائي، ومن أبرز تلامذته الفيض الكاشاني واللاهيجي ؛ صاحب (الشوارق، من مؤلفاته: (الحكمة المتعالية في المسائل الربوبية(، المسمى ب‍(الأسفار الأربعة، و(المبدأ والمعاد، و(مفاتيح الغيب، ولايخفى أن فلسفته قائمة على التوفيق بين المشّائيين والإشراقيين وعلى تطابق الشرع والعقل. ترجمه روضات الجنات: ص331، المنجد في الأعلام: ص398، الموسوعة الإسلامية: ج5 ص280 ـ 281.
(155) فيلسوف مثالي، ولد في أثينا سنة (470ق. م)، وقتل بالسم بعد أن سجن ـ وكان في سن السبعين ـ بتهمة ازدراء الآلهة والتأليب ضد الحكم سنة (399ق. م)، من مبادئه أنه نادى بمعرفة النفس من النفس، وكان يقول عن نفسه: (أنا لا أعرف إلاّ شيئاً واحداً وهو أنّني لا أعرف شيئاً(، وكان يدعو إلى نشر الفضيلة ونبذ الخرافات والأفكار الاعتباطية، لم يترك أي أثر مكتوب، وكان من دأبه التجول في الشوارع والأسواق ؛ ليتحدث مع الشباب والشعراء والسياسيين عن الخير والشر، ومن تلامذته أفلاطون.
(156) ولد أفلاطون سنة (427 ق. م) في أثينا، ومات سنة (347ق. م)، ويعد من الفلاسفة والمصلحين، وكان يعتبر التحليل الرياضي طريقة فعالة للتوصل عبر فصل الأفكار إلى معرفة الكون، ومثل هذه المعرفة في تقديره لا يمكن اكتسابها بالحواس وحدها، معلّلاً ذلك أن ثمة وراء ظواهر الأشياء حقيقة عليا، معرفتها هي هدف الفلسفة الحقيقي، وفي اعتقاده أن العقل وحده يتيح لنا تجاوز عالم الحواس وبلوغ الحقيقة التي يعكسها بطريقة غير مثالية، وفي رأيه كذلك أن الإنسان السعيد هو الإنسان الفاضل، فلا بدَّ من معرفة الطريق المؤدية إلى الفضيلة، ويعدُّ من تلامذة سقراط، فقد سجل مناقشاته وأدى حبه للدراسة والتعليم إلى تأسيس أكاديمية بأثينا سنة (387 ق. م)، وقد بلغت مؤلفاته الثلاثين منها: (الجمهورية)، (القوانين)، (المأدبة)، (فيدو(، (المحاورات(، ( السياسي(، (تيمه(، (الاعتذار(.
(157) ولد أرخميدس بصقلية في مدينة (سيراقوسه( سنة (287 ق. م)، وقتل سنة (212ق. م)، عالـم الرياضيات والفيزيـاء والفلسفـة، توصـل إلـى فكرة الوزن النوعي والتي تسمّى بقاعـدة أرخميـدس، وتوصـل كـذلك إلـى اختـراع جهاز لرفع الماء يسمّى ب‍(‍لولب أرخميدس( ـ وكـذلك تـوصل إلـى مبدأ أرخميدس وهو قانون ينص على أنه حين يغمر جسم في سائل ما، فإنّ ما يفقده من وزنـه يكون معادلاً لوزن السائل المزاح، وتوصّل إلى المبادئ الرياضية الناجمة عن اسـتعمال الـرافعة، فالقـوة المطلوبـة عنـد نهايتـي الرافعـة لتحريـك ثقـل فـي النهايـة الأخـرى تتوقف على بعد النهايتين من المحور الموضوع عليه الرافعة.
(158) كارل ماركس الألماني، مؤسس الحركة الاشتراكية، ولد بمدينة (ترير( سنة 1818م، من أبوين يهودين، ومات في لندن سنة 1883م، دخل العمل السياسي والاجتماعي سنة 1841م ؛ فأبعد من ألمانيا إلى فرنسا ومنها إلى لندن ؛ فعمل بالصحافة فيها سنة 1848م، وكتب مع فردريك إنجلز البيان الشيوعي في نفس السنة، والذي حددا فيه مبادئ الشيوعية الحديثة ووجها فيه نداءً إلى عمال العالم يدعوهم إلى الاتحاد والتعاون. وقد أصبح هذا البيان أحد الركائز الرئيسية التي قامت عليها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية، وخلال تواجده في لندن دوّن الكتب التالية: (نقد الاقتصاد السياسي/سنة 1859م(، وكتاب (نداء إلى الطبقات العاملة في أوربا/سنة 1864م(، وكتاب (رأس المال/سنة 1867م(.
(159) سورة التوبة: الآية 33.
(160) سورة الأعراف: الآية 137.
(161) سورة القصص: الآية 6.
(162) نهج البلاغة: قصار الحكم: الحكمة 38، مشكاة الأنوار: ص314، معدن الجواهر: ص42، غرر الحكم ودرر الكلم: ص309، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج18 ص157 ب 38.
(163) ونحن إذ نهيئ هذا الكتاب للطباعة ؛ زُفّت إلينا أنباء انهيار النظام البعثي في العراق، وبهذا تحققت أمنية المؤلف، وقد رسم الإمام المؤلف ملامح مستقبل العراق: في كتابه (إذا قام الإسلام في العراق).
(164) ولد سنة 1336ه‍ (1918م) وتوفي سنة 1390ه‍ (1970م)، قائد ثورة تموز 1952م، تولّى رئاسة الوزراء سنة 1373ه‍ (1954م)، واتّخذ الاشتراكية كنظام لإدارة البلد، تولّى رئاسة الجمهورية سنة 1375 ه‍ (1956م)، واستمر حكمه إلى سنة 1390ه‍ (1970م).
(165) للمزيد من التفصيل راجع كتاب ?إلى حكومة واحدة إسلامية للإمام المؤلف.
(166) لقد حول صدام العراق إلى جحيم لا يطاق، فالذي يسلم من السجن والتعذيب والقتل، لم يسلم من هدر كرامته، وقد قتل من الشعب العراقي خمسة ملايين وثمانمائة ألف إنسان عدا من قتل في حروبه، وأطيح به ولله الحمد في 9/4/2003م. عن صدام راجع كتاب (تلك الأيام) للمؤلف: ص79.
(167) الحجاج بن يوسف الثقفي، ولد في الطائف سنة 41ه‍ (661م)، وانتقل إلى الشام ودخل في خدمة الدولة الأموية ؛ فاشترك في الجيش الذي قاده عبد الملك بن مروان لقتال مصعب بن الزبير، وفي سنة 70 ه‍ (689م) ولاّه عبد الملك قيادة الجيش الذي أرسله لقتال عبد الله بن الزبير في الحجاز فسار نحو مكة وضرب الكعبة بالمنجنيق من جبل أبي قبيس وتغلب على ابن الزبير وصلبه، وظلّ بالحجاز حتى سنة 74ه‍ (694م)، ثم ولاّه عبد الملك ابن مروان الكوفة، وقتل سنة 95 ه‍ (714م) بعد أن سجن في دمشق، وعاش 53 سنة، يعدُّ من أسوأ عمّال بني أمية، أسهم في توطيد حكمهم، وقد وصف الحجاج نفسه كما عن ابن سعد في (الطبقات( ج6 ص66: (ما أعلم اليوم رجلاً على ظهر الأرض هو أجرأ على دمٍ مني(، وقد وصفه خير الدين الزركلي في كتابه (الأعلام(: (وكان سفاكاً سفاحاً باتفاق معظم المؤرخين(، وقال عنه اليافعي في (مرآة الجنان(: ( إنّ أكبر لذّته سفك الدماء(، اتّسم حكمه بالقتل والبطش، ومثال على ذلك فقد قال الحجاج لخالد بن يزيد ابن معاوية: (ولقد ضربت بسيفي هذا أكثر من مائة ألف، كلهم يشهد أنك وأباك وجدك من أهل النار( انظر مسالك الإبصار: ص123، كما ذكر المسعودي في (التنبيه والإشراف( ص318: (إن عدد من قتلهم الحجاج صبراً بلغ مائة وثلاثين ألفاً عدا من قتل في زحوفه وحروبه(، وفي (تاريخ الخلفاء( للسيوطي و(الإمامة والسياسة( لابن قتيبة، أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم، فلما دخل المسجد في البصرة وقد حان وقت الصلاة صعد المنبر فحمد الله ثم قال: (أيها الناس، إن الأمير عبد الملك قلدني بسيفين حين توليته إيايّ عليكم سيف رحمة وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا(، فجعل السيوف تبرى الرقاب فقتلوا من المسلمين بضعة وسبعين ألفاً حتى سالت الدماء إلى باب المسجد وإلى السكك. وقد ذكر الميرزا حبيب الله الخوئي في (منهاج البراعة(: ج3 ص 359 ما لفظه: (وأحصي من قتل بأمره ـ الحجاج ـ سوى من قتل في حروبه فكان مائة ألف وعشرين ألفاً ووجد في سجنه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، ولم يجب على أحد منهم قتل ولا قطع، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد لا سقف له، فإذا آوى المسجونون إلى الجدران ؛ يستظلون بها من حرّ الشمس، رمتهم الحرس بالحجارة، وكان طعامهم خبز الشعير مخلوطاً بالملح والرماد. وقريب من هذا المعنى في كتاب: (شجرة طوبى: ج1 ص128(، وقـال الشيخ عباس القمي في (وقائع الأيام(: (إنّ 15 ألف امرأة من سجنائه كن حافيات عاريات(. وقـد أذلّ المسلمين ؛ يقـول صـاحب كتـاب (أسد الغابة(: (عندما ولـي الحجـاج المدينـة ثلاثـة أشـهر، عبـث فيـها واستهـزأ بأصحـاب الرسـول (ص) وختـم علـى أعناقهم بالرصاص( ؛ لإذلالهم أمثال سهيل الساعدي وأنس بن مالك وختم في يد جابر بن عبد الله الأنصاري (. وقتل: كميل بن زياد وسليم بن قيس وقنبر مولى الإمام علي(ع) وسعيد بن جبير الذي كان عمره 99 سنة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وابن أم طويل( ـ وهو من حواريي الإمام السجاد(ع) ـ بعد أن قطع يديه ورجليه. للمزيد من المعلومات عن جرائمه راجع كتاب (الشيعة والحاكمون) وكتاب (الشيعة في الميزان) لمحمد جواد مغنية.
(168) سورة يونس: الآية 2، سورة الزخرف: الآية 49، سورة الذاريات: الآية 39 و52.
(169) سورة الطور: الآية 29، سورة الحاقة: الآية 42.
(170) سورة الذاريات: الآية 39 و52.
(171) سورة الإسراء: الآية 47، سورة الفرقان: الآية 8.
(172) سورة النازعات: الآية 24.
(173) سورة البقرة: الآية 206.
(174) أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، ولد سنة 11ه‍ (633م) وقيل 21ه‍ (642م) كما عن المنجد في الأعلام وكما في موسوعة المورد: ج1 ص 68 وأقام في البصرة لذلك نسب إليها، ومات في البصرة سنة 110ه‍ (728م) يعتبره الصوفية من أوئل المتصوفة ويعتبره المعتزلة واحداً منهم باعتبار أن عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء من تلامذته، وقد ذكرت ترجمته في الجرح والتعديل: ج3 ص40، وميزان الاعتدال: ج1 ص527، ووفيات الأعيان: ج2 ص69، وسير أعلام النبلاء: ج4 ص563، وتهذيب التهذيب: ج2 ص263 والمنجد في الأعلام: ص236، والموسوعة الإسلامية: ج5 ص 265.
(175) وقد ذكر صاحب كتاب منهاج البراعة: ج3 ص358 عمّا اشتهر بين المؤرخين: (لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها وفاجرها وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم(، ولايخفى أن الحسن البصري قد عاشر الحجاج عن قرب، وعندما سمع بموته سجد لله شكراً قائلاً: (اللهم كما أمتّه فأمت عنّا سنته(
(176) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج20 ص 188.
(177) للتفصيل راجع كتاب (العراق دولة المنظمة السرية)، وكتاب (دولة الاستعارة القومية) لحسن العلوي، وكتاب ( الجنرالات آخر من يعلم( لسعد البزّاز، وكتاب (شبيه صدام) لميخائيل ـ مخلف ـ رمضان، وكتاب (من مذكرات حردان التكريتي)، وكتاب (شخصية الطاغوت( للسيد هادي المدرسي.
(178) هولاكو بن قان تولي بن جنكيز خان، أحد القادة المغول، الذي عرف بسطوته ودهائه وحبّه للحروب، احتل مصر سنة 654ه‍ (1256م) وبغداد سنة 656ه‍ (1258م) وأباحها أربعةً وثلاثين يوماً، وبلغ عدد القتلى فيها مليوناً وثمانمائة ألف، وقتل في هجومه على بغداد المستعصم العباسي، مات سنة 664ه‍ (1265م)، وخلف عدة أولاد منهم: أبغى، منكوتمر، أحمد، كنجو.
(179) سورة مريم: الآيات 88 - 93.
(180) سورة البقرة: الآية 14.
(181) سورة المنافقون: الآية 1.