الفهرس

المؤلفات

 التاريخ

الصفحة الرئيسية

 

كيف بلغ العباس (عليه السلام) هذا المقام

هل العبّاس (عليه السلام) وصل إلـى هـذا المقام بعمله فقط أم بمؤهلات أخرى؟

لاشكّ أنّ عمل العبّاس (عليه السلام) هو فـي القمّة العالية ، إلاّ أن جوهره كان أعلى شأناً لأنّه الأساس فـي عمله أيضاً . ففضل الذهب على التراب ليس بالكميّة أو الوزن بل في الجوهر .

فلا يقال : إذا خلق الله الجوهر أفضل فلماذا يثاب ؟ 

لأنّه يقال : خلق الله كلّ ممكن لا محذور فيه سواء في الآفاق أو في الأنفس ، وكلّ شيء له مناسب واستحقاق ذاتي أو جعلي ، والثواب من هذا القبيل .

فلا يقال: للجوهر الأَدون أن يعترض إنّه إذا خُلِقتُ أفضل كان لي الاستحقاق نفسه .

لأنّهُ يقال : اعتراضه غير وارد ، وإلاّ يلـزم أن لا يعطـي الله كلّ ممكن خلقه ، أو يلزم الظلم ، فإنّ الله إذا لم يخلق الأَدون ، لزم الشقّ الأوّل، وإذا خلق وأعطاه ما للأعلى، لزم وضع الشيء في غير موضعه، وهو خلاف الحكمة . يبقى الشقّ الثالث ؛ وهـو أن يعطي كلّ شيء خلقه ، ثمّ يثيبه بقدر استحقاقه لا أكثر إلاّ بفضله .

فإنّ الفضل يعطى لغير مـن تقتضي الحكمة عدم الفضل لـه بينما الاستحقاق يعطى للمستحقّ فقط ، كما بُرهن في علم الكلام .

وعلى أيّ حـالٍ ، فهناك عدم الحرام وعـدم المكروه وعدم ترك المستحب وعدم ترك الأولى وعدم السكوت عن الاعتذار عن نواقص الإمكان ، والمعصومون الأربعة عشر كانوا متّصفين بكلّ ذلك .

أمّا مثل العبّاس (عليه السلام) وعليّ الأكبر (عليه السلام) ـ حيث قرأ الإمام الحسين (عليه السلام): (إنَّ الله اصطفَى آدَم ونوُحاً وءال إبراهيمَ وءال عِمرانَ على العالمين  ذَرّيةً بعَضُها مِن بَعضٍ)(1)، دلالة علـى أنّ عليّ الأكبر (عليه السلام) من تلك الشجرة ـ. فجوهر علي الأكبر ليس كجوهر المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهم كما قالوا: (نزِّلونا…)(2) نقول بالنسبة إلى العبّاس ونحوه (عليهم السلام) نزّلوهم عن العصمة الكبرى ...

العبّاس باب الحوائج

مدلول لفظة «باب الحوائج» ربّمـا يكون حالة نفسية يتحلّى بها الشخص الموسوم بهذه الصفـة. فبعض الأنفس حسب الخلقة تناسب شيئاً ، بينما الأنفس الأخـرى لا تناسب ذلك الشـيء ، كالصفات الظاهـرة من الجمال والفصاحـة والحساسية ، والصفـات الباطنة كالشجاعـة والكرم والسماحة ، بينما البعض الآخر لها أضداد تلك الصفات كالقبح والسفاهة والبلادة والجبـن والبخل والتعصّب . فإنّ لكلّ صفة عرضاً عريضاً ، حتّى إنّ حسّان بن ثابت كان يخاف حتّى من لمس الميّت فكيف بالخروج إلـى الحـرب وشهـر السلاح بوجه الأعداء(3).

وقد قال الإمام علي (عليه السلام) : (والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها) (4) ، والعـرب هنا كناية عن شجعان الدنيا، وإنّما جاء بهذه اللفظة ، لأنّ العرب في ذلك اليوم كانوا مظهر الشجاعة .

والأنفس كالأودية حيث نجد في الآية الكريمة : )أَنزَلَ مِن السَّماءِ ماءً فَسالَت أودِيَة بِقَدَرِها …)(5)، وهكذا هي الأنفس البشرية مثلها مثل الأودية .

ولعل الآية الكريـمة جاءت علـى ذكر ذلك من باب المثال لكلّ مخلوق منه سبحانه ، فإنّه قـد ينـزّل المعقول بمنـزلة المحسوس ، أو بالعكس ، أو المحسوس بعضه بمنـزلة بعض آخر، وهكذا المعقولات، قال تعالى : (كسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمئان ماءً)(6)، وقال أيضاً :  (كَرَمادٍ اشتَدَّت بهِ الرِّيحُ …)(7)، ويمكن أن يكون لعمل استحقّ به ذلك عرضاً ، مثل مواساته أخاه فـي العطش بعد أن لـم يكن على شربه يلومه العقل أو الشرع أو العرف .

لا يقال : إنّ الله غير محتاج إلـى الواسطة بل هو أقرب من حبل الوريد، ويحول بين المرء وقلبه .

لأنّه يقال : الأمـر كذلك لكنّ الله سبحانه خلـق الكـون بهذه الكيفية ؛ لأنّه ممكن يتطلب الوجود ـ كمـا قـال الحكماء في كلّ موجودات الكون ـ .

وعلى أيّ حال فهو (عليه السلام) يقضي حوائج المحتاجين لكن الأمر بحسب المقرّر من وجود المقتضي وعدم المانع (8).  

كرامات العباس عليه السلام

كان طالب علم يدرس العلوم الدينية فـي كربـلاء اسمه الشيخ إبراهيم ، وكان هذا الشيخ بحاجة إلى الزواج ، وكان عليه دَينٌ أيضاً ، وكان أيضاً يريد الحج ولا يتمكّن من ذلك .

فجاء إلى حرم الإمام الحسين (عليه السلام) طالباً حوائجه ثمّ ذهب إلى حرم العبـّاس (عليه السلام) ، وكان كلّ يوم يأتي إلـى الحرمين ويطلب حاجته وبإلحاح متواصل ومستمر . واستمر على ذلك ستة أشهر ، وفي اليوم الآخر رأى امرأة من أهل البادية تحمل طفلاً مصاباً بمرض «الكزاز» وبلغ تقوّس ظهره أن تدلى رأسه إلى الخلف ، وهذا القسم لا يعالج في الطب ، وبعد أن يئس أهله من الشفاء جاءوا به إلـى حرم العبّاس (عليه السلام)، وضعته المرأة ـ ولعلّها كانت أمّه ـ أمام ضريح العبّاس تطلب منه الشفاء العاجل ، وإذا بالطفل يغفو من إغمائه ويقف على رجله كلّ هـذا والشيخ ينظر إليه ، ويرى كيف تقبّل الله سَعيَ هذه المرأة وكيف توسط العبّاس (عليه السلام) في شفائه .

وهنـا هاج الشيخ وسيطر عليه الحـزن والألـم وأخذ يخاطب العبّاس (عليه السلام) بلهجة لا تناسب مقامه وبلغة عامية :

الحسين إمام وأنت أخـو الإمام ، وبيدك كـلّ شيء لكنّكما لا تنفعان إلاّ أقرباءكما العـرب ، ثمّ ودّع الحضرة الشريفة وذهب إلى حرم الإمام الحسين (عليه السلام) ، وقال له : أنت إمام والعبّاس أخو الإمام وبيدكما كلّ شيء ولكنّكما لا تنفعان إلاّ أقرباءكما العرب. ثمّ خرج وقرر أن يذهب إلـى النجف الأشرف ليخاطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمنطق نفسه ثمّ ليعود إلى أهله وقريته في إيران .   

عـزم الرجل على الذهاب إلـى النجف الأشرف ، ولما وصل إلى الصحن الشريف جلس ليستريح، فإذا به يرى شخصاً يأتيه ويقول له: يا شيخ إبراهيم إنّـي خادم الشيخ مرتضى الأنصاري جئتك لأبلغك رسالة الشيخ ، وأنّه ينتظرك في بيته .

تعجب الشيخ إبراهيم من كلام هـذا الرسول لأنه لـم ير الشيخ الأنصاري من قبل ، واشتـدّ تعجّبه عـن كيفية علم الشيخ به وأنّه موجود في إيوان الصحن المطهّر .

قام وذهب إلـى دار الشيخ ، فاحترمه الشيخ الأنصاري وأعطاه ثلاث صرر قائلاً له : 

هذه الصرّة لحجّك وهذه لزواجك وهـذه لأداء دينك ، فتعجب من معرفة الشيخ بحوائجه وازداد عجبـه من عتب الشيخ عليه لأنه خاطب العبّاس بذلك الخطاب قائلاً له : هناك فرقٌ بينك وبين ذلك الذي شافاه العبّاس فـي الحال فأنت رجـلٌ عالم عارف وتلك امرأة قرويّة ، فإنّ الله إذا لـم يعطها حاجتها كفـرت ، وأمّا أنت فلست كذلك .

رجع الشيخ إلى كربلاء المقدّسة وغيّر رأيه في أمر العودة إلى إيران. وفتح الصرر الثلاث فإذا في كلّ صرّة بقدر كفاية الحاجة التي كانت له .

وهكـذا فالعبّـاس (عليه السلام) هـو باب الحوائج بأمر من الله سبحانه وتعالى(9).

الرأس الشريف

أورد المؤرخون أنّهم رأوا رأس العبّاس معلّقاً فـي عنق فرس أحد القتلة في الكوفة ، وبعد ذلك ماذا حدث للرأس الشريف ؟

كما أنّ المؤرخين اختلفوا فـي رأس الإمام الحسين (عليه السلام) ، هل هو ملحق بالجسد أو عند قبر الإمام علـيّ (عليه السلام) ، أو في منطقة الحنانة أو غير ذلك . كذلك اختلفوا في مكان دفن رأس العبّاس (عليه السلام) .

فهناك قولٌ أنه مدفون مع رؤوس الشهداء فـي الشام(10)، والرواية هكذا : قبل مائة سنة وفـي أيّام سدانة السيد رشيد ، أصاب خراب المشهد ، فأتـى السيّد رشيد بمعمارٍ مسيحي لغـرض ترميم المشهد المقدّس ، وأخذ المعمّار فـي أعمال الترميم ، وذات يـوم أرسل إلى المتولّي بلاغاً يعلمه عن تركه العمل قائلاً : إن عملي هذا يهدم ديني ، فسأله المتولّي عن السبب ؛ قال له : تعال معي لأريك أمراً عجيباً .

أخذ بيد المتولّي وجاء به إلـى السرداب الذي فيه الرؤوس ، فنظر المتولّي فإذا به يـرى الرؤوس وبينها رأس العبّاس (عليه السلام) فـي طراوية وكأنّها قطعت عن أبدانها الساعة . فعلّق المعمار على مشاهدته : إذا كان ما نـراه حقّاً فديننا ـ يعـني المسيحية ـ باطل ، ولهذا تركت الترميم خوفاً على ديني . 

أقـول : إذا كان المعمار المسيحـي قـد أدرك أنّ أصحاب هذه الرؤوس هم من أولياء الله ، حيث شاهد بعينه المعجزة الإلهية في عباده الصالحين الذين لم تتغيّر أجسادهم بعد أكثر من ألف عام : (قُل فَلِلّهِ الحُجَّةُ البالغَةُ)(11)، وعرف أنّ ديـن الإسلام هـو الديـن الصحيح وأنّ لهؤلاء الأولياء كرامة عند الله سبحانه فما بالنا نحن المسلمون .

وهـذه القصّة متواترة ورؤية السيّد رشيد مشهورة ممّا يـدلّ على تماميّة وأحقيّة حتّى جزئيّات حادثة كربلاء الفجيعة .

إلاّ أنّ الكلام في أنّه هل رأى في تلك الرؤوس المشرفة رأس سيّدنا العبّاس (عليه السلام) أم لا ؟(12) والرأس لم يكن محنطاً كالمومياء حتّى يصبح الأمر عادياً بل هـو أمرٌ إعجازيٌّ خارق للعادة . وهذه دلالة علـى ما لهذا السيّد الجليل ـ العبّاس ـ من كرامة عظيمة عند الله ، وبالتالي ما لزيارة الرأس الشريف بقصد القربة والرجاء من آثار كبيرة ونتائج محمودة بالرغم من أنّه لـم نجد نصاً من المعصومين (عليهم السلام) في ذلك ، ولاشكّ أنّ المَلَكَ يوصـل الزيارة إليه (عليه السلام) وهـو في قبره في كربلاء (13).

وكيف لا يكـون العباس (عليه السلام) صاحب كرامـة وهـو ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) .

ومن باب الاستطراد نذكر كرامتين للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على وجه الاختصار .

كان لوالدي (قدس سره) صديق هو الشيخ محمّد حسن الهرسيني ، وقد قَدِمَ إلى النجف الأشرف لغرض الدراسة في أيّام السيّد أبو الحسن الأصفهانـي (قدس سره) ، وذهب صديقـه الآخـر الشيخ فرج الله الكاظمي (رحمه الله) إلـى كربلاء ، قال الكاظمي : كنت أعمل عمل البنّائين ، أعمل فـي الأسبوع يوماً واحداً لأحصل على معاشي الذي يكفيني طيلة الأسبوع .

أمّا الشيخ محمّد حسن الهرسيني قال : فـي سنة لم يأت من بلدي شيء من المال لأعيش به حتّى عزمت على الرجوع إلـى بلدي حيث نفد كلّ ما عندي من النقود فاضطررت للذهاب إلى حرم الإمام أمير المؤمنيـن (عليه السلام) وقلت له: سيّدي أنت تعلّم أنّي جئت لأتعلّم علومكم ثمّ لأعود الى عشيرتي في هرسين فأعلّمهم ما تعلّمت هنا . والآن لا أستطيع البقاء هنا لأنّه نفد كلّ ما عندي . ثمّ ودّعتُ الإمام وخرجتُ من الحرم قاصداً الرجوع إلى بلدي .

وأنا فـي طريقي نحو المدرسة إذ جاءني أعرابي لا أعـرفه ؛ سلّم عليّ وأعطاني مظروفاً بدون أن تكون بيننا أيّة سابقة أو لاحقة ، ولما رجعت إلى المدرسة رأيت المظروف مملوءاً بالنقود فعزمت على البقاء، وقرّرت أن أقتصد في حياتي ليكفيني هذا المبلغ . ذهبت إلـى الحرم مسروراً ، وحين العودة رأيتُ الأعرابي نفسه يقدّم لي مظروفاً آخراً ، وتكرّر الأمـر ثلاث مـرّات هكـذا ، ثمّ إنّ نجل السيّد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سره) السيّد حسن ـ الذي استشهد على أيدي بعض الأشرار ـ قال لي إنّ والدي يريدك ، فأسرعتُ إلى السيّد الإصفهاني فعاتبني لأنّي لم أمرّ عليه ولم أخبره بحالي ثمّ عيّن لي راتباً شهرياً كان يكفيني طيلة حياتي .

حكاية المدرس الافغاني

ونقل لي المدرس الأفغانـي (قدس سره) إنّه قصد النجف الأشرف بصورة بالغة الصعوبة حيث وصلها ماشياً علـى القدمين من بلدته في أفغانستان التي تبعد عن النجف الأشرف آلاف الكيلومترات . ولما لم يكن له محل في النجف الأشرف اضطر إلى العيش في الصحن صباحاً ، وعند الظهر كانت أبواب الصحن تغلق ، فكان يضطـر هذا الشيخ الجليل أن يأتي إلى وادي السلام ويتّخـذ من ظلال بعض المقابر العالية مكاناً يأوي إليه في تلك الأوقات الشديدة الحرارة حتّى يتم فتح أبواب الصحن مجدّداً في العصر . وهكـذا دواليك كانت حياة الشيخ تسري بهذه الكيفية .

وقد ذكر لي : أنّه ذات مرّة استيقظتُ وأنا في الوادي وعلى مقرّبة من إحدى المقابر وقد أخذ منّي الحرّ مأخذاً شديداً وكنت فـي غاية العطش ، قمت من مكاني وأخذت أجـوب الوادي حتّى وصلت إلى ماء يسيل فشربت منه ، ثمّ إنّي فحصتُ عن مصدر هذا الماء فوجدت أنّه منبعث من حوض مغتسل الأموات وهو خليطٌ بالكافور والسدر ، فتأثرت تأثراً كبيراً وبكيتُ علـى حالي ، وأخذتُ أخاطب سيّدي أمير المؤمنين (عليه السلام) ، يا سيّدي إنّي رضيت بكلّ شيء لكنّي لا أرضى بهذه الحالة ، وبعد ذلك ذهبت إلـى الصحن وإذا بخادم السيد أبو الحسن الإصفهاني (قدس سره) يناديني ويقول لـي : أنت محمّد علي الأفغاني . قلت له نعم . قال : السيّد يريدك .

ولما ذهبت إلى السيّد أعطاني غرفة وقرّر لي راتباً شهرياً ، ولا أدري من أين علم السيّد الأصفهاني بحالي فعشتُ بعدها برفاهٍ نسبي .

القَسَم بالعبّاس عليه السلام

من عجيب ما شاهدته في كربـلاء ومنذ نعومة أظفاري وأنا في التاسعة من عمري حيث وصلنا كربلاء المقدّسة من النجف الأشرف إلى وقت خروجي الإجباري من هذه المدينة قاصداً الكويت(14) الكثير من الوقائع . فمن مشاهداتي المتكرّرة فـي كربلاء هو خوف العرب والعجم والهنود والترك والكرد وغيـرهم من القَسَمِ بالعبّاس (عليه السلام) ، فبعضهم يهون عليه الحلف بالله سبحانه على الحلف بالعبّاس (عليه السلام) .

وقد استخدمتُ هـذه العقيدة القويّة لدى الناس بالعبّاس (عليه السلام) في حلّ المنازعات التي كانت تنشب بينهم ، فكنت أطلب ـ عند الترافع إليّ ـ ممن أراه على باطل أن يحلف بالعبّاس ، فتراه على استعداد لأن يقرّ ويعترف بذنبه ويرجّحه على القسم بالعبّاس (عليه السلام) .

وهـذه الظاهرة لا تنحصر بالشيعة فقط بل نجدها عند أهل السنّة أيضـاً ، فكانـوا لا يقسمون بالعبّاس باطـلاً حتّى لو كانت فيها أرواحهم .

وممّا أتذكّر في معرض الكلام حول القَسَم بالعبّاس (عليه السلام) أن  شاه إيران ـ محمّد رضا ـ لما طرده الشعب من إيران إبان أحداث مصدّق والسيد الكاشاني جاء إلى مدينة كربلاء وذهب إلى حرم العبّاس (عليه السلام)، وهناك أقسم بأن يعدّل من سلوكه ويحسن ســيرتــه إذا رجع إلى إيران . ثمّ إنّه ذهب إلـــى إيطاليا بعـد زيارة كربلاء ثمّ عاد إلى إيران بانقلاب عسكري .

ولمّا لم يَبر الشاه بقَسَمِهِ ولـم يف بالحلف الذي حلفه فـي حرم العبّاس شاهدنا كيف كان مصيره ، حيث عاد إلى نهجه بمجرّد وصوله إلى إيران ، بل ازداد طغياناً وجبروتاً، فتكرّر مصيره مجدّداً حيث خرج من إيران لكنّه لم يعد في المرّة الثانية . 

وفي الأيّام التي كنّا فيها في كربـلاء ، جاء أحمد حسن البكر ومعه صالح مهدي عمّاش وحردان التكريـتي ، وهـم الثلاثة الذين قادوا الانقـلاب العسكري ضد عبد الرحمن عارف ، وزاروا كربلاء . ثمّ إنّهم قدموا إلى حرم العبّاس وحلفوا عند العبّاس (عليه السلام) بأنّهم لن يَخون بعضهم بعضاً .

لكنّهم لـم يوفوا بحلفهم أيضاً ، كما هـي عادة الحكّام الطغاة ، إذ كان البـكر قد انتهى بإبرة قاتلة(15) . وتلقى عمّاش نهايته بحادث سيّارة ! أمّا حردان فقد مزّقت رصاصـات رفاقه البعثيين جسده في الكويت ، فهل ترى لهم من باقية .

وأيّام الانتفاضة الشعبانية في كربلاء المقدّسة ضدّ الحكم الجائر(16) ، تقدّم حسين كامل قائد عملية اجتياح كربلاء حتّى بلغ ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) ، ثمّ إنّه خاطب الإمـام بصلافـة وعنجهية قائلاً : «أنا حسين وأنت حسين فانظر مَن الذي غَلَب» .

ولم تمض سوى بضع سنوات حتّى اختلف مع عمّه «والد زوجته» صدّام ، ففرّ إلى الأردن ثمّ عادّ إلى العراق مجدّداً ليلقي مصيره الأسود على أيدي جلاوزة عمّه، فقد قُتِلَ بأبشع صورة ، قُطِعَ رأسه وسُحِلَ جسده في شوارع بغداد .

ومن حقّنا أن نسأل بعدما لقاه حسين كامل : مَن الغالب حسين بن علي (عليه السلام) أم حسين كامل(17).

لقد ذهب الطغاة وبقيت الآية الكريمة تصدع في الآذان : ( كَتَبَ اللهُ لأغلبَنّ أنا ورسُلي)(18).

كيف أصبح العباس عليه السلام قاضياً للحاجات

سؤال يطرحه الكثيرون منّا .

والجواب عليه : أنّ الله سبحانه أراد إظهار عظمة العبّاس (عليه السلام) عند الناس جزاءاً لبعض مواقفه الخالدة في كربلاء أو غيرها .

فالعبّاس (عليه السلام) قاتَلَ وهو في رَيعان شبابه تحت لواء أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك في صفّين كمـا تدلّ علـى ذلك الروايات . ثمّ مواساته لأخيه ، وموقفه مـن شمر بن ذي الجوشن عندما جاء طالباً منه ترك الإمام الحسين .

لاشكّ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو أفضل من العبّاس لكنّ هذه الميزة أُعطيت للعبّاس (عليه السلام) . وهـذا لا ينافي موضوع أفضلية الإمام الحسين على أخيه العبّاس، لأنّ الأفضلية راجعة إلى الأمور النفسية(19) وما أشبه.

وقد ورد أنّ الإمام الحجّة بن الحسن (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو أفضل من الأئمّة الذين سبقوه ابتداء من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، لأنّ دوره وشأنه في تحمّل المسؤولية هو أكبر من أولئك الأئمّة (عليهم السّلام) أو لغير ذلك من الأسباب .

ولا يخفى أنّه  مثلما أعطى الله للرجال ـ من أمثال أبي طالب وعبد الله والد النبـي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعبد العظيم الحسني والعبّاس وعلي الأصغر ـ قضاء حوائج الناس أعطى لبعض النساء أيضاً هذه الكرامة ، فمن الموصوفات بهـذه الصفة نذكر : الصدّيقة الزهراء  وخديجة الكبرى وفاطمة بنت أسد وزينب الكبرى وفاطمة المعصومة أخت الإمـام الرضا (عليه السلام) والسيّدة نفيسة والسيّدة نرجس أم الإمام الحجّة ، وغيرهن من النساء المؤمنات .  

فكيف استطاع هؤلاء العظام إعطاء الحوائج ؟

لا نعلم كنه ذلك ، لكنّنا نلمسه بالتجربة الحسّية .

ومن باب الاستزادة نذكر بأنّ قضاءهم للحوائج ليس حصراً على المسلمين أو المؤمنيـن ، بل حتّى الكفّار مشمولون لرحمة الله  ، وعطف هؤلاء العظام، لأنّهم (عليهم أفضل الصلاة والسلام) أوعية مشيئة الله سبحانه ، يعطون المسلم والكـافر . وقد ورد في الدعاء : (يا مَن يُعطِي مَن سأَلهُ، يا مَن يُعِطي مَن لـم يَسألهُ ومَن لم يَعرِفهُ تَحننّاً مِنهُ ورَحمةَ) (20) .

بل حتّى من يحارب الله سبحانه قد يحصل على حاجاته ـ في هذه الدنيا ـ إذا ما طالب بها وألحّ عليها .

وهكذا كانت سيرة الأنبيـاء وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلـم يوقف عطاءه علـى المسلمين وحسب بل حتّى الكفّار والمشركين كانوا مشمولين بعطائه .

فقد قدَّم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الماء للكفّار في بدر ، وقدَّم الإمام الحسين (عليه السلام) الماء لمن جاؤوا لمحاربته .

العباس بابٌ إلى الحسين

عرفت بعض العلماء ممن كان يعتقد بأنّ العبّاس (عليه السلام) هو الباب إلى الحسين (عليه السلام) ، فإذا أرادوا حاجة من الإمام الحسين طلبوها من العبّاس (عليه السلام) ، فهو الواسطة بينهم وبين إمامهم .

وكبرى هـذه المسألة هي : أنّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلّ شيء باباً سواء كان ذلك الشيء مادّياً أو معنوياً ، وأمرنا أن ندخل الأشياء من أبوابها . (وأتوُا البُيُوتَ مِن أَبوابِها)(21)، وهذه كبرى المسألة وهي قطعية ، أمّا صغراها فلم أجد نصاً أو ما شابه .

لا إشكال فـي

أنّ الحسين (عليه السلام) كما كان يستجيب للعبّاس (عليه السلام) حال حياتهما كذلك يستجيب لـه حال شهادتهما ، فـ‍ـ (الأرواح جنودٌ مجنّدة ما تعـارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف)(22) ، وعـن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (أنا مدينة العلم وعليّ بابهـا فمن أراد المدينة فليدخل من بابها) (23). إلاّ أن الكلام في مدى توسّط العباس (عليه السلام) عند الإمام الحسين (عليه السلام) بعد شهادتهما ؟ إنّه نوعٌ مـن الرجاء ، والرجاء لا بأس به .

وكان والدي (قدّس سرّه) يذهب كلّ ليلة إلى حرم العبّاس (عليه السلام) ثمّ يأتي إلـى حرم الحسين (عليه السلام) ويقول : إنّه بابه بعد الشهادة كما كان حال الحياة . وفي الزيارة الجامعة (والباب المبتلى به الناس) (24) لأنّ الله  جعلهم أبواب فضله وابتلى الناس بهم أيّ اختبرهم وامتحنهم ، فالله سبحانه مرتبطٌ بكلّ إنسان ويعرف مـا يوسوس في صدر كلّ إنسان ومع ذلك يقول : (وابتغوا إليه الوسيلة ...) (25).

والوسيلة هي السبيل لتقوية الإنسان وإن لم يكن محتاجاً إليها. وإذا احتملنا مثل ذلك في الإمام الحسين والعبّاس (عليهما السلام) لم يكن فيه بأسٌ حتّى علـى القاعدة العقلية القائلة : كلّ ما قرع سمعك ، فذره في بقعة الإمكان، حتى يقوم عليه قاطع البرهـان . هذا وهناك أدلّةٌ كثيرةٌ على إثبات ذلك .

وأدعية التوسّل مشهورة ومرويّة وكم أخذوا الحوائج بواسطتها .

أمّا الذين ينكرون هذه الحقيقة الثابتة فهم في الواقع ينكرون الشرع الوارد والعقل المقطوع به .

العباس (عليه السلام) أفضل العلماء

كان عندنا طالب علم مغرور بنفسه لا يزور العبّاس (عليه السلام) وكان يرى في نفسه أفضلية حتّى على العبّاس (عليه السلام) حيث كان يقول : إنّي أعلم من العبّاس حيث إنّي درست الفقه والأصول والأدب ، والعبّاس لـم يدرس عند أحد؛ وكان يستشهد بالآية التالية: ( يَرفَعِ اللهُ الِذينَ آمَنُوا مِنكمُ والِذّينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجات)(26).

فرأى هـذا الرجل المغرور العبّاس (عليه السلام) في منامه فعاتبه على كلامه قائلاً له :

أوّلاً : إني درست عند أبي أمير المؤمنين وعند أخويّ (عليهم السلام) وكنت أعاشرهم وأعاشر الإمام السجاد (عليه السلام) .

ثانياً : إنّك استنبطت الأحـكام واستوعبت ظنوناً ، لكنّي علمت بالأحكام علماً قطعياً ؛ فاستيقظ الرجـل من منامه فزعاً مرعوباً تائباً إلى الله سبحانه عمّا زعمه وعمّا عمله ، وشرع يزور العبّاس بعد ذلك ويواظب على زيارته بانتظام (27).

وفي أيّامنا زار العالم الشهير الميرزا باقر الزنجاني (قدس سره) كربلاء المقدّسة مع جماعة مـن الطلبة راجـلاً ، وحطوا رحلهم في مدرسة «بادكوبة» وأرادوا زيارة العبّاس (عليه السلام) فامتنع أحـد الطلاّب قائلاً : ليس العبّاس إماماً ، وكلّمـا نصحوه لـم يفد ، فتركوه في المدرسة وتوجّهوا إلى حرم العبّاس (عليه السلام) ، ولمّا رجعوا رأوا ازدحاماً في المدرسة، وبعد التحقق من ذلك الازدحام تبيّن لهم أنّ الطالب المذكور وقع في بئر المرحاض إلى رقبته ، وحاولوا بجهدٍ شديد إنقاذه قبل أن يغطس في البئر ، وبعد محاولة قاسية استطاعوا إنقاذه .

فقال أصدقاؤه هذا جزاء من لـم يزر العبّاس (عليه السلام) ويتطاول بلسانه عليه .

فقال : إنّي لم أكن جاداً فـي قولي ، فقالوا له : والعبّاس أيضاً لم يكن جاداً ، فلو كان جاداً لغرقت في بئر القاذورات .

وهكـذا ، علينا أن نصون أفكارنا وألسنتنا وأن لا نتطاول على المقدّسات وإلاّ لأصابنا مثل ما أصاب هـذا الرجـل ، يقول تعالى : (ولَئِن سَأَلتَهُم لَيَقوُلُـنَّ إنَّما كُنَّا نَخُوضُ ونَلعَبُ قُـل أباللهِ وءاياتِهِ ورسوُلِهِ كُنتُم تَستَهزِءوُنَ)(28).

وكما إنّ نتيجة الأمور الصحيحة ربّما تتأخّر عن المقدّمات مدّة مديدة من الزمن ، كذلك في الأمور الفاسدة يحدث ذلك أيضاً ، فلا يغرّ الإنسان أنّه لا يرى النتيجة سريعاً ، فإنّ عدم تحقّق النتيجة سريعاً بسبب عدم تمام المقتضي أو لوجود المانع لا يعني عدم وقوع النتيجة ولو في المستقبـل ، قال (عليه السلام) : (والصبر من الإيمان بمنـزلة الرأس من الجسد) (29)، فكما إنّ الذي فقد رأسه لا آثار وجودية عنده كذلك من فقد الصبر لا آثار للإيمان عليه . وقـد عـزى جماعة من علماء الأخلاق الكثير من الفضائل كالكرم والشجاعة والإقدام إلى الصبر .

 

1 ـ سورة آل عمران : الآية 33 ـ 34.

2 ـ إشارة إلى الحديث الشريف : (نزّلونا من الربوبية وقولوا فينا ما شئتم). وهناك روايات كثيرة فـي هذا الصدد ، نذكر منها : قـال الإمام الصادق (عليه السلام) (اجعلونا مخلوقين وقولوا بنا ما شئتم) ، بصائر الدرجات : ص236 ، و(قولوا فينا ما شئتم واجعلونا مخلوقين) كشف الغمة: ج2 ص197 .

3 ـ راجع قصّته مع نساء المدينة عندما بقي فيها وخرج المسلمون للقتال .

4 ـ نهج البلاغة : الكتاب 45 . الأمالي للشيخ الصدوق : ص513 .

5 ـ سورة الرعد : الآية 17 .

6 ـ سورة النور : الآية 39 .

7 ـ سورة إبراهيم : الآية 18 .

8 ـ يقول الشاعر في وصف العباس (عليه السلام)

بابُ الحوائـج ما دعته مروعة         في حاجة إلاّ و يقضي سؤلها

بأبي أبو الفضل الذي من فضله       السامي تعلّمت الورى منهاجها

9 ـ ونظير هذه الكرامة وردت فـي كتاب الكبريت الأحمر: ج3 ص50 نقلاً عن تلميذ الشيخ الأنصاري الشيخ عبد الرحيم التستري المتوفي سنة 1313ه‍ .

10 ـ في مدينة دمشق في المقبرة المعروفة بمقبرة باب الصغير . 

11 ـ سورة الأنعام : الآية 149 .

12 ـ ولا يخفى إنّ رأس الإمام الحسين وأخيه العبـاس (عليهم السلام) قـد دفنا مع الأجساد في كربلاء  ، وهذا هو المشهور بين العلماء ، كما ذكر ذلك فـي البحار ومقتل العوالم واللهوف وروضة الواعظين ومثير الأحزان والمناقب وأعلام الورى .

13 ـ وهناك قصص كثيرة في كرامات العباس (عليه السلام) ذكرت في بطون الكتب . 

14 ـ هاجر إليها المؤلف سنة 1391هـ‍ بعد أن صدر عليه حكـم الإعدام غيابياً من   قبل الحكومة البعثية في العراق ، ونشر الحكم في جريدة الثورة وجريدة الجمهورية آنذاك، وبقي في الكويت ثمانية أعوام .

15 ـ لرفع السكر لديه بواسطة حقنة من قبل الدكتور صادق علوش وبأمر من صدام وكان ذلك سنة 1401هـ‍ (1982م) .

16 ـ والتي حدثت في شعبان سنة 1411هـ‍ (آذار 1991م) حيث قاد حسين كامل قوات الحرس الجمهوري التي حاصرت كربلاء المقدسة على شكل قوس من منطقة الرزازة والى طريق بغداد ، تساندها المروحيات والمدافع . وعندما أراد الهجوم على المدينة قال حسين كامل : أنا حسين و هو حسين ولنر من سينتصر في النهاية. وقد استشهد من الأهالي في كربلاء ما يقارب الخمسين  ألفاً .  

17 ـ إنّ حسين كامل أصبح مثـلاً عند الشعب العراقي بغبائه حتّى استخدم مثلاً للتعريض بالشخص ، يقولون : إنّه أغبى من حسين كامل .

18 ـ سورة المجادلة : الآية 21 .

19 ـ كما نشاهد فـي الإمام الحسن والحسين (عليهما السلام) حيث إنّ دور الإمام الحسين اكبر وإن كان الإمام الحسن أفضل ، فإن فضيلتهم راجعة إلى أمور نفسية ، فلا منافاة بين الأفضل مع كون الظاهر منهم أقل .

20 ـ من الأدعية الواردة في شهر رجب صباحاً ومساءً وفي أعقاب كل صلاة ، انظر مفاتيح الجنان : ص137 للشيخ عباس القمي ، وكتاب الدعاء والزيارة : ص283 للإمام المؤلف .

21 ـ سورة البقرة : الآية189 .

22 ـ من لا يحضره الفقيه : ج4 ص380 ح5818 ب2 .

23 ـ غوالي اللئالي : ج4 ص123 ، ونظير هذا الحديث ورد في كتاب الغدير : ج6 ص61 ، ومقتل الحسين للخوارزمي : ج1 ص431 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج7 ص219 ط مصر وج2 ص236 ط بيروت ، ونص الحديث : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب). وورد أيضاً : (أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها) الأمالي للشيخ الصدوق ص526 وعيون أخبار الرضا ص233 .  

24 ـ التهذيب : ج6 ص98 ح1 ب22 ، من لا يحضره الفقيه : ج2 ص613 .

25 ـ سورة المائدة : الآية35 .

26 ـ سورة المجادلة : الآية 11 .

27 ـ ولا يخفى قـد ورد في الحديث الشريف : (إن العباس بن علي زق العلم زقاً) أسرار الشهادة : ص324 .

28 ـ سورة التوبة : الآية65 .

29 ـ الخصال : ص315 ، عيون أخبار الرضا : ص44 ، نهج البلاغة : ج1 ص324.