الفهرس

فهرس الفصل الخامس

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

أحكام بيع السلف وأنواعه

وهو عكس النسيئة، ويطلق عليه: (السلم) أيضاً واللفظان مترادفان كما يفهم من جعل الإيجاب، والسفتجة أو ان السلف باعتبار إعطاء المال، والسلم باعتبار تأخّر المبيع، إذ يسلّمه إليه بعداً، والخلاف في أنّه مثل البيع اسم للعقد أو النقل أو للانتقال، آت هنا أيضاً.

ويدل على صحّته: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل.

ويؤدّى بكل شيء يفهم ذلك ولو بالقرائن والمعاطاة.

ولا يهم عدم تسليم المبيع إذ يكفي المشابهة، كما في عكسه النسيئة، فهو من قبيل (الحملي) للسالبة في المنطق.

ولا فرق بين أن يكون طرفاه: النقود أو البضائع أو بالاختلاف أو الاشتراك، في غير ما يشترط فيه قبض العوضين، وغير ما يستلزم الربا.

قال ابن سنان: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسلم في غير زرع ولا نخل؟ قال: يسمّي كيلاً معلوماً إلى أجل معلوم)(1).

ويؤيّده ما عن علي (عليه السلام): (لا بأس بالسلف فيما يكال وما يكال فيما يوزن)(2).

ولذا يجب أن نحمل ما رواه ابن سنان عن الصادق (عليه السلام): (لا ينبغي للرجل اسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن)(3).

من أحكام بيع السلف

واللازم ذكر الأوصاف الرافعة للجهالة ـ فيما يمكن ضبط أوصافه ـ التي تختلف باختلافها الرغبات العرفية، خروجا عن الغرر والجهالة، فإنه: (نهى عن الغرر) كما (نهى عن بيع الغرر)(4).

ومنه يعلم: انه كلما لم يمكن فيه رفع الغرر بالوصف ـ لاحتياجه إلى المشاهدة ـ لم يصح فيه.

هذا بالإضافة إلى ما رواه جميل عن الصادق (عليه السلام) قال: (لا بأس بالسلم في المتاع إذا وصف الطول والعرض)(5).

ومثلها في الدلالة: روايات أخر عن معاوية، وروايتي الحلبي، وروايتي زرارة، وسليمان، وعبيد، وسماعة، وغيرها.

الثمن في بيع السلف

المشهور: اشترطوا فيه القبض في المجلس، واستدلّوا على ذلك: ببعض الاجتماعات المنقولة، وبأنه لولاه كان من الكالي بالكالي.

ولا يخفى ما فيهما، فالشرط إلى الاحتياط أقرب.

ولو شك فيه كان الأصل عدمه، والإشكال: بأنه لا عموم في الدليل فالأصل عكسه، ممنوع بأن أدلة البيع ونحوه مع العرفية شاملة له، كسائر الشرائط المشكوك فيها في أي عقد.

وكيف كان: فعليه لو سلّم البعض دون البعض، صحّ في المسلّم دون ما عداه، ويكون حينئذ مجال لخيار تبعّض الصفقة.

عرفية الوصف في بيع السلف

والتوصيف المشروط هو ما يتعارف بالنسبة إلى كل شيء، ففي البعض دقّة أكثر كالذهب، وفي البعض أقل كالحنطة، وفي ثالث أوسع كالبهيمة، وذلك لأنه الرافع للغرر حسب كل مورد.

أما الوصف الذي يؤدّي إلى عزّة الوجود ـ في كثيره ـ فلا، لأن الغرر غير لازم بدونه، نعم لا اشكال في انه لو وصف كذلك لزم.

والوصف الأوسع بما لا يرفع الغرر لا يكفي.

وحيث لا يلزم عدم مشاهدة البضاعة في صحّة السلم فإذا شاهدها فيما يحتاج إليها يكفي الوصف المنطبق على جزئي خارجي أو كلي في المعيّن، لأنه لا يلزم الغرر حينئذ.

لو اختلفا

ولو اختلفا في انه هل وصف أم لا؟ فالأصل وإن كان مع العدم إلا انّ أصالة الصحة حاكمة.

أما لو اختلفا في انه هل وصف الأدقّ أو الأوسع ـ والمفروض انه يرفعه ـ؟ فالأصل عدم الأول، ولا أصل حاكم هنا.

ولو اختلفا في ان الوصف كان كذا أو ضد ه ـ مثلاً ـ؟ فموضوع للتحالف.

ولو اختلفا في القبض؟ كان الأصل الصحة ـ على ما تقدّم ـ كما انه كذلك لو اختلفا في انه هل كان صحيحاً أم لا؟

ولو قبض بدون الشرط كان العقد فاسداً فيشمله قاعدة (ما يضمن) .

وحيث ذكرنا بعض خصوصيات القبض في باب الربا لا حاجة إلى تكراره هنا، لأنهما من باب واحد، ومنه ما لو ادّعى أحدهما انه أقبضه أو قبضه بدون أهلية أحدهما.

السلف وكون الثمن في ذمّة البائع

ولو كان الثمن ديناً في ذمّة البائع، فالأقوى لا صحة لأنه نوع قبض عرفاً.

وأما احتمال عدمه ـ لأنه من مصاديق الكالي بالكالي، ولما رواه طلحة عن الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (انه لا يباع الدين بالدين)(6) وما رواه إسماعيل بن عمر: (انه كان له على رجل دراهم، فعرض عليه الرجل أن يبيعه بها طعاماً إلى أجل، فأمر إسماعيل يسأله، فقال: لا بأس بذلك، فعاد إليه إسماعيل فسأله عن ذلك، وقال: انّي كنت أمرتُ فلاناً فسألك عنها، فقلت: لا بأس، فقال: ما يقول فيها من عندكم؟ قلت: يقولون: فاسد، فقال (عليه السلام): لا تفعله)(7).

فلا يخفى ما فيه:

إذ ليس هو من الكالي بالكالي ولا من (الدين بالدين) فإن الظاهر منه: كون كل منهما مؤجّلاً قبل إنشاء البيع لا ما إذا حصل أحدهما به، وخبر إسماعيل أظهر في الصحّة، وظهور ذيله في التقيّة شاهد على ذلك، مضافاً إلى معارضتهما على تقدير الحجّية بخبر علي بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى (عليه السلام) (قال: سألته عن السلم في الدين؟ قال: إذا قال: اشتريت منك كذا وكذا بكذا وكذا، فلا بأس)(8) مما يلزم حمل الأولين على الكراهة، لكن إذا تعارض احتمالا الكراهة والتقيّة لا يبقى مجال للأول كما قرّر في موضعه.

وأما ما في الجواهر عن بعض الكتب المعتبرة: (عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فأتى المطلوب يبتاع منه شيئاً، فقال: لا يبيعه نسياً، وأما نقدا فليبعه بما شاء)(9) بناءً على أن المراد بنسياً هذا السلف، ففيه:

أولاً: ضعف الدلالة.

وثانياً: سقوط المتن لأن الموجود في الوسائل: (فأتى المطلوب الطالب).

وثالثاً: ما تقدّم من احتمالي: التقية أو الكراهة جمعاً.

نعم لا اشكال في لزوم كون الدين معيّنا كمّاً وكيفاً، وإلا لم يصح لما فيه من الغرر، كما في العاقلة حيث عليهم الدية، ولا يعرف كيفها من أي الستّة؟ وكمّها بأن على هذا كم منها؟

فروع

ويمكن في الدين أن يكون نقداً أو بضاعةً، كما يمكن في العين.

ومما تقدم عرف: انه لا فرق بين أن يكون الدين حالاً أو مؤجّلاً، وإن نسب إلى المشهور عدم جواز الثاني.

وربما استدل لذلك: بأن المؤجّل لم يتحقّق فيه القبض.

وفيه: انه مقبوض وإن لم يجب على الدائن تسليمه الآن، وفرق بين عدم القبض وعدم الحلول.

واللازم: كون الدين بشخصه، فلا يصح كونه أحد المحتملين كمن جرح إنساناً يترد د أمره بين القصاص والدية، ولو قال: سآخذ الدية لم ينفع، لأنه ليس إلا مجر د وعد لا يثبت به في الذمّة شيء، بل وكذا إذا نذر ذلك، إذ نذره يحقّق التكليف لا الوضع.

ويصح في العين كونه شخصيّا أو مشاعاً أو كلّيا في المعيّن أو في المردّد، كما اخترناه في (الأصول) وقلنا: انه بالإضافة إلى العقلائية، أقل أطرافاً من الكلي في المعيّن.

ولو جعل الثمن كلياً في ذمّة المشتري ثم حاسبه به بماله في ذمّة البائع صح، فإنه ليس من بيع الدين بمثله بل هو استيفاء.

وحيث قد عرفت في (كتاب البيع) صحّته من أطراف ثلاثة يأتي هنا ذلك أيضاً سواء في العين أو الدين.

من صور الاختلاف

ولو اختلفا في انه كان بالعين الفلانية أو الدين؟ فالظاهر: انه من التحالف، إذ لا جامع عرفي بينهما وإن أمكن تصور الجامع العقلي.

وحيث لا يميز دين عن دين في الذمة، فلا يصح أن يقول: طلبي منك من كذا لا كذا، وإن قال: فإن كان على نحو التقييد بطل، وإلا صحّ.

أما الأول: فلأن المقيّد عدم عند عدم قيده.

وأما الثاني: فلأن الدين موجود ولا مانع، وان الداعي ومثله لا يقيد العقود ونحوها.

أما لو اختلفا في انه هل بهذه العين أو بتلك؟ فقاعدة (العدل) محكمة على ما نراه في الماليات(10)، وإلا فاللازم التمسّك بالقرعة.

ولو باع بالدين ثم اختلفا في انه هل كان مديناً أم لا؟ لم يضر، لأصالة الصحة، مع انه إن كان الاختلاف قبل البيع كان يمنع عنه، لأصالة عدمه ولا أصل للصحّة حينئذ.

فمثلهما لو اختلفا في ان العين كانت له أم لا قبل البيع وبعده، كمثل الاختلاف في سائر المعاملات، وكذا مثل ما لو ادّعت المرأة بأنها كانت متزوجة، أو كان متزوجاً بأختها، قبل العقد وبعده، إلى غير ذلك.

تقدير المبيع في بيع السلف وتعيين الأجل

مسألة: قد تقدّم شرطان لبيع السلف: ذكر الجنس والوصف ونحوهما، وقبض الثمن، وثالث الشروط هو: تقدير المبيع بما يعتبر من الكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع، أو التحديد بالساعة كما في الماء والكهرباء أو غير ذلك من أسباب رفع الغرر.

ويدلّ عليه بالإضافة إلى الأدلة العامة: جملة من النصوص الخاصة، مثل:

قول علي (عليه السلام): (لا بأس بالسلم كيلاً معلوماً إلى أجل معلوم، ولا تسلمه إلى دياس ولا إلى حصاد)(11).

وخبر الحلبي عن الصادق (عليه السلام): (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السلم في الطعام بكيل معلوم إلى أجل معلوم؟ قال (عليه السلام): لا بأس)(12).

وفي النبوي (ص): (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، وأجل معلوم)(13).

ومن الواضح: ان المراد هو المثال، وإلا فالوزن وغيره كذلك كما يدل عليه غيرها أيضاً.

عرفية التقدير في بيع السلف

ولا يخفى: ان الاعتبار بالتسامح العرفي في التحديدات المذكورة لا الدقّة العقلية. وإذا كان هناك فردان من الوزن ونحوه، أو الزمان مثل (جمادى)، فإذا لم يكن انصراف بطل لأنه غرر.

وإن اختلفا في الزمان أو الوزن؟ فإن كان بينهما عموم مطلق فمدّعي الأعم يحتاج إلى الدليل، وإن كان بينهما تباين فالتحالف.

ولو جعل الكيل المجهول، أو الأجل كذلك، بطل للغرر وغيره.

ولو كان أحدهما معلوماً عند العرف لكنهما يجهلانه، فهل يصح للعرفية، وليس ذلك أكثر من جهلهما بموازين البلد ونقوده وما أشبه أم لا، لأنه غرر بالنسبة إليهما؟

الأقرب: الأول وإن كان الأحوط الثاني.

بيع السلف وتحديد الأجل

وكما يلزم تقدير المبيع في بيع السلف يلزم فيه تعيين الأجل وتحديده أيضاً، فيجوز في الزمان أن يكون قليلاً لا بحدّ خروجه عن صدق الاسم، أو كثيراً لا بحد انصراف الأدلّة عنه، وما في بعض الأخبار: من تحديد طرف الكثرة محمول على الكراهة.

وهل يصح فيما لا يفي عمرهما وإن كان متعارفاً، كما في عشر سنين لمن لا يبقى إليه، أو لشهر لمن حكم عليه بالقتل، أو ما أشبه ذلك، احتمالان:

من: انه كالنسيئة، والعقلاء يرون عدم البأس به فيشمله الدليل.

ومن: ان الأدلة منصرفة عن مثله فلا يشمله.

لكن الانصراف لو كان فهو بدويّ، وإن كان سبيل الاحتياط أولى.

والمسألة مطردة في مثل المتعة والشرط ونحو ذلك، إلا إذا كان الشرط القيام بنفسه، فإنه وإن لم يبطل لكن من حق الشارط حينئذ الفسخ، أما إذا كان على نحو القيد بطل.

وما ذكرناه: من كون حق الشارط الفسخ بدون البطلان، إنما هو كسائر أماكن الشرط فيما لا يسري الجهالة إلى العوضين، وإلا بطل، مثل اشتراط خياطة ثوب مجهول، أو بناء دار كذلك، لأن الخياطة تتراوح بين دينار ومائة، والدار كذلك بين مائة وألف ـ مثلاً ـ ومن الواضح: ان مثل ذلك يسري إلى قدر الثمن والمثمن، لأن للشرط قسطاً منه، ومع الجهالة فيهما ابتداءً أو غيره مستقيم يبطل العقد.

وما ذكره الفقهاء: من عدم الإبطال ـ كما هو المشهور ـ إنما هو فيما لم يكن كذلك، مثل أن يعطي ضامناً أو رهناً أو يستأمر إنساناً أو نحو ذلك، فإنه ليس من الغرر بخلاف الأول.

ولو فرض: اختلاف العرف بعد العقد في انه مما يسري أو لا، فالأصل: الصحة وإن كان ـ لو كان ـ قبل ذلك لم يصح العقد، لأنه غير معلوم وجود الأركان.

وقد ذكرنا في (كتاب البيع): انّ بين الغرر والجهالة العموم المطلق، ولذا لو باع مقداراً من الدهن بمثله كيلاً أو وزناً ـ وإنما فعلا ذلك، لأن كل واحد منهما يريد ما عند الآخر من جهة الاختلاف في المنشأ أو الرائحة أو ما أشبه ـ كان جهلاً بالمقدار ولم يكن غرراً، وقد ذكرنا هناك: ان الأول(14) مبطل لا الثاني(15) إذ لا دليل عليه بدونه.

اشتراط وجود المبيع في بيع السلف

مسألة: جعل المشهور من الشرائط: امكان وجود الشيء وقت الحلول، ومرادهم بالإمكان: العرفي لا العقلي، وإن كان معدوماً حين العقد، وذلك لعدم التمكّن من التسليم أو التسلّم مع عدمه.

لكن لا يخفى: انه من الشروط العامة ولا خصوصية للمقام فيه، بل يمكن أن يقال: انّ هذا الشرط مستدرك، حيث يمكن عرفاً اسقاط المشتري حقه أو نحو ذلك.

ومنه يعرف: حال اشتراطهم امكان وجوده في البلد الذي شرط التسليم فيه إن شرط ذلك، وعلّلوه: بعدم التمكّن من التسليم بدون ذلك لو اشترط التسليم فيه.

ومرادهم بالبلد: المكان، إذ من الممكن أن يكون المقرّر في برية أو بحر أو نحوهما.

ويزيد هذا الشرط ضعفاً انه لو كان على نحو الشرط أمكن اسقاطه فلا شرطية، نعم لو ذكروا ذلك على نحو القيد حيث (المقيد عدم عند عدمه) كان أقرب. فتأمّل

وهذان الشرطان لا يزيدان على ما لو اشترط الكيل والوزن بمكيال وميزان مخصوص، وكون الوزّان فلان، إلى غير ذلك من الشرائط الممكنة.

بيع السلف وتعيين محل التسليم

وعلي أيّ حال: فإن كان محل التسليم في بيع السلف متعيّنا ولو بانصراف ونحوه فهو، وإلا وجب تعيين مكانه إذا اختلفت الأغراض التجارية بذلك، لأنه بدون التعيين غرر، أما الأغراض غير التجارية فهي من الدوعي التي لا أثر لها في المعاملات.

وبذلك ظهر: وجه الاستثناء، إذ لو كان انصراف ونحوه كان التعيين تأكيداً.

من صور الاختلاف

وإذا اختلفا في التعيين على نحو العموم المطلق أخذ بالأخص، أو العموم من وجه أخذ بالجامع، أو التباين فهل يجمع بينهما بالتقسيم إن أمكن كالحنطة، أو القرعة مطلقاً لأنها لكل أمر مشكل؟

احتمالان، وإن كان الأقرب الجمع بالأول إن أمكن للعدل، والثاني مع عدمه.

ثم إن كان السلف مقسّطاً إلى أشهر، أو إلى أماكن، فالشرطان كذلك، لأن الدليل ليس أزيد منه.

ولو قال أحدهما: كان متّحداً زماناً أو مكاناً، وقال الآخر: بل مقسّطا، فالنزاع في غير الجامع ومدعيه يحتاج إلى البيّنة.

ولو قال أحدهما: مقسّطا بين كربلاء المقدسة والنجف الأشرف، وقال الآخر: متّحداً في بغداد فقط، أو مقّسطاً بين بغداد والبصرة ـ وكذلك حال اختلافهما في الزمان ـ فهو من التحالف حيث لا جامع.

ثم هل يكون النزاع بين المقسّط والمتّحد في المقام من قبيل الأقل والأكثر، حتى يكون الأصل مع الأقل، أم لا، بل من قبيل ما لو نذر أن يصوم يوماً من أو ل رجب أو يومين من أو ل شعبان، حيث قال جمع: بعدم جريان الأصل بالنسبة إلى الزائد عن يوم؟ احتمالان، كما ان في المشبه به أيضاً قولين على ما ذكرناه في (الأصول).

وممّا تقدّم يعلم: حال ما إذا كان الاختلاف في البضاعة، فإن كان على نحو التباين فالعدل أو القرعة، أو العموم المطلق أخذ بالأخصّ، أو من وجه أخذ بالجامع، كما إذا قال أحدهما: كان السلف في الشاة، وقال الآخر: في بهيمة بيضاء.

الشهر وتحديد بيع السلف به

مسألة: إذا جعل الأجل شهراً أو شهرين أو شهوراً، فإن وقعت المعاملة في أو ل الشهر فالاعتبار بالهلالي عند أهله، تمّ أو نقص، كما ان الأمر كذلك بالنسبة إلى من يرون الأشهر الرومية أو الفارسية أو غير ذلك، لانصراف أشهرهم عندهم.

وإن كانا في بلد فيه شهران مشهوران ولم يكن انصراف، فهل يلزم الأخذ بالأقل لأنه من قبيل الربيع كما يأتي، أو الأكثر لاستصحاب عدم اللزوم ما لم يتحقّق؟ الظاهر: الثاني، إلا إذا كان هناك دليل حاكم.

ولو فرض إن كان لكل منهما شهر واختلفا في آخر الأجل؟ فالظاهر: الاستصحاب أيضاً، لأنه ليس من قبيل القيد الموجب لفوات العقد بفواته، فهو من قبيل إن اختلف المؤجر والمستأجر في انه استأجر من أوّل يوم الشهر أو من ثاني يومه؟ حيث الاستصحاب يقتضي الثاني، لا بطلان الإجارة، فتأمّل.

ثم انه حيث ذهبنا في (الفقه) إلى عدم توحيد الآفاق في الهلال ـ وإلا لزم تقدّم الشهر في غالب الأشهر يوماً، حيث يرى الهلال أوّل خروجه عن تحت الشعاع في مثل صحارى أفريقيا، وإن لم يرَ في أي من الأماكن الآهلة بالسكان.

مضافا إلى انه لو كان كذلك لزم التنبيه عليه في الروايات، لأنه مما يغفل، خصوصاً في الأزمنة السابقة، حيث لا وسائل حديثة، وأما قوله (عليه السلام): (وجعلتَ رؤيتها لجميع الناس مرأىً واحداً )(16) فإنه لا يراد به ان كلّهم يرونه زماناً واحداً، لوضوح عدمه، ولا ان كلــهم يرونه شكلاً واحداً، لتغيّر شكله بالسير، فما يراه الشرقي أكبر أو أصغر مما يراه الغربي، فلابد أن يحمل على ان كلهم يرونه في الجملة، فلا يكون فيه دلالة على ما ذكر، وأما وحدة ليلة القدر فمنقوض بأنها اثنتان في طرفي الكرة ـ فإذا اختلف أو ل الشهر وكانا مسافرين، فالمعيار بلادهما، إلا إذا قصدا في أيّ بلد كانا.

ولو كان أحدهما من بلد والآخر من بلد آخر، فاختلف الهلال فيهما، فإن لم يكن لهما قصد فالاستصحاب يقتضي التأخير ـ على ما عرفت ـ.

ومثله: حال ما إذا قال: إلى عاشر الشهر أو نصفه وما أشبه.

تحديد بيع السلف باليوم والسنة

ثم إن ما ذكرناه في الشهر، يأتي في (اليوم) طولاً وقصراً، أولا وسطاً وآخراً.

وهكذا يأتي في (السنة) القمرية أو الشمسية، أو سنة حدّدت بما عداهما.

وإن وقعت المعاملة أثناء الشهر ـ ونحوه ـ يحسب إلى مثل ذلك اليوم من الشهر الثاني، إذ هو المتبادر عرفا، أما الاحتمالات الأخر فلا تخرج عن كونها تلك.

فروع

ولو شك في ان مبدأه كان من يوم الخامس أو العاشر ـ مثلاً ـ فالاستصحاب يقتضي التأخير في وجوب الدفع، كما انه كذلك لو شك في ان أوله كان من أوّل محرم أو أوّل صفر، أو ان آخره كان آخر شهر رمضان أو شوال.

ولو كان أقساطاً في الدفع، فشك في ان الأول كان أو ل شهر الأول أو وسطه، والثاني كذلك، يأتي استصحاب التأخير أيضا.

ولو جعل الأجل إلى جمادى أو كانون أو ما أشبه ذلك، مما هو مشترك، حمل على أقربهما كما هو المشهور، لأنه المنصرف عرفاً، فما نسب إلى التذكرة من الخلاف، بدعوى: ان مثل الربيع يطلق عليهما، فالحمل على الأول ترجيح بلا مرجّح، كأنه لعرفه (قدّس سره) وإلا ففي عرفنا ما قد عرفت.

كما انه يحمل مثل رجب على السنة الأولى وإن كان مشتركاً بين هذه السنة وغيرها.

وهكذا ما لو قال: أوّل الشهر، أو الخميس، أو ما أشبه، وكذلك بالنسبة إلى مجيء القافلة إذا كانت رحلاتهم مترتّبة، إلى غير ذلك.

ولو اختلفا في انه هل قرّرا الأول أو الثاني؟ فالأصل مع الثاني.

ولو قصد أحدهما هذا والآخر ذاك، فكما تقدّم شبهه.

ولو قال: إلى هلال كذا، فالمعيار الليلة لا الرؤية عصراً، لأنه المنصرف، قال (ص): (صم للرؤية وافطر للرؤية)(17) نعم إذا نصّ على الرؤية أو كان انصراف عندهما كفى.

ولو قال: إلى يوم كذا، فالمنصرف أو ل النهار حسب مرتكزهم: من انه أوّل طلوع الفجر، أو الشمس، أو بعد نصف الليل كما هو المتعارف الآن في الإذاعات ونحوها.

ولو قال: إلى ساعة كذا، فالمراد الساعات المتعارفة، لا الساعات التي تقسّم اليوم اثنتي عشرة حصة، والليل كذلك كيفما اتّسعت أو تضّيقت، إلا إذا كان لهم عرف خاص كعرف المنجّمين، أما الساعات الصيفية والشتوية فالمعيار عرفهم، فإن لم يكن فالمحكم الاستصحاب.

كما انه لو قال: في بلد كذا، فالمعيار ما صدق عليه، تضيَّق أو توسَّع، وإن كان عند العقد على خلافه، فدار زيد داره تضيقت أو توسّعت، ولذا ذكرنا مثله في مكة المكرمة والمدينة المنوّرة زادهما الله شرفاً.

ولو قال: الفرسخ في محلّ التسليم، والرطل في وزن المبيع، وما أشبه ذلك، فالاعتبار بعرفهم في الفرسخ الطويل أو القصير، والرطل المدني أو العراقي، ومثله كثير جداً.

بيع المبيع سلفاً قبل حلول الأجل

مسألة: هل يجوز بيع المشتري البضاعة قبل حلول الأجل؟

مقتضى القاعدة: الجواز.

والمشهور، بل ادعى عليه الإجماع: المنع، واستدل لذلك: به، وبأنّ الملكية وإن حصلت بالعقد إلا ان العرف لا يقدم على المعاوضة على مثل هذا الملك.

وحيث أن الإجماع على فرض وجوده محتمل الاستناد، والدليل المذكور خلاف المشاهد عرفاً، فالمسألة أقرب إلى الاحتياط.

ويؤيّد الجواز: ما رواه عبد الرحمن بن الحجّاج عن الصادق (عليه السلام) ـ وفي آخره ـ قال (عليه السلام): (ان أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع كنت تجده في الوقت الذي بعته فيه)(18).

فيجوز من غير فرق بين ندرة وجوده وكثرته، وبين أن يعيّن الأول مكاناً عاماً، والثاني كذلك أو خاصاً، أما العكس فلا، وبين أن يبيعه على الأول أو على غيره أو بالاشتراك، وأن يبيع كلّه أو بعضه، وبين أن يبيعه بجنس الثمن أو غيره، بأكثر أو بأقل أو بمساوٍ وبين أن يحد د الزمان والمكان كما هما في الأول أو غيرهما، لكن لا يصح الزمان الأقرب وتسلمه أبعد، إلى غير ذلك من التشقيقات، كما يصح الصلح عليه وغيره.

بيع المبيع سلفا بعد حلول الأجل

نعم لا اشكال في بيعه بعد حلول الأجل، للإطلاقات، والعمومات، والفتوى، بل ادعي عليه الإجماع، ويدل عليه النصوص.

مثل خبر أبان: (عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسلم الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل الطعام فيقول لي: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه، فقال (عليه السلام): لا بأس بذلك)(19).

ومكاتبة ابن فضال: (كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم؟ قال (عليه السلام): نعم)(20) إلى غير ذلك.

والطعام، والدراهم، والبيع على من هو عليه، من باب المثال، لوضوح: عدم الخصوصية، بالإضافة إلى الإطلاقات، فقول ابن إدريس (قدس سره) بالاختصاص، غير ظاهر الوجه.

وفي قبال هذه الأخبار أخبار بالمنع، تحمل على الكراهة أو التقية أو نحوهما.

وربما حملت على ما استلزم الربا، مثل قوله (عليه السلام): في خبر ابن جعفر: (إذا قوّمه دراهم فسد، لأن الأصل الذي يشتريه به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم)(21).

ولذا اشترط الفقهاء ـ لمثل هذه الرواية وللإطلاقات ـ انه يصح البيع إذا لم يستلزم الربا.

أما إذا كان المسلّم فيه مما يكال أو يوزن، كره بيعه قبل القبض، لأنه من صغريات (بيع الشيء قبل قبضه) كما مرّ في موضعه، نعم إذا قبضه ثم باعه زالت الكراهة.

ثم إذا شرط محلاً خاصاً، أو زماناً خاصاً، أو نوعاً خاصاً، أو الدفع مرّة أو مرّات، أو شرائط أخر، صح لهما ـ مع رضاهما ـ رفع اليد عن ذلك بالتقديم والتأخير والإطلاق والتقييد، وإلى غير ذلك، لأنّ الأمر لا يعدوهما ولا دليل على الخصوصية.

إذا حل الأجل وتعذّر التسليم والتسلّم

ثم إذا حلّ الأجل ووقع محذور للبائع أو المشتري أو البضاعة، كسجن أحدهما، أو عدم سلامة تلك البضاعة في ذلك الوقت لآفة، أو ما أشبه ذلك، فإن تمكّن منه ولو بالتسبيب ولم يتنازل من له الحقّ لزم.

وإلا كان المشتري بالخيار: بين أن يفسخ المعاملة ويرجع برأس ماله، وبين أن يصبر إلى أن يتمكّن، وبين أن يأخذ ثمنه الحالي، وبين أن يوقع عليه معاملة: من صلح أو هبة معوّضة أو ما أشبه.

كل ذلك لإطلاق أدلتها، بالإضافة إلى بعض الروايات الخاصة في بعض الفروع مثل موثقة ابن بكير (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار، فذهب زمانها ولم يستوفِ سلفه؟ قال (عليه السلام): فليأخذ رأس ماله أو لينظره)(22).

ورواية زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اشترى طعام قرية بعينها؟ قال (عليه السلام): لا بأس، إن خرج فهو له، وإن لم يخرج كان ديناً عليه)(23).

فروع

ثم إنّ جماعة من الفقهاء قالوا: بأنه ليس للمشتري إلزام البائع بأداء قيمة وقت الأداء إن كانت أزيد من المسمّى، خلافاً لآخرين، منهم: ثاني الشهيدين (قدّس سرهما) حيث جعلوا هذا الحق مستنداً إلى القاعدة العامة.

أما من منع فقد استدلّ له: بأنه مخالف للأصل، ولم يعرف انه أيّ أصل في قبال قولهم: ان لصاحب الحق أن يأخذ قيمة حقّه ولإطلاق الموثقة.

وفيه: انه لم يعلم سوقه لهذه الجهة فلم تتم مقدمات الحكمة، وإلا فهل يقال: انه لا حق لهما في التراضي وفي الصلح وفي الهبة المعوضة وفي غيرها؟

 

1 ـ وسائل الشيعة: 13 / 57 ب 3 ح 1.

2 ـ التهذيب: 7 / 44 ب 22 ح 80

3 ـ وسائل الشيعة: 13 / 63 ب 7 ح 3.

4 ـ دعائم الإسلام: 2 / 21 ح 34.

5 ـ وسائل الشيعة: 13 / 54 ب 1 ح 1.

6 ـ وسائل الشيعة: 13 / 64 ب 8 ح 2.

7 ـ وسائل الشيعة: 13 / 64 ب 8 ح1.

8 ـ وسائل الشيعة: 13 / 64 ب 8 ح3.

9 ـ التهذيب: 7 / 48 ب 22 ح 7 وفيه: (نسياً).

10 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية.

11 ـ وسائل الشيعة: 13 / 58 ب 3 ح 15.

12 ـ وسائل الشيعة: 13 / 62 ب 6 ح 1.

13 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 282 ب 3 ح 15666.

14 ـ أي: الغرر.

15 ـ أي: الجهالة.

16 ـ بحار الأنوار: 87 / 95 ب 8 ح 12.

17 ـ وسائل الشيعة: 7 / 184 ب 3 ح 13.

18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 374 ب 7 ح 3.

19 ـ وسائل الشيعة: 13 / 69 ب 11 ح 5.

20 ـ وسائل الشيعة: 13 / 70 ب 11 ح 8.

21 ـ وسائل الشيعة: 13 / 71 ب 11 ح 12.

22 ـ وسائل الشيعة: 13 / 72 ب 11 ح 14.

23 وسائل الشيعة: 13 / 75 ب 13 ح 1.