الفهرس

فهرس الفصل الأول

المؤلفات

الاقتصاد

الصفحة الرئيسية

 

المساومة والمرابحة

بصوره الست:

من جمع الأولى مع ثلاث، والثانية مع اثنتين، والثالثة مع واحدة، هذا في الثنائي، كما انه يمكن الثلاثي بصورتيه والرباعي بصورته.

ثم انه إن أطلق الاشتراك، فإن كان قصدهما شيئاً خاصّاً وإن لم يف اللفظ صحّ، لأنّ (العقود تتبع القصود).

وإن لم يكن لهما أو لأحدهما قصد خاص، إلاّ ظاهر اللفظ، صحّ أيضاً، لأنّه من القصد بالواسطة، فيشمله الدليل السابق.

وإن لم يكن ظاهر ولا قصد خاص في قدر التشريك بطل، للغرر والجهالة.

واحتمال الصحّة ـ من جهة ان المعيار العلم بالجامع لا كل منهما، ولذا يصح بيع الدار والدكان بمائة وإن لم يعرف نسبة المال، أو عكسه في تعدّد الثمن ووحدة المثمن، وإن لم يصح بيع كل منفرداً مع الجهل بالثمن ـ غير ظاهر، لأنه مع وحدة المبيع ليس غرراً، بخلافه مع تعدّده كما هو مفروض المقام، ولذا أطلق الجواهر البطلان.

صور الاختلاف

ولو اختلفا في ظهور اللفظ بعد ان لم يكن قصد خاص ـ ممّا ذكرنا صحّته ـ فالمرجع: العرف، فإن قالوا بعدم الظهور بطل، إذ لا قصد أولاً ولا ثانياً.

ولو اختلفا في القصد فإن لم يكن جامع بطل، لأنّ العقد لا ينسب إليهما، وكذا إذا كان لأحدهما قصد خاصّ، ولم يكن للآخر.

وإن تعدّد القصد لكن كان بينهما من وجه أو مطلق، صحّ في الجامع لإطلاق الأدلّة بدون محذور، وبطل في غيره لعدم توارد القصدين.

وإن شكّا في القصد ـ بعد مدّة مثلاً ـ فالأصل الصحّة، ويُعمل في المشكوك حسب موازين الشك.

وممّا تقدّم ظهر ما في إطلاق الجواهر: ولو اختلفا في القصد فالظاهر البطلان.

ثمّ لو اختلفا في الإدّعاء، فمع عدم الجامع يكون من باب التحالف ويبطل العقد، كما هو شأن التحالف في كلّ مورد اختلاف، سواء كان أصليّاً كالباب، وكما إذا قال أحدهما: باع، والآخر: آجَرَ حيث لا جامع، أم فرعيّاً كما إذا اتّفق الزوجان على متعة بين أشهر ثلاثة، فقال أحدهما: شعبان وشهر رمضان، وقال الآخر: شهر رمضان وشوّال، حيث يبطل بالتحالف الطرفان فقط لا أصل العقد.

بخلاف ما إذا قال الزوج: زوّجتني الصغرى، وقال الأب: بل الكبرى، فتأمّل.

لماذا المرابحة من باب المفاعلة؟

ولعلّ الإتيان بباب (المفاعلة) الظاهرة في الطرفين من جهة انّ كلّ واحد يريد الربح أو الوضع، خلافاً للأصبهاني (قدّس سرّه) في حاشية (المكاسب) حيث أنكر ذلك، وقد أشرنا إلى موضع الإشكال فيه في (الأصول).

نعم، يمكن أن يكون (المرابحة) بالأصل و(المواضعة) بالمشابهة من قبيل: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك)(1).

أقسام البيع وكيفيّة اجتماعها

قال في محكّي (الدروس): قد يتّفق (المرابحة) وقسيماها في بيع واحد، كما لو اشترى ثلاثة ثياب بالسويّة، لكن ثمن أحدها عشرون، والآخر خمسة عشر، والآخر عشرة، ثمّ باعوه بعد الإخبار بخمسة وأربعين، فهو (مواضعة) بالنسبة إلى الأول، و(تولية) بالنسبة إلى الثاني، و(مرابحة) بالنسبة إلى الثالث، إلى آخر كلامه.

وحيث إنّ الأقسام المذكورة عقلائيّة ولم يردع عنها الشارع، بل قرّره بقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)(2)، وقوله سبحانه: (تجارة عن تراض)(3)، وما أشبه ذلك، فالظاهر مجيء الأقسام في سائر المعاملات، كالإجارة والرهن والمزارعة وغيرها، لكن مع شروط تلك المعاملات كما صرّح بذلك جمع.

رواية العلاء

ثم إن بعضهم جعل من الباب رواية العلاء: (قلت لأبي عبد الله (ع): الرجل يريد أن يبيع البيع فقال: أبيعك بده دوازده أو ده يازده، فقال: لا بأس إنما هي المراوضة، فإذا جمع البيع جعله جملة واحدة)(4).

لكنّ كون رواية العلاء من المقام مجمل، إذا من المحتمل ان: (ده دوازده) من باب الترديد، لا من باب الإسترباح.

من شروط هذه المعاملات

ثمّ إنّ هذه المعاملات كسائر المعاملات بالمعنى الأعمّ، بحاجة إلى القصد والإنشاء، كما هي بحاجة إلى المظهر وإن لم يكن لفظاً، إلا في النكاح والطلاق حيث الاحتياج إليه(5) بالدليل، كما تقدّم في المعاطاة.

والظاهر: انّه لا يلزم أن يكون فيها الانتقال إلى البائع بالبيع، بل تصحّ وإن كان الانتقال إليه بالهبة والصلح، بل تصحّ إن أراد ما كلّفه ولو بدون المعاملة حتّى في مثل المباحات التي يملكها بالحيازة والإرث، ونثر الأعراس.

كما لا يلزم في البيع كونه بيعاً بالمعنى المصطلح، بل يصحّ فيما لو تبادلا البضاعتين ممّا لا يكون أحدهما بائعاً والآخر مشترياً.

وما في رواية البزنطي من الفارق بين اللّفظين، يراد به الاصطلاح في ذلك الزمان، لبعد التعبّد جدّاً.

كما أن ما في خبري: (عبيد) و(ابن) مسلم يراد به الكراهة، من قبيل كراهة سائر المعاملات المكروهة، لما يدخل فيه الكذب كثيراً عند غير المتورّع جدّاً، ولذا قدّم الإمام (ع) بيع المساومة.

ما يشترط في المرابحة

ثمّ إنّ اللازم في المرابحة ونحوها: العلم برأس المال، وقدر الربح خصوصاً: كأن يعلم انّه دينار، أو عموماً: كأن يعلم انّه يعادل الدينار، وإلاّ كان من الغرر.

والإشارة بمنزلة العلم كما في سائر الموارد، مثل أن ينكحه صغرى بناته وإن لم يعلم حال العقد أنها زينب أو فاطمة.

وعليه: فإذا علما أنّ رأس المال عشرة وقالا بزيادة مضروب خمسة في ستّة ولم يعلما وقت العقد كم يكون الثمن يكون صحيحاً، ولذا قال العلاّمة (قدّس سره) في (المختلف): ولو أخبره برأس المال وزاد في كلّ عشرة درهماً ولم يعلما وقت العقد كمّية الثمن، احتمل البطلان للجهالة، والصحّة لإمكان العلم، فإنّه يستخرج بالحساب، ولذا جوّز (قدّس سره) في قواعده: بعتك هذه السلعة بأربعة إلا ما يخصّ واحداً، إذا علما بالجبر والمقابلة.

أقول: من غير فرق بين علمهما بعد ذلك بأنفسهما أو بسبب الخبراء.

وقال في الجواهر: بصحّة (بعتك هذه السلعة كلّ قفيز بدرهم) مع أنّها مجهولة الجملة.

ولذا لا نستبعد أن يصحّ ـ إضافة إلى القولين المذكورين ـ البيع ونحوه ممّا يضرّه الجهالة والغرر إذا كان الأمر معلوماً عند العرف الخاص في الخاص، والعام في العام، وإن لم يعرفا القدر، كما إذا دخلا البلد ولم يعرفا كمّ النقد الرائج، ولا كيف الكيل والوزن والوحدات المتداولة في ذلك البلد، على ما هو المتعارف في الغرباء، فهل يقال: انّه جهالة أو غرر؟

ومثله: تحديد وحدات المقياس في الغاز السائل وما أشبه.

ومنه يعلم وجه التأمّل في قول الجواهر: نعم قد يقوى البطلان لو فرض عدم علمه بمسمّى العشرة، ولعلّ منه الشراء بوزن بلد مخصوص لا يعلمه أو كيله.

بل بين كلامه هذا وكلامه السابق تدافع.

ولعلّ من الصحّة أيضاً ما إذا كان النقد مشتركاً، مثل: دينار بلد فلان وبلد فلان، ويتعامل بهما في بلد ثالث، وكانت القيم محدودة في ذلك البلد، فقال: بعتك هذا بدينار، ممّا إذا رجع إلى العرف رأوه دينار أي من البلدين وإن لم يقصدا إلاّ الواقع من القيم، لأنّ قصدهما يوجب الإشارة إلى الواقع الكافي في رفع الغرر ـ على ما عرفت ـ وإن كان كلّ ذلك خلاف الاحتياط.

المرابحة وصور النزاع فيها

ولو باعا مرابحة مثلاً، ثمّ ادّعى أحدهما عدم العلم ـ فيما يشترط فيه العلم ـ وقت البيع، لم يقبل، لأصالة الصحّة، أما إذا ادعياه كلاهما، قُبِل، لأنّ الحقّ لا يعدوهما، وإن كان ثمره يعدوهما بالإرث ونحوه، كما هو كذلك في أمثاله، مثل: ادّعائهما الزوجيّة، أو الزنا، أو بالتفريق، مع أنّ الحقّ يعدوهما بالإرث ومحرّمات النكاح وما أشبه ذلك.

وكذلك الحال في الأقارير، فإنّ كلّ إقرار عليه يكون في النتيجة له، وبالعكس، والمعيار في القبول وعدمه: المصب لا المآل، بينما في الشاهد يقبل مصباً ومآلاً، وكذلك في شبه الشاهد من الأمارات مثل (السوق) و(أرض) السلام و(اليد) و(الولي)، وصايةً أو ابوّةً أو ولايةً أو نحوها.

ومنه يُعلم: انّ المناط ليس أصالة الصحّة، بل يقبل حتّى في اعترافه بالزنا وإن لم يبلغ الاعتراف حدّ الحدّ، إذ لا تلازم بين قبول الاعتراف في سائر الآثار وإن لم يقبل في الحدّ.

تعيين الخصوصيّات في المرابحة

مسألة: يلزم تعيين أوراق النقد والقرضة والدوران والتأمين في المصرف، طويل المدّة أو قصيرها.

بل يلزم التعيين في النقد ونحوه، إذا كان يختلف باختلاف الفئات القليلة والكثيرة، قيمةً أو رغبةً، مثل فئة الدينار وفئة عشرة دنانير، وكذلك تعيين جديده أو قديمه إذا كانت مختلفة القيمة، كما أنّ في الذهب والفضّة أيضاً كذلك، كاختلاف الليرة الرشادية والحميدية.

نعم لا يلزم التعيين إذا تساوت القيمة والرغبة، كما انّه لا يلزم في الأوراق من بلدين إذا كان كلاهما متعارفاً في بلد المعاملة وكانا بقيمة واحدة.

ويأتي هذا الكلام أيضاً إذا كانت القيمة بغير النقد وذلك في مثل المقايضات، فإنّه يأتي كل ما ذكر في النقد فيها أيضاً.

فروع

إذا كانت القيمة واحدة عند التعامل ثم اختلفت زيادةً ونقيصةً، أو رغبةً وغيرها، فالذي يختار هو: المشتري، كما أنّه كذلك في كل كليّ تختلف أفراده، مثله مثل أمره بالإطعام أو الصيام أو العتق، فإنه يختار أيّ شيء في الأول والثالث، وأيّ يوم طويل أو قصير في الثاني.

نعم، إذا نزلت القيمة إلى حدّ لم يكن مصداقاً في الإرتكاز، انتقل إلى مثله أو قيمته، فالأول في البضاعة التي سقطت قيمتها، والثاني في النقد الذي سقط سعره.

كما انه إذا كان الشرط اختيار البائع، فارتفعت القيمة، فإنه كذلك ينتقل إليهما، أما إذا سقطت القيمة فالانتقال إليهما أوضح.

وفيما كان الثمن البضاعة، وكان لها دعم حكومي، فرُفع الدعم، أو لم يكن له ذلك، فجُعل الدعم، فالميزان: المرتكز عند المعاملة من المدعوم أو غيره.

نعم، في مثل الخبز ونحوه مما كان بقسميه: مدعوماً، وسوقاً حرةً، للمشتري الإعطاء من أيّهما أراد، كما هو كذلك لمن يريد إعطاء الفدية أو الفطرة أو الكفّارة أو الزكاة، في مثل الحنطة والشعير والتمر والزبيب.

وإذا أراد إعطاء القيمة كان له إعطاء أيّهما شاء، إلى غير ذلك من الفروع المشابهة المذكورة في باب النذر وغيره فيما لو نذر ـ مثلاً ـ كذا.

ولو شك في الخصوصيات، فإن كان بين الطرفين من وجه أو مطلق أخذ بالجامع والأخص، وإن كان بينهما تباين فالمرجع التحالف ونحوه كما في النزاع، وقاعدة (العدل)(6) فيما إذا لم تكن بيّنة ولا حلف، وكذا فيما إذا لم يتقاضيا وإنّما أرادا افراز الحاكم حقّهما، لأنها هي المرجع في الماليات كما ذكرناه مكرّراً.

المرابحة وصور تغيير البضاعة

مسألة: إذا اشتراه ـ مثلاً ـ بكذا ثم عمل فيه هو، أو إنسان آخر، أو حيوان، أو عوامل الطبيعة، باُجرة، أو غصب، أو تبرّع، بما يزيد، أو ينقص، أو كلاهما من ناحيتين، بأن زاد الجسم بالسمن ونقص العضو مثلاً، أو تغيّر بدون أحدهما، كالسوار صار قلادة بدون زيادة عينيّة أو قيميّة، أو نقصانهما، أو معهما، أو مع أحدهما.

فاللازم عليه بيان كل ذلك تفصيلاً، أو إجمالاً، ونسبة الربح أو الوضيعة إلى الحاصل في مورد الاختلاف عيناً أو قيمة أو رغبة.

ولو اشترى نصفه بدينار ونصفه بضعفه أو نصفه، صحّ أن يقوّم الجميع بما وقع عليه.

وإذا أراد بيع مصراع لا يصح أن يقول: تقوّم عليّ باثنين ونصف، فيما إذا اشتراهما بخمسة وهو يريد بيع مصراع واحد، لأنّ التقوّم كان مع الهيئة الاجتماعية، كما أنّ الهيئة الاجتماعية لو صارت سبب نقص القيمة كان كذلك.

ومنه يعرف: حال الصورتين الأخريين: من زيادة أو نقيصة هذا دون ذاك أو بالعكس، أو زيادة هذا ونقيصة ذاك، كما يتّفق في الوالدة والولد وما أشبه.

وممّا تقدّم ظهر: أنّه لو اشترى مصراعاً ثم مصراعاً كلاً بدينار، وهما الآن خمسة، لا يصح أن يقول: تقوّم عليّ خمسة وإن كانت القيمة الآن ذلك. ولو إحتال ببيعهما واشترائهما من آخر بخمسة، لأنّ المنصرف من: تقوّم عليه بخمسة، غير ذلك.

حكم المرابحة لو ظهر بطلان التقويم

ولو تقوّم عليه أصلاً وعملاً فيه بكذا، ولكن قال ما ظاهره: انّه قيمته الأولية لا كلتيهما، أو بالعكس، فحكمه كالتالي:

فإن كان على نحو التقييد بطل البيع.

أو على نحو الشرط كان له الخيار.

أو التسامح العرفي صحّ البيع.

هل تضاف المؤن إلى القيمة؟

ولا يخفى: أن جميع المؤن المصروفة في البضاعة من: الدلال والحمل والنقل ونحوها، والضرائب الحكومية الحقّة أو الباطلة وما أشبه ذلك، مما يدخل في مثل: (تقوّم عليّ)، والحقة إنما تكون إذا كان بشورى المرجعية وفي الإطار المقرّر الشرعي، كما بيّناه في فقه الدولة(7).

ومنه يعلم: دخول الضرائب الشرعية الأولية كالخمس والزكاة.

كما انه لا فرق بين ما أعطاه سابقاً أو يعطيه لاحقاً ممّا كتب عليه.

وكون الضريبة الباطلة ظلماً لا يضر، حيث انّ البضاعة معها قد تقوّمت عليه عرفاً.

ولو فرض ردّ الظالم ما أخذه كان للمشتري، لأنه خرج من كيسه، ولو ردّ أكثر كان له أيضاً لأنّه يعدّ من نماء ما أخذه، أما الردّ الأقل فأوضح.

ولو غبن فيه باختياره أو بغير اختياره ـ كما إذا كان جاهلاً ـ لم يجب الإخبار، لأصالة عدم الوجوب.

وممّا تقوّم عليه ما إذا تمرض الحيوان مثلاً وعالجه باُجرة ونحوها.

وحيث قد اخترنا في (الفقه)(8): انّ المغبون مخيّر بين الردّ والقبول والأرش، فإذا أخذ الإرش كان اللازم استثناؤه ممّا تقوّم عليه، كما هو كذلك في كلّ أرش.

مع كلام العلامة (قده)

وممّا تقدّم ظهر: وجه النظر في ما عن قواعد العلاّمة (قدّس سره): إنّ المؤن التي فيها بقاء الملك كعلف الدابّة، لا تدخل في المؤن، إلاّ أن يوجّه بما ذكره الجواهر: من انّ هذه الأمور من ضروريات بقائه وليست مقصودة لغرض الإسترباح، ولأنها في مقابلة ركوب الدابّة، قال: وقد يشكل بأنّ جميع ذلك قد لا يلتزم إلا لغرض الإسترباح.

أقول: مع أن الثاني يكون أخص من المدّعى في الحيوان الذي لا يركب، ولذا يحتمل أن يكون قول العلامة (قدّس سره) من باب اصطلاح زمانه.

فروع

ولو اشتراه مريضاً فعالجه، أو سالماً فأمرضه، أو كاملاً فنقّصه، أو ناقصاً فأكمله، أو بسيطاً فصنعه، أو مصنوعاً فبسطه، أو صحيحاً فكسّره كالفخار، أو مكسوراً فقَوْلَبه، مما زادت القيمة أو نقصت، فاللازم أن يقول اللفظ بحيث يدلّ على ذلك، وإلا كان من الكذب، والنتيجة ما ذكرناه: من التقييد والاشتراط والمسامحة، من غير فرق بين أن يعمله هو سواء باُجرة ونحوها أو بدونها أو غيره.

ولو أخذ الأرش فاللازم أن يقولـه، وكذلك إذا أعطاه، ولو كان له الارش فلم يأخذه لم يلزم قولـه، ولو لم يكن له الأرش فأخذه اعتداءً لم ينقص من القيمة.

وممّا تقدّم يعلم: حال ما إذا صالح عمّا استحقّه من الأرش بشيء، أو صالح عمّا استُحقّ عليه من الأرش كذلك، ولو صالح عن الدعوى عليه أو له بشيء، دخل في رأس المال.

والظاهر: انّ مثل: (ده يازده) و(ده دوازده)(9)، مكروه من باب التسامح أو لأن مطلق المرابحة كذلك، ولعلّ الكراهة من جهة الكذب غالباً في مثل ذلك، فالمساومة أفضل، وإن قال بعض المتقدّمين بعدم الصحّة أو بالحرمة.

ثم إن نسب وكان في الواقع خلاف الواقع، أتى فيه الكلام المتقدّم في التقييد والاشتراط والمسامحة.

ولو ورّى ـ بأن ارجع الضمير إلى البعض من قبيل: (وبعولتهنّ)(10) ـ كان من الثلاثة المتقدّمة أيضاً.

ثم إنّ حكم الإنتفاع به عيناً: كالثمرة، والمنفعة: كالدار، والاعتبار: ككونه لو ملك كذا أوجب الإقراض له مما ينتفع بذلك القرض، فتابع لرؤية العرف في انه هل ينقص من قيمة البضاعة أم لا؟

المرابحة لو اختلفا فيها

ولو قال: اشتريته بمائة وأربح عليه عشرة ـ مثلاً ـ ثم اختلفا في كذبه، فمدّعيه يحتاج إلى الدليل، حيث أصل: (ما لا يعرف إلاّ من قبله) حاكم على استصحاب الأقل.

ولو اختلفا في اللفظ: هل هو مرابحة ـ حتى يكون الكذب التقييدي مبطلاً له، والإشتراطي موجباً للخيار فيه ـ أو هو مساومة؟ فالأصل: الثاني، إذ المرابحة تقييد، فلا يقال: أنهما من الضدّين فلا أصل في البين.

اشتراء المبيع في المرابحة

مسألة: لو باع البضاعة التي يريد بيعها مرابحة لغيره، جاز أن يشتريها منه بزيادة أو نقيصة أو باختلاف، حالاً أو مؤجّلاً أو باختلاف، قبل القبض أو بعده أو باختلاف، كان مما يكال أو يوزن أو يذرع أو يحدّ بمقياس آخر، كل ذلك لإطلاق الأدلّة، من غير فرق بين أن يكون قصد أحدهما أو كليهما من الأول ذلك أم لا، أظهر القصد بلفظ، قيداً أو شرطاً، أو لم يظهر، بل إعتمد عليه ارتكازاً.

وفي كل ذلك إن كان يخبر بالثمن المشترى به ثانياً مع تصريحه بأنّه فعل كذلك، أو علم المشتري به، أو عدم إهتمام المشتري إن ظهر له ذلك، كما إذا كان التفاوت ممّا يتسامح به أو ما أشبه ذلك، فلا إشكال.

وإلاّ فقد قال في الشرائع: فلو باع غلامه سلعةً ثمّ اشتراها منه بزيادة، جاز أن يخبر بالثمن الثاني إذا لم يكن شرط إعادته، ولو شرط لم يجز، لأنه خيانة.

أقول: مقتضى القاعدة انّه إذا كان الشرط الضمني الإشتراء الأولي كان له خيار الشرط، وإن كان القيد الضمني ذلك بطل، وإلاّ صحّ ولا حرمة وإنّما هو خلاف الآداب، من غير فرق مع قصده الحيلة أم لا.

وعليه: فقول الجواهر: هذا مع قصد الحيلة بالشراء بالزيادة، فلو اشتراه منه من غير مواطات جاز، لم يظهر وجهه، لأنه إذا كان انصراف إلى القيمة الواقعية مع قيد أو شرط ارتكازي لم يكن لقصدها وعدم قصدها أثر فيما ذكرناه، وإن لم يكن انصراف كانا على السواء.

وممّا تقدّم يعلم: عدم الفرق بين بيعين أو بيوع أو تخلّل صلح أو نحوه في البين.

لو باع مرابحة فبان الخلاف بالقلّة

مسألة: ولو باع مرابحة فبان رأس ماله أقل، وتعبيرهم بلفظ (بان) من باب ما إذا كان في مقام الإثبات، وإلا فالحكم تابع لمقام الثبوت، فالأقوال فيه ثلاثة:

الأول: وهو المشهور ـ: صحّة البيع ووجود الخيار.

أما الصحّة: فلإطلاقات الأدلة من دون ما يوجب فساده.

وأمّا الخيار: فلدليل: (لا ضرر)(11) ونحوه.

ولم يعرف وجه قول الجواهر: أما خبر الضرار(12)، وقاعدة (رجوع المغرور على من غرّه) ونحوه فقد يمنع تناوله للمقام.

الثاني: عدم صحّة البيع، قولاً أو احتمالاً كما عن الأردبيلي (قدّس سره).

ولعلّه لأنّ (العقود تتبع القصود)، فالمقصود غير ما وقع عليه، وما وقع عليه غير المقصود.

لكن فيه: انّ الأمر ليس على التباين حتّى يصدق ذلك، وفي غيره لا وجه للبطلان، وإلاّ لكان الأمر كذلك في تخلّف الوصف والشرط ونحوه.

الثالث: صحّة البيع وعدم الخيار.

أما الصحّة: فلما تقدّم.

وأمّا عدم الخيار: فلأنّ الخيارات معدودة وليس هذا منها.

لكن فيه: أنه من الشرط الضمني ونحوه، بالإضافة إلى أن (لا ضرر)(13) لا يوجب البطلان حتّى يقال به، بل ذكرنا في بعض المباحث(14): إن مقتضى الأمر، الاختيار بين ثلاثة: الفسخ، وأخذ التفاوت، والبقاء بدونهما.

لكن مقتضى القاعدة التفصيل بين ما إذا كان الأمر على نحو القيد فالبطلان لما تقدّم في الاستدلال لكلام الأردبيلي (قدّس سره)، وبين ما إذا كان على نحو الشرط الضمني ونحوه فكما قاله المشهور.

من غير فرق في كل ذلك بين السهو والنسيان والخطأ والعمد، لوحدة الملاك في الجميع.

نعم في الأخير يكون إثماً أيضاً للكذب ونحوه.

أما قول الشيخ وأبي علي (قدّس سرّهما) على ما نُسب إليهما: من أخذ المبيع بإسقاط الزيادة من الثمن وربحها، فهو وإن تمّ تخييراً ـ كما تقدّم ـ لكنه لا يتمّ تعييناً، إذ لا وجه له.

ولا فرق في التخيير بين الثلاثة بين تلف المبيع أو الثمن أو الحيلولة في أيّ منهما بغرق أو نحوه، لما تقدّم في بعض كتبنا من عدم ضرر مثل ذلك في الخيار، ولذا كان المحكي عن ثاني المحقّقين والشهيدين (قدّس سرهم): عدم السقوط، لحصول المقتضي وانتفاء المانع.

لو بان الخلاف بالزيادة

ثم إنّ إثبات الزيادة يكون بالبيّنة والإقرار والقرائن المفيدة للإطمينان، أما إذا أقرّ أحد الوارثين دون الآخر كان للمشتري الخيار بقدر حصة المقرّ، كما أنّه إذا أقرّت الزوجة بالنسبة إلى الأرض، أو غير الولد الأكبر بالنسبة إلى الحبوة، لم يسمع، لعدم الحصّة لهما حتّى يكون من قاعدة: (إقرار العقلاء).

وكيف كان: فإذا قال للبائع بعد البيع: اشتريته بأكثر، وأن قولي الأول كان كذباً أو خطأً، وعلمنا صدقه، أو قامت البيّنة به، قُبل منه، لأنّ البيّنة أقوى من الإقرار سابقاً أو لاحقاً أو مقارناً، فقول الشرائع وآخرون بعدم القبول حتى معها غير ظاهر الوجه.

ولذا قال جمع قديماً وحديثاً: بالقبول، وحينئذ فإن قال: قلته عمداً لم يكن له شيء، لأنه أقدم على ضرر نفسه، والأصل اللزوم، وإن قال: قلته خطأً، حيث (لا يعرف إلاّ من قبله) وكان مغبوناً فله الخيار، وإلا فلا وجه له، وإن ذكره الجواهر، إلا إذا كان على نحو القيد فيبطل، أو الشرط ولو الضمني فله خيار الشرط، وإلا فلا شيء.

ولو كانا اثنين، فقال أحدهما ذلك أو انه تعمّد بخلاف الآخر، فلكلّ حكمه، فإذا فسخ من له الفسخ كان للمشتري خيار تبعّض الصفقة.

ومنه يعرف: حال ما إذا قال: قلت كذباً أو خطأً في بعضه دون بعض، حيث قد كان تبعّض في بيعه أو ما أشبه حين الانتقال إليه.

وممّا تقدّم يعرف: حال الأقسام الأربعة: من تعدّد المشتري، أو البائع، أو وحدتهما.

هل العبرة في المرابحة بكلام الوكيل والولي؟

ولو قال الوكيل، أو الولي العام، أو الخاص: اشتراه بأقل أو أكثر، وقال الموكّل، أو المولّى عليه، بعد أن صار مستقلاً: خلاف ذلك، فإن كان وكيلاً في مجرّد إجراء العقد لم يعتبر كلامه، لأنه لا شأن له في شؤون العقد، وليس من ذي اليد في شيء، وإن كان مُفوّضاً فالعبرة به لا الموكّل فيما إذا اشتراه الوكيل، إذ الوكيل هو كلّ شيء، ومجرّد مالكيّة الموكّل لا يكون له دخل في قبول كلامه.

نعم، لو كان الموكّل هو المشتري ثم فوّض إلى الوكيل، فالعبرة بالموكّل لا الوكيل، إذ التفويض إليه ليس معناه: حجّية إخباره أيضاً، فيبقى الأمر كما إذا لم يكن وكيل في البين.

أمّا الوليّ فالعبرة به، لأنه مفوّض من قبل الشارع، أو الجاعل كالموصي على أولاده.

نعم، إذا صار وليّاً متوسّطاً، كما إذا اشتراه زيد ثم جُنّ ممّا صار الحاكم وليّـاً له، ثمّ عقل حيث سقطت ولايته، فالعبرة به، لأنه (ذو اليد) والحاكم كان طارئاً.

لو حطّ البائع بعض الثمن

وإذا حطّ البائع بعض الثمن، فإن كان عن عيب أو غبن أو نحوهما، أخبر بالحاصل، لأنه هو الثمن الذي صار عليه، فإذا أبر بالكلّ كان كذباً كما تقدّم.

وإن كان تفضّلاً، أخبر بالأصل، لأنّ التفضّل ليدخل في الثمن، حاله حال عكسه: بأن أعطى المشتري للبائع زيادة تفضّلاً، حيث لا يخبر المشتري الأول المشتري الثاني بالثمن مزيداً عليه التفضّل.

هذا من غير فرق فيما ذكرناه بين كون الحطّ قبل لزوم العقد في زمن الخيار أو بعده، لعدم الفرق بين ذلك في إطلاق الأدلّة.

أمّا قول الشيخ (قدّس سره): بالفرق، وتبعه آخرون، فلعلّه مبني على مبناه: من أنّ البيع إنّما ينتقل بانقضاء مدّة الخيار.

وفيه: إشكال مبنىً وبناءً:

أما الأول: فقد ذكر في محلّه.

وأما الثاني: فلما ذكره الجواهر: من أنه (لا مدخلية لذلك، إذ الثمن ما وقع عليه العقد ولا أثر لوقت انتقال الملك.

وإذا أعطى غير المشتري بعض الثمن، لا يحتاج البائع إلى الحطّ، لأنّه تفضّل منه على المشتري، فلا ربط له برأس المال.

كما أنه إذا توسّط ثالث في إعطاء المشتري زائداً بعد تمام العقد، بأن لم يكن الزائد من رأس المال، لم يجب على البائع الإخبار بذلك، لأنه ليس منه.

فروع

وإذا اختلف البائع والمشتري الأوّلان في الثمن، فأعطى أقلّ حسب علمه، أو حسب حكم الحاكم، بدون أن يكون علم بكذب نفسه، لم يحق له أن يجعل الثمن عند المرابحة الأكثر الذي لم يعطه، لكن إذا علم كذب نفسه وانه أكل مال البائع ظلماً وإن صار الحكم له ظاهراً، حقّ له أن يجعل المرابحة الثمن الواقعي، فإنّ كونه مديوناً للبائع لا يجعل الثمن أقلّ.

وفي عكسه: بأن صار الحكم للبائع الأوّل، والمشتري الأوّل يعلم انّه أقلّ، صحّ له أن يجعل ثمن المرابحة هو الأكثر إذا قال ما يؤدّي أنه كلّفه ذلك، لا أنّ ثمنه ذلك.

ولو بدّل المشتري الأول الثمن مع شيء آخر أقلّ أو أكثر مصالحة أو نحوه مع نفس البائع لم يصح له أن يجعل المرابحة على الأكثر المبدّل إليه، لأنه ليس الثمن وإن تراضيا على التبديل.

وممّا تقدّم يظهر: حال ما إذا نقص بعض المبيع الموجب لنقص الثمن عيناً أو قيمة، حيث الإخبار لا يكون إلا بثمن القدر الباقي.

ومن نقص الوصف: ما إذا فقد إحدى المصراعين حيث كان فقدها سبباً لنقص الهيئة الاجتماعية التي لها مالية.

وكذلك حال ما إذا زاد ونقص عيناً أو قيمة فيهما، أو بالاختلاف، فإنّ اللازم الموازنة.

ولو زاد عيناً ونقص قيمة، كالأرض الخربة في الطرف الضيقة، حيث إنّ بناءها يستدعي المشقة والكلفة مما يوجب نقص قيمتها، وذلك لإحتياج تعميرها إلى هدم البناء المتهرّي فيها، ثم الإنقاض بحاجة إلى أجرة كبيرة لنقلها إلى الخارج، بينما الأرض المجرّدة لا تكون كذلك، فإنه يكون اللازم الإخبار، وإلاّ كان من الكذب المتقدّم حكمه.

المرابحة في بعض الصفقة

مسألة: لا اشكال في جواز البيع مرابحة وقسيميه بالنسبة إلى بعض المتاع المشترى صفقة مع الإخبار، من غير فرق بين التماثل أو الاختلاف، وبدون الإخبار إن كان انصراف.

ولعلّه على ذلك يحمل ما رواه أبو حمزة من لأنه سأل أبا جعفر (ع) عن الرجل يشتري المتاع جميعاً بالثمن ثم يتقوّم كلّ ثوب بما يسوى حتّى يقع على رأس المال جميعاً أيبيعه مرابحة؟ فقال (ع) له: لا حتّى يبيّن له أنه إنّما قوّمه)(15).

ونحوه صحيح ابن مسلم عن أحدهما(16).

أما العدم مطلقاً كما ذهب إليه المشهور، بل عن الخلاف: الإجماع عليه، وقال في الشرائع: (من اشترى أمتعة صفقة لم يجز بيع بعضها مرابحة، تماثلت أو اختلفت وسواء قومها أو بسط الثمن عليها بالسوية وباع خيارها إلاّ بعد أن يخبر بذلك، وكذا لو اشترى دابّة حاملاً فولدت وأراد بيعها منفردة عن الولد).

أقول: إذا بسط الثمن خلاف التقويم الواقعي لم يجز إلاّ بعد الإخبار، وكذلك في الدابّة إذا ولدت، وهكذا إذا جعل الأكثر من الثمن الأقل كمّاً أو كيفاً، وأمّا ماعدا ذلك، فلا دليل على العدم بل بناء العقلاء على ذلك، وقد عرفت محمل النص.

ولذا قال في الجواهر: لا إشكال في جواز البيع مرابحة مع التقويم والتقسيط.

البيع وتخلّف عنوان المرابحة

ولو فعل بيعاً بعنوان المرابحة وكان في الواقع غير ذلك، كما إذا ورث البائع المال، أو انتقل إليه هبةً أو حيازةً، فإن كان على نحو التقييد بطل، أو الشرط كان للمشتري خياره، بل وكذا حال البائع إذا اشتبه.

أما إذا لم يكن شيء من ذينك الوجهين بل كان من تخلّف الداعي، صحّ بلا خيار، كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق.

ومنه يظهر: وجه النظر في إطلاق الجواهر من ثبوت الخيار في كل ما فعل بعنوان المرابحة فبان عدم موضوعها، اللّهمّ إلا أن يقال بانصرافه إلى الأوّل.

وإذا كان المال لشريكين، أحدهما حصل بيعاً والآخر إرثاً ـ مثلاً ـ فباعا مرابحة، صحّ في حصة الأول، وبالنسبة إلى الثاني يجري أحد الأقسام الثلاثة المذكورة.

وإذا كانا لشريكين انتقل المال إليهما بيعاً بنسبة، وباعا مرابحة، كان لكل منهما حسب نسبته من المال: من ثلث أو نصف أو نحوهما، وحيث إن الشركة في مختلف الكيف يتحول إلى الكم فالمرابحة تكون تابعة لما تحول إليه لا لما تحوّل عنه.

فمثلاً: إذا كان لأحدهما منّ حنطة من الرديء، وللآخر منّ حنطة من الجيد، فمزجاهما كان لصاحب الجيد الثلثين، فيما إذا كان تفاوت القيمة بالتثليث.

من موارد الاختلاف

ولو علم بأصل الاختلاف الكيفي، لكن لم يعلم لأيهما الجيد حتى يكون له الثلثان ينصّف لقاعدة: (العدل)(17).

كما أن الحال كذلك فيما كان الاختلاف في الكم لكن لم يعلم لأيهما الكم الأكثر، وهكذا لو كان لأحدهما الكم الأكثر وللآخر الكيف الاجود، وبذلك ظهرت الأحوال الأربعة، سواء علماً أم جهلاً أم كان بالاختلاف.

ومنه يعلم: الحال فيما إذا كان لأحدهما هذه البضاعة وللآخر بضاعة أخرى وبيعا مرابحة جملة، ثم اختلفا، ولم يعلما ايتهما لأيهما.

المرابحة ومجرّد تقويم المتاع

مسألة: إذا قوّم إنسان على الدلاّل متاعاً وربح عليه أو لم يربح ولم يواجبه البيع، لم يجز للدلال بيعه مرابحة عن نفسه، لأنه ليس ملكه، وإنما يصح بيعه مرابحة عن المالك إذا عرف الثمن وكانت الوكالة مطلقة تشمل ذلك، ولو باعه مرابحة عن نفسه كان من قبيل بيع الغاصب لنفسه.

ويؤيد عدم صحة بيعه مرابحة لنفسه، ما رواه سماعة عن الصادق (ع) (في الرجل يحمل المتاع لأهل السوق وقد قوّموا عليه قيمة فيقولون: بع فما ازددت فلك؟ قال: لا بأس بذلك، ولكن لا يبعهم مرابحة)(18).

وزاد في الشرائع: لا يجب على التاجر الوفاء، أي: بالنسبة إلى الزائد.

وعلله الجواهر: بالأصل، لأنه ليس إلاّ وعداً وهو غير واجب الوفاء، فالربح جميعه للتاجر وإنما للدلال أجرة المثل.

أقول: مقتضى القاعدة: أن الزائد للدلال، لأنه ليس وعداً مجرداً، بل في قباله عمل وقد بنيا على ذلك.

وأما قول الجواهر: (ضرورة فساد كونه إجارة وجعالة، للجهالة) فانه يرد عليه:

أولاً: الضار هو الغرر وهذا ليس من الغرر في شيء عرفاً، وكون الشرعي منه أوسع من العرفي أول الكلام وان قال به الشيخ المرتضي (قدس سره)، إذ الموضوعات يُؤخذ منهم، إلا إذا تصرف الشارع زيادة أو نقيصة وليس منه المقام.

وثانياً: إنه نوع تعامل، منتهى الأمر انه عقد جديد، وقد بنينا في (الفقه) على صحته(19) تبعاً لغير واحد من الفقهاء كالشهيد الثاني (قدس سره) وغيره.

وثالثاً: انه أي فرق بين أجرة المثل المجهولة وبين ما نحن فيه؛ حيث يصححون الأولى؟

مؤيدات الصحة وكون الزيادة للدلال

ويؤيد ما ذكرنا:

فتوىً: إطلاق المقنعة: لأنه لو قال: القيمة لي وفوقها لك جاز، وتبعه غيره.

وروايةً: صحيح ابن مسلم، (عن الصادق (ع) أنه قال ـ في رجل قال لرجل: بع لي ثوباً بعشرة فما فضل فهو لك ـ: ليس به بأس)(20).

وفي صحيح زرارة: (لا بأس بذلك ولكن لا يبيعه مرابحة).

وفي موثقته عن الباقر (ع): (ما إزددت عليّ كذا وكذا فهو لك، قال: لا بأس)(21).

وفي خبر ابن راشد: لـ (فيمن اشترى جواري وجعل للبائع نصف ربحها بعد تقويمها ـ: أنه يجوز)(22).

ومن الواضح: أنه لو لم يصح لكان الإمام (ع) المع إلى ذلك.

هذا مضافاً إلى قولهم: بصحة أن يقول: ألقِ متاعك في البحـر وعليّ بدله.

ويؤيد الصحة فيما إذا لم يصل الغرر إلى التنازع: صحيح عبد الرحمن قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن السمسار يشتري بالأجر فندفع إليه الورق ونشتـري عليه إنـك إن تأتـي بما تشتـري فمـا شئت أخذتـه وما شئت تركته فيذهب ويشتري ويأتي بالمتاع فيقول: خذا ما رضيت ودع ما كرهت؟ قال: لا بأس)(23).

لوضوح: ان ماكره وما رضـي تابعان لإرادته، و ذلـك ممـا يوجــب الغــرر.

فروع

وممّا تقدم يعرف: صحة ان يقول: نصف الزائد، أو نسبة أخرى لك، أو لي، أو أنتما شريكان فيه فيما كان الدلال متعدداً، أو ما أشبه ذلك، لوحدة الملاك.

كما أنه يصح أن يقول: لك الزائد وعليك الناقص، لأنه شرط ليس مخالفاً للكتاب ولا لمقتضى العقد.

ويؤيده ـ بالإضافة إلى العمومات ـ: خصوص الصحيح: (عن الصادق (ع) في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه ربحاً، وكان من المال دين وعين، فقال أحدهما لصاحبه: إعطني رأس المال والربح لك وما التوى فعليك؟ فقال (ع): لا بأس به إذا إشترطا، فإذا كان شرطاً يخالف كتاب اللّه عزّ وجلّ فهو رد إلى كتاب اللّه عزّ وجل)(24).

ونحوه خبر آخر عنه (ع)، وثالث، ورابع، مع تفاوت بعض الألفاظ أو الخصوصيات(25).

والظاهر: أن المراد بالشرائط في قولـه (ع): (إذا اشترطا)(26) هو العقد، لا الاصطلاحي حتى يقال: أن الشركة عقد جائز فلا لزوم للشرط في ضمنها، أو يقال: أن الشرط حتى في العقد الجائز لازم كما اختاره الشهيد الثاني (قدس سره)، وتفصيل الكلام في ذلك في بابه.

ثم إنه قد تقدم: أن هذا ليس من المرابحة؛ ولكن، إذا ظهر أنه قد ورث المال قبل البيع كان من المرابحة، لأنه ماله وإن لم يعلم به، إذ لا يشترط العلم في الصحة.

نعم إذا كان بحيث لو عرف أنه ماله لم يبعه، فالظاهر انه من الفضولي الذي يحتاج إلى الإجازة، وله الفسخ، كما ألمعنا إلى مثل ذلك في بعض مباحث البيع.

وفي عكسه: بأن باعه مرابحة ولم يعلم بخروج المال عن ملكه ـ تقاصاً مثلاً ـ كان من مسألة بيع مال الناس مرابحة.

 

1 ـ المائدة: 16.

2 ـ المائدة: 1.

3 ـ النساء: 29.

4 ـ راجع وسائل الشيعة: ج 12 ص 386 ب 14 ح 5.

5 ـ أي إلى اللفظ.

6 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب القواعد الفقهية.

7 ـ راجع موسوعة الفقه: ج 101 ـ 102 كتاب الدولة الإسلامية.

8 ـ راجع موسوعة الفقه كتاب الخيارات ج 1 ص 225 ـ 226 فصل في خيار الغبن.

9 ـ وسائل الشيعة: 12 / 386 ب 1 ح 5.

10 ـ البقرة: 228.

11 ـ وسائل الشيعة: 17 / 376 ب 1 ح 10.

12 ـ مستدرك الوسائل: 13 / 307 ح 15443.

13 ـ التهذيب: 7 / 164 ب 22 ح 4.

14 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب الخيارات ج 1 ـ 2.

15 ـ وسائل الشيعة: 12 / 397 ب 21 ح 5.

16 ـ وسائل الشيعة: 12 / 396 ب 21 ح 1.

17 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب القواعد الفقهية.

18 ـ وسائل الشيعة: 12 / 381 ب 10 ح 3.

19 ـ راجع موسوعة الفقه، كتاب البيع.

20 ـ راجع الكافي: 5 / 115 ح 2.

21 ـ وسائل الشيعة: 12 / 382 ب 10 ح 4.

22 ـ وسائل الشيعة: 13 / 52 ب 24 ح 1.

23 ـ وسائل الشيعة: 12 / 394 ب 20 ح 2 [مع اختلاف يسير].

24 ـ التهذيب: 6 / 207 ب 22 ح 7.

25 ـ راجع الكافي: 5 / 285 ح 1.

26 ـ التهذيب: 6 / 207 ب 22 ح 7.