| المؤلفات |
|
الجار والصديق |
|
هما ـ بعد الأقرباء ـ أولى الناس بالبر والصلة، وكفّ الأذى.. وقد أفرد الله إياهما بالذكر في الكتاب الحكيم، قال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً)(1). والجار الجنب هو الجار الذي ليس بينك وبينه قرابة، والصاحب بالجنب: هو الصديق أو الصديق في السفر.. إنهم وصية الله، وفي عداد العبادة.. قال مروان الكلبي: أوصانا أبو عبد الله (عليه السلام)، فقال: (أوصيك بتقوى الله، وأداء الأمانة،وصدق الحديث، وحسن الصحابة لمن صحبت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)(2). إنه ليس ذلك فحسب، بل أكثر، ان من لا يصحب مصاحبه بالحسنى، ليس له رابطة بأهل بيت الوحي.. قال أبو الربيع الشامي: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ـ والبيت غاص بأهله ـ فقال: (ليس منا من لم يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقه، وممالحة من مالحه، ومخالقة من خالقه)(3) أي في الدين، اتباعاً لقوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله...)(4). إنه ليس الصديق المصادق المستمر فقط، بل أول مراتبه المجالسة، قال أبو جعفر (عليه السلام): (أخلص ودك للمؤمن، وإن جالسك يهودي، فاحسن مجالسته)(5). وقد ضرب لذلك الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مثالاً عملياً، كما هو شأن الهداة من آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، في إتيان كل فضيلة يأمرون بها، وترك كل رذيلة ينهون عنها. قال الباقر عليه السلام: (إن علياً صاحب رجلاً ذمياً، فقال له الذمي: أين تريد، يا عبد الله؟ قال: أريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي، عدل معه علي، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة؟ قال: بلى، فقال له الذمي: فقد تركت الطريق؟ فقال له: قد علمت، فقال له: فلِمَ عدلت معي، وقد علمت ذلك؟ فقال له علي: هذا من تمام حسن الصحبة، ان يشيع الرجل صاحبه هنيهة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا، فقال له: هكذا؟ قال: نعم، فقال له الذمي: لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أشهدك أني على دينك، فرجع الذمي مع علي (عليه السلام) فلما عرفه أسلم!)(6). والجار، أمر بصلته الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحد حدوده. روى عن الصادق (عليه السلام): (إن رسول الله أتاه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إني اشتريت داراً في بني فلان، وان أقرب جيراني مني جواراً، من لا أرجو خيره، ولا آمن شره، قال: فأمر رسول الله: علياً وسلمان وأبا ذر ـ قال الراوي: ونسيت واحداً، وأظنه المقداد ـ فأمرهم: ان ينادوا في المسجد ـ بأعلى أصواتهم ـ: (انه لا إيمان لمن لا يؤمن جاره بوائقه) فنادوا ثلاثاً. ثم أمر (صلى الله عليه وآله وسلم): فنودي: (إن كل أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، يكون ساكنها جاراً له)(7)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته عند وفاته ـ: (الله الله!! في جيرانكم، فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصي بهم، حتى ظننا انه سيورثهم)(8). وقال الصادق (عليه السلام): (ملعون ملعون من آذى جاره)(9) وقال: (حسن الجوار يزيد في الرزق)(10).
|
|
1 ـ سورة النساء: الآية 36. 2 ـ بحار الأنوار: ج67، ص160. 3 ـ الكافي: ج4، ص286. 4 ـ سورة المجادلة: الآية 22. 5 ـ مستدرك الوسائل: ج8، ص316. 6 ـ بحار الأنوار: ج37، ص53. 7 ـ بحار الأنوار: ج67، ص152. 8 ـ بحار الأنوار: ج67، ص153. 9 ـ بحار الأنوار: ج67، ص153. 10 ـ الكافي: ج2، ص666. |