| المؤلفات |
|
الأرحام |
|
(وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)(1). أولى بالإحسان، والمغفرة، والصلة، والإرث.. أولى بكل شيء. فقد جمعهم رحم واحد، ولهم حنين خاص نحو الآخر، لا يزول ـ وإن قامت العداوات، واستعرت الخصومات. من أقرب منهم، حتى يخص بالرحمة دونهم؟! جد وجدة، عم وعمة، خال وخالة، ومن انتسب إليهم بولادة أو قرابة.. إنهم أقرب الناس، والأقرب يمنع الأبعد. وهم في الدرجة الثالثة من التوقير والاحترام، والإكرام والإحسان في نظر الإسلام. يقول القرآن الكريم: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى...)(2). والأرحام هي القطعة الكبيرة من الأمة المشتملة على قطع صغيرة، فلو صلحت الأرحام استقام أمر الأمة، ودقت أغصانها، وأتت ثمرتها: وهو التماسك والاتحاد: فرداً، فعائلة، فأرحاماً، فأمة..! والإسلام كما هو شأنه ـ في كل شيء ـ يتدرج في إصلاح المجتمع، فيهذب الفرد، ثم يصرف النظر إلى العائلة، فيقوي عراها، ويشذب زوائدها، ثم يتوجه إلى الأرحام، فيحكم الصِلات بينهم، ويندب تماسكهم، ويندد بمن قطع الود منهم.. حتى يصل الدور إلى المجتمع، وقد تكاملت أعضاؤه، واستتبت أجزاؤه، وانتظمت أفراده وعوائله، فيقرب طريق صلاحه، ويسهل تقوية روابطه.. ويجعل الإسلام من الثواب لصلة الرحم، قدراً يظن الغر أنه محاباة ومبالغة، ولكنها الحقيقة، والحقيقة وحدها، ان ملك الله فسيح، وثوابه لا يعد، وخزائنه لا تنفد، فما ظنك بمن يخلق الأكوان الطويلة العريضة.. بكلمة واحدة: (كن) فـ(يكون)؟ والشخص في الآخرة محتاج إلى المزيد، ولو قيل: إن الرجل الواحد يحتاج في الآخرة إلى أمثال الأرض عشرات المرات، لم يستبعد! أليس ملوك الأرض، لا يزالون يطلبون المزيد، وإن طوى ملكهم القارات كلها.. حتى يطلبون أراضي القمر، والمريخ؟ وأليس الشخص يصبح في الآخرة ملكاً ـ كما في الحديث ـ؟ فلا استبعاد في ذلك؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (فيما روي عنه): (من رعى حق قرابات أبويه أعطى في الجنة ألف ألف درجة، بعد ما بين كل درجتين حضر الفرس الجواد المضمر، مائة سنة..)(3). وصلة الرحم لا يثاب عليها في الدار الآخرة فقط، بل في الدنيا ـ أيضاً ـ. روى الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إن المعروف يمنع مصارع السوء، وان الصدقة تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وتنفي الفقر..)(4). وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ لنوف البكالي ـ: (يا نوف: صل رحمك! يزيد الله في عمرك)(5). إن الرزق والعمر بيد الله يزيد لمن يشاء، وينقص عمن يشاء، وقد ضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لنقص العمر وزيادته مثالاً جلياً، حتى لا يحمل كلامه على تأويل أو مجاز! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ان المرء ليصل رحمه، وما بقي من عمره إلا ثلاث سنين، فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة، وان المرء ليقطع رحمه وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة، فيقصرها الله إلى ثلاث سنين...)(6). وصلة الرحم عطف من ناحيتين: ناحية إنسانية، وناحية رحمية، ففيها ملاك أجرين. ولذا ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: (الصدقة بعشرة، والقرض بثماني عشرة، وصلة الاخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربع وعشرين)(7). إنه تدرج جدير بالتأمل: إن الصدقة ترفع مستوى الفقير، لكن عدمها لا يورث ضغناً ولا احناً، فلها ثوابها المعتاد (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها...)(8) حسب ما يقرر القرآن الحكيم. والقرض لــما كان عن احتياج مقترن ـ بماء وجه المقترض ـ يكون فيه ثواب قضاء الحاجة، وثواب حفظ نضارة وجه المحتاج، فهو إذن أعظم من الصدقة أجراً. والإخوان المتحابون، قلما لا يقع بينهم هنات، وأفضل رافع لها الصلة، ففيها قطع جذور الضغائن والصغائر التي لو بقيت كبرت، وسبّبت الهجران. وأخيراً انهيار بعض المجتمع. فلا غرو أن يكون ثوابها أكثر حتى من القرض، فإنه مثار المحرم، بخلاف ترك القرض. أما قطع الرحم، فهو مما يحصد الشر ثم لا يزال حتى تقع الفتن الهائلة ـ كما هو المشاهد كثيراً ـ حتى قيل: (الأقارب كالعقارب) فالصلة بر وإبقاء لجمع الكلمة، وتشذيب لحشايش الشر من الطفيليات. ولذا يقنع الإسلام بأقل الصلة التي تبقي الود، وتستأصل الشر. يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (صلوا أرحامكم في الدنيا ولو بسلام)(9). إن السلام رسول الخير، وتباشير الود، وقالع جذور الحقد والحسد!! وقال أبو عبد الله (عليه السلام): (صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم: كف الأذى عنها، وصلة الرحم منسأة في الأجل، محببة في الأهل)(10). والإسلام لا يخص بالعطف والصلة الرحم الشفيق، بل أفضل منها صلة رحم عدو، كما هو شأن دساتير الإسلام الذي يرفع عن المجتمع كل حنق وحقد..! (عن سالمة مولاة أبي عبد الله (عليه السلام): قالت: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام حين حضرته الوفاة، وأغمي عليه، فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين (عليه السلام) ـ وهو الأفطس ـ سبعين ديناراً، وأعطوا فلاناً كذا، وفلاناً كذا، فقلت: أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟ قال: تريدين أن لا أكون من الذين قال الله عز وجل: (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب). نعم يا سالمة، ان الله خلق الجنة فطيبها، وطيب ريحها، وان ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام، فلا يجد ريحها عاق، ولا قاطع رحم)(11). ولا عجب فإن الإسلام يأمر بالعفو عن غير ذي الرحم: (خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين)(12) (وأن تعفوا أقرب للتقوى...)(13) فكيف بذي الرحم؟؟ إنها طبيعة الإسلام السمحة التي لا تريد إلا السلام، والوئام، والحب، والوداد.. والرحم في عرف نبي السماحة (صلى الله عليه وآله وسلم) غير الرحم في عرف سائر الناس. إنها رحم وان التقت في أربعين أباً.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لما أسري بي إلى السماء، رأيت رحماً متعلقة بالعرش تشكو رحماً إلى ربها، فقلت لها: كم بينك وبينها؟ فقال: نلتقي في أربعين أباً)(14). وقطع الرحم من الأعمال التي يعجل وبالهن، في الدنيا قبل الآخرة.. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ثلاث خصال لا يموت صاحبهن، حتى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وان أعجل الطاعة ثواباً لصلة الرحم..)(15).
|
|
1 ـ سورة الأنفال: الآية 75. 2 ـ سورة البقرة: الآية 83. 3 ـ بحار الأنوار: ج67، ص90. 4 ـ بحار الأنوار: ج67، ص88. 5 ـ بحار الأنوار: ج64، ص383. 6 ـ وسائل الشيعة: ج15، ص246. 7 ـ وسائل الشيعة: ج6، ص170. 8 ـ سورة الأنعام: الآية 160. 9 ـ مستدرك الوسائل: ج15، ص255، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لاحياء التراث ـ بيروت. 10 ـ الكافي: ج2، ص151. 11 ـ مستدرك الوسائل: ج14، ص138. 12 ـ سورة الأعراف: الآية 199. 13 ـ سورة البقرة: الآية 237. 14 ـ مستدرك الوسائل: ج15، ص205. 15 ـ بحار الأنوار: ج68، ص274. |