الفهرس

فهرس الفصل الثالث

المؤلفات

 الأخلاق والسلوك

الصفحة الرئيسية

 

الزوجان

تنتظم الأمة أول انتظامها من زوج وزوجة، كل واحد منهما شق، وكل واحد منهما مصراع، فإذا اجتمعا توافق الشقان، وكمل المصراعان!

وبالتفاف أحدهما بالآخر صد للنوازل، ودفع للفحات الحياة السامة..

وعجيب أمر الإسلام.. إنه حد لهذا الأمر حدوداً، وخط له خطوطاً في غاية الدقة، من البدء إلى الختم.. في كل خطوة، وكل حالة، ولم يغفل عن صغيرة أو كبيرة إلا أحصاها، وأرشد إلى الخير، وهدى إلى السعادة، ووجه نحو عيش أفضل، ومثل عليا، استتباباً لنظام العائلة، وتهذيباً لنفوس الأولاد، وترقية لمستقبل الأجيال..!

الإسلام يريد الهدوء، ودفء الحياة، وضياء الحب، ورفاهية العيش بالنسبة إلى الزوجين.

ويريد سلامة الأولاد عن الأمراض والعاهات، وطهارة أنفسهم، ورقة عواطفهم، وحسن أدبهم، ونشاط روحهم..

ويريد رقي المحيط، وسلامة المجتمع عن الفقر والمرض والجهل، وحفظه عن الفساد والالتواء والزيغ..

إن كل ذلك يتم بالزواج وبانتهاء كل من الزوجين عن المفاسد والالتواء الخلقي.. والعيش الرغيد والحب والدفء.. وسلامة الأولاد وطهارتهم.. تنشأ ـ في الحالات الكثيرة ـ من جراء الانتقاء الحسن والكفاءة في الزوجين..

بقي الجهل والفقر، حيث الزواج الحسن كفيل بدحضهما.

الزوجان يتعاونان في الحياة..

والتعاون أساس الغنى والعلم، ومن ذلك يعرف معنى قوله تعالى: (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله...)(1).

ومن الحق أن أقول: إني كلما أنظر إلى الآثار الواردة في النكاح، وأبوابه الكثيرة تملكني الدهشة كيف أرشد الإسلام إلى جميع ما فيه الصلاح في هذه الناحية المهمة من الحياة، وحذر عن مواضع العطب والهلاك، والفساد والخبال؟! ثم الإسلام بواد.. والمسلمون بواد..

ولسنا الآن بصدد هذا البحث، فله موضع خاص، وكتاب منفرد إنما المهم بيان نظر الإسلام إلى كيفية التعايش الهنيء بين الزوجين في جو من الأخلاق الفاضلة، والسماح الكريم...

فللمرأة احترامها البالغ، وللرجل احترامه المؤكد، وكل منهما لاصق بالآخر لصوق اللباس بالبدن (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن...)(2) كما يقول القرآن الحكيم.

فكل منهما بالنسبة إلى الآخر كاللباس بالنسبة إلى الجسد يقي الحر والبرد، ويحفظ السوءة، ويتمتع به، ويلتذ بملمسه، ويرى ـ استعادة ـ من البدن ما لا يراه غيره.. وكما يحفظ الإنسان باللباس، فيلزم عليه حفظ لباسه تحفظاً على نفسه، كذلك الزوج..

وقد استنكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قسوة الجاهلية، حيث كانوا يضربون المرأة!

قال الباقر (عليه السلام): (أيضرب أحدكم المرأة، ثم يظل معانقها)(3).

إن العناق آية الحب، والضرب دليل نضوب معينه، فكيف يجتمعان؟

إن اللازم على الرجل أن يجعل زوجه بمنزلة الحبيب، وأكثر.. بمنزلة اللعبة، حتى يستأنس بها وتستأنس به، فبالحشمة تسقط المودة، وينقلب الحب الطاهر شهوة حيوانية فحسب.

قال الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنما المرأة لعبة، من اتخذها فلا يضيعها)(4).

ما أرقها من عبارة، وأحسنه من تشبيه؟ يفيض منه الحنان والعطف..

والمرأة في نظر أمير المؤمنين (عليه السلام)، الإمام العملاق المجاهد الزاهد.. ريحانة للشم واللمس واللذة والحب، فلا تفرك، وإلا ذرّت، ولا تترك تصيبها لفحة، فتذبل.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (في رسالة أمير المؤمنين إلى الحسن (عليه السلام) ـ أو إلى ابنه محمد بن الحنفية، على الاختلاف ـ: لا تملك المرأة من الأمر ما يجاوز نفسها، فإن ذلك أنعم لحالها، وأرخى لبالها، وأدوم لجمالها، فإن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة... فدارها على كل حال، وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك)(5).

وقد استعطف الإسلام الرجال نحو النساء في قوالب عاطفية، وعبارات رقيقة استجلاباً للرحمة، واستمطاراً للود والألفة..

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)(6).

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (عيال الرجل أسراؤه، وأحب العباد إلى الله عز وجل أحسنهم صنعاً إلى أسرائه)(7).

وقال الصادق (عليه السلام): (اتقوا الله في الضعيفين! يعني بذلك اليتيم والنساء)(8).

وقال (عليه السلام): (أكثر أهل الجنة من المستضعفين النساء، علم الله عز وجل ضعفهن فرحمهن)(9).

إنه ليس هذا فحسب، بل حب الزوجة من علائم الإيمان، وأخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاصة، والأنبياء عامة، وشارة ولاء الأئمة الأطهار..

قــال الإمام الصـــادق (عليه السلام): (قال رســـول الله (صلى اللــــه عليه وآله وسلم): ما أحب من دنياكم إلا النساء والطيب)(10).

وقال (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل قرة عيني في الصلاة، ولذتي في النساء)(11).

وقال (عليه السلام): (من أخلاق الأنبياء حب النساء)(12).

وقال (عليه السلام): (كل من اشتد لنا حباً اشتد للنساء حباً)(13).

وقال (عليه السلام): (ما أظن رجلاً يزداد في هذا الأمر خيراً، إلا ازداد حباً للنساء)(14).

وقال (عليه السلام): (كلما العبد ازداد للنساء حباً، ازداد في الإيمان فضلاً)(15).

إنه الإسلام الذي يريد ديناً ودنيا، وروحاً وبدناً، وعلماً وعملاً، وآخرة وأولى.. إنه الإسلام الذي لا يغفل عن جانب ليزيد في جانب، ولا يترك مطالب الجسد، لمطالب الروح، أو بالعكس!!

إنه الإسلام الذي لا يرى للدنيا طريقاً وللدين طريقاً مضاداً، حب النساء دين ودنيا، وحسن العشرة دين ودنيا، والصلاة والزكاة والحج.. دين ودنيا. لا رهبانية، ولا مادية!!!

إنه الإسلام الذي يؤكد على حب النساء، كي لا تفتح المواخير، وتذهب الأعراض، وتسري الأمراض، وتذبل زهرة الفتيان والفتيات بالطرق الملتوية، ويسوء عيش العائلة، ويكدر صفائها شقاق..

فلا غرابة إذن من هذا التأكيد العجيب، لكنه عجيب في نظر الأحول ـ لا صحيح العين ـ.

إن غير هذا عجيب!!

وإنه ليس حب مجرد، بل حب يظهر أثره حتى ان المندوب التصريح بذلك للزوجة!

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فيما يرويه الإمام الصادق (عليه السلام): (قول الرجل للمرأة: إني أحبك، لا يذهب من قلبها أبداً)(16).

ومن طبيعة الإسلام: ان تتكافأ الحقوق، وتقسم الواجبات، فللرجل على المرأة ما للمرأة على الرجل، يقول الله تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن)(17).

قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): (جهاد المرأة حسن التبعل)(18).

وقال أبو جــعــفــر (عليه السلام): (قال رســول الله (صلى اللــــه عليه وآله وسلم) للنساء: لا تطولن صلوتكن لتمنعن أزواجكن)(19) وفي معناه ما عن الصادق (عليه السلام) (نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النساء ان يتبتلن ويعطلن أنفسهن من الأزواج)(20).

وقال (عليه السلام): (أيما امرأة باتت وزوجها عليها ساخط ـ في حق ـ لم تقبل منها صلاة، حتى يرضى عنها..)(21).

وقد حدد الإسلام موقف كل من الزوجين تجاه الآخر، وأن الأذية سواء صدرت من الزوج أو الزوجة كان لها من العقاب شدة وقسوة، تصفية للجو، وإخلاءً للبيت عن الأذى وتبعيداً للعائلة عن التبتر والانفصال..

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كان له امرأة تؤذيه، لم يقبل الله صلاتها، ولا حسنة من عملها، حتى تعينه وترضيه، وإن صامت الدهر وقامت، وأعتقت الرقاب، وأنفقت الأموال في سبيل الله، وكانت أول من ترد النار. ثم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى الرجل مثل ذلك الوزر والعذاب إذا كان لها مؤذياً..)(22).

إن الصلاة والصيام، والإعتاق والإنفاق، والحسنات.. لا تقبل، والعائلة متبترة، والجو كدر، والحب العائلي منهار. إن الصلاة المقبولة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، والعائلة المباركة هي التي تقيم الصلاة.. وكذا أحكام الإسلام، إنها وحدة متماسكة، يرتبط بعضها ببعض، كالجسد الواحد لا كمال للإسلام إلا بها أجمع، كما أن كل واحد منها لا يقوم مقام غيره، ولا يغني عن سواه.

(إنما يتقبل الله من المتقين)(23) وهذا حد القبول بنظر القرآن..!

 

1 ـ سورة النور: الآية 32.

2 ـ سورة البقرة: الآية 187.

3 ـ الكافي: ج5، ص509.

4 ـ الكافي: ج5، ص510.

5 ـ من لا يحضره الفقيه: ج4، ص392.

6 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص555.

7 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص555.

8 ـ الكافي: ج5، ص511.

9 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص468.

10 ـ الكافي: ج5، ص321.

11 ـ الكافي: ج5، ص321.

12 ـ الكافي: ج5، ص320.

13 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص11.

14 ـ الكافي: ج5، ص321.

15 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص11.

16 ـ الكافي: ج5، ص569.

17 ـ سورة البقرة: الآية 228.

18 ـ الكافي: ج5، ص9.

19 ـ الكافي: ج5، ص508.

20 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص117.

21 ـ من لا يحضره الفقيه: ج3، ص439.

22 ـ وسائل الشيعة: ج14، ص116.

23 ـ سورة المائدة: الآية 27.