| المؤلفات |
|
الوالد والولد |
|
يحتل الوالدان الصف الأول في القربى، كما يحتملان في الأغلب: النصيب الأوفر من التعب، وللأم نصيبها المفروض من الحمل والرضاع والمشقة والسهر.. كما أن للأب حصته المعينة من الكد والمكسب للرزق والترفيه.. فالولد موزع النصب بين أب رحيم، وأم حنون، وإن اختص كل بشطر يغاير شطر أليفه. والأبوان هما السبب الأول في وجود الأولاد ـ حسب ما جرت الحكمة العليا، في أن يجعل لكل شيء سبباً ـ. إذن: فلا غرابة في أن يختصا بعطف زائد، فإطاعة معروفة من الأولاد، إذا بلغوا أشدهم واستووا. فعلى الأولاد واجبات ولهم حقوق، كما أن للأبوين حقوق وعليهم واجبات تجاه أبنائهم.. فلا إفراط ولا تفريط من الجانبين: تعب، ونصب، ورزق، وكسوة.. تقابل: بطاعة، وإحسان، ولين، وعطف. وقد شاء الله تعالى ـ حسب عدله المنظم ـ أن تكون تربية الأولاد ورعايتهم اندفاعاً من الأبوين، ورغبة وإلحاحاً، فالمباشرة غريزة لا تزم، والحمل طبع لا يتخلف إلا بعوائق، والحب والعطف سجايا منطبعة... وذلك بخلاف توجه الأولاد نحو الأبوين، إنهم بعد ذلك يستغنون عنهما، ويرتؤون آراءً خاصة كثيراً ما تكون غريبة بالنسبة إلى آراء الأبوين.. لذا: كان تأكيد الإسلام في البر والصلة منصبّـاً على الأولاد، وعلى الأولاد فقط.. فإنهم هم ـ وحدهم ـ يتبرمون بالمنعم عليهم.. أما الآباء فتوصيتهم بالنسبة إلى الأولاد تقع عفواً، أو في هامش الشريعة. وغاية ما يراد منهم: تربية حسنة، وتسمية ـ قبل التربية ـ جيدة، وتزويج كريم.. فقط!! ومن الظريف أن كل هذا يرجع إلى منفعة الأولاد: اسم كريم، وأدب رفيع، وزوجة مباركة..! لمن هذه؟! للأولاد، وللأولاد فقط.. وقد جعل القرآن نصيب الوالدين من البر والإحسان، بعد تعظيم الله وطاعته، إشارة إلى عظم هذا التكليف.. (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً...)(1). ليس هذا لإسرائيل فحسب، بل هو لأمة عيسى (عليه السلام) أيضاً، محكى قوله (عليه السلام): (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً)(2). ولأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً...)(3). وللناس أجمعين: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً...)(4). (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير..). وهذه الآية جمعت بين جانبي الاستعطاف والتهديد، بأبلغ بيان ترقيقاً للمشاعر، وتخويفاً للمتكاسلين: أليست الأم هي الحاملة في وهن كثير، التاعبة لهذا الحمل الثقيل؟ وأليست هي ـ بعد الحمل ـ لا نجاة لها؟ إنه دور الرضاعة البالغ عامين! إنها مدة طويلة..! ثم أليس المصير إلى الله الذي يجازي المحسن بالإحسان، والمسيء ـ بالأخص إلى والديه ـ بالإساءة؟ إذن، فالشكر واجب، ولمن لم يفعله سوء المصير.. ثم تسير الآية شوطاً أبعد، وأبعد بكثير.. إن الإسلام لا يحترم المشرك، انه أعظم الناس جرماً، يشرك بمن خلق ورزق و... فلا يستحق تقديراً أبداً.. لكنه ـ كيف الصنيع؟ والمشرك والد..! إذن، يلزم الإحسان إليه، لأن الله مقدر الرحمة، وعَدَل أي عَدْل؟! لا يضيع عمل عامل حتى إذا كان مشركاً..! (... وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً)(5). والأم أولى بالبر والرحمة من الأب، إنها تحمل وتنجب وترضع وتسهر.. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك)(6)، فبر الأم ثلاث أضعاف بر الأب. والبار مورد تقدير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من غيره، وكلما ازداد الولد براً، كان تقدير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمه له أكثر. قال عماد بن حيان: خبّرت أبي عبد الله (عليه السلام) ببرّ إسماعيل ابني بي فقال: (لقد كنت أحبه، وقد ازددت له حباً، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتته أخت له من الرضاعة، فلما نظر إليها سر بها، وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها، ثم أقبل يحدثها، ويضحك في وجهها، ثم قامت وذهبت. وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع بها. فقيل له: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به ـ وهو رجل ـ؟ فقال: لأنها كانت أبر بوالديها منه!)(7). وإن من كبر حق الوالدين، في نظر الإسلام، ما يقدم البر على الجهاد، الجهاد الذي هو ركن من أركان الدين، ودعامة يبتنى عليها الإسلام!! قال الإمام الصادق (عليه السلام) (أتى رجل رسول الله، فقال: يا رسول الله، اني راغب في الجهاد نشيط. قال: فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجاهد في سبيل الله، فإنك ان تقتل تكن حياً عند الله ترزق! وإن تمت فقد وقع أجرك على الله، وإن رجعت، رجعت من الذنوب كما ولدت، قال: يا رسول الله، ان لي والدين كبيرين، يزعمان أنهما يأنسان بي، ويكرهان خروجي. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فقر مع والديك! فوالذي صنعني بيده لأنسهما بك يوماً وليلة خير من جهاد سنة!)(8). وليس البر مقصوراً على شيء خاص، بل يشمل حتى النظر والكلام.. وما إليهما، بل وأبعد من ذلك مما يثير الدهشة: قال الإمام الصادق (عليه السلام) ـ في تفسير قوله تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما): (إن أضجراك، فلا تقل لهما أف! ولا تنهرهما إن ضرباك! قال (وقل لهما: قولاً كريماً): إن ضرباك، فقل لهما: غفر الله لكما! فذلك منك قول كريم. قال (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة): لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة! ولا ترفع صوتك فوق أصواتهما! ولا يدك فوق أيديهما! ولا تقدم قدامهما..!)(9). إنه حقاً دين يأمر بالعدل والإحسان، إنه حقاً دين الإسلام والسلام. إنه عطف يشمل الجماد والنبات، أفلا يشمل الإنسان؟؟ خصوصاً الوالدان عرفا الحق أم لم يعرفا! ان عرفان الحق يفيد الإنسان في الآخرة. ويصلح شؤونه في الدنيا ـ بالنسبة إلى الشخص نفسه ـ أما الأولاد فيجب عليهم البر ـ إنهما أبوان، وكفى..! قال معمر بن خلاد: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أدعو لوالديَ إذا كانا لا يعرفان الحق؟ قال: (ادع لهما! وتصدق عنهما، وإن كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إن الله بعثني بالرحمة، لا بالعقوق!)(10). قال مصعب: قال أبو جعفر (عليه السلام): (ثلاث لم يجعل الله عز وجل لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، والوفاء بالعهد للبر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين)(11). إنه بعد ذلك ليس مبالغة أن يكون البر من الأسباب الظاهرة لدخول الجنة، والعقوق من العلل البارزة للاقتحام في النار. قال أبو الحسن (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كن باراً واقتصر على الجنة، وإن كنت عاقاً فاقتصر على النار!)(12). لا يدخل الجنة انه طبيعي، وأكثر.. إنه لا يجد ريح الجنة. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إذا كان القيامة، كشف غطاء من أغطية الجنة، فوجد ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلا صنفاً واحداً! قلت: من هم؟ قال: العاق لوالديه)(13). وللعقوق مراتب أكبرها القتل.. وأصغرها نظر المقت.. وقولة أف.. قال الإمام الصادق (عليه السلام): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فوق كل ذي بر بر، حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فليس فوقه بر، وإن فوق كل عقوق عقوقاً، حتى يقتل الرجل أحد والديه، فإذا فعل ذلك، فليس فوقه عقوق)(14). وقال (عليه السلام) ـ في حديث آخر ـ: (من نظر إلى أبويه نظر ماقت ـ وهما ظالمان له ـ لم يقبل الله له صلاة)(15). وقال (عليه السلام): (لو علم الله شيئاً أدنى من أف، لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق..)(16). وهذا الحديث يستحق تأملاً كبيراً، وبالأخص: (وهما ظالمان له)...! والبر لا يخص الحياة، بل هو كذلك بعد الموت تحفظاً على أواصر الصلة حتى بين الأحياء والأموات، فإن الروح باقية، ويتطلع الميت على أقربائه، وبالأخص الأولاد.. قال أبو جعفر (عليه السلام): (إن العبد ليكون باراً بوالديه في حياتهما، ثم يموتان فلا يقضي عنهما دينهما، ولا يستغفر لهما، فيكتبه الله عز وجل عاقاً، وإنه ليكون عاقاً لهما في حياتهما غير بار بهما، فإذا ماتا، قضى دينهما واستغفر لهما، فيكتبه الله عز وجل باراً)(17). والكتاب والسنة في صدد البر ومدحه، والعقوق وذمه، دائبان! إنه حجر الزاوية في المجتمع، فكان له من التأكيد والإصرار حد كبير!!
|
|
1 ـ سورة البقرة: الآية 83. 2 ـ سورة مريم: الآية 32. 3 ـ سورة الأنعام: الآية 151. 4 ـ سورة العنكبوت: الآية 8. 5 ـ سورة لقمان: الآية 15. 6 ـ الكافي: ج2، ص160. 7 ـ الكافي: ج2، ص161. 8 ـ الكافي: ج2، ص160. 9 ـ الكافي: ج2، ص158. 10 ـ الكافي: ج2، ص159. 11 ـ الكافي: ج2، ص162. 12 ـ الكافي: ج2، ص348. 13 ـ بحار الأنوار: ج67، ص60. 14 ـ بحار الأنوار: ج67، ص61. 15 ـ الكافي: ج2، ص349. 16 ـ الكافي: ج2، ص349. 17 ـ بحار الأنوار: ج67، ص59. |