الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

رضاية العامل ووفرة الإنتاج

(مسألة) من الأمور المهمة التي يجب على المدير أو الإدارة مراعاتها، رضا العمال عن العمل، سواء كانوا بمستوى موظفين كبار أو موظفين عاديين، فإن تحقيق رضا الأفراد عن أعمالهم تنبع من طبيعة البشر ومشاعره التي تتكون لأفراده من جهة رغبات وانفعالات خاصة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً، وعدم الرضا على الأكثر يظهر في قلة الإنتاج وقلة الخدمة والغياب وعدم الانتظام في العمل وما أشبه، وبالعكس من كل ذلك الرضا، وطبيعة الرضا عن العمل قد يعبر عنها بالروح المعنوية، أو بالاتجاه النفسي نحو العمل، أو بالاندفاع أو ما أشبه ذلك من سائر الاصطلاحات، وهي تعبر عن مدى الإشباع الذي يتصور الفرد أنه يحققه من عمله، فكلما كان تصور الفرد أن عمله يحقق له إشباعاً كبيراً لحاجاته الجسدية والروحية، كانت مشاعره نحو العمل إيجابية، وكلما كان تصور الفرد أن عمله لا يحقق له الإشباع المناسب لحاجاته أو تصور أنه يحرمه من إشباعاته النفسية أو الجسدية كانت مشاعره نحو عمله سلبية، ولذا فليس الرضا له درجة واحدة وإنما له درجات متفاوتة، وشعب مختلفة، وقوة هذه المشاعر ودرجة تراكمها تؤثران في درجة انعكاسها على سلوك الفرد الخارجي، فكلما كانت مشاعر الاستياء من العمل قوية، زاد احتمال ظهور هذا الاستياء على سلوك الفرد ببحثه عن عمل آخر وبانتقاله ـ في نفس العمل ـ إلى قسم آخر، أو بزيادة نسبة غيابه أو بزيادة معدل تأخيره أو ما أشبه ذلك، وأحياناً إذا لم يجد ملجأ إلتجأ إلى التخريب، إما تخريب سمعة المؤسسة تخريباً معنوياً أو مادياً، وكلما تراكمت مشاعر الاستياء لفترة طويلة، زاد احتمال قيامه بالسلوك المذكور.

وعوامل الرضا والاستياء حسب الاستقراء عشرة:

الأول: الرضا أو الاستياء عن الأجرة.

والثاني: عن محتوى عمله.

والثالث: عن فرصة الترقي.

والرابع: الرضا أو عدم الرضا عن رئيسه.

والخامس: الرضا أو عدم الرضا عن الجماعة التي يعمل معهم.

والسادس: الرضا أو عدم الرضا عن ساعات العمل.

والسابع: الرضا أو عدم الرضا عن ظروف العمل.

والثامن: الرضا أو عدمه عن سمعة المؤسسة.

والتاسع: الرضا أو عدم الرضا عن العطل.

والعاشر: الرضا أو عدم الرضا ـ بواسطة رضا أو عدم رضا أهله ومن يرتبط بهم ـ عن العمل.

ثم من الواضح أنه لا يرتبط الرضا عن جانب معين من العمل وعدم الرضا عن الجوانب الأخرى، إذ من الممكن أن يرضى الإنسان عن جانب دون جانب، فما ذكره بعضهم من أن درجة رضا الأفراد الذين يشغلون أعمالاً عن جانب معين من جوانب العمل تتوافق مع درجة رضاهم عن الجوانب الأخرى غير ظاهر الوجه، إذ الرضا ينحل إلى جزئيات وليس شيئاً بسيطاً يكون دائماً أو لا يكون دائماً، كما ذكره بعضهم من أن الرضا عبارة عن عدم الاستياء، فهما شيء واحد.

قال: فالرضا عبارة عن عدم الاستياء، والاستياء عبارة عن عدم الرضا.

إذ الرضا إيجابي وعدم الاستياء سلبي، والسلب والإيجاب لا يتحدان.

ومثل هذا المبحث ذكره بعضهم في اللذة تعيني والألم، وهو هل أن اللذة عدم الألم؟ فمن شبع لا يتألم بالجوع ومن نام لا يتألم بالسهر وهكذا، وأن اللذة شيء وجودي في قبال الألم الذي هو شيء وجودي أيضاً، لا أنه عدم الملكة كمن جاع يجد في داخله شيئا وجودياً يخزه يسمى بالألم، ومن امتلأت بطنه حتى ابتلى بوجع البطن يكون كذلك، وحيث إن الألمين من نوعين لا يقال: كيف أن العدم والوجود يؤثران تأثيراً واحداً حيث إن الجوع عدم ملء البطن والبطنة ملء البطن، فكيف يؤثران في شيء واحد؟ فإنه يوجب خرم قاعدة (الواحد لا يصدر من اثنين) بالإضافة إلى أن العدم لا يكون فاعلاً ولا منفعلاً ولا ملازماً، كما حقق في الأصول وغيره، لكن هذا المبحث فلسفي لا يرتبط بمبحثنا هذا، نتركه لمكانه.

وكيف كان، فرضاً أن العمال بأي مستوى كانوا يرجع إلى وفرة الإنتاج، وذلك مما ينبغي على المدير ملاحظته، فإن الأفراد الذين لديهم قدرة عالية على التكيف والذين لا يقتنعون بما يتاح لهم من إشباعات، يميلون إلى أن يقرروا رضا أعلى عن الجوانب المختلفة للعمل بخلاف الأفراد ذوي القدرة المحدودة على التكيف، كما أن اختلاف درجة التكيف والطموح بين الموظفين تساهم في تماثل درجة الرضا عن جوانب العمل المختلفة لدى الفرد الواحد، وتؤدي إلى تفاوت درجة الرضا بين الأفراد، فإذا رأينا فرداً راضٍ عن جانب من الجوانب، لا يدل ذلك على أنه راضٍ عن الجوانب الأخرى، لما عرفت من أن الرضا ليس أمراً بسيطاً يكون أو لا يكون، وإنما ينحل إلى جزئيات بعضها كائن وبعضها ليس بكائن.

نعم أحيانا يغلب بعض الجوانب على بعض من جهة الرضا او عدم الرضا، لأن هذا الجانب أهم في نظر الموظف فيقدمه على غيره.

الأجر

وعلى أي حال فأول الجوانب التي يتعلق بها الرضا أو اللارضا هو الأجر، فإن الأجر إذا كان بقدر الطموح وما يراه الفرد مناسبا لنفسه يسبب رضاه، وإذا لم يكن كذلك يسبب عدم رضاه، وليس المعيار هو الحاجة الأساسية، أو غير الحاجة الأساسية فكثيرا ما لا يقتنع الفرد بالحاجات الأساسية، وإنما يريد أجراً أكثر من ذلك، والأجر لا يقتصر على إشباع الحاجات الدنيا وإنما يمتد ليعطي الشعور بالأمن، وليرمز إلى المكانة الاجتماعية فللأجر جانب نفسي وجانب مادي، وفي بعض الأحيان يكون الأجر وسيلة لإشباع الحاجات الاجتماعية، من خلال ما يتيحه للفرد من تبادل المجاملات مع الآخرين، بالإضافة إلى أن جملة من الأفراد وخاصة من يشغلون الوظائف العليا يعتبرون الأجر كرمز للنجاح والتفوق، فالأجر له جوانب مادية وجوانب إجتماعية وجوانب نفسية، فإذا كان بقدر طموح الفرد رضي وإذا لم يكن بقدر طموحه لم يرض.

أما كيفية أداء الأجر فهو موضوع آخر، وقد يكون الأجر حسب الطموح إلاّ أن كيفية الأداء غير لائقة أو مهينة، فإن ذلك أيضا مبعث الإستياء، ولذا ورد في الحديث: (خير المعروف تعجيله وتيسيره وتصغيره).

وربما يكون شيء تافه يسبب الرضا أو الإستياء، كما إذا كان الأجر في الظرف أو لم يكن، أو كان اسم الموظف المكتوب على الظرف باحترامه الذي يراه لائقاً به أم لا، إلى غير ذلك مما لا يخفى على من زاول المجتمع، ولاحظ اختلاف الأفراد في امثال هذه الأمور.

محتوى العمل

الثاني: محتوى العمل، فإنه كلما كانت درجة تنوع مهام العمل عالية بأن قل تكرارها زاد الرضا عن العمل والعكس بالعكس، كما أن هناك بعض الأفراد الذين يرون تكرار العمل خيرا لهم من تنوعه، أما الغالبية فيرون التنوع هو الباعث للرضا، فإنه كلما تنوعت مهام العمل قل الملل النفسي الناشئ عن تكرار أداء كل مهمة من المهام مرات كثيرة، وفي هذا التنوع عنصر جديد يثير اهتمام الفرد بانتقاله من أداء مهمة إلى أداء مهمة أخرى، وتأثير درجة تنوع مهمات العمل على الرضا، يتوقف على درجة تكامل هذه المهمات ودرجة ذكاء الأفراد واستعداداتهم النفسية، فالرضا العالي عن العمل لا يحققه تنوع مهام العمل إذا كانت هذه المهام تفتقد التكامل والترابط بين بعضها البعض، كما أن تنوع مهمات العمل بالنسبة لأفراد من مستوى ذكاء منخفض، قد يكون مبعثا لإستيائهم على عكس ذوي الذكاء المرتفع الذين يصيبهم السأم سريعا من أداء المهمات الروتينية المتكررة، وإنما ذكرنا ذلك من باب الغالب، فإن في كل موضع يكون غالب ويكون استثناء، كما أن درجة السيطرة الذاتية المتاحة للفرد تبعث على الرضا أو الإستياء، فإنه تتفاوت الأعمال في درجة السيطرة الذاتية التي تتيحها للفرد في أدائه للعمل، فكلما زادت حرية الفرد في اختيار طرق أداء العمل وفي اختيار السرعة التي يؤدي بها العمل زاد رضاه عن العمل، فإن زيادة حرية الفرد في هذا المجال تتيح له تكييف الأداء بما يتناسب مع قدراته ونمطه الخاص في تأدية العمل.

أما فرض نمط موحد من الطرق والسرعة في أداء مهام العمل على جميع الأفراد، مما يأخذ في الاعتبار اختلاف هؤلاء الأفراد، فهو يخلق مشكلات تكيف لديهم ويزيد من احتمالات استيائهم، ولذا نجد أن بعض الدول الصناعية جعلت منهاج الثقافة على نوعين: النوع المنظم والنوع الحر، حتى يختار الطالب أي نوعية أراد بما يلائم نفسيته وذوقه وطموحه ونحو ذلك، كما أن في هذا السبيل أي سبيل محتوى العمل استخدام الفرد لقدراته، فإنه كلما تصور الفرد أن العمل الذي يقوم به يستخدم قدراته، زاد رضاه عن العمل والعكس بالعكس، واستخدام الفرد لقدراته يمثل إشباع حاجة تحقيق الذات والطموح الذي انطوى عليه الفرد، فإن تصور الفرد لدرجة تطبيقه لمهاراته وخبراته وقدراته في العمل، يرتبط إرتباطاً فردياً مع رضاه عن العمل وهكذا خبرات النجاح والفشل في العمل مرتبطة بالرضا والاستياء، فتحقيق الفرد لمستوى أداء يقل عن مستوى طموحه يثير لديه الإحساس بالفشل وبالتالي استيائه وتحقيقه لمستوى أداء يزيد عن مستوى طموحه أو يعادله، يثير لديه الإحساس بالنجاح ويحرك بالتالي مشاعر الغبطة لديه، خصوصا إذا كان المستوى أعلى مما يراه عادلاً وأثر خبرات النجاح والفشل عن بالرضا عن العمل يتوقف على درجة تقدير واعتناء الفرد بذاته، فكلما كان تقدير الفرد واعتزازه بذاته عاليا زاد أثر خبرات النجاح والفشل على الرضا، وكلما كان تصور الفرد أن العمل يتطلب القدرات التي يتمتع بها والتي يعطيها قيمة عالية، زاد اثر خبرات النجاح والفشل على مشاعر الرضا لديه.

الترقية

أما الأمر الثالث: وهي فرص الترقية، فلها علاقة مباشرة بالرضا عن العمل، فإن العامل المحدد لأثر فرص الترقية على الرضا عن العمل هو الطموح، أو توقعات الفرد عن فرص الترقية، فكلما كان طموح الفرد او توقعات الترقية لديه اكبر مما هو متاح فعلا قل رضاه عن العمل، وكلما كان طموح الترقية لديه أقل مما هو متاح فعلاً زاد رضاه عن العمل، فإن اثر الترقية الفعلية على رضا الفرد تتوقف على مدى توقعه لها، فكلما كان توقع الفرد بالترقية عاليا كان الرضا الناتج عن هذه الترقية أقل من رضا الفرد الذي كان توقعه للترقية منخفضاً، فحصول الفرد على ترقية لم يتوقعها تحقق له سعادة أكبر عن حالة كون هذه الترقية متوقعة، وعدم حصول الفرد كان توقعه للترقية كبيراً على الترقية المترقبة يحدث لديه استياءاً أكبر من حالة كون هذه الترقية غير متوقعة.

ولا يخفى إن جعل الدولة للنظم والدساتير والإمكانيات ليتمكن كل فرد من الترقي المطلوب من أصعب الأمور، فإن طبيعة الدنيا وأن كانت لا تعطي الحاجات النفسية لأي إنسان لأن الإنسان لم يخلق لهذه الحياة، بل لحياة أخرى التي تعطي كل الحاجات بما لا يتمكن ان نتصوره نحن في هذه الحياة، كما لا يتمكن ان يتصور الدنيا الحاضرة الجنين الذي في رحم الأم، ولذا ورد بالنسبة إلى الآخرة: (يرى الإنسان فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) إلاّ أنه فرق بين تهيئة الوسائل الممكنة للترقي وعدمها.

فلماذا لا يتمكن كل فرد من أن يدخل الإبتدائية؟

ولماذا لا يتمكن بعد ذلك من دخول الثانوية؟

ولماذا بعد ذلك لا يتمكن من دخول الجامعة؟

ثم لماذا البطالة وهو قادر على العمل ومنزعج من البطالة؟

ولماذا لا يحصل كل إنسان على زوج أو زوجة ومسكن ومركب ومأكل ومشرب مناسب له؟

وهكذا.

ثم بعد ذلك لماذا لا يتمكن كل إنسان أن يترقى ترقياً لائقاً به وهو مستعد له.

نمط الإشراف

الرابع: نمط الإشراف، فإن من نمط الإشراف الذي يتبعه الرئيس مع مرؤوسيه يحصل وجود علاقة بين نمط الإشراف ورضا المرؤوسين عن العمل، فإن المشرف الذي يجعل مرؤوسيه محورا لاهتمامه بتنميته لعلاقات المساندة الشخصية بينه وبينهم، واهتمامه الشخصي بهم وتفهمه لهم وتفهمهم له وسعة صدره في مختلف المواضيع لا في الأمور المالية فحسب، وخصوصا عند حدوث أخطاء من جانبهم يكسب ولاء مرؤوسيه ويحقق رضاً عالياً عن العمل بينهم، أما المشرف الذي يقصر اهتمامه على الإنتاج وأهدافه، ويعتبر مرؤوسيه مجرد أدوات لتحقيق أهداف العمل ويرى: أن الواجب عليه هو إعطاؤهم الرواتب فقط، لا يكسب ولاء مرؤوسيه ويجعل مشاعر الاستياء تنتشر بينهم، فالمشرف المتفهم لمشاعر مرؤوسيه الذي يقيم علاقاته معهم على أساس الصداقة والثقة والاحترام والمودة والأخوة والمشاركة الوجدانية، يحقق رضاً عالياً بين مرؤوسيه، بخلاف ذلك المشرف الذي يفتقد تلك الصفات في نمط سلوكه مع مرؤوسيه، ومن الواضح أن المشرف محتاج إلى مشاعر مرؤوسيه نحوه ونحو العمل، وكلاهما إنما يكون تابعاً لدرجة سلوكه معهم، فإنه يكسب ولاءهم له ورضاهم عن عمله، إذا كان إشرافه إشرافاً مرضياً والعكس بالعكس، فكلما كان نمط سلوك المشرف متوافقاً مع تفصيلات وخصائص ومزايا المرؤوسين، زاد رضاهم عن العمل، كما يزداد رضاهم عنه، فإن المشرف الذي يفوّض سلطات وحريات واسعة للمرؤوسين يفضلون الاستقلال في العمل، ويتمتعون بقدرات عالية، لا شك أنه يشبع إحتياجاتهم ويحقق رضاهم عن العمل.

أما المشرف الذي يفوّض تلك الحريات الواسعة، لأفراد يفضلون المسؤولية المحدودة ويتمتعون بقدرات منخفضة، فهو يخلق ارتباكاً وتوتراً لدى مرؤوسيه، ويثير بذلك استياءهم تجاه العمل، والحاصل يجب ملاحظة كل موظف، وقدر ما يمكن أن يفوّض إليه من العمل والحرية والاستقلال، فتفويض الصغير إلى الكبير يوجب استياءه، وتفويض الكبير إلى الصغير يوجب خبال العمل وفساد العامل، وفي التاريخ أنه قيل لبعض الحكماء: لماذا زال ملك بني أمية، وقد كانوا على تلك السيطرة الواسعة والقدرة الهائلة؟

فقال: لأنهم فوّضوا الأعمال الصغيرة إلى الأشخاص الكبار، فأبوا من القيام بها ترفعاً، وفوّضوا الأعمال الكبيرة إلى الأشخاص الصغار، فلم يكونوا كفؤاً لها، وبين هذين الأمرين ذهبت الدولة.

ثم إذا كان الصغير متوقعاً فوق مرتبته، فإذا لم يجد الرئيس بداً من إقناعه بعدم كفاءته، كان من الممكن إعطاءه الشيء الكبير مدة قليلة ليظهر له بنفسه عدم كفاءته، فلا يبقى على عدم رضاه بما يزاوله من العمل كماً وكيفاً.

الجو الاجتماعي للعمل

الخامس: جماعة العمل، وهم الذين يعملون مع الموظف، سواء كانوا بمنزلة المدير أو من تحت إشرافه أو زملائه، فإنهم يؤثرون على رضا الفرد، بالقدر الذي تمثل هذه الجماعة مصدر منفعة للفرد، أو مصدر توتر له، ولا يراد بالمنفعة المادية فقط، بل تشمل المنفعة الروحية أيضاً، فكلما كان تفاعل الفرد مع أفراد آخرين في العمل يحقق تبادلاً للمنافع بينه وبينهم كانت، جماعة العمل مصدراً لرضا الفرد عن عمله، وبالعكس كلما كان تفاعل الفرد مع أفراد آخرين يخلق توتراً لديه، أو يعوق إشباعه لحاجاته، أو وصوله لأهدافه كانت جماعة العمل مسبباً لإستياء الفرد من عمله، وذلك يؤثر في إنتاجه، فإن الفرد المتوتر الأعصاب لا يتمكن من الإنتاج مع هؤلاء الأفراد، وقد ذهب جماعة من علماء النفس والاجتماع والطب إلى أن توتر الإنسان يسبب له ضعفاً في بدنه، ومرضاً في مختلف أجهزته، وكثيراً ما يسبب له بياضاً في شعره، فإن مثل هذا الإنسان كيف يتمكن من أن يعمل وينتج ما هو مطلوب منه، وبالعكس إذا كان راضياً فإنه يؤثر في صحته وحتى في بقاء اسوداد، شعره ثم كلما زادت قوة هذه الحاجة إلى الانتماء من الفرد إلى الجماعة الذين يعمل معهم، كان أثر التفاعل مع جماعة العمل على درجة رضا الفرد كبيراً، فالمنافع الناتجة عن التفاعل مع جماعة العمل تكون كبيرة، أما عندما تكون هذه الحاجة ضعيفة، فإن أثر منافع أو مساوئ التعامل مع جماعة العمل على الفرد يكون الفكري ولا المادي بقدر الفرد غير المتوتر الأعصاب، فكيف بالفرد الذي يشعر بالرضا؟

ومن الطبيعي أن يتوقف أثر جماعة العمل، على الرضا على الفرص المتاحة للفرد، للتفاعل مع أفراد آخرين في العمل، فعندما تعوق طبيعة العمل امكانية تفاعل الفرد مع آخرين يمثلون مصدر إشباع له، فإن رضا الفرد عن عمله سيكون منخفضاً، وعندما تيسّر طبيعة العمل فرص الاتصال والتفاعل مع هؤلاء الآخرين الذين يمثلون مصدر منافع للفرد، فإن رضا الفرد عن عمله سيكون مرتفعاً، أما عندما تعوق طبيعة العمل إمكانية التفاعل والاتصال مع آخرين يعتبرون مصدر توتر للفرد، فإن هذا يقي الفرد من الاستياء الذي قد يصيبه، لو اضطر إلى التفاعل أو التعامل ضعيفاً.

ثم أنه ربما يكون أفراد جماعة العمل مختلفين، فبعضهم يكون منسجماً وبعضهم غير منسجم، ومن المعلوم أن غير المنسجم هو الذي يؤثر غالباً، فإن جرحاً بسيطاً في الجسم يتلفت الإنسان بما لا يتلفته بقية أجزاء الجسم السالمة.

ساعات العمل

السادس: ساعات العمل، فبالقدر الذي توفر ساعات العمل للفرد حرية استخدام وقت الراحة، وزيادة هذا الوقت، يزيد الرضا عن العمل، وبالقدر الذي تتعارض ساعات العمل مع وقت الراحة وحريات الفرد في استخدامه بالقدر الذي يريده، ينخفض به الرضا عن العمل ويزيد من استيائه، والعلاقة المذكورة بين ساعات العمل، وبين الفرد تتوقف على الأهمية التي يعطيها الفرد لوقت الراحة أو الفراغ، فكلما كانت منافع وقت الراحة لدى رضا الفرد عالية، كان أثر ساعات العمل على الرضا عن العمل بالزيادة أو النقصان كبيراً، وكلما كانت أهمية منافع وقت الراحة قليلة، كان أثر ساعات العمل على الرضا محدوداً، وكما تؤثر ساعات العمل على الرضا، كذلك تؤثر ساعات العمل على الإجهاد فكلما طال وقت العمل زاد الإجهاد، وبالتالي قل الرضا عن العمل، وكلما زادت كثافة الجهد في كل وحدة زمنية، كان أثر وقت العمل على الإجهاد وعلى درجة الاستياء أكبر، فساعات العمل تؤثر تأثيرين، تأثيراً مباشراً، وتأثيراً غير مباشر، بالنسبة إلى كل من الرضا والاستياء.

ظروف العمل

السابع: ظروف العمل المادية، فإنها تؤثر على قبول الفرد لبيئة العمل أو عدم قبوله لها، وهي بدورها تؤثر على رضاه عن العمل أو استياءه منه، فإن متغيرات ظروف العمل مثل الإضاءة والحرارة والتهوية والرطوبة والضوضاء والنظافة، ووضع الفرد أثناء تأديته للعمل وأمراض المهنة المتصلة بأدائه للعمل، وما أشبه ذلك تؤثر تأثيراً كبيراً على رضا الفرد وعدم رضاه، فإن درجة جودة ظروف العمل، أو سوءها تؤثر على قوة الجلب التي تربط الفرد بعمله، وبالنتيجة على رضاه وعدم رضاه، ومعدل دوران العمل بترك الخدمة، ومعدل الغياب يرتفعان في الأعمال التي تتصف بظروف عمل مادية سيئة، ويقلان في الأعمال التي تتصف بظروف عمل مادية جيدة.

سمعة المؤسسة

الثامن: سمعة المؤسسة، فإن الإنسان يريد سمعة طيبة إلى جانب سائر الآثار المادية والمعنوية التي يريدها في مقابل عمله، فإذا كان للمؤسسة سمعة طيبة، كان راضياً عن عمله وإلاّ نقص رضاه بقدر نقص ما كان يتوقعه من السمعة الطيبة.

ثم أن انعدم السمعة الطيبة، قد يكون لأجل العمل نفسه، كسمعة تنظيف الشوارع والآبار ونحوها، وقد يكون لأجل بعض الملابسات التي رافقت المؤسسة، بسبب احتيال الرئيس وسرقته وعدم نظافة أخلاق العاملين، وعدم جودة إنتاجهم أو ما أشبه ذلك، فإنه كلما كانت هناك أمور توجب حسن السمعة، زاد الرضا والعكس بالعكس.

العطل المقررة

التاسع: العطل المقررة للمؤسسة أو للدولة، فإنها تؤثر في رضا العاملين واستياءهم، فإن العطل قد لا تكون مرضية للعاملين من جهة الكم أو الكيف، مثلاً في البلاد الإسلامية يريد العاملون العطل الإسلامية، فإذا فرضت الدولة أو المؤسسة على العمال عطلاً غير إسلامية، كما هو مشاهد في جملة من البلاد كانوا غير راضين، كما أن فرض الدولة أو المؤسسة العمل في أيام العطل الإسلامية، أيضاً يثير نفس مشاعر عدم الارتياح والاستياء عند العاملين.

موافقة الجو العائلي مع العمل

العاشر: رضا الملابسين للعامل، فإنه إذا كان أهل الشخص كأبويه وعائلته ومن أشبه، راضين عن عمله ويمدحونه في عمله، شعر هو بالرضا، وإذا لم يكونوا راضين ضغطوا بدورهم عليه، مما يوجب عدم الرضا أيضاً، وإن كان لو خلي وطبعه كان راضياً، لتوفر الشرائط السابقة.

وكذلك حال العكس، بأن لو كانت الشرائط السابقة غير موفرة، لكن الأهل يصرون عليه بذلك مما يوجب رضاهم عن عمله، رضاه به أيضاً، ولذا يشاهد في بعض الأحزاب السرية كما في الأحزاب العلنية أيضاً، أن الشرائط السابقة غير موفرة ومع ذلك يشعر الفرد بالرضا، مما يزيد في انتاجه، وذلك برضا العرف الخاص الذي هو الحزب ـ عن الفرد المنظم الشاق عمله، مما يؤثر رضاهم في رضاه عن عمله، مهما كان صعباً.

وسائل العمل

الحادي عشر: وسائل العمل، من البناية والموقع والآلات وما أشبه ذلك، فإنها إذا كانت على ما يرام، كان الموظف راضياً، وإلاّ لم يكن راضياً، كما إذا كانت البناية بعيدة أو الآلات قديمة أو المكان غير مناسب أو نحو ذلك.

رضا الناس عن نتائج العمل

الثاني عشر: إقبال الناس على النتائج، فقد يقبل الناس على شيء، مما يوجب تشوق الموظفين ورضاهم عن ذلك العمل، وقد لا يقبلون عليه، مما يسبب عدم رضا الموظف عن عمله مهما كانت الشرائط السابقة موفرة، وعدم إقبال الناس بأي سبب كان، يوجب عدم الرضا.