| الفهرس | المؤلفات |
|
تأثير الثروة على امكانية الإدارة |
|
أما بالنسبة إلى مستوى الثروة، فإنه يؤثر على إمكانية الإدارة في استخدام التسهيلات وعدمها، مثل المباني والطرق والسدود والموانئ والمزارع والموارد الاقتصادية، كالنفط والحديد والخشب، وما أشبه ذلك، كما أن مستوى الثروة العقلي، وهو عبارة عن رأس المال الإنساني، له تأثير في القدرة على الابتكار والانطلاق، وتؤثر الندرة أو الوفرة أيضاً تأثيراً خطيراً على الإدارة، في التصرف، وعدم التصرف، ففي المجتمعات الغنية يستطيع الإداري استخدام التلفون، وعمل مكالمة تلفونية للمستوردين، للحصول على المواد الخام وللمستهلكين، كما يمكن للإداري الالتجاء إلى سوق العمل، والمكاتب المتخصصة، للحصول على عمال أخصائيين في كل صناعة، أما في البلاد المتخلفة، فقد لا يكون هناك مستوردين متخصصين، كما أنه قد لا يجد الإداري المستهلكين بقدر الكفاية، وإذا كان هناك مستوردين ومستهلكين، فقد لا يكون عندهم تلفونات، يمكن الاتصال بهم في وقت قصير، أو أن لديهم هواتف، لكنها عاطلة بسبب عدم الصيانة، وإذا كان لديهم هواتف غير عاطلة، فقد لا توجد وسائل المواصلات السريعة، لنقل البضائع إلى المستهلكين، أو نقل المواد الخام إلى المعمل، كما قد لا يكون هناك عمالاً مختصين، وقد يكون من الصعب الحصول حتى على إنسان جامعي، يقوم بأعمال المدير، لكن لا يخفى أن الندرة كما تأتي بمشاكل، كذلك الوفرة تأتي بمشاكل (وذلك كما يقولون بالنسبة إلى الصحة، أن الفقر له أمراض، والغنى له أمراض) فإن وفرة الموارد أحياناً تؤدي إلى حرية كبيرة، والإنتاج الزائد عن الحد، قد يؤدي إلى إفلاس كثير من المؤسسات، مما يكون التأثير عليها، تأثيراً عميقاً. أما الأمر الثاني: هو الترتيب الاجتماعي، فمن الواضح أن للعائلة الأثر الكبير في تطبيق أصول الإدارة، لأن العائلة هي اللبنة الأولى، التي يوضع الفرد فيها، فتحدد اتجاهات وعادات وتقاليد وسلوك الفرد، سواء نحو المسؤولية أو اللامسؤولية، أو المبالاة أو اللامبالاة، كما أن الصراع بين الطبقات، يؤثر كثيراً في سهولة عملية الإدارة، مثلاً النظام الطبقي في البلد، يقفل باب الصعود لبعض الطبقات، فلا يتمكنون من الالتحاق بوظائف معينة، حيث يخصص القانون تلك الوظائف بفئة خاصة، كما نشاهد في لبنان، بالنسبة إلى المسيحيين، والمسلمين السنة والشيعة، وكما نجد في النظام الطبقي في الهند مثلاً، إلى غير ذلك، فالترتيب الاجتماعي أحياناً، يكون حجر عثرة أمام التقدم، وإذا لم يمكن التقدم، كان معنى ذلك، شلل الإدارة الصحيحة. أما بالنسبة إلى الأمر الثالث، هي الظروف السياسية، فمن الواضح أن الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات، ومن إليهم، قد تكون في طريق صحيح، وقد تكون في طريق غير صحيح، وإنما كل اهتمامها، ملء الوظائف الرئيسية بالمحاسيب والأصدقاء، بصرف النظر عن الكفاءات والقدرات الإدارية، وبذلك تسري عدوى الجهل واللاخبروية، واللامبالاة إلى أسفل المستويات الإدارية، حتى مستوى التنفيذ، والحاصل أن المهم هو أن تكون المحسوبية والمنسوبية والروابط هي سيدة الموقف، أو الكفاءة والمهارة والخبروية. وأما الأمر الرابع، وهي القيم الأخلاقية والدينية، فمن الواضح أنه لا يمكن لأية مؤسسة أو لأية أمة مثقفة، أن تتجاهل القيم الأخلاقية والدينية السائدة في المجتمع، فهذه القيم ما هي إلاّ تيارات للاتجاهات العامة، فيما يتعلق بما هو صحيح أو خطأ، إذ القيم التي تسود المجتمع، ليست مجرد شيء في الخارج غير مرتبط بالمنظمة والمنشأة، وإنما تدخل في المنظمة وتعيش فيها، عن طريق موظفيها، وعن طريق الموردين والعملاء والمستهلكين، فإن المجتمع قد يركز على المعنويات، وقد يركز على الماديات، المجتمعات التي يغلب عليها القيم المادية، فالأفراد يركزون على الراحة المادية، من غير نظر إلى القيم الروحية، سواء كانت تلك الماديات أبسط الضروريات، أو أكبر الكماليات، ومثل هذا المجتمع، وإن كان يملأ الجهة المادية، لكنه فاقد للجهات الروحية، وذلك يكثر فيه الانحراف، من الطبقية الحادة وسحق حقوق الناس، وما إلى ذلك، والمادة والروح جناحا الإنسان إلى التقدم، فإذا فقد أحد الجناحين، كان كالطائرة، أو الطائر لا يتمكن من الطيران، ولذا نرى أن الإسلام جعل لكل مورده، فقال سبحانه: (مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ*وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ*أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا). وفي الحديث الشريف: (ليس منا من ترك آخرته لدنياه أو ترك دنياه لآخرته). |