| الفهرس | المؤلفات |
|
الحاجة إلى الخبرة العملية |
|
(مسألة) لا شك أن الأمة بحاجة إلى عمّال ماهرين، يقومون بمختلف الأنشطة التي تحتاج الأمة إليها في العصر الحاضر، للسير إلى الأمام، والمستعمرون يوحون إلى عملائهم من الحكام وغيرهم في الوقوف سداً دون هذا التقدم. ثم إن البلاد حيث كانت متخلفة، فالذي يدرس ويترقى لا يتمكن أن يبقى فيها، لا من جهة تدني مستوى الأجور بالنسبة إلى البلاد الصناعية فحسب، بل من جهة عدم تلقي المثقف الاحترام اللائق به، وعدم توفر أجواء الحرية الصحيحة له، وعدم تمكنه من التقدم المنشود في مثل هذه البلاد، مما يوجب هجرة المثقفين الأكفاء إلى البلاد الديمقراطية، وهذه المشكلة ملموسة لكل إنسان يعي جوهر هذه البلاد في كافة المستويات، وقد انتشرت وانعكست آثارها على مستوى أجهزة الدولة والشركات والمعامل، بل والفرد أيضاً، فالجميع يشعرون بمشكلة عدم توفر الأيادي العاملة الرفيعة بصفة عامة، والفنية منها بصفة خاصة، بالنسبة إلى المؤسسات التي تحتاج البلاد إليها، وذلك بالنسبة إلى كل المهن تقريباً، خصوصاً في مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وما أشبه، الأمر الذي ترتب عليه أن أصبحت هذه العمالة نادرة، يصعب الحصول عليها، بالإضافة إلى ارتفاع أجورها بصورة كبيرة، خصوصاً مع ملاحظة التضخم الهائل الذي اجتاح البلاد، مما لم تعد الأجور تتناسب إطلاقاً مع احتياجات الفرد، هذا بالإضافة إلى الطبقية الحادة التي حدثت في البلاد، حيث إن بعض الفئات تزايدت دخولها بمعدلات كبيرة ومطردة، بسبب دكتاتورية الحكام الذين يقربون جماعة ويبعدون جماعة، ولا يهمهم المثقفين، وإنما يهمهم من يصفق لهم، فقد زادت دخول هذه الفئة بهذه المعدلات المطردة (في الوقت الذي زادت فيه ببطء شديد معدلات الأجور والمرتبات، لجميع العاملين بوحدات الجهاز الإداري، أو الأجهزة في المنشئآت الخاصة) مما نتج عنها ظهور طبقة جديدة من أصحاب الدخول المرتفعة، حيث تكونت لديها مظاهر مختلفة في الاستهلاك، وأنماط جديدة من المسؤوليات، قلبت موازين القيم والأفكار والعلاقات بين الأفراد، وأحدثت خللاً في التقسيم الطبقي للمجتمع، وفي سياسات التعليم والتوظيف، مما ساعد في النهاية على انتشار موجات التضخم وارتفاع الأسعار، لأن الطبقية الحادة، كما هو مقرر في علم الاقتصاد توجب الاختلاف الكبير بين الأمة الواحدة، والتساؤل الذي تطرحه الدراسة، أنه إلى متى ستظل هذه المشكلة على ما هي عليه؟ وما هي الحلول العلمية الممكنة التي تعيد التوازن مرة أخرى، في الخلل الذي حدث في الترتيب الاجتماعي للمجتمع، فتعطي لخريج الجامعة ورجل العلم والفضيلة حقوقه ومكانته كاملة، وتضع صاحب الحرفة، أو عامل الخدمات في مكانه الصحيح؟ وعلى أي حال، فهذه مشكلة نحن لسنا بصدد كيفية حلها في الحال الحاضر (وألمعنا إلى ذلك فيما سبق، فإن الحكومة هي أساس المشكلة، وتحولها من الدكتاتورية إلى الإستشارية من أسس الحل الصحيح لكل المشكلات الممكن حلها) وإنما الغرض في هذه المسألة، دراسة أثر الظروف المحيطة على الإدارة والعقبات، التي تحد من تطبيق نظرية الإدارة وأصولها وأسسها العلمية، والتي يجب علينا أن نوفر الظروف الصحيحة، حتى تكون هناك إدارة صحيحة، فإن الإدارة كسائر الشؤون الاجتماعية، خاضعة للظروف الاجتماعية، فإذا كانت الظروف الاجتماعية صحيحة، كانت الإدارة صحيحة، وأمكن أن تسير إلى الأمام بخطوات ثابتة، وإذا كانت الظروف غير صحيحة، لا يمكن أن تسير الإدارة سيراً حسناً، فمثل الظرف والإدارة، مثل الأرض والشجرة، فإذا كانت الأرض غير صالحة، والأجواء غير مهيئة، فإن الشجرة مهما كانت بنيتها في ذاتها قوية وصحيحة، لا تتمكن أن تنمو بصحة، وأن تزهر وتثمر كما يترقب منها، بخلاف الأرض والأجواء الصحيحة، فإنها تعطي الشجرة ما تستحقها من النمو والإكتمال في الكم والكيف والنتائج، وعلى أي حال فالظروف المحيطة بالإدارة، يمكن تقسيمها إلى أربعة أقسام: الظروف الاقتصادية. والظروف الاجتماعية. والظروف السياسية. والظروف الأخلاقية، والمراد بالأخلاقية، الأعم من الدين والأخلاق. فالأول: وهي الظروف الاقتصادية، فيمكن تقسيمها، التي لها علاقة بالإدارة (مما هي محل كلامنا) إلى ثلاثة عناصر: الأول: مستوى الإنتاج. الثاني: مستوى الثروة. الثالث: الندرة والوفرة. فالإنتاج (حيث إن التخلف غالباً ما يولد التخلف، والتقدم غالباً ما يولد التقدم) إذا كان مستواه متخلفاً، سبب ذلك تخلف الإدارة، والعكس بالعكس. |