الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

مقياس العمل

(مسألة): لا بد للإدارة من الدراسة في البعد الذي يسمى مقياس العمل، ويمكن الدراسة بصور:

الأولى: بواسطة وحدات الإنتاج، مثل: عشرة أمتار من إنتاج زيد، أو عشرين فردة باب من إنتاج عمرو أو نحو ذلك.

الثانية: بواسطة وحدات الوقت، مثل: في كل ساعة كم ينتج زيد من الأمتار؟ أو كم ينتج عمرو من فردات الباب؟ أو ما شابه ذلك.

الثالثة: بواسطة الحركة، مثلاً: مائة وحدة من حركة الرجلين أو من حركة اليد في النسيج أو ما أشبه ذلك، كم تنتج من الأمتار؟

الرابعة: بواسطة وحدات المعادل، مثلاً إن ما أنتجه زيد من عشرة أمتار مختلفة في الجودة والرداءة لكنها تعادل عشرة دنانير، كما أن عمرو أيضاً ينتج بمقدار عشرة أمتار لكنها تعادل خمسة دنانير إلى غير ذلك، فربُّ العمل يقول: إني أريد عشرة أمتار مطلقاً أو متساوياً من حيث الجودة، أو مطلقاً أو متساوياً من حيث أن كلها من القطن، وقد يقول: إني أريد أن تعمل عشر ساعات، وقد يقول:

إني أريد أن تتحرك مائة حركة تظهر تلك الحركات في الصور الفلمية، وقد يقول: إني أريد ما يعادل عشرة دنانير، والإدارات غالباً تنظر إلى الإنتاجات، من غير فرق بين الإنتاجات الصناعية أو الثقافية أو المالية أو العمرانية أو غير ذلك، فلا بد لها في تقدير العمل والتخطيط السليم لتقديم الخدمات ولإنتاج البضائع ولنحو ذلك من وجود مقاييس محددة يعتمد عليها تقدير عدد الأفراد اللازمين للقيام بالأعمال المحددة في خطة البرنامج، ولتقدير الأموال الواجب اعتمادها لتنفيذه إلى غير ذلك، والأساليب العادية المعروفة التي تعتمد على الخبرة والتجارب السابقة غير كافية للتخطيط ولا تعطي نتائج دقيقة في أي بعد من تلك الأبعاد الأربعة التي ذكرناها، وهي أفضل الأسس لوضع الخطط في وجود مقاييس العمل التي يمكن الاعتماد عليها عند وضع الخطط وتحديد المدة الزمنية اللازمة لتنفيذها كتحديد الأفراد أو الحركات أو ما أشبه ذلك، هذا من ناحية الإدارة والمدير.

أما الموظفون والعمال، فالغالب أنهم ينظرون إلى محاولات قياس أعمالهم بعدم الارتياح، وبعين الريبة والشك، من النتائج التي ستتمخض عنها تلك الدراسات، ويعتبرون أساليب قياس العمل أساليب غير إنسانية، لا يليق بالإدارة أن تقوم بتطبيقها في مجال أعمالهم، وفي بعض الأحيان يضرب العمال، ويلجئون إلى القضاء للحيلولة دون مثل هذا الأمر، بل في أحيان أُخر يقومون بأعمال تخريب وما أشبه للصد دون وقوع القياسات ونظرهم السلبي إنما هو، لاعتقادهم أنه لو أنتجت المعامل أكثر أو أجود يصير عدد العمال أقل، إذ لا تبقى حاجة إليهم، بعد كثرة الإنتاج أو تقليل الأجور، فعدم الحاجة، لزيادة العمال تفرض إعطاءهم أُجوراً أقل، وبهذه المناسبة يرون أنه يلزم أن يقلل العامل من وقت العمل، أي ليس من الصباح إلى الليل، ولهذا يسرقون في كثير من الأحيان من العمل، وهذا الشيء ينافي مقياس العمل الذي تريد الإدارة تطبيقه، وكذلك يظنون أنه لو أنتج العامل أحسن تبقى البضاعة مدة طويلة لغلاء قيمتها، فلا حاجة إلى العمال بعد ذلك، وذلك يؤثر على عددهم أو على أجورهم، حيث إن الأمر خاضع لقانون العرض والطلب، فإذا لم يكن طلب لم يكن عرض، وإذا لم يكن عرض، لا حاجة إلى العدد الكبير من العمال، أو لا حاجة إلى إعطائهم الأجور المرتفعة، ومن الواضح أن الأمر ليس من اختلاف الاجتهادات والآراء، بل من تضارب المصالح، فإن مصلحة البائع والمشتري تختلف، حيث مصلحة الأول غلاء السعر ومصلحة الثاني رخصه، إلى غير ذلك من أمثلة تضارب المصالح، وعلى أيٍّ، فقياس العمل المصطلح عليه يرفع مستوى الكفاءة الإنتاجية، عن طريق إيجاد أفضل طريقة للقيام بالعمل في أسرع وقت ممكن، وأقل جهد، وأقل قدر من المال، فقد يرى المدير الصورة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة كل حسب الظروف المحيطة بالعمل، وقد عرف قياس العمل بعضهم بأنه يتكون من تقسيم العمل إلى عناصر رئيسية وأنه بتحليل تلك العناصر كل على انفراده، وبتحليل علاقة كل عنصر بالعناصر الأخرى يمكن التوصل بتحديد المدة الزمنية إلى أفضل الطرق للقيام بالعمل بأقل ما يمكن من الجهد.

لكن هذا التعريف ناقص حسب ما ذكرناه من الصور الأربع، وإنما هذا التعريف يكفي لتعريف بعض تلك الصور، وعلى أي فالعمل ليس شاذاً عن سائر المقاييس التي أصبحت في الحال الحاضر متداولةً في كل المجالات تقريباً، مثلاً المهندس الكهربائي يقيس قدر جهد التيار الكهربائي بالفولتات والجهاز الخاص (الفولتميتر)، والمهندس الميكانيكي يقيس الجهد بالحصان الميكانيكي، ومدرّب الطباعة يقيس سرعة تلاميذه ببيان عدد الكلمات المطبوعة في الدقيقة الواحدة، والبقال والعطار ومن أشبه يقيسون وزن الحاجيات بالكيلوغرام أو الأرطال، والمدرس يقيس الوقت بتقسيم الكتاب المقرر درسه في عام واحد مثلاً على أيام التحصيل، وبالنسبة للعمل أيضاً وضعت مقاييس خاصة، والمحلل الإداري يواجه أثناء قيامه بأعماله بهذه المشكلة وهي قياس مقدار الجهد والمهارة البشرية وما يحتاجه عمل ما من الموظفين في أي بعد من الأبعاد، وذلك لأنه يحاول تحقيق الاستفادة القصوى من الإمكانية البشرية كالموظفين والمستخدمين والعمال المتوفرين لدى الدولة، وتخفيض التكاليف اللازمة لإدارة الأجهزة والمؤسسة بجميع فروعها وأقسامها، وذلك إنما يمكن باستخدام الوسائل الحديثة لقياس العمل وتقدير حاجة الإدارة من الموظفين والمستخدمين بطريقة علمية سليمة، حيث لا يكون هناك تضخم في عدد الموظفين في بعض الإدارات، ولا نقص في عددهم في إدارة أُخرى، فيما إذا كانت للمؤسسة إدارات متعددة، أو بالنسبة إلى الحكومة، وكذلك بأن لا تصرف الأموال الزائدة، أو لا تصرف الأموال القليلة، حيث يكون ذلك غمطاً في حق الموظفين، وقد ظهر بذلك الهدف من قياس العمل.