| الفهرس | المؤلفات |
|
الإصلاح الحكومي أساس إصلاح النظام الاقتصادي |
|
وعليه فليس من شأن الكاتب الإداري، أن يضع اللوم على الناس، ويترك اللوم على الحكومة، ونحن نعدد هنا المشاكل بعد الغض عن هذه المشكلة الأساسية، بل كل تلك المشاكل وليدة هذه المشكلة، نقول: إن مشكلة زيادة الاستهلاك في بلادنا، تعد أحد العناصر المهمة التي تؤثر على خطة التنمية الاقتصادية، فهي أحد أطراف المعادلة الصعبة، التي تعترضنا لإصلاح المسائل الاقتصادية، في الوقت الذي يجب أن يتم فيه الإنتاج بدرجة تفوق الزيادة في الاستهلاك، لأن عدم الزيادة في الإنتاج بل معادلتها للاستهلاك، بل أقليتها عن الاستهلاك توجب المخمصة في البلاد، وهذه المشكلة بعد الغض عن المشكلة التي ذكرناها، ترجع إلى عدة أسباب. منها: الزيادة المطردة في عدد السكان، وزيادة دخول فئات كثيرة من المستهلكين، بدرجة تفوق ما كانت تحصل عليه في الماضي، وبمعدلات مرتفعة، لأن الحكومة علمتهم السرقة، فلا يقتنعون بالمشي المعتدل، فمثلاً هناك فئات التجار والحرفيين والمقاولين وأصحاب المهن الحرة والأُسر، التي تتلقى الأموال من الخارج، بسبب كون كفلائها يعملون في الخارج، فإن جملة من هذه الفئات أصبح لديهم قوة شرائية ضخمة، وليس من خصائصهم الادخار أو الاستثمار، بل يتجهون إلى الاستهلاك المترف، بداع التقليد أو المحاكاة أو ما أشبه ذلك، وكان نتيجة ذلك دخول بعض السلع، التي كان ينظر إليها في الماضي على أنها كمالية، إلى نطاق الاستهلاك العادي لهذه الأسر، هذا في الوقت الذي تقوم فيه الدولة، بما تصطلح عليه بمسؤولية حماية المستهلك من ارتفاع نفقات المعيشة، بتوفير السلع الأساسية أو الكمالية، بأسعار منخفضة مدعمة تقل عن تكلفتها الحقيقية، وفي ذلك خطآن. الأول: إن الحكومة سلبت الحرية. الثاني: إن الحكومة هي التي تسبب الأسواق السوداء ـ على الاصطلاح ـ. وكيف كان فمن النتائج الطبيعية للزيادة المطردة في معدلات الاستهلاك، أن يكون هناك ندرة في السلع مما يتيح للتجار الذين هم غالباً من أعوان الحكومة وأعضادها، لترفع الأسعار وتتحكم فيها، وظهور فئة الوسطاء والدلالين والسماسرة ومن أشبه، مما سبب زيادة القيمة، وفي المثل (بالراعي تصلح الراعية) و (الناس على دين ملوكها) فإن الناس لما يرون، أن الحكومة تفعل هذه الأمور بمئات وألوف الأضعاف التي هم يعملونها، فلابد أنهم يعملون أيضاً مثل تلك الأعمال. ثم في الحكومات الدكتاتورية بمختلف ألوانها، إنما تحكم المحسوبيات والمنسوبيات، والمحسوبيات والمنسوبيات هي التي تعمل هذه الأعمال، لأنها ليست لديها الوجدانيات والكفاءات وما أشبه ذلك، فكما هو قفز إلى الحكم من دون ملاحظة أي معيار ديني أو وطني أو ضميري، كذلك يتصرف بمثل هذه الأعمال الموجبة للمشكلة، ولذا نرى أن حملة الشرطة وما أشبه، كلها تقابل عند الناس بالاستهزاء والازدراء، وأن مثل هذه الحملات لا تنفع شيئاً، بل المشكلة ستظل قائمة ما لم يكن هناك تعاون بين جهود الدولة من ناحية، والمستهلكين من ناحية أخرى، وذلك بعد أن تكون الدولة، دولة صحيحة جاءت إلى الحكم بالانتخابات والمعايير الحرة والأحزاب المتنافسة، فجوهر المشكلة يرجع إلى الحكومة أولاً وبالذات، وبعد ذلك إلى المستهلكين، ويتمثل ذلك بعد إصلاح الحكومة ـ لو فرض بقاء شيء من مثل ذلك ـ إلى ترشيد استهلاكهم، بأن يكون سلوكهم في مواقف الاستهلاك، بصفة عامة، والشراء والتجارة ونحو ذلك، بصفة خاصة، سلوكاً يحكمه العقل والمنطق والدراسة والتحليل والتروي. ومن الواضح أن الحكومة إذا صلحت، صلح الناس تلقائياً، ومن لم يصلح منهم، يمكن إصلاحه بسبب الإرشاد وما أشبه، فأخيراً يصل الأمر إلى دائرة الشرطة للحملات التموينية، وذلك لا يكون إصلاحاً واحداً في ألف، أو واحداً في عشرة آلاف من الذي نشاهده الآن، وعلى أي حال فإذا صلحت الحكومة، على المستهلك أن يقوم بعمل موازنة منطقية بين إحتياجاته الفعلية من السلع، وبين إمكانياته المادية، بحيث لا يكون هناك إسراف في شراء سلع قد لا يكون في حاجة إليها، وقد نقل لي أحد الثقات أنه في الحرب العالمية الثانية، كان زائراً إحدى البلاد الغربية التي تسمى بالديمقراطية، والتي لشعبها التعلق بحكومتها، قال: سمعت من الإذاعة رجاء من الحكومة أن يخفف الشعب من استعمال البيض، لأن البيض قل في البلد، فاشتريت كمية من البيض وذهبت إلى بيت ابنتي، وهي كانت متزوجة هناك، فلما رأى الزوج والبنت البيض، قالوا لماذا فعلت هذا؟ قلت: لأن الدولة أعلنت رجاء التخفيف في استهلاك البيض، فقالوا لي: نحن لا نأكل من هذا البيض، فإذا نحن خنا دولتنا، فمن يقيم دولتنا؟ وكله أنت، وإذا أردت أن تحسن إلينا وإلى نفسك، فارجع إلى البائع وارجع البيض إليه، وعلى أي حال، فبعد إصلاح الحكومة ترشيد الاستهلاك على المستوى الشعبي العام، مسؤولية كل أفراد المجتمع، وخاصة رب الأسرة الذي يعد المسؤول الأول عن ترشيد الاستهلاك في داخل البيت، لأنه الأقدر على إدارة شؤون المنزل، إدارة اقتصادية سليمة، من خلال المساهمة في الحد من استهلاك السلع على اختلاف أنواعها، وخاصة السلع الغذائية وما أشبه، وذلك بشراء ما تحتاجه الأسرة فقط، وربما يرى الإنسان في بعض البلاد، إن أرباب الأسر يشترون السلع بكميات كبيرة، لخوفهم من عدم توفرها للغد، ومن الواضح أنه لو تصرفت كل أسرة بهذا المنطق، فإن الدولة تستطيع أن توفر الأسواق بجميع احتياجاتها، في ظل الطلب المتزايد من تلك السلع، وإذا صلحت الدولة ورجع بعض الناس المفرطين إلى العقل والمنطق، وأدى ذلك إلى وفرة العرض من السلع، والقضاء على ظاهرة الوسطاء والدلالين وما أشبه، وإلى اعتدال القيم، إن مشكلة عدم توفر السلع الغذائية، وما إليها وسوء التوزيع في المجتمعات الاستهلاكية، قضية مهمة تشغل كل إنسان يعيش في هذه الدول في الوقت الحاضر، ولا شك أن هناك العديد من المشاكل، كما أن هناك العديد من الحلول، إلاّ أن جوهر المشكلة يرجع إلى الدولة، وجزء من ألف جزء من المشكلة يرجع إلى المستهلك أو التاجر الجشع، وهذا الجزء أيضاً راجع إلى الدولة، لأن الدولة لما كانت غير صحيحة، يعمل الناس حسب نظر دولتهم، وإلاّ فلماذا نرى في البلاد التي تسمى بالديمقراطية ليس لهذه المشكلة هذا الحجم؟ هل أناس تلك البلاد غير أناس بلادنا؟ كلا، وإنما حكومات تلك البلاد غير حكومات بلادنا، فإن حكوماتهم تسمى بالديمقراطية، وإن كانت بينها وبين الديمقراطية الحقيقية، والتي نسميها بالاستشارية المتواجدة في الإسلام بون شاسع، كما ألمعنا إلى ذلك في كتاب (الصياغة الجديدة) وغيره، وعلى هذا فبعد إصلاح الدولة، تقوم الدولة بإصلاح نظام البيع ونحوه في المجتمعات الاستهلاكية، وهذا ما يصطلحون عليه بمفهوم (الثورة الإدارية) التي تهدف إلى إحداث تغييرات وإصلاحات جذرية لإزالة المعوقات المختلفة، وعلاج المشاكل التي تعاني منها الجماهير، وحينئذ يمكن أن تقوم الجهة المرشدة للجماهير سواء كان مستهلكاً أو تاجراً أو كاسباً بدور كبير وفعال في حل تلك المشاكل، وذلك عن طريق الحد من الاستهلاك والمساعدة في القضاء على السوق السوداء. لكن السوق السوداء في بلادنا: هي الحكومة، وهي أول من توجدها، وهي أول من تسندها، وهي أول من تلقي بثقلها فيها، ثم الثورة الإدارية أو الإصلاح الإداري (بعد فرض صحة الحكومة واستقامتها وانتخابيتها واستشاريتها) تعتمد أساساً على إعادة التنظيم أولاً، وتغيير السلوك والعادات ثانياً، وبعد يأتي دور إصلاح التاجر والمستهلك، اللذين يبقيان على صنعتهما المنحرفة، وقد عرفت أنهم قليلون جداً وجداً في مثل هذه الحكومات، وإصلاحهما ممكن بحلول متعددة، والتي منها تشكيل جمعيات استهلاكية تتوفر فيها السلع بالأسعار العادلة، وهل بعد ذلك يتمكن التاجر من التلاعب؟ وهل بعد ذلك يخزن المستهلك؟ وهل بعد ذلك لا يكفي العرض للطلب؟ وحيث إن المسألة اقتصادية ونحن إنما ذكرناها من جهة الإدارة الفاسدة، التي تقوم بها الدول الدكتاتورية، نكتفي منها بهذا القدر والله المستعان. |