| الفهرس | المؤلفات |
|
الحملات التموينية |
|
(مسألة) تستمر الحملات التموينية المكثفة التي تقوم بها أجهزة الشرطة، لمراقبة الأسعار، وتفقد الأسواق العامة وإتخاذ الإجراءات اللازمة ضد التجار الذين يثبت إصرارهم على تحقيق أرباح غير مشروعة، سواء من اصطلاح الدولة، أو واقعاً وتقول الدولة: إنهم يتلاعبون بقوت الشعب، وأنهم غير ملتزمين بالتسعيرة، وأنهم يعمدون إلى إحداث اختناقات مفتعلة في السلع، ومع الغض عن شرعية او لا شرعية هذه الحملات وأكثرها غير مشروعة، حتى إذا فرضنا إن الدولة إسلامية بالاسم، نقول: إن تلك الحملات التموينية، ليست هي العلاج لاستقرار السوق ولتوزيع السلع، كما ينبغي، فهي على أحسن الفروض تمثل أحد العناصر الهامة وليست جميعها، لأن المشكلة في حد ذاتها مركب متكامل، يتكون من أجزاء مترابطة ومتصاعدة، ويتوقف كفاية أي جزء وقدرته على النجاح على مدى الترابط والتناسق، ونجاح كل جزء في أداء دوره، فتسمية العالم الثالث بمثل هذه الحملات بالثورة الإدارية المالية في الدولة، اسم يحتاج إلى المسمى، فإنه على الأغلب ليس من الإدارة في شيء، وإذا كان من الإدارة في شيء، فهو جزء صغير، فإن من أهم ما يجب ملاحظته أن حكومات بلادنا بصورة عامة دكتاتورية، سواء سميت بالثورية أو الانقلابية أو الديمقراطية أو الإسلامية أو العلمانية، والحكومة الدكتاتورية تعمل على خنق الكفاءات، وجمع الإلماعات لنفسها من الذين لا حول لهم ولا قوة في أي من الشؤون الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية أو غيرها، وتكثير الموظفين للتصفيق للحكومات والتسبيح بحمدها والعمالة للحكومات الغربية والشرقية مباشرة أو غير مباشرة، ولذا نراهم أنهم يستوردون حتى اللحوم والقمح، بينما كانت بلادنا قبل هذه الحكومات، تصدر القمح واللحوم على الأكثر، إلى غير ذلك. والحكومة إذا كانت دكتاتورية، لا يعتمد عليها الشعب خصوصاً في بلاد الإسلام، حيث إن الناس مسلمون، فإذا رأوا الحكومة غير إسلامية، وإن نادت باسم الإسلام ليل نهار، لا بد وأن يعاكسوها، فضلاً عن عدم الاستماع إلى كلامها، وعدم الاكتراث بقوانينها، ولذا يحتكر التجار وتتفشى الرشوة في الإدارات الحكومية، من الرئيس الاعلى للدولة إلى كناس البلدية وغير ذلك، وقد حدثت قصة، كتبتها الصحف أبانها، وهي أن في حرب عبد الناصر وإسرائيل، يوم الحرب ذهب تجار إسرائيل إلى الدولة، وقالوا لها: إننا مستعدون لكل ما تراه صالحاً بشأن السلع والاقتصاد والمال، بينما أذكر ونحن كنا في العراق، إن تجار العراق أخفوا السلع واحتكروها، ليضاعفوا قيمتها، فلماذا كان ذلك؟ أليس لأن حكومة إسرائيل جاءت برغبة من اليهود، وانتخاب حر منهم وفي إسرائيل المؤسسات الدستورية والصحف الحرة والأحزاب الحرة، وما إلى ذلك؟ ولذا يرى التجار أنها حكومتهم وأنها في صالحهم، وأنهم منها، وهي منهم مائة في المائة، بينما جاءت حكومات العراق بانقلابات عسكرية، ملأت السجون ونصبت المشانق ووسعت المقابر وأكثرت الفساد، فلذا كان هم الشعب التخلص منها بأية وسيلة، ويرون تقويضها واستفزاز الناس ضدها من أهم ما يجب عليهم، وكيف يمكن للمصلح ان يقول للتجار؟: اصلحوا، وهم يرون الحكومة فاسدة، والناس على دين ملوكها، وكيف يتسنى للمتدينين أن يقولوا لبعضهم؟: لا تسرقوا وهم يرون أكبر السرّاق يأخذ بزمام البلاد والعباد، وهل حال المصلحين في هذه الحكومات إلاّ كحال ذلك العالم؟ حين رأى الخليفة العباسي يقطع يد سارق، فقال: الله أكبر سارق العلانية، يقطع يد سارق السر؟ وعليه فإذا كان هنالك لوم على التجار والكسبة المستغلين، فضعف ذلك اللوم على الحكومة التي جاءت إلى الحكم بالإنقلاب العسكري، أو بالإنقلاب الشعبي ثم استبدت بالحكم وضربت الناس أو جاءت بالوراثة، بل ألف لوم على كل أعمال تلك الحكومة، في كل أبعاد الحياة. |