الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

ضرورة الرقابة الإدارية

(مسألة) الرقابة ضرورية بالنسبة إلى الإدارة، وسواء كانت إدارة صغيرة، كإدارة شركة أو مدرسة أو ما أشبه، أو إدارة كبيرة كإدارة الدولة، الرقابة كانت منذ الزمن القديم خصوصاً في الزمن الإسلامي، فقد وجدت الحسبة بالنسبة إلى الدولة الإسلامية، وغرضها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحيث كان الإسلام دين عبادة ومعاملة (فإن الحسبة التي يقوم بها المحتسب وهي مشتقة من الحساب، باعتبار أن المحتسب يفعل ذلك قربة إلى الله سبحانه وتعالى، وإنما يعطى من بيت المال، من باب الإرتزاق، لا من باب الأجرة للمنافاة بين الأجرة والقربة، على المشهور) فالمحتسب كان يمارس مهمته في ميدان العبادة، تارة، وفي ميدان المعاملة تارة أخرى، والمراد بالمعاملة في قبال العبادة الشاملة لجميع أبواب الفقه، ففي ميدان الآخرة كان المحتسب يأمر بتقوى الله وأداء فرائضه وطاعته، ويرفع أمور العاصين، كتارك الصلاة، وشارب الخمر وما أشبه إلى الأمير أو إلى الخليفة، أو الجهة المنصوبة من قبل الدولة لمعاقبته، وفي ميدان المعاملة الدنيوية، كان يلاحق عمليات الغش وخسران الميزان، وشهادة الزور واليمين الكاذبة، والمماطلة في وفاء الحق، والنهي عن الأمور اللاأخلاقية، التي كان يمارسها الشاب أو الشابة، إلى ما أشبه ذلك.

وقد كان علي (عليه الصلاة والسلام) يمارس بنفسه هذه الأمور في بلدة الكوفة عاصمة دولته في قصص مشهورة، أما في الدول الأوروبية، فقد تولدت الرقابة بمعناها العصري مع مبدأ حكم الشعب، لأنه قبل ذلك كان الحكم باسم الملك وأمراء الإقطاعن يمارس من قبل أقاربهم وذي الخطوة وأهل الثقة لديهم، كما أنها لما كانت الكنيسة تحكم بعض البلاد الغربية فترة من الزمن، كانت هي المتصدية لمسألة الرقابة، وفي الأحكام الديمقراطية، تكون الرقابة من مهمات الدولة، وأول أشكال هذه الرقابة هي مسؤولية الحكومة أمام المجالس، وأغلب دساتير الحكم تنص على رقابتين:

الأول: مسؤولية مسبقة، تتمثل بالثقة التي تمنح الحكومة، والتي هي عبارة عن السلطة التنفيذية عند توليه الحكم، بناءاً على البرنامج الذي تتقدم به إلى المجلس قبل ممارسة مهمتها.

والثاني: مسؤولية مرافقة، تمارس أثناء الحكم على ضوء الأعمال التي تقوم بها الحكومة، أي السلطة التنفيذية، وذلك بطريق الاستجواب، أو طلب الإيضاحات عن الأمور الغامضة أو التي تخالطها الشكوك في مجلس الأمة، فإن الوزير أو رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية، يستجوب في مجلس الأمة، ذلك المجلس بأي شكل كان، وحيث إن المسألة تتعلق بالحقوق الدستورية لا يبحث هذا الشكل من الرقابة، بل على السلطة التشريعية أن تستمر في الرقابة على السلطتين الأخريين، أي القضاء والسلطة التنفيذية، ولذا كان لا بد من الإستعانة بوسائط متخصصة ذات قدرة على الدخول في أعماق التصرفات الحكومية والقضائية، وتنبع مواضع السلامة والمرض فيها بشكل بعيد عن التأثيرات والضغوط، فتفوّض ذلك إلى أجهزة ترتبط بها وترفع إليها نتائج مشاهداتها بشكل تقارير دورية على فترات زمنية معينة، أو فورية بالنظر للحادثات والوقائع، واللازم أن لا تتأثر جهة الرقابة بسلطة واقعية أو سلطة ظاهرية، فالسلطة الواقعية هي سلطة جماعات الضغط، والسلطة الظاهرية هي السلطات التي منحتها الشعوب للدولة، وحتى تستطيع هذه الأجهزة أن تؤدي واجبها بفعالية وصدق، يجب أن تتميز بالأمور التالية:

أولاً: بالكفاءة العلمية، التي تمكنها من فهم النصوص التشريعية (أو التأطير) فهماً صحيحاً وعميقاً، يصل إلى آرائها الحقيقية.

وثانياً: النزاهة في الأخلاق، التي تنتابها من المغريات، وسائر أشكال التحيز.

وثالثاً: الاستقلال عن السلطة التنفيذية.

ورابعاً: المهارة الفنية، التي تؤهلها بإدراك التصرفات الحكومية والقضائية، وتمييز الصحيح من الفاسد منها، والسلطة التشريعية في كثير من دول العالم تجعل الرقابة في دورين:

الأول: دواوين المحاسبة المنتشرة في كل دول العالم، مع اختلاف جهة ارتباطها بالسلطة التشريعية، أو رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس الدولة، حسب نظام الحكم، مما يكون برلمانياً شعبياً، أو رئاسياً، أو نصف رئاسي.

والثاني: أجهزة أخرى تتولى الرقابة، وهي تحقق في القضايا التي تتضمن انحراف الأجهزة التنفيذية، أو سوء التصرفات بتكليف من المجالس النيابية ونحوها، وتدرس الشكاوي والاعتراضات أو الملاحظات التي تقدم إليها على بعض التشريعات، أو على تطبيقها، ونتيجة هذه التحقيقات تعرض على السلطة التشريعية، أو يبت بها الجهاز المذكور، حسب موضوع القضية أو الشخص المرفوعة ضده، وفقاً للأنظمة الخاصة الناظمة لهذه الرقابة، ومن الواضح أن الرقابة لا تستمد قدرتها من السلطة التشريعية فقط، بل هناك جهات أخرى تمارسها بأشكال مختلفة، فالشعب ذاته يمارس الرقابة مباشرة عن طريق الصحافة، أو الهيئات والمنظمات الشعبية المحلية والخاصة، أو عن طريق الأحزاب السياسية والمنظمات ووسائل الإعلام كالراديو والتلفزيون، كما أن الحكومة بنفسها تمارس رقابة واسعة ومتعددة الأشكال والمستويات على أجهزتها المنفذة، فتسلسل الوظائف والرئاسات ضمن الإدارة الواحدة، يؤدي هذا الدور، وأجهزة التفتيش المتخصصة التابعة للإدارة ذاتها تمارس رقابتها.