الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

في روتين العمل

(مسألة): لقد ذكرنا في هذا الكتاب وفي غيره أن الأسلوب الغربي في الحكم خلاف الأسلوب الإسلامي، بل خلاف العقل والمنطق، يكبت الحريات في كل مرافق الحياة، بينما الإسلام يعطي الحرية لكل الناس، في كل شيء باستثناء المحرمات فقط، على تفصيل ذكرناه في (الصياغة الجديدة) وغيرها، ومع الغض عن ذلك وحيث ابتليت البشرية بهذا الأسلوب نتكلم حول الأمور الإجرائية لاضطرارنا إليها في الحال الحاضر، إلى أن يأتي بإذن الله سبحانه يوم نتخلص من هذا الكبت والاختناق إلى عالم الحرية والانطلاق.

ومن الواضح أن كل ما نذكره في هذه المسألة من الإجراءات الغالب منها متّصف بالكبت كما يشاهده المطالع، حيث تقوم كل إدارة من الإدارات سواء كانت إدارة حكومية من أعلى المستويات إلى آخر السلم، أم إدارة في الشركات الخاصة أو ما أشبه بأنواع متعددة من العمليات والأعمال الكتابية لأجل إنجاز معاملاتها، ويطلق على هذه الأنواع من الأعمال (إجراءات العمل) أو طرق وأساليب العمل، وربما يطلق على ذلك (روتين العمل) وتعتبر الإجراءات من وسائل القيام بالأعمال، وبدونها لا يمكن إنجاز أي عمل من الأعمال، إما لأن القانون يقف أمام ذلك وإما لأن طبيعة العمل تتطلب ذلك، ويتم القيام بالإجراءات على شكل خطوات متسلسلة، الخطوة الأولى وتليها الخطوة الثانية وهكذا إلى أن تصل المعاملة إلى الخطوة الأخيرة من خطواتها المحددة لها حيث تنتهي إجراءات المعاملة وتقدم النتائج إلى المستفيدين على شكل إذن أو تصريح للقيام بعمل ما كرخصة بناء سكن أو رخصة مزاولة مهنة من المهن أو الحصول على خدمة من الخدمات العامة كالحصول على خط هاتف وما أشبه.

وقد تكون الإجراءات متزامنة بعضها مع بعض، وليست في سلم التقدم والتأخر، فتتمكن الإدارة من بعث مندوبين أحدهم لأجل الحصول على الرخصة من إدارة السكن، والآخرللحصول على الرخصة من إدارة الكهرباء إلى غير ذلك، والقصد من إجراءات العمل الخطوات التفصيلية أو المراحل التي تمر بها المعاملة من البداية إلى النهاية، فهي سلسلة من العمليات الكتابية يشترك فيها عدد من الناس في إدارة ما أو في عدة إدارات وتصمم لأجل أن العمليات المتكررة تعالج بطريقة موحدة، ونذكر من إجراءات العمل التي لها ارتباط بكل إدارة أو بكل شخص أُموراً مثل: (معاملة) الحصول على جواز السفر عند الرغبة في السفر، و (معاملة) الحصول على شهادة الميلاد، و (معاملة) الحصول على شهادة حسن السلوك، و (معاملة) الحصول على رخصة قيادة سيارة خصوصية أو سيارة كبيرة للنقل أو ما أشبه، و (معاملة) الحصول على رخصة بناء عمارة سكنية، و (معاملة) الحصول على الماء أو الكهرباء أو خط الهاتف أو تعبيد الطرق أو الترميم، و (معاملة) الحصول على رخصة محل تجاري، و (معاملة) الحصول على رخصة استيراد، و (معاملة) الحصول على رخصة تصدير، و (معاملة) الحصول على صندوق البريد أو نصب التلكس، و (معاملة) الحصول على الوظيفة لمن يريد أن يتوظف، وإلى غير ذلك من الروتينيات البليدة، التي تسبب تهدر الوقت والجهد وعرقلة فعاليات الحياة وانسيابية الأعمال، وفي العالم الغربي، وإن لخصوا هذه الروتينيات إلى أقل قدر ممكن في نظرهم، إلا أن أصل غالب هذه الروتينيات خلاف المنطق والعقل والحرية الممنوحة للإنسان، وقد قال سبحانه في وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [1] فالله سبحانه وتعالى وضع الإصر والأغلال عن البشرية بسبب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد فسرنا الإصر والأغلال في (كتاب الصياغة) بما لا داعي إلى تكراره.

كما أن من الأمور الإجرائية عمليات أخرى تتم داخل المنظمات لخدمة أغراضها الذاتية والأساسية ولا تتعلق بالمواطنين، كإجراءات الإجازة وأُمور الذاتية للموظفين، وإجراءات المشتريات بتأمين الأثاث والأجهزة للمنظمة، والإجراءات اليومية العادية كإجراءات البريد الوارد والصادر، وإجراءات حفظ الرسائل والوثائق في الملفات وغيرها من الإجراءات، وبوجه عام فإن جميع الأعمال الكتابية في الدوائر والمصالح الحكومية والشركات الخاصة وحتى دوائر القطاع الخاص تمر في سلسلة من الخطوات وتتبع في سيرها أنواعاً محددة مما هي ضرورية أما بسبب طبيعة العمل وإمّا بسبب القوانين التي تقف دون المضي إلا بالموافقة، وفي هذا المجال وهو مجال الإجراء يظهر دور مهارة المحلل الإداري والمدير في الدراسة وتسهيل الإجراء والتصميم والاقتراح والإسراع وما أشبه ذلك مما يطلب من كل من المدير والمحلل ومن أشبه.

[1] سورة الأعراف: الآيتان 156 و157.