| الفهرس | المؤلفات |
|
إدارة منظمة العفو الدولية |
|
أقول: ينبغي أن تسمى المنظمة، بالمنظمة الإنسانية، أما تسميتها بمنظمة العفو، فذلك إلماع إلى أن المتهمين هم مجرمون، وإنما تطلب المنظمة العفو، بينما الغالب أن الحكومات الاستبدادية، هم المجرمون، والسجناء ونحوهم، هم الأبرياء، وهل يصح أن يقول الإنسان للص أعف عن صاحب المال واعطه ماله، أو يقول للذي قتل آخر ظلماً ويريد التمثيل بجسده، أعف عن المقتول ولا تمثل بجسده. ثم ينبغي أن توسع المنظمة الإنسانية نشاطها، ولا تحصره في طلب الرفق بالسجناء بعدم تعذيبهم، أو عدم إعدامهم، وأن يرّفه لهم في السجن، أو أن تكون أعمالها، خاصة بالعفو عن المسجونين والمطرودين والأسراء، والمحجوزين والمختطفين وما أشبه، بل تطلب بالإضافة إلى ذلك، التخفيف من السجن، وإعطائهم فرصة اللقاء بأهلهم كل أسبوع مرة مثلاً، بل وتقسيط السجن وجعل السجن في البيت والمعمل وما أشبه، كما اعتيد في بعض البلاد الغربية، حيث يطلق سراح السجين، فيكون في البيت أو نحوه حسب رغبته، ويربط بمكان من جسمه آلة الكترونية، لإخبار مخفر الشرطة عن أن السجين لا يزال في محله، دون أن يخرج منه، هذا بالإضافة إلى أنه ينبغي للمنظمة، أن تضيف على أعمالها مواصلة الحملة على الحكومات الدكتاتورية، حتى تضطر لتسليم الأمر إلى الأمة، باعتبارها مصدر النصب والعزل، حيث إن الحكومة وكيل الأمة، ولا حق للوكيل في فرض نفسه، هذا بصورة مطلقة في كل الحكومات. أما في المسلمين، فالحاكم يجب أن يكون مقبولاً من قبل الله سبحانه، بأن يكون جامعاً لشرائط الحاكم الشرعي، المذكور في فقه الإسلام، كما أن هناك أمراً ثالثاً مرتبطاً بالمنظمة (بالإضافة إلى الأمرين السابقين، أي حقوق السجناء وحقوق الشعوب في اختيار الحكم) وهو الاهتمام بمكافحة الاستعمار، بمعنى أن تتبنى المنظمة فضح الاستعمار الظاهر أو الخفي، فالاستعمار الظاهر، مثل استعمار الاتحاد السوفيتي للشعوب المسلمة في الجمهوريات الست، واستعمار اليهود لبلاد المسلمين في فلسطين وما أشبه ذلك، والاستعمار الخفي، مثل نهب بلاد الرأسمالية والشيوعية الثروات من آسيا وأفريقيا بمختلف الوسائل والأسماء، إن المنظمة حيث إنها تدعم بفطرة الإنسان الموجودة في كل إنسان، أراد أو لم يرد، لها أقوى سند في كافة الأمم والشعوب، فيكون قليل المنظمة كثيراً، وصغيرها كبيراً، ولذا فلا يأس ولا خوف من ضخامة المسؤوليات التي اضفناها على منظمة العفو الدولية. هذا بالإضافة إلى ما يعتقده كل دين من مختلف الأمم، ونحن المسلمون بصورة خاصة، من أن الله سبحانه: ((إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)) [1]. وقال تعالى: ((... إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)) [2]. وقال سبحانه: ((إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ..)) [3] وهو الموفق المستعان.. ثم الواجب على المنظمة الإنسانية، أن تهتم بشيء رابع، ولعل هذا الشيء من أهم أسباب المشكلات في كل العالم الحاضر، وهو أن الحياة المادية التي سادت في العالمين الغربي أولاً، والشرقي ثانياً، وفي العالم الثالث تبعا لهما ثالثاً، سبب غربة الإنسان عن نفسه، فبينما الإنسان هو كل شيء في هذه الحياة، إذ بدون الإنسان لا قيمة للجماد والشجر والحيوان، ولذا ورد في الحديث القدسي أن الله سبحانه، قال للعقل لما خلقه: (أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: ما خلقت خلقاً أحب إليَّ منك، بك أثيب وبك أعاقب). وقال سبحانه في حديث آخر: (خلقت الأشياء لأجلك). فتبدل هذا الإنسان في واقعه الذي يجب أن يكون إنساناً إلى (شيء) إلى إنسان له روح وعقل وعاطفة وفكر وإدراك، أي أنه صار ذا علاقة بالمادة، لا بالإنسان، فهو شيء من أشياء العالم، لا إنسان له شعور بالإنسانية، واشتراك بالوجدانية، ولذا سقطت الإنسانية، فإن كل فرد من الإنسان صار هو وحده، بدون ارتباط بالأفراد الآخرين، وإنما صار جزءاً جزءاً، فترى الإنسان يقتل الإنسان، لأجل المادة، ويحرق المحاصيل ويلقيها في البحر، لأجل التوازن الاقتصادي المرتبط بالمادة أيضاً، بينما ملايين الأطفال والشيوخ يموتون جوعاً، أو لعدم توفر الدواء والرعاية الكافية لهم، ويصنع ما يكفي لإبادة العالم خمسمائة مرة بسلاح واحد فقط من أسلحته الكثيرة، فإن القنابل الذرية تكفي ـ على تقرير قرأته ـ لإبادة الإنسان خمسمائة مرة، كما أنه يدير رحى الحرب هنا وهناك على طول الخط، أما حروباً أساسية، كالحربين العالميتين، أو حروباً بالوكالة، كما هو المصطلح في الحال الحاضر، كالحروب في أمريكا وأفريقيا وآسيا إلى غير ذلك، ولذا انعكس ذلك على الإنسان نفسه، فإن السوء ينعكس على الإنسان، كما أن الحسن ينعكس على الإنسان نفسه، فلا يحس الإنسان بالاطمئنان الإنساني، فهو غريب في داخله، كما لا يحس بدفء العائلة، لأن العائلة صارت أيضا هي الثانية ضحية للمادة، ولذا فالإنسانية العامة تبعاً لهاتين الغربتين، أي غربة الفرد وغربة العائلة، صارت أيضاً غريبة في مجموعها، لأن الإنسانية بمجموعها، عبارة عن اللبنات الإنسانية، كالبناء الذي هو عبارة عن لبنات من الآجر والطين. |
|
أصالة الإنسانية في إدارة منظمة العفو |
|
وكذلك لا يلتذ الإنسان بالإنسانية، لأن الإنسانية أسقطت نفسها لأجل المادة، وعلى هذا فالواجب على المنظمة الإنسانية، أن تهتم لإرجاع العالم المادي إلى العالم الإنساني، حتى تكون الآلة والصنعة والعلم والاختراع وما أشبه، في خدمة الإنسان، ولتقديم الإنسان إلى الأمام، لا في ضرر الإنسان وتحطيمه وتأخيره إلى الوراء، إن الكنائس المفتوحة في الغرب في صورة الأخلاق، لا في سيرتها، وشعارها المسيح (عليه السلام) لادثارها، ولذا يقول الغرب: إذا تمكنت من غيرك، فاسرق كل شيء منه، واقتله حتى لا يكون كفؤاً لك، وإنما تكون أنت الحاكم في كل العالم، بينما كان المسيح (عليه السلام) يقول: إعط ثيابك لمن أخذ معطفك (على ما ينقل عنه من كلام بهذا المعنى). وعلى أي حال، فالمهم إرجاع الإنسان إلى إنسانيته، ومن الممكن أن تجعل المنظمة الإنسانية لها شعباً أربعاً، كل شعبة لمهمة من المهام الأربع التي ذكرناها، وظن أن الأمر خرج عن طوق البشر، واتسع الخرق على الراقع، ظن في غير مورده، فإن الله سبحانه، يوفق من أراد الإصلاح، كما قال في مصداق من مصاديق هذا الكلّي، بالنسبة إلى الزوجين المتخالفين: (إن يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما). ثم إن على الإنسان بذل الجهد، وعلى الله سبحانه الإتمام والتوفيق، وكلما تمكن الإنسان من جعل الأمور في نصابها، يكون حلاً للمشكلة بقدر فعلى المرء أن يسعى بمقدار جهده، عليه أن يكون موفقاً. قال سبحانه: ((... وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) [4]. |
|
أسباب الفراغ الروحي في الغرب |
|
من الواضح أن ما نشاهده في عالم اليوم، من المشاريع الضخمة والاختراعات المفيدة، إنما هي من جهد الإنسان، وتوفيق الله سبحانه وتعالى، بسبب هداية الأنبياء، وما في بعض الأحاديث من (الحجتين، الحجة الظاهرة وهم الأنبياء والأوصياء، والحجة الباطنة وهو العقل) فأي مانع من أن يوفق الله البشرية، إلى الاستقامة في طريق الإنسانية، أما الدنيا الحاضرة فأصبحت جحيماً لكل الإنسانية، من غير فرق بين الشرقي والغربي والوسطي، والمرفّه وغير المرفّه، والمتدّين وغير المتدّين، وان كانت هناك فروق من جهة الاختلاف في الحجم، فإنا نشاهد: (1): الانتحار الكثير في كل الطبقات، وفي كل العالم، والانتحار يكون وليداً، لعدم وصول الإنسان إلى مباهج الحياة التي يريدها، سواء من جهة الفقر، فلا حياة مرفّهة له، بحيث يسعى للحياة المرفّهة ولا يجدها، ولذا ينتحر تخلصاً من الحياة، أو من جهة الغنى الجامد الذي لا يتقدم إلى الأمام، التقدم الذي يريده الغني، ولذا نشاهد الانتحارات بين طبقات الأغنياء، وطبقات الفقراء ـ على حد سواء ـ. (2): المخدرات الكثيرة، التي يهرب الإنسان بسببها من الحياة الحاضرة، وأسباب شيوعها: (أ): الإغراء، بسبب الشبكات التي تريد تخريب الشباب، لأجل التمتع الجنسي، أو جعلهم آلة الهدم كما في الأحزاب السرية، والأحزاب المرتبطة بالبلاد الأجنبية. (ب): اليأس من الرفاه وحياة الكفاف. (ج): عدم الوصول إلى المعارف، كما في المرفهين الذين يطمعون فوق معيشتهم، ولا يصلون إليها. (3): الفرار من الحياة بالهيبية ونحوها، وسكن الكهوف، والنوم في الشوارع، وارتكاب ما لا يليق بالإنسان. (4): عدم الإقبال على الدراسة، لأنها لا تؤمن لهم طرق المعيشة، حيث كثرة البطالة بين المثقفين، ثم انهم لا يصلون إلى ما يتصورون من المكانة الاجتماعية، ولهذا يفرّون من المدارس بصورة كبيرة. (5): كثرة الجرائم، لأن الإنسان بلا علاقة ولا معيار، لا يهتم بالجريمة، إذ الاهتمام بعدم الجريمة، ينشأ من الالتزام بالمعايير الإنسانية والخلقية والاجتماعية والدينية، فإذا تحطمت كلها، فلا يهتم الإنسان بعدم الجريمة، بل يجعل من نفسه في كثير من الأحيان آلة للإجرام، ومن الواضح أن كل هذه الأمور وغيرها، معاليل للفراغ الروحي، والفراغ الروحي ينشأ: أولاً: من عدم الإيمان بالله سبحانه وتعالى، واليوم الآخر، ولذا قال سبحانه: ((... ألا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)) [5]. وثانياً: من عدم عاطفية العائلة والمدرسة ومحل العمل، كما ذكروا تفصيل ذلك في الكتب المفصّلة، فإن العائلة كانت معدناً للعاطفة، أما المادة فلقد فرقت بين أفراد العائلة، فالطفل في الروضة والولد في المدرسة والأب في المعمل، والأم في المستشفى للتمريض مثلاً، فلا عاطفة تجمع هذه العائلة، والمدرسة للدراسة الجافة، فلا عاطفة فيها، ومحل العمل يسبب الملل، مما يريد الكل الفرار منه ساعة قبل ساعة، وعدم العاطفية يوّلد المشاكل التي ذكرناها، لأن الإنسان كما هو عقلاني هو عاطفي، فإذا لم يكن عقلانياً، كان مصيره الجنون، ومستشفيات الأمراض العقلية، وإذا لم يملأ من العاطفة هرب من الحياة بالأمور التي ذكرناها. وثالثا: من عدم معيار للحياة، حيث إن الكبار صاروا كالصغار في الملبس والمأكل والمركب والمسكن ونحوه، فلا أسوة لمستقبل الشباب، حيث كان الكبار في الزمان السابق، في زيهم الخاص أسوة لمستقبل الشباب، فكان لهم منهج للحياة، والآن يسود الشباب اللامنهجية، هذا بالإضافة إلى أن سن الشيخوخة، أوجب طرد الشيخ عن الحياة، فليس حوله لاأولاد ولاأحفاد وليس له احترام العمل، لأنه لا يعمل، والعمل معيار كل شيء، وليس له احترام التجارب، لأن التجارب السابقة، أصبحت قديمة بسبب تطور الحياة، وليس له احترام الدين، حيث إن الدين ذهب عن المجتمعات غالباً، وهذا هو سبب غربة الشباب أيضاً ويأسهم، فالشباب هاربون، والشيوخ مطرودون، ومثل هذا الأمر الشائن المهول في المجتمع، الذي يودي بالإنسانية، يحتاج إلى تحرّي جذور المشكلة وعلاجها، مما يسبب تخلص الناس من الثمار البشعة التي أثمرتها، وإدارة المنظمة الإنسانية التي نحن بصددها، تتمكن أن تساهم في قطع هذه الجذور، ولو بقدر. سبل مساهمة المنظمات الإنسانية في الإنقاذ وعلى أي حال، فالمنظمة الإنسانية بفروعها، لإنقاذ المسجونين والمطرودين والأُسراء والمحجوزين والمختطفين، تتمكن من المساهمة في الأمر عبر الوسائل التالية: أولاً: بالمحامين، الذين يدافعون عن حقوق الإنسان. وثانياً: بالصحف الحرّة، من الجرائد والمجلات. وثالثاً: بالإذاعات المرئية واللامرئية، والنوادي وما أشبه. ورابعاً: بالكتب والنشرات الدورية، ونحوها. وخامسا: بالمال الذي تستحصله، بسبب الجمعيات الخيرية والخيّرين والأوقاف ونحو ذلك، للصرف في شأن الإنسان. وسادساً: بالفروع التي تنشرها، فيما تتمكن في ربوع العالم ـ بأن يكون للجمعية فرع مركزي، لإيجاد الفروع في ما تتمكن من أنحاء العالم ـ. وسابعاً: بالاهتمام والضغط، لتعديل القوانين التي أنتجت أمثال هذه الأمور الشائنة. وثامناً: بالإطلاع على مكامن الضعف في البلاد. وتاسعاً: بالارتباط بالجمعيات الإنسانية بإعلام هذه المشاكل، لتقوم هي أيضاً بإسعاف المحتاجين إلى الإسعاف. وعاشراً: بالطلب من الحكومات الفاسدة بالسفر إليها، لرؤية وضع السجناء والمطرودين والأسراء والمحجوزين والمختطفين، وما أشبه ذلك. فإن المنظمة الإنسانية، تتمكن أن تجعل لها هذه الفروع العشرة، لإدارة هذه الأمور التي ذكرناها. ثم اللازم على المنظمة الإنسانية، أن تجعل ثواباً ولو بالمدح والاطراء والحمد والثناء، بالنسبة إلى من يعمل طبق الموازين، وان تجعل العقوبات لمن يتخّلف، ولا يريد الانصياع إلى نداء الإنسان. والعقوبات يمكن: أولاً: بمواصلة الإعلان، عن نقض الحكومة الفلانية، أو الجماعة الفلانية، أو الحزب الفلاني، أو ما أشبه، لحقوق الإنسان. وثانياً: دعوة الدول والمنظمات والأحزاب والجمعيات وغيرها، إلى مقاطعة مثل تلك الحكومة، التي تمارس أعمالاً ضد الإنسانية، وكذا مقاطعة الحزب الذي يمارس مثل ذلك، مقاطعة اقتصادية وإعلامية وما أشبه ذلك. وثالثاً: جعل أسبوع لمهاجمة تلك الحكومة أو الجهة الممارسة، لنقض حقوق الإنسان. ورابعاً: المظاهرات، ولو بأعداد قليلة أمام السفارات لتلك الحكومة، أو مقرات تلك الأحزاب، أو ما أشبه ذلك. وخامساً: عدم إبداء الاحترام، لأعضاء تلك الحكومة الناقضة أو الحزب الناقض، مثلاً إذا أراد فرد منهم الخطابة في مكان، كالجمعية العمومية للأمم المتحدة أو ما أشبه ذلك، قام هذا الفرد المرتبط بالمنظمة الإنسانية، وترك المكان اعتراضاً على خطابه إهانة له، إلى غير ذلك. |
|
[1] سورة النحل: الآية 128. [2] سورة محمد: الآية 7. [3] سورة آل عمران: الآية 160. [4] سورة الأعراف: الآية 164. [5] سورة الرعد: الآية 28. |