| الفهرس | المؤلفات |
|
إدارة الحوزات العلمية |
|
ثم قبل ختام هذا النموذج، لا بأس بأن نذكر بحثاً ذكرناه في بعض مخطوطاتنا إلى هذا الموضوع نفسه، وحيث إن بين ما ذكرناه هنا، وذلك عموم من وجه، كان المناسب ذكره، فإن أحد أقسام الإدارات، هي إدارة الحوزات العلمية، التي هي مبعث المراجع والخطباء والمبلغين والمفسرين ومعلمي الأخلاق، وحملة الحديث والأدباء ومن إليهم، ففي عصر الإنحطاط فرضت الهامشية على هذه الحوزات، من ناحية المستعمرين الذين أرادوا ضرب الحضارة الإسلامية، لتقديم الحضارة الغربية عليها، ومن ناحية عملائهم الذين تأثروا بهم من جهة اعتمال، أو من جهة التأثر الفكري، حيث استبد الفكر الغربي بالساحة، فلم يدع مجالاً للفكر الإسلامي، فانحسر الفكر الإسلامي عن الساحة بالقوة، وعلى أي حال، فإذا أرادت الحوزات العلمية الرجوع إلى نشاطها المترقب في العصر الحاضر، فاللازم اتباع أمور: الأول: تكوين شورى المراجع بينهم، حتى تكون الحوزة مستجيبة لآرائهم، وإلاّ فمن الواضح أن الحوزة مقسمة غالباً بين مراجع متعددين، فإذا لم يكن كل المراجع في الحلبة، لا تستجيب الحوزة إلى المقررات والمناهج، التي توضع من بعض المراجع، لا كلهم، وأخيراً لا تكون للحوزة إدارة تقوم بشؤونها، تحت نظر المراجع. الثاني: وبعد تكوّن مثل هذه الشورى، فاللازم تنظيم الدراسة أولها وآخرها، وشروط الذين يقبلون في الحوزة، مع وضوح أن اللازم أن لا يكون شيئاً إجبارياً، بل بملء اختيار الطالب أن يدخل في الإدارة، أو يدرس الدراسة الحرة، كما هو الحال الآن، فإن القسر لا يدوم ويتبع تنظيم الدراسة، تنظيم الزمان والمكان والعطلات والمعاش، الذي يعطى لكل واحد، حسب تجرّده أو كونه معيلاً عيالاً كثيرة أو قليلة، ومن الطبيعي أن أموال المراجع، تجمع حينئذ في صندوق واحد وإن كانوا مختلفين في كمية العطاء، باختلاف قدر مقلديهم، وما يحصلونه من الحقوق الشرعية، فأحدهم يتمكن من بذل نصف المعاش، وآخر من ثلثه أو من ربعه أو ما إلى ذلك، حتى لا يضطر الطالب إلى الأخذ من أماكن متعددة، كما أن اللازم على الشورى أن تهيء الدور المناسبة للمعيلين، إما بالاشتراء لهم، أو الوقف عليهم أو غير ذلك، أما الطلاب المجردون، فإنهم يسكنون غرف المدارس، ومن الضروري أن تكون كل غرفة لطالب واحد لا أكثر، حيث إن وجود نفرين في غرفة واحدة، يكون ضغطاً على كليهما، فأحدهم يريد المطالعة، والآخر الحفظ أو المنام أو البحث مع زملائه، أو ما أشبه إلى غير ذلك. كما أن الشورى تعيّن الامتحانات الدراسية، وتهتم بأخلاق الطلاب، وتقواهم أكبر اهتمام، وكذلك تهتم بتعليمهم العلوم الإسلامية المختلفة، وما يتصل بذلك من الأدب والحساب والهندسة والجغرافية وغير ذلك، ويضاف عليها معرفة سائر العلوم العامة، التي لا يستغني عنها المثقف في العصر الحاضر. الثالث: تنظيم المال، من أين؟ وكيف يستخرج؟ وكم يصرف؟ واللازم مساعدة الحقوق التي تتجمع تدريجياً، من المتدينين بالأوقاف والتجارات وغير ذلك، ومن المعلوم أن الناس، إذا رأوا صحة التنظيم وجودة الإنتاج، لا بد وأن يكثروا من التبرعات، مما يقوم بكل المصاريف، بالإضافة إلى النذور والأثلاث، ونحوها مما إذا جمعت ونمت، يكون مالاً كثيراً. الرابع: ثم من اللازم تنظيم التبليغ على قسميه، قسم وعظ المسلمين وإرشادهم والاستمرار في توجيههم، خصوصاً في الأشهر التي هي ربيع ذلك، كأشهر رمضان ومحرم وصفر، وقسم تبليغ الإسلام لمن ليس بمسلم، حتى يدخلوا في دين الله أفواجاً. الخامس: تنظيم الوكلاء، فإن المسلمين منتشرون في شرق الأرض وغربها، بالإضافة إلى نفس بلاد الإسلام، مدنها وقراها وأريافها، والكل بحاجة إلى الوكيل، الذي يعلمهم شرائع دينهم ويقضي في قضاياهم، ويقيم الصلاة لهم، إلى غيرها من شؤون المراجع والوكلاء، وقد رأيت في منشور: أن المسيحية التابعة للفاتيكان لها ثلاثة ملايين وستمائة ألف مبلغ ووكيل في العالم، ولذا نرى أن المسيحية تتقدم إلى الأمام بسرعة مدهشة، ومن الواضح أن هؤلاء الوكلاء، بحاجة إلى جماعات رقابة يدورون عليهم بين الحين والحين، لملاحظة النواقص والثغرات في عملهم، حتى تكون المرجعية مشرفة أولاً، وقائمة بسد الخلل ثانياً، ومن خلال هؤلاء الوكلاء، تتمكن المرجعية من إدارة شؤون المسلمين في العالم. السادس: ثم اللازم على شورى المرجعية، أن لا تقتنع بالبعد الديني بالمعنى المتعارف حالياً، بل تتطرق إلى كافة أبواب الحياة، كما كان يفعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعليه أن يعطى للمسلمين في كافة بلادهم، حاجاتهم من المستوصفات والمستشفيات والمدارس والمعاهد والمكتبات والنوادي، ويسعى إلى أن تكون لهم الإذاعات والتلفزيونات والمطابع والصحف، وما إلى ذلك، بالإضافة إلى المساجد والحسينيات وغيرهما، وحتى أن اللازم السعي لنصب المعامل لهم وتبليط الطرق، مما يؤدي إلى إصلاح دنياهم وآخرتهم، وبذلك يمكن حفظهم عن الانحرافات التي صارت كالسيول في العالم المعاصر، فإنه إذا لم تكن لجماعة منهم المعاش الكافي والعمل الكافي، وما أشبه ذلك، لا يستقيم دينهم (فمن لا معاش له لا معاد له) وفي الحديث: (إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً). السابع: جمع الشباب، فإن الشبكات الشرقية والغربية، بل وشبكات الفساد والإفساد نشرت في كل العالم الإسلامي، وغير الإسلامي، لصيد الشباب من الجنسين، لجعلهم ذيولاً للمستعمرين، فإذا لم يجمع المراجع شبابهم الذين يصلون إلى مئات الملايين، فلابد وأن يكون الشباب آلة هدم عوض أن يكونوا آلة بناء، فكما أن المرجع يجعل من معتمديه، جماعة للمال، وجماعة للدراسة وجماعة للمؤسسات في الحال الحاضر وهكذا، كذلك يلزم عليه أن يجعل جماعة لأخذ أزمة الشباب وتنظيمهم وإعطاء حاجاتهم، وصرف نشاطاتهم، فيما ينفع الدين والدنيا، وتزويج عزابهم وتشغيل عاطلهم، والإنفاق على من يريد التثقف بثقافات العصر منهم، لأجل انتفاع المسلمين، إلى غير ذلك. الثامن: كما يلزم أن ينتدب الشورى، جماعة من حملة العلوم الإسلامية ليتضلّعوا في العلوم الحديثة، من الطب والهندسة وعلم الاجتماع والصحافة، وعلم النفس وغير ذلك، وهم في نفس الوقت مشبعون بالعلوم الإسلامية، كي يتمكنوا من توجيه الحياة توجيهاً إسلامياً صحيحاً، فإن الدنيا لا تقبل إلاّ المماثل لها، على حد قول الشاعر: (إن الطيور على أشكالها تقع). التاسع: وبعد ذلك يأتي دور ارتباط الحوزات بالعالم المحيط بها، المشتمل على الحكومات والأحزاب والمنظمات الدولية، والإعلام العالمي وغير ذلك، فإنه إذا لم تحفظ الموازنة بين جزء من المجتمع، أو المفروض أن الحوزة هي جزء من المجتمع، وبين سائر أجزائه، لا يتمكن هذا الجزء المنفصل أن يعيش باستقلال وسلام، مما هو مطلوب من الحوزات. العاشر: وأخيراً فاللازم أن يكون في بلاد الإسلام شورى المرجعية، هي السلطة العليا، كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتب السياسة وغيرها، أما إذا لم يتفق ذلك، وكذلك بالنسبة إلى البلاد التي فيها المسلمون أقلية، حيث الحكّام هم المسيطرون، فاللازم أن يجعل نسبة معينة بين الشورى وبين أولئك الحكام، كم يعطون؟ وكم يأخذون؟ وكيف تكون النسبة بين الشورى وبين الحكام؟ وهذا شيء دقيق يجب حله بواسطة الأكثرية في شورى المرجعية، ونحن في هذه المسألة لم نرد التفصيل حول إدارة المرجعية، وإلاّ فان ذلك يحتاج إلى كتاب مستقل، وإنما أردنا الإلماع إلى رؤوس الأقلام المرتبطة بجهة الإدارة، من جهة المرجعية التي ضربت بأجرانها في البلاد العراقية، والبلاد الإيرانية في هذه القرون الأخيرة. |