الفهرس

المؤلفات

  الإدارة

الصفحة الرئيسية

 

الحاجة إلى علماء الدين [1]

هذه الرسالة (الاحتياج إلى أهل العلم) كتبتها تنويراً للذين جرفهم التيار الغربي، فزعموا أن رجال الدين، كالعضو الأشل الذي لا ينتفع به، ويجب بتره ليستريح الجسم من كدّه وتعبه، وقد جعلوا حجتهم أن زمان رجل الدين إنقضى، وأمده انصرم، ولذا لا ينتفع هو من المجتمع، ولا ينتفع المجتمع به، إذن فمن الأفضل أن يقطع هذا العضو، حتى لا يسبب فساداً وخبالاً، ولا يكون عالة على المجتمع، وكلاً على الآخرين.

هذا هو منطق الغرب والغربيين، أما الغرب فقد لفق هذه الأكذوبة عمداً واحتيالاً، لأنه رأى أن العقبة الكؤود والسد المنيع أمام استعماره واستثماره وتهويده وتنصيره لبلاد المسلمين، ليس إلاّ رجل الدين بما أوتي من شعبية واسعة، ونفوذ هائل إلى أعماق المجتمع، وهناك ألف شاهد لما ذكرناه، من احتيال أهل الغرب، لزحزحة أهل العلم عن المجتمع.

وأما المسلمون، فهم بين غافل انساق وراء الأكذوبة عن بساطة نفس، وصدق طوية، وبين من خلب لبّه سراب المستعمرين، فظن التخلص من الدين نصراً مبيناً يوفر له السعادة والخير، فصفق وهلل، وانطلى عليه الاحتيال وسار وراءه، بدون تمحيص واختبار.

وبين ذا وذا وقعت الواقعة، حتى أخذ جماعة كثيرة من المسلمين أنفسهم يتساءلون، ما هي فائدة رجال الدين؟ وهل هم مبشرون بالحياة السعيدة، وما هي؟ أم بالموت؟ فهم يشيرون إلى جنة عرضها السماوات والأرض فقط، بدون أن يكون لهم أقل شأن في هذه الحياة الدنيا؟

ومن غريب الأمر، أن المكيدة انطلت حتى على بعض البسطاء من رجال الدين، فزعموا أن دورهم انقضى وما هم ـ بعد ذلك ـ إلاّ كالسحاب الذي أمطر وابله، ثم بقي في السماء عاطلاً ينتظر دفء الشمس وهوج الرياح، ليذيباه شيئا فشيئاً (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ).

وبمثل هذا الجو القاتم: استعمار من الخارج، وجهلة من الداخل، وغفلة من بعض رجال الدين، ضاعت المقاييس، واتسع الخرق حتى على الواقع.

إن هذه الرسالة كتبت لأجل هذه الغاية، لتلقي بعض الضوء على (وجه احتياج المجتمع إلى أهل العلم) ومن أجل تفنيد بعض المزاعم المستوردة، التي حاكها الغرب، لأجل الإستعمار والاستثمار.

ومن الطبيعي أن نرى بعد ذلك (المهمة) الملقاة على عاتق أهل العلم، لا تؤدى بدقة واتقان، وأن ننظر إلى المجتمع، فلا نرى الفائدة المتوخاة، التي لأجلها يعمل أهل العلم ويكدون ليل نهار.. فإنه كيف يمكن أن يعمل جهاز، قد عطب بعض ماله من مقومات ومؤهلات، فهل رأيت طائرة تطير بدون وقود، أو قمراً يطير بدون آلات؟ أو هل رأيت حبة تنمو في أرض جافة، لا نصيب لها من الماء والعذوبة، ولا تتساقط عليها أشعة الشمس، ولا تمر عليها نسائم الهواء؟

إن الرجل مهما كان شجاعاً مقداماً، إذا غلّت يداه وسجن في غيابة مطمورة، لا يتمكن من أن يعمل، ولو بقدر الجبان المطلق الأيدي والأرجل.

إن الجو الخانق الذي هيأه المستعمر، وأنابه لبلاد الإسلام، خليق بأن يدع رجال الدين مكتوفي الأيدي، لا يحلون حتى رجلي دجاجة، ولا يعقدون حتى الخيط العادي، فمن أين يمكن أن نرى نتائج جهود أهل العلم، وثمار خدمات رجال الدين؟ وهل مثلهم في مثل هذا الجو المظلم إلاّ كما قال الشاعر:

ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له***إيــاك إيــاك أن تبتل بالمــــاء

وهذه الرسالة محاولة للإلماع إلى دور أهل العلم في المجتمع، ووجه إحتياج البشرية إلى رجال الدين، والله الموفق وهو المستعان.

كربلاء المقدسة محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي.

رجل الدين ممثل للإسلام ومبين لقوانينه وأنظمته، والإسلام يوفر للناس الحياة السعيدة في الدنيا وفي الآخرة، فاحتياج الناس إلى رجل الدين، هو إحتياجهم إلى سعادتهم.

هذا مجمل المطلب، وإليك التفصيل ضمن أرقام.

النزاهة

رجل الدين إنسان نزيه مثالي، والمجتمع بحاجة إلى الإنسان النزيه للأسوة، أولاً، ولتعشق الإنسان إلى الخير والجمال اللذين يمثلهما الروحاني ثانياً، فهل رأيت كيف يعشق الإنسان منظر الطبيعة الهادئة، وأريج الأزهار الفواحة، وانسياب الأنهار الملتمعة؟ كذلك يعشق الإنسان الشخص النزيه المثالي، ويملأ النزيه فراغاً في نفس الإنسان، بحيث أنه لولا النزيه، يبقى هذا الفراغ شاغراً.. إن الإنسان ينظر إلى المثاليين بعين النزاهة والإكبار، فيتخذهم أسوة له في الحياة.. وبذلك يسمو المجتمع صعدا إلى العلو، ويتقدم البشر قدماً إلى الأمام.

الإجابة مع البرهان

الإنسان جبل على حب الاستطلاع، وأول ما يفكر فيه كل إنسان، أوتي حظاً من الفكر والفطنة هي قصة (المبدأ) أنه يفكر، ما هو المبدأ؟ ومن الذي خلق الكون؟ وكيف ابتدع البشر؟ والروحاني يجيب على هذه الأسئلة، ولا أجوبة فارغة، ودعاوى لا يسندها الدليل، وتخرصات تحتاج إلى (الحلقة المفقودة) بل جوابه مشفوع بالبرهان، وكلامه مدعوم بالأدلة القطعية، والحجج الواضحة.

تحديد المسار السلوكي

والإنسان يتلهف لمعرفة المصير، وأنه كيف يكون في المستقبل؟ فهل يذهب هذا الجمال إلى العدم والفناء الأبدي؟ أم هل يبقى؟ وكيف يبقى؟ إلى ألف سؤال وسؤال، حول المصير والنهاية.. والروحاني يجيب عن هذه الأسئلة، أجوبة كافية ومقنعة في نفس الوقت، مما يسد هذا الفراغ الهائل في النفس، والتطلع المتلهف نحو المستقبل المجهول، ثم إن معرفة المبدأ والمصير، يحدد سلوك الإنسان ومسيرته، فالروحاني بالأخير يحدد السلوك في هذه الحياة.

الجمع بين العلم والمنطق والبرهان

ما هو الإنسان؟ وما هي النفس؟ ومن أي شيء الروح؟ كلها أسئلة تحتاج إلى أجوبة، وكلها مشاكل بانتظار الحلول، فهل الروح عين الجسد؟ أو أن الروح غير الجسد؟ فكيف المغايرة؟ ومتى وإلى أين حين الافتراق؟ أسئلة كلها تدور في فلك معرفة الإنسان لنفسه، وتطلّع الإنسان لذاته … والروحاني هو الوحيد، الذي يتمكن من الجواب على هذه الأسئلة، وحل هذه الألغاز، في ضوء العلم والمنطق والبرهان.

تلاميذ الأنبياء

رجال عمالقة، وأبطال عظام، جاؤوا إلى الدنيا، لإصلاحها، وانتشال الناس من هوّة الظلم، وإسعادهم في مختلف جوانب الحياة، يسمّون هؤلاء الرجال (بالأنبياء والأوصياء) فمن هم؟ وما هي قصصهم؟ وأين هي الدلالة والإشارة في حياتهم؟ وما هو المقدار الذي يتمكن الإنسان من الاستنارة بأنوارهم، ليسعد هو بنفسه، ويسعد الآخرين بإرشاده ودلالته؟ إلى غيرها من الأسئلة.. والأسئلة، تدور في هذا الفلك.. والروحاني يجيبك إجابات كافية رشيقة، حول هذه الأسئلة، فإن رجل الدين هو تلميذهم، والنسخة طبق الأصل ـ مع فارق التشبيه- لأولئك الأنبياء المصلحين، والأئمة الراشدين.

المعرفة بالتاريخ

أمم خلت مع التاريخ، وقرون مضت مع الأجيال، وشلاّلات من البشر جاءت إلى الوجود، ثم ذهبت أدراج ثنايا الزمان، وقد أقاموا حضارات وهدموا حضارات، بما تنطوي عليه الحضارة من المقارنات والملابسات، وما اشتملت عليه حياتهم من عبرة ومماتهم من إشارة … فمن كان أولئك الأجيال؟ وكيف كانت تلك الأمم؟ إنها أسئلة يجيب عنها رجل الدين، إجابات واضحة، ويرشدك إلى مواضع العبر، لتتخذ منها دروس السعادة والصلاح.

سعة آفاق التفكير

الإنسان ذرة صغيرة في عالم كبير، مدهش في الكبر، والعالم مرتبط بعضه ببعض ارتباطاً وثيقاً، يكاد الإنسان الغافل لا يصدقه، والنظرة الكبيرة إلى الكون والحياة، بالإضافة إلى أنها توسع آفاق التفكير، تؤتي ثماراً شهية من السعادة، ونتائج طيبة تورث الابتهاج والارتياح … والروحاني يوسع آفاق التفكير، حول الكون والحياة، ويرشد إلى العالم الكبير، الذي يبتدئ من الأول ويستمر إلى الآخر، بالعمق والشمول المعاصرين، فتصبح نظرة الإنسان كونية، ممتدة من الأول إلى الأبد، وهذه النظرة بالإضافة إلى ما تورثه من البهجة والسعة، توجب سعة الحركة والعمل، مما يأتي بأجمل الثمار، وأحسن النتائج.

التعمير

يساهم رجل الدين في تعمير البلاد، فإن المساجد والمدارس والحسينيات، وسائر الصدقات الجارية، إنما تحتاج إلى محفزين، يبيّنون للناس أهميتها ويستدرون عطف الناس إليها، حتى يبذلوا الأموال، ويصرفوا الأوقات، لبنائها وإشادتها، وتعهدها، وتعاهدها، وليس المحفّز لمثل هذه المشاريع، إلاّ الروحانيين.

الإرشاد إلى حياة الرفاه والجمال

تجميل المدن، من الأمور المهمة التي تسعى الحكومات والشعوب لها، فإن الجمال مما يتوخاه كل إنسان، ويتطلبه الأفراد والأمم، رجل الدين يساهم مساهمة فعالة في تجميل المدن وروعة البلاد، بما يبيّنه من المناهج والدساتير المقررة للجمال، وفي رأس القائمة، قوله (عليه الصلاة والسلام):

(إن الله جميل يحب الجمال): جمال المدن، جمال الحدائق، جمال الشوارع، جمال وسائل العيش، بأي لون كانت، جمال الأفراد، إلى غيرها.

الرفاه غير الجمال، فإن الشارع الوسيع، الموجب لرفاه المارة، يمكن أن يكون جميلاً، كما يمكن أن يكون بشع المنظر، السيارة الجميلة، يمكن أن تكون بدون رفاه، توجب مضايقة الركاب وإرهاقهم.

والرفاه مطلوب للإنسان، كما أن ما يوجب الإرهاق والضيق، مكروه لدى كل فرد.. ورجل الدين يعلّم الناس، كيفية الحياة المرفّهة، أنظر إلى هذا الحديث: (من سعادة المرء دار وسيعة، ودابة سريعة، وامرأة مطيعة) وبرامج: سعة الدار، التنزه، التوسعة على العائلة، توسعة الشوارع، إلى غيرها، مما يرشد رجل الدين إليها، ويشير إلى مزاياها وفوائدها، توجب الرفاه والسعادة للإنسان.

الزراعة

زراعة الأراضي وتعاهد المزارع والبساتين والحدائق، من مقومات الحياة السعيدة، فإن كثرة المزارعة بالإضافة إلى أن من إيجابياتها، الرفاه، وكثرة الحبوب والفواكه تساهم في البهجة والإرتياح، وتكثير اللحوم والألبان، والصحة العامة.. ورجل الدين ممن يقود هذه الحركة، ويساهم في الزراعة مساهمة فعالة، فإن البرامج الزراعية الموجودة في الإسلام، والتي ذكرت في كتاب (التجارة) و (إحياء الموات) (والمزارعة) و (المساقاة) إنما يبيّنها للناس أهل العلم، ويحبذون إلى الناس الزراعة والإنتاج، ويذكرون ما لذلك من الفضل والثواب عند الله سبحانه.

التنظيم الاقتصادي

يساهم رجل الدين في إزالة الفقر من البلاد، فإن مناهج الخمس (العشرين في المائة من الأرباح وغيرها) و (الزكاة بمقاديرها المختلفة: من عشرة في المائة، إلى واحد في المائة)، والصدقات، والكفّارات، والنذور، والهبات، والهدايا، والضيافات، وما أشبه هذه الأمور.. مما يبيّنها رجل الدين للناس، ويحثهم عليها، ويرشدهم إلى منافعها وفوائدها، والثواب العائد لمن عمل بها.

ومن المعلوم مساهمة مثل هذه الأمور، لنفي الفقر والعوز، وترفيع مستوى الفقراء والمساكين.

وحدة الصف

جمع الناس تحت لواء واحد، وتوحيدهم في صف، ونبذ الفوارق، وإزالة أسباب التفرقة والانشقاق، من أهم ما يحتاج إليه الإنسان لتطمئن نفسه، ويستقر ضميره، ثم ليكون هناك التعاون في التقدم إلى الأمام، فإن الألفة والوحدة، منبع الفضائل، ومبدأ السعادات، ورجل الدين يسعى لهذه الغاية النبيلة، والتي نجدها صريحة في القرآن الحكيم:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا...) [2] وفي كلام الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم):

(الناس سواسية كأسنان المشط)

وفي كلمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (الناس أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).

الوطنية

رجل الدين وطني غيور، لا يمكن أن يدعو إلاّ إلى الوطن، وفي رأسه برامجه (حب الوطن من الإيمان) إنه ليس وطنياً بمعنى الإقليمية الضيقة، وإنما بمعنى المكافحة لأجل الأوطان، ومطاردة الأجانب والمستعمرين، الذين يحلبون خيرات الوطن، ويريدون له التأخر والانحطاط، على حساب تقدمهم ورفعتهم.

النزعة الإنسانية

النزعة الإنسانية من أجمل صفات الإنسان، ولا ينالها إلاّ ذو حظ عظيم، وهي عبارة عن الشعور بجمال الإنسان ـ بما هو إنسان ـ مع الغض عن جميع الملابسات والمزايا والنواقص التي تعتري أفراد البشر، وهذه النزعة إذا وجدت في فرد أو أمة، تفعل أثرها الفعّال في سوق الإنسان إلى كل خير.. ورجل الدين يعلّم المجتمع هذه النزعة، وينمّيها في الفرد والأمة، ويتعاهدها بالحكمة والرعاية، متخذاً من قوله تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ...) [3] خير دستور ومنهاج لغرس هذه الفضيلة، وإنمائها في النفوس.

النزعة العالمية

النزعة العالمية، عبارة عن اهتمام الإنسان بالعالم، إنسانه وحيوانه، مدنه وصحاريه، حربه وسلمه، شجره وحجره، وسائر أجزائه وطوارئه، وهناك فرق بين (النظرة الكونية) و (النزعة العالمية) في أن الأولى نظرة إلى الكون، بما فيه من سماء وأرض، وخالق ومخلوق، وحياة وموت، إلى غيرها، والثانية حالة في النفس تبعث إلى الاهتمام بعالمنا المحيط بنا، وكثير من الناس لهم نزعة عالمية، وليست لهم نظرة كونية، والنزعة العالمية، دليل على ارتفاع مستوى الفكر، وسعة أفق النفس، وتؤتي ثمارها الطيبة في مرافق الحياة العامة.. ورجل الدين ممن يساهم لإيجاد هذه النزعة المباركة في الأفراد والمجتمعات، وعنوان صحيفته (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً، فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه).

النهوض الثقافي

ورجل الدين يساهم في ترفيع المستوى الثقافي للأمة، ويحرّض الناس على العلم والمعرفة، فهو كبذرة طيبة للعلم، تؤتي ثمار المعرفة، وتوسّع دائرة المعلومات، وتقلّص من الجهل والانحطاط، وانظر إلى هذه الآيات والأحاديث المروية: (... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ...) [4] (... يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ...) [5] (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) (اطلبوا العلم ولو في الصين) (لو كان العلم منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس).

التحريض على الزواج

ورجل الدين يكوّن الأسر، ويوجد العائلات، وذلك بتحريضه الدائم على النكاح، وتحذيره الدائم من الطلاق والعزوبية، ومن المعلوم فوائد الأسرة، ومنافع العائلة، فإنها اللبنة الأولى للجتمع الكبير، إن عنوان صحيفة رجل الدين.. وفي هذا الصدد (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ...) [6] و (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).

حل المشاكل الأسرية

ورجل الدين يحل مشاكل الأسرة، إذا عرضت المشاكل في حياتهم، وذلك بتحريضهم على الإصلاح، (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما) وأخيراً بوضع الحلول العادلة للمشاكل، ببيان حق كل من الزوج والزوجة، والوالدين والاولاد والأقرباء والأرحام، ولذا نجد رجال الدين في كل مدينة وقطر، المفزع الآمن، لحل أمثال هذه المشاكل.

إزالة التوتر

وإذا لم يصطلحا، ولم يقبلا الحلول العادلة، يحل رجل الدين المشكلة العصية بالطلاق، كالدملة الخبيثة التي أخير دوائها البتر والعمل والقلع، فجحيم البيت، الذي أوقد بسبب المنكر، وسوء الأخلاق، تطفى بالطلاق، تقديماً للأهم على المهم، ولئلا يبقى الجرح يدمي ويتقيّح حتى يفسد اللحم والعظم، ويسبب الدمار والهلاك، ثم رجل الدين، يضع الحلول العادلة للفرقة والبرامج المخففة لحدة التوتر، الذي يسببه الطلاق.

الدفاع عن الأوطان

ورجل الدين يغرس في المجتمع ملكة الدفاع عن البلاد، ونصرة المظلوم والضعيف، وعنوانه في هذا الجانب المهم من الحياة (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) و (ما غزي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلوا) ولذا كان رجال الدين على طول الخط، أقوى سند للبلاد في حالات الكوارث، وفي حالات هجمات الأعداء، سواء كان الهجوم بصورة سافرة، أو بالتلصص والاختفاء.

حفظ التوازن الاجتماعي

ورجل الدين خير عامل لحفظ التوازن في المجتمع من غلواء الطبقات، فإن المجتمع لا بد وأن يشتمل على طبقة تملك القوة والمال، وطبقة لا تملك منهما شيئاً، ومن الطبيعي أن يطغي صاحب القوة والثراء، ويثور الفاقد لهما، مما يسبب حدة التوتر، وأخيراً الخصام والاصطدام، ورجل الدين، يقف دون طغيان صاحب الثروة والقوة، بالنصح والإرشاد والتهديد والوعيد، كما يخفف من حدة عنف الطبقة العزلاء، ولا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب المال والقوة، الدولة، أو الأثرياء والأقوياء.

تنظيم رؤوس الأموال

والتكدّس في الثروة، يضر الجانبين، جانب الثري، وجانب المعوز، كالماء، إذا اجتمع في مكان، يضر وجوده بذلك المكان، كما يضر عدمه بالمكان الخالي منه، ورجل الدين خير مفتت للثروة، وموزّع للأموال المكدّسة، بما معه من المناهج الإسلامية، فالخمس يأخذ من المال عشرين بالمائة، والزكاة ما يقارب معدل خمسة في المائة، ثم يخرج من المال الصدقات والكفارات والخيرات ـ المطلقة ـ مما لا يبقى من المال إلاّ الخمسين في المائة ـ تقريباً- ثم بعد ذلك، يفتت الباقي بالارث، حتى أن رأس المال قلما أن يبقى مدة مديدة.

الإرشاد الصحي

ورجل الدين ممن يساهم في حفظ الصحة ـ وقاية وعلاجاً- وذلك بما يبيّنه للناس من المناهج الصحية الواردة في الإسلام، في أبواب (المآكل) و (المشارب) و (النظافة) و (الازدواج) و (السفر) و (التنزه) و (الابتعاد عن المصابين) و (التجنب عن مواضع الاصابة) و (الملابس) و (النوم واليقظة) و (الاغتسال والوضوء) و (الصيام) وما أشبه ذلك، ثم بيان العقاقير البسيطة النافعة في العلاج، عند الإصابة، وإزالة أسباب القلق والاضطراب النفسي، مما يسبب كثيراً من الأمراض، إلى غيرها من أسباب حفظ الصحة، وقاية وعلاجاً.

داعية السلام

ورجل الدين من أكبر الدعاة إلى السلام، السلام بين أفراد العائلة، وبين الأصدقاء، وبين الشركاء، وبين المدن، وبين البلاد، وهل عنوان أفضل من قوله سبحانه؟ (يا أيها الذين آمنوا إدخلوا في السلم كافة...) [7] وفي الحديث ـ عد من المنجيات- (إفشاء السلام للعالم).

حفظ كرامة الإنسان

ورجل الدين الحافظ الوحيد للكرامة البشرية، فإنه هو الذي يعرف أن (الإنسان خليفة الله في الأرض) ويعرف أن (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً...) [8] وأنه (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ...) [9] وحتى أن الإشارة إلى إنسان قصير (بالقصر) ازدراءاً (غيبة) محرّمة في الشريعة، بل رجل الدين يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يبيّن أن الإنسان في حال كونه نطفة أو بعد الموت، أيضاً له كرامة الإنسان، وأن كل عمل ينافي كرامته، محظور فيه، ومعاقب فاعله.

القاضي العادل

ورجل الدين ـ وحده ـ يعرف أحسن المناهج القضائية، لحل الدعاوي والمخاصمات، حلاً سريعاً واقعياً، بدون لف أو دوران، وبدون هدر الطاقات والكرامات، وحيث أنه يعلم أن (القاضي بين جمرتين من نار) و (لعن الله الراشي والمرتشي) فالقضاء عنده متسم بسمة العدل والحق، إلى أقصى الحدود الممكنة.

الحفاظ على اللغة العربية

ورجل الدين هو القائم الحافظ على (اللغة العربية) بآدابها وأنظمتها وأساليبها، وفائدة ذلك بالنسبة إلى البلاد العربية، وسائر البلدان الإسلامية، واضحة، حيث إن العرب بحاجة إلى من تحفظ لغتها عن الاندثار، والمسلم بحاجة إلى من يحفظ لغة قرآنه، وحديثه، وصلواته، ودعائه، بالإضافة إلى أن حفظ لغة من الضياع والاندثار، من مهمات العالم، فإن فائدة ذلك بالنسبة إلى غير العربي وغير المسلم، هي الحفاظ على كيان واسع وعميق، وحضارة بشرية ازدهرت قروناً من الزمان، وخلّفت ملايين من الآثار، كما أنه يفيد غير المسلم، في التعرف على أمة كبيرة من البشرية يقدر تعدادها بـ (1500) مليوناً.

معرفة الأديان

ورجل الدين، يعرّفنا بالمبادئ والأديان والمذاهب والأفكار والأنظمة والقوانين والمعتقدات، لأنه المسؤول عن معرفة كل ذلك ـ قديمها وحديثهاـ حتى يعرف الحق من بينها، ويتمكن من دحض الباطل، بالحجة والإقناع، ولذا نجد في كتب الفلسفة والكلام الإسلاميتين، التعرض لذلك كله بضرورة مبسطة أو موجزة، وهذا يفيدنا في معرفة الحق وتمييزه عما عداه، بالإضافة إلى أنه موجب لتوسيع آفاق الفكر والمعرفة، والتعرف على سائر بني الإنسان، في عقائدهم وأفكارهم وأنظمتهم.

الحد من الجريمة

والجريمة في المجتمع، من أبشع ما منيت به البشرية من قديم الزمان، والروحاني يساهم مساهمة كبيرة في الحد من غلواء الجريمة، والحيلولة دون انتشارها وعدواها، وذلك بمناهج خاصة قدّرها الإسلام، كالإرشاد، والنصح، والتذكير بعذاب الله وشديد نكاله، والترغيب إلى جنات النعيم، لمن عاش طاهراً نقي الثوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرقابة على المجتمع، والحث والتشويق، وما إلى ذلك من المناهج المعروفة.

هذا فيما إذا لم يكن بيد رجل الدين زمام الحكم، وإلاّ فمنهاج الوقاية من الجريمة والعلاج لما وقع منها، هي من أفضل المناهج التي عرفت لهذه الغاية.

إغاثة المنكوب

ورجل الدين بيده ترياق التسلية عن المصاب، مما يوجب السكينة والإطمئنان قلباً، والحيلولة دون وقوع كوارث تسببها الفوادح، غالباً، مثلاً التلميذ الراسب كثيراً ما يتعرض للأمراض، بسبب القلق والاضطراب النفسي، أو يلقي بنفسه في احضان الانتحار والجريمة، فراراً من وقع الرسوب على نفسه، وهكذا التاجر الذي خسر ماله، والإنسان الذي فقد قريبه، والموظف الذي أزيل من منصبه، وهنا يأتي دور رجل الدين، ليمد إلى المنكوب والمصاب يد السكينة والهدوء، ويشفيه ببلسم الصبر والاطمئنان.

المعلم والمربي

ورجل الدين يعلم الآباء العطف على الأبناء، وتربيتهم تربية صالحة، ليكونوا أعضاءاً نافعين في المجتمع، وأولاداً بررة بالنسبة إلى الآباء، كما يعلّم الأبناء برّ الآباء، وعدم التعرض لعقوقهم وغضبهم، والتعطف عليهم وإسعافهم بحوائجهم، وتحمل المشاق والمتاعب في سبيلهم،، جزاءاً لما سلف من خدمة الآباء لهم (... وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً...) [10] والذي يرى العقوق الدائرة بين الآباء والأبناء ـ في عصرنا الحاضرـ يعرف القيمة الكبرى لهذه الخدمة، التي يؤديها رجل الدين إلى المجتمع، بدون أن يتقاضى في قبالها جزاءاً، ولا شكوراً.

التحريض على صلة الرحم

ورجل الدين يحرّض الأقرباء على صلة الرحم، مما يوجب الحب والوداد، والألفة والاقتراب، ولا يخفى ما في ذلك من الازدهار، والتقدم إلى الأمام، فإن الصلة تنتج الألفة، والألفة توجب التعاون، وبالتعاون تتقدم الحياة، ويسمو المجتمع، وتترقى الأمم.

إصلاح شباب الأمة

والزواج، بالإضافة إلى أنه مطلب جنسي، وسكن نفسي، يكفكف من غلواء الجريمة ويبني العوائل، ثم المجتمع الصالح، ورجل الدين يساهم مساهمة فعالة في تزويج الفتيان والفتيات، وتشكيل الأسر والعائلات، وعنوان صحيفته في هذا الأمر المهم (تناكحوا تناسلوا) وهذا غير ما تقدم في الفصل ـ 18 ـ فإن الكلام هناك في تكوين الأسر، وهنا في انتشال الفتيان والفتيات من السقوط، وتدريجهم في مدارج الحياة الهادئة المريحة.

المساهمة في تحرير واستقلال البلاد

ورجل الدين يساهم في تحرير البلاد من نير الأجنبي، ويشارك في إنطلاق الشعوب إلى حيث الرخاء والسعادة، فإن ملكة الإستقلال والإنطلاق، التي إنطوى عليها الروحاني، من جرّاء تشبعه بالمثل الإسلامية السامية، تحفزه على المشاركة في ميادين الكفاح والنضال، وتحثّه على الارتقاء بالأمم إلى الانطلاق والتقدم.

معلّم الحرية

وكذلك يعلّم رجل الدين الناس مبادئ الحرية الصحيحة، في حدودها المعقولة، المتوسطة بين الإفراط المضر، والتفريط المقصّر، فرجل الدين هو الآخذ بالزمام، لئلا يطغى الناس على حدود الحرية المعقولة، بالقتل والنهب والفوضى، ولئلا يجمد الناس ويهمدوا، فأن الركود والخمود يضران بمثل ضرر الفوضى والاضطراب، وعنوان صحيفة رجل الدين في هذا الصدد: (... وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ...) [11] و (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً).

القائد إلى الحق

الحسن والقبح، أمران ثابتان في الواقع، فالإحسان حسن، والظلم قبيح، والحكم بالحق جميل، والارتشاء للحكم بالباطل بشع، وفي كل نفس نداء وحنين إلى تحسين الحسن، وتقبيح القبيح، ورجل الدين يقوّي هذا الضمير لدى الفرد، ويعلّمه مواضع الحسن والقبح، والجمال والبشاعة، ويشجّع المجتمع على اجتناب القبائح والمساوئ، والإقدام على المحاسن والمحامد، مما يسبب بالأخير توسيع دائرة المحاسن، وتقليص منطقة القبائح.

رجل التقدم

ورجل الدين، يحفز المجتمع والأفراد للتقدم، بدون أن يرى حداً للمسير، وهذه الكلمة العسجدية منهاج رجل الدين في التحفيز والحث (من استوى يوماه فهو مغبون) فإن كنت عالماً، قال لك: هناك علم آخر، وإن كنت صانعاً، أرشدك إلى أن أمامك صنائع، لم تصل إليها البشرية، وإن كنت رائد فضاء هداك إلى إمكان إرتياد المجرات، بالعلم والتجربة والكد والنصب وهكذا، في كل المجالات، وجميع الآفاق.

رجل البر والإحسان

ويهتم رجل الدين بالبنايات الخيرية، والمحلات التي تشاد، لأجل البر والإحسان، كالحسينيات ودور العجزة، ودور الأيتام، والمستوصفات، والملاجئ، ودور المشردين، وما أشبه ذلك، وعنوانه (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) و (تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى).

الحث على العلم

ويسعى رجل الدين، لتصنيع البلاد، بالحث المتواصل على العلم، والعمل للدنيا والآخرة، وفي الحديث: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).

القضاء على البطالة

وكذلك يهتم رجل الدين، بتقليل البطالة، بل نفيها إطلاقاً، فإن (الكاد على عياله، كالمجاهد في سبيل الله) و (إن الله يحب المحترف الأمين) وقد ورد في الحديث، أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سأل عن شخص؟ فقيل له (صلى الله عليه وآله وسلم): لا عمل له، قال: سقط عن عيني.

محاربة الفساد الاقتصادي

كما أن رجل الدين، يحارب الربا والإحتكار والغش والخيانة والتلاعب بالأسواق، في جميع صورها، وبكل مظاهرها، وذلك بتنفير الناس عن هذه الرذائل، وبيان تحريم الإسلام لها، والعقاب الشديد المتوّعد لمن اقترفها، وهل هناك أشد من هذه الآية الكريمة؟ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ...) [12] و (من غش مسلماً فليس منا).

توضيح المسائل الشرعية للناس

ورجل الدين، يبيّن الأحكام الشرعية للناس، المربوطة بمباحث المعاملات، بالإضافة إلى أنه يبيّن الأحكام العبادية، وذلك مثل أحكام (الرهن) و (الإجارة) و (الوديعة) و (المضاربة) و (الشركة) وما إليها، فهو كمعلّم القانون، بل هو (كمشرع القانون) من حيث استنباطه الأحكام، عن النصوص والإجماع والعقل، وإذا علمنا أن (القوانين الإسلامية) أفضل من كل قانون يضعه البشر، علمنا أن رجل الدين، معلّم لأفضل القوانين، ويا لها من منزلة رفيعة، ورتبة اجتماعية سامية.

الطبيب النفساني

لأطباء النفس اليوم، شأن رفيع في المجتمع، حيث أنهم يعالجون المشاكل النفسية، التي تستعصي على أمهر أطباء الجسد، ورجل الدين طبيب نفساني، وعالم روحي، يتمكن من علاج الأمراض النفسية بأسهل الطرق، وخير الوسائل، وأحسن السبل، ولذا يعبر عنهم ـ لدى العامة ـ بـ (أطباء الروح) وذلك بفضل المناهج التي قررها الإسلام لهذا الشأن.

حفظ كرامة الإنسان

الإنسان قبل أن يولد، وبعد أن يموت، يحتاج إلى مناهج يجريها الأحياء المختصين به، والمنهاج قد يكون مشيناً لكرامته، أو موجباً لإيذائه، أو منحرفاً عن الطريق الأصوب، أو مؤذياً للأحياء، أو مخلوطاً بخرافة مشينة، خذ مثلاً الذين يحرقون الأموات، أو يقطعونهم قطعاً لتكون طعاماً للكلاب والغربان، أو يرمون بها في (الدخمة) وهكذا بالنسبة إلى ما تصنعه بعض القبائل الوحشية بالحامل، أو حين الولادة.. ورجل الدين يبيّن الطريق الأصوب الأجمل الأحسن، بالنسبة إلى الحالتين، فهو ينفع الإنسان من قبل الولادة، إلى ما بعد الممات.

الوعظ الشامل

ورجل الدين (واعظ، مرشد) بصورة عامة، والإنسان يحتاج إلى الوعظ والإرشاد، مهما كانت مكانته الاجتماعية، وثقافته العلمية، وثروته المالية، ولذا نرى الإذاعات الناضجة والصحف الراقية تقوم – اليوم ـ ببعض هذه المهمة، والوعظ عبارة عن تجارب مدروسة مربوطة بالحياة الدنيا، أو الحياة الآخرة، يسكبها الواعظ في آذان السامعين.

رجل الحكمة

بالإضافة إلى أن رجل الدين (شاعر) (أديب) وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) (أن من الشعر لحكمة) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنا أفصح من نطق بالضاد) ومكانة الشاعر والأديب معلومة في المجتمع، وفائدتهما لا تخفى على أولي العقل، بل رجل الدين من الطراز الأرفع في هذا الميدان، فإنه لا يهيم في كل واد، ولا ينساق وراء الأهواء المنحرفة والأفكار الزائفة، ليمزج الضر بالنفع، والشر بالخير.

المصلح العقائدي والأخلاقي

ورجل الدين، بما أوتي من سعة الإطلاع، وتجارب العلماء، يعرف مواقع الخطر والمبادئ الهدامة، والأفكار المظلة، فهو مثل (ميزان الحرارة) الذي يؤشر على درجة الحرارة، لكن رجل الدين يؤشر على مكان الخطر، ومواضع الزيغ والزلل، سواء في العقيدة، أو الأخلاق، أو الأعمال، أو ما أشبه، وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) (أنا النذير العريان) وفي القرآن الحكيم (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) [13].

إخماد الفتنة

ورجل الدين، يساهم في إخماد الفتن، ويحفظ المجتمع من الانجراف إلى الاضطرابات، بفضل المناهج الإسلامية، التي قررت لهذا الشأن.

الإصلاح الشامل

وأخيراً.. رجل الدين (مصلح) بما في الكلمة من معنى وسعة وعمق وشمول، ورجل الدين الذي لا يقوم بهذه المهمة، حاله كحال من سمّى نفسه طبيباً، ولا يقوم بمهمة العلاج.. ومن القديم قد يلبس إنسان لباساً، ولا يقوم بشرائط ذلك اللباس، ويقال إنه قيل لحكيم: (المؤتمن خان) قال الحكيم: كلا، وإنما (اؤتمن الخائن).

والصفات التي ذكرناها لرجال الدين، ظاهرة للعيان، بالنسبة إلى من إطلع على حال رجال الدين ـ لا في دور الدراسة والتعلّم ـ بل في دور القيام بالمهام، ونشر الإسلام.

نعم هناك (الكامل) (والأكمل) و (العادي) و (النشط) و (المتوسط السير) و (السريع) شأن سائر أفراد (الأسرة الواحدة) كأسرة التعليم أو أسرة الطب، أو أسرة الهندسة، أو ما أشبه.

ونختتم الكتيب بقصة قصيرة:

فقد حدث في أحد البلاد الإسلامية: أن المستعمرين على يد بعض عملائهم، أمروا بتسفير عالم جليل، وعند إلقاء القبض عليه، ضجت المدينة لهذا الحادث المؤلم، واستأذن العالم الجلاوزة ليقول (كلمة الوداع) ثم قال، ما ملخصه:

((إني كنت في هذه المدينة مدة عشرات السنين، فلم يكن لي عمل، إلاّ الإصلاح والإرشاد، والإسعاف والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أليس كذلك؟ ولما أجاب الناس بالإيجاب، قال العالم: قلت هذا الكلام، لتعلموا على ماذا يسفّرني هؤلاء؟)) والله المسؤول أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، وهو المستعان والموفق.

[1] طبعت مستقلة في أكثر من بلد وآخرها في مؤسسة الوفاء بيروت.

[2] سورة آل عمران: الآية 103.

[3] سورة الأسراء: الآية 70.

[4] سورة الزمر: الآية 9.

[5] سورة المجادلة: الآية 11.

[6] سورة النور: الآية 32.

[7] سورة البقرة: الآية 208.

[8] سورة المائدة: الآية 32.

[9] سورة الأسراء: الآية 70.

[10] سورة لقمان: الآية 15.

[11] سورة الأعراف: الآية 157.

[12] سورة البقرة: الآيتان 278 و279.

[13] سورة الفرقان: الآية 1.