| الفهرس | المؤلفات |
|
إدارة شؤون المسلمين في العالم |
|
(مسألة): من الضروري للمسلمين إدارة مؤسسة إسلامية عالمية، فإن هناك نشاطات إسلامية كثيرة في كافة بلاد الإسلام وغيرها، حتى بلاد الستار الحديدي التي تحارب الدين ورجاله بكل شدة، سواء نشاطات الأحزاب أو المؤسسات أو الإعلام أو دور النشر أو سائر النشاطات، لكن هناك ثلاثة أُمور يحتاج إليها العالم الإسلامي ككل: الأول: تنظيم المسلمين الذين يتواجدون في البلاد شبه الحرة كأوروبا وأمريكا ونحوهما، فإنهم لو نظموا لأتوا بالشيء الكثير من الخدمة، إذ هم في الحال الحاضر مبعثرون سياسياً وثقافياً وماليّاً واندفاعاً إلى الأمام وخدمة للإسلام والإنسان، والمثال لذلك اليهود، فإنهم لما كانوا مبعثرين كانوا أذلاء في كل مكان، لكن لما نظموا أنفسهم ـ على قلة عددهم ـ نرى كيف تمكنوا من التقدم، والبون شاسع بين المسلمين وبين اليهود كما هو واضح، وفي المثل المعروف: (المثال يقرب من جهة ويبعد من جهة) و (لا يسأل عن المثال). الثاني: إعلام غير المسلمين بالإسلام، فإن غير المسلمين إذا عرفوا حقيقة الإسلام (لا الإسلام المشوّه الموجود في التواريخ، أي إسلام الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن إليهم، ولا الإسلام المشوه الموجود في بعض الدول الإسلامية) أقبل كثير منهم على الإسلام بمحض إرادتهم ورغبتهم في اختيار الحسن أو الأحسن، كما أسلم غير المسلمين في أول الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجاً، لكن ذلك يحتاج إلى الإعلام الصحيح الذي يفتقر إليه المسلمون في الحال الحاضر إطلاقاً، إضافةً إلى حاجتهم إلى الأُسوة، لأنّ الأُسوة أيضا توجب الجذب، كما قال أبو عبد الله (عليه السلام): (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم) [1]. الثالث: جمع النشاطات الإسلامية في وحدة واحدة، بأن يكون الكل تيّاراً واحداً، لا هذا يقول: أنا خير من غيري، وغيره يقول: فلان كذا وكذا، فإن مظهر مثل هذا الإسلام المتحارب والأناني لا يمكن أن يؤدي إلاّ إلى مزيد من التأخر، قال سبحانه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) [2] هذا من ناحية. ومن ناحية أُخرى، يكون طابع ذلك التيار الإسلامي العام شأنه شأن الأنبياء (عليهم السلام) قبل وصولهم إلى الحكم هو بناء السلم بمعنى الكلمة، فإن نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ونبي الإسلام وغيرهم من الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) كانوا مسالمين إلى أبعد الحدود قبل وصولهم إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم كان ارتباطهم بالسلاح بقدر قصوى الضرورة، أي ما يؤمن داخل البلاد من الفوضى وعبث المجرمين، وخارج البلاد من الأعداء المتربصين لمهاجمة بلادهم بالدفاع بقوّة الردع، فإذا جمعت الكلمة على التقوى بصورة السلم يكون التيار الإسلامي الموحد قوة عالمية تتمكن من إصلاح العالم، كما أُصلح يوم كان الإسلام قوة عالمية إبان بزوغه (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) [3] وإلاّ فالمسلمون اليوم مصداق لما قاله المهيار في شعره المعروف الذي يقارن حالة العرب بعد ظهور الإسلام بحالتهم قبل ظهور الاسلام في قصيدة له: نبتـــم به وكنتــم مــــن قبله***سرّاً يبوح في ضلوع الكاتم بل اليوم أسوأ، لأن في ذلك اليوم على قول هذا الشاعر كانوا سرّاً يبوح في ضلوع الكاتم، واليوم هم مثال التخلف والتأخر والمحاربة، إلى غير ذلك. وعلى أيٍّ فهذه الأمور الثلاثة بحاجة إلى إدارة مؤسسة كبيرة، تتحرى الواقعية، والحقيقة، والسلام، وجمع الكلمة، وتكون رفيقاً مدارياً، كما ورد في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ما وضع الرفق على شيء إلاّ زانه، ولا وضع الخرق على شيء إلاّ شانه) [4]. وفي حديث آخر له (صلى الله عليه وآله وسلم): (أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بتبليغ الرسالة) [5] يعني أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل تبليغ الرسالة كلها في كفة ومداراة الناس في كفة ثانية. ثم هذه المؤسسة يمكن أن تشكل في بلد شبه حر، لا في البلدان الإسلامية، حيث إنها بابتعادها عن الإسلام، ابتعدت عن الحرية أي ابتعاد، وإنما قلنا شبه حر لأن البلاد التي تسمى بالديموقراطية إنما هي شبه حرة، لا حرة كما ذكرنا تفصيل ذلك في كتاب (الصياغة الجديدة). ثم هذه المؤسسة إذا وجدت في بلد شبه حر تحت نظام صحيح وأخذت في جمع الكلمة والإعلام الصحيح واستنهاض المسلمين على ما ذكرناه في كتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) لا يمر زمان إلا ويلتف المسلمون حولها، (فالمورد العذب كثير الزحام) وبذلك تمشي خطوات ثابتة إلى الأمام، وتتمكن أن تمد فروعها إلى كثير من البلاد، وإذا عملت بما أمر الله سبحانه: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [6]. وبما قال سبحانه في آية أُخرى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [7]. وبما فعله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقاله، في كل حياته، مثلاً: أن يهوديّاً دخل عليه وكانت زوجة من زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم) حاضرة، فقال اليهودي: السام عليك، ولم ينطق بلفظ (السلام) ـ والسام في اللغة العبرية بمعنى الموت، فلوى لسانه حتى يظهر أنه يسلم، بينما هو في الواقع كان يقصد الدعاء على الرسول بالموت، فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (وعليك) فقد عرف ذلك، ولكنه لم يرد أن يظهر أنه عرف، ثم دخل يهوديٌّ ثان، وقال مثل مقالة اليهودي الأول، والرسول أجاب بمثل ذلك الجواب، ودخل يهوديٌّ ثالث وقال بمثل مقالة الأولين، وأجاب الرسول بمثل جوابه السابق، وهنا انزعجت زوجة الرسول الحاضرة وأخذت في سباب أولئك اليهود، فنهاها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمرها بالرفق [8]. وكذلك قال علي (عليه الصلاة والسلام): (إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين) [9] إلى غيرها مما هو كثير مذكور في القرآن الحكيم،وفي أخلاق الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام). فإذا كانت المؤسسة هكذا، فلا يقوم غير المسلمين بأي نشاط ضد المؤسسة ولا ضد المسلمين الناهضين بصورة عامة وإنما يرون فيهم المنقذ أو الصديق كما رأوا في أول الإسلام ذلك، وبعد ذلك لا تضر العداوات القليلة المبعثرة هنا وهناك، وإن كان لا بد للحياة من هذه العداوات كما قال سبحانه: (وكذلك جعلنا لكل نبيٍّ عدواً) [10] ومعنى جعلنا هنا: أن طبيعة الحياة تنتهي إلى ذلك والله سبحانه وتعالى جعل الحياة هكذا، وعلى أي فالعداوات القليلة بعد ما ذكرناه لا تضر المؤسسة حيث إنها تقوم بسحب البساط من تحت باعثيها. ومن الواضح أن مثل هذه المؤسسة بحاجة إلى أموال كثيرة، لكن من الواضح أيضا أن الأثرياء لو وجدوا مثل هذه المؤسسة، وانخرطوا في مؤتمرات تعقدها المؤسسة بحضورهم وحضور سائر المثقفين الدينيين والزمنيين وهكذا، ورغبوا في نشاطات المؤسسة وكانوا شركاء في إعطاء الرأي والتنفيذ لا بد وأنهم يقومون بحاجات المؤسسة المالية حتى لا تجد حاجة منها غير متوفر لها المال، لكن من الواضح أن مثل هذه المؤسسة بحاجة إلى عقلية إدارية كبيرة يجتمع فيها شروط الإدارية التقدمية الصحيحة الناجحة، والأكثر أن تكوّن مثل هذه المؤسسة وازدهارها ليس بحاجة إلى أكثر من عشر سنوات (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [11]. |
|
[1] مستدرك الوسائل: ج11، ص273، ح18. [2] سورة الأنفال: الآية 46. [3] سورة الأعراف: الآية 157. [4] مستدرك الوسائل: ج11، ص292، ح4. [5] مستدرك الوسائل: ج9، ص35، ح1، باب استحباب مداراة الناس. [6] سورة الأنعام: الآية 108. [7] سورة فصلت: الآية 35. [8] بحار الأنوار: ج16، ص258، ح43. [9] نهج البلاغة: ج2، ص185، خطبة 205. [10] سورة الأنعام: الآية 112. [11] سورة النحل: الآية 128. |