![]() |
|
ما بعد زيارة الأربعين .. من الإحياء إلى البناء
تقييم أثر زيارة الأربعين وانعكاساتها على الواقع الفردي والمجتمعي والمؤسساتي والحكومي سعياً لتحقيق زيارة أربعين أفضل وأضخم في المستقبل
موقع الإمام الشيرازي 22 / صفر / 1447هـ
السؤال؛ بعد أن انتهت زيارة الأربعين، هل ستتجسد قيم هذه الزيارة المباركة، التي هي قيم الإمام سيد الشهداء، والتي هي قيم الإسلام والإنسان، في الفرد والمجتمع، وعلى مستوى النية والقصد، والقول والعمل، والسلوك والتصرف، والفعل ورد الفعل؟!
------------------------------ شهد العراق في موسم زيارة الأربعين لهذا العام توافد ملايين الزائرين من أكثر من سبعين دولة، ليجتمعوا في أكبر مسيرة دينية سلمية في العالم، حملت رسائل روحية وإنسانية وأخلاقية، وأظهرت للعالم مشهداً فريداً من الكرم والمحبة والتكافل والتعاون والوحدة. لقد شكّلت جهود المواطنين العراقيين، لا سيما أصحاب المواكب والمتطوعين، العمود الفقري للخدمة، حيث تكاملت أدوار الرجال والنساء والشباب والأطفال في توفير الدعم المادي والمعنوي للزائرين. غير أن نجاح الزيارة لا يقاس فقط بحجم الحضور أو مستوى التنظيم، بل بما تتركه من أثر مستدام في وعي الأفراد وسلوكهم وعلاقاتهم الأسرية والمجتمعية. ومن هنا، تبرز ضرورة أن يرافق شعائر إحياء الأربعين الحسيني مساعي بناء الإنسان الصالح والمجتمع الصالح؛ أي تحويل القيم التي تجسدها زيارة الأربعين إلى برنامج إصلاحي عملي يلامس حياة المواطن اليومية، ويعالج الإشكالات البنيوية التي تعاني منها البلاد. السؤال؛ بعد أن انتهت زيارة الأربعين، هل ستتجسد قيم هذه الزيارة المباركة، التي هي قيم الإمام سيد الشهداء، والتي هي قيم الإسلام والإنسان، في الفرد والمجتمع، وعلى مستوى النية والقصد، والقول والعمل، والسلوك والتصرف، والفعل ورد الفعل؟! أولاً: الأبعاد السلوكية والاجتماعية المطلوبة مشاهد الوحدة والمحبة والكرم والتعاون والوئام والإنسانية المدهشة واللطف في القول والسلوك التي تمتلأ بها زيارة الأربعين تشكل حافزاً لـ: * ترسيخ الوحدة المجتمعية ونبذ الانقسام عبر تعزيز ثقافة العمل الجماعي وتجاوز الخلافات الهامشية. * مكافحة الفساد والولاءات الضيقة عبر وعي مجتمعي يرفض استغلال الدين أو الرموز الدينية لأغراض شخصية أو سياسية. * تعزيز الأمن الاجتماعي من خلال الحد من الجريمة والمخدرات والعنف الأسري، وبناء أسر متماسكة قائمة على الرحمة والمسؤولية المشتركة. * تكريس قيم التعددية والتعايش انسجاماً مع مبدأ القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(الحجرات: 13). بالتالي، ينبغي أن تترك الزيارة أثراً ملموساً فتقلل من الخلافات والنعرات الطائفية والسلوكيات الاستفزازية، وتعزز قيم القبول والتعايش والتسامح. * رفع مستوى الوعي الحقوقي حتى يدرك المواطن حقوقه الدستورية والقانونية وواجباته المتبادلة مع الدولة. * صون الكرامة والحرية وحماية حرية التعبير والاختيار ضمن إطار يحترم القيم الدينية والاجتماعية. * تعزيز التكافل الاقتصادي بتقليص الفجوة الطبقية، وتوفير فرص العمل ودعم الفئات الهشة من أيتام وأرامل وكبار سن. * مواجهة الأمية والجهل الثقافي وتوسيع دائرة المعرفة والقراءة. ثانياً: منطق البناء بعد الزيارة تظهر زيارة الأربعين، في كل عام، نموذجاً مجتمعياً متقدماً في التضامن والانضباط والخدمة التطوعية. غير أن استدامة هذا النموذج تتطلب إرادة سياسية وشعبية لترجمته إلى سياسات عامة وممارسات حياتية، بما في ذلك: * تطوير البنية التحتية والاهتمام العاجل بالخدمات في المدن والطرق والمطارات والمنافذ الحدودية. * إصلاح المنظومة الإدارية والاقتصادية بما يضمن العدالة للجميع. * حماية الفضاء العام من خطاب الكراهية واستغلال المناسبات الدينية لأجندات ضيقة. ثالثاً: الرسالة إلى الداخل والخارج إن زيارة الأربعين مدرسة أخلاقية واجتماعية تدعونا لتقييم تقوانا وسلوكياتنا ومسؤولياتنا، لذا يجدر بنا أن نجعل من هذه المناسبة المباركة منطلقاً لتحقيق مجتمع أكثر عدالة وتكافلاً، يعكس قيم الإمام الحسين (عليه السلام) في العزة والكرامة والإصلاح، ولنحول هذه الزيارة إلى نهج حياة، ينعكس في تعاملاتنا اليومية، وفي بناء مجتمعاتنا على أسس الحق والخير والجمال. وهكذا، فإن المضامين الإصلاحية والإنسانية التي تحملها رسالة الأربعين ليست حكراً على مكان أو زمان، بل هي مشروع أخلاقي مفتوح يمكن للعالم أن يستلهم منه. وعليه، فإن الحفاظ على هذا الإرث الإصلاحي يتطلب عملاً متواصلاً لتجسيد القيم الحسينية في ميادين الحياة كافة، بحيث تصبح زيارة الأربعين منطلقاً لتجديد العقد الاجتماعي، وترسيخ أسس الدولة العادلة التي تحترم كرامة الإنسان وتصون حقوقه. |