من دافوس .. الأمم المتحدة تحذر من تطورات عالمية عاصفة


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

"لم آتِ إلى هنا لتجميل التحدي أو الحالة المؤسفة التي يمر بها العالم لأن معالجة المشاكل تتطلب مواجهتها بصراحة"، هكذا بدأ الأمين العام للأمم المتحدة خطابه أمام منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، محذرا من أن العالم يواجه عاصفة هائلة على جميع الأصعدة.

من أول التحديات على المدى القصير، كما قال أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة، الأزمة الاقتصادية العالمية والكساد والتباطؤ الاقتصادي. يرافق ذلك زيادة في انعدام المساواة وأزمة متسارعة في تكاليف المعيشة، بما يؤثر بشكل أكبر على النساء والفتيات.

كما أشار غوتيريش إلى الاضطرابات في سلاسل الإمدادات والطاقة، والارتفاع الهائل للأسعار ومعدلات الفائدة والتضخم، وأعباء الديون على الدول الضعيفة.وتُضاف إلى ذلك الآثار المستمرة لجائحة كوفيد-19 التي ما زالت تلقي أعباء على الاقتصادات.

وقال الأمين العام إن شعار المنتدى هذا العام، الذي يؤكد الحاجة إلى التعاون في ظل حالة الانقسام، يسلط الضوء على الأزمة التي يشهدها العالم.

أزمة المناخ

وانتقل غوتيريش إلى الحديث عن تغير المناخ، محذرا من وقوع كارثة مناخية فيما يجلب كل أسبوع قصة مأساوية ناجمة عن التغير المناخي.

وقال أمين عام الأمم المتحدة إن الانبعاث المتزايد لغازات الاحتباس الحراري وصل إلى معدلات قياسية فيما يتلاشى التعهد الذي قطعته الدول على نفسها بالحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمعدلات فترة ما قبل الصناعة.

وبدون اتخاذ إجراءات حاسمة، يتجه العالم نحو زيادة تقدر بـ2.8 درجة مئوية كما قال غوتيريش. وسيكون لذلك آثار كارثية تعني حكما بالإعدام بالنسبة للكثيرين، وستصبح عدة مناطق في كوكب الأرض غير صالحة للعيش بها.

وهنا قال الأمين العام "ولكن هذا كله ليس مفاجأة. العلم كان واضحا على مدى عقود. لا أتحدث هنا عن علماء الأمم المتحدة، ولكنني أتحدث حتى عن علماء الوقود الأحفوري. لقد علمنا الأسبوع الماضي أن منتجين معينين للنفط كانوا على دراية تامة في السبعينيات بأن منتجهم الرئيسي يحرق كوكبنا".

وأشار غوتيريش إلى أن بعض منتجي النفط، مثلما كان الحال مع صناعة التبغ، تجاهلوا العلم وروجوا للأكاذيب. وشدد على ضرورة محاسبتهم على ذلك مثلما حدث مع صُناع التبغ.

وأضاف الأمين العام "اليوم، منتجو الوقود الأحفوري، ومن يدعمونهم، ما زالوا يسارعون لتوسيع إنتاجهم وهم على علم تام بأن ذلك لا يتوافق مع بقاء البشرية على قيد الحياة".ومع أن كل ذلك يبدو خيالا علميا، كما قال غوتيريش، إلا أن الحقائق العلمية تظهر بوضوح أن الأنظمة البيئية تتلاشى بالفعل بسبب التغير المناخي.

الصراع

يُضاف إلى ذلك الخليط السام، عامل إشعال آخر حسب وصف الأمين العام، وهو الصراع والعنف والحرب، "وخاصة الغزو الروسي لأوكرانيا، ليس فقط بسبب معاناة الشعب الأوكراني التي لا يمكن وصفها، ولكن بسبب آثاره العالمية الهائلة على أسعار الغذاء والطاقة، وعلى التجارة وسلاسل الإمداد، وعلى التساؤلات بشأن السلامة النووية، وعلى أسس القانون الدولي ومـيثاق الأمم المتحدة".

وقال غوتيريش إن الأمم المتحدة تبذل قصارى جهدها وتحقق التقدم أينما كان ذلك ممكنا، وخاصة في تيسير الصادرات من المواد الغذائية والأسمدة من أوكرانيا وروسيا. ولكنه قال "إننا بعيدون عن تحقيق السلام بما يتوافق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

انقسامات

وأكد غوتيريش أن كل هذه التحديات مترابطة، مشددا على صعوبة إيجاد الحلول حتى لو كان العالم متحدا وفي ظل أفضل الظروف، ونحن أبعد ما نكون عن ذلك.وقال إن العالم يواجه أخطر مستويات الانقسام الجيوسياسي وانعدام الثقة، منذ أجيال.

ويتمثل ذلك أولا في الانقسام بين الشرق والغرب. وحذر الأمين العام مما وصفه بالصدع الهائل الذي يمكن أن يحدث عبر فصل أكبر اقتصادين في العالم.

وقد ذكر صندوق النقد الدولي أن تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتلتين قد يؤدي إلى تخفيض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 1.4 تريليون دولار.

وأشار أنطونيو غوتيريش إلى التباعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين بشأن بعض القضايا، وخاصة حقوق الإنسان والأمن الإقليمي، ولكنه قال إن بإمكانهما التعاون في مجالات المناخ والتجارة والتكنولوجيا لتفادي الانقسام الاقتصادي أو احتمالية نشوب مواجهات في المستقبل.

وتحدث الأمين العام كذلك عن تزايد الانقسام بين الشمال والجنوب وقال إن الدول الغنية وقادتها لا يدركون بشكل حقيقي حجم الإحباط والغضب لدى دول الجنوب.

وينبع هذا الغضب والإحباط، كما قال الأمين العام، من انعدام المساواة في توزيع اللقاحات مؤخرا، وعدم المساواة في التعافي من الجائحة، وأزمة المناخ التي تشل الدول والافتقار إلى الموارد المالية لمواجهتها. كما تشعر دول الجنوب بالإحباط والغضب إزاء النظام المالي "المفلس أخلاقيا" الذي تُفاقم فيه اللامساواة المنهجية، انعدامَ المساواة المجتمعية. 

وقال الأمين العام إن هذا النظام المالي ما زال يحرم الدول الضعيفة متوسطة الدخل من تخفيف أعباء الديون والتمويل المُيسر لأن قواعده لا تسمح بذلك.

استعادة الثقة

ودعا الأمين العام للأمم المتحدة إلى مد الجسور واستعادة الثقة. وقال إن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال الإصلاح وبناء العدالة في النظام المالي الدولي، والعمل المناخي الجاد والفوري.

واختتم غوتيريش خطابه بالتأكيد على أن الوقت قد حان، أكثر من ذي قبل، للتعاون وتعزيز المؤسسات متعددة الأطراف لجلب الثقة حيث تشتد إليها الحاجة، لأن العالم لا يستطيع تحمل الانتظار.

28/ جمادى الآخرة/1444هـ