هوية الكتاب
العنوان: Failed State .. Why Nothing
Works and How We Fix It
المؤلف: سام فريدمان (Sam Freedman)
اللغة: الإنجليزية
عدد الصفحات: 368
تاريخ الإصدار: 2024
كتاب (Failed
State .. Why Nothing Works and How We Fix It / الدولة
الفاشلة .. لماذا لا يعمل شيء وكيف نصلحه)، يأتي ضمن
حقل الكتابات المعاصرة في العلوم السياسية، وقد صدر عام 2024
عن دار Pan Macmillan . ينتمي الكتاب إلى الأدبيات التي تعالج
أزمة كفاءة الدولة الحديثة، مع تركيز خاص على الحالة
البريطانية بوصفها نموذجاً لدولة متقدمة تعاني اختلالاً
وظيفياً متزايداً. ويجمع الكتاب بين الطابع التحليلي
والتطبيقي، إذ يستند إلى مقابلات وخبرات ميدانية، داخل مؤسسات
الدولة، إضافة إلى تحليل تاريخي لتطور البنية الإدارية
والسياسية.
المؤلف
يُصَنَّف سام فريدمان أحد أبرز الباحثين
في السياسات العامة في بريطانيا، حيث يشغل منصب زميل أول في
معهد الحكومة Institute for Government، كما يعمل مستشاراً في
مجال التعليم لدى شبكة مدارس آرك (Ark Schools). امتدت خبرته
داخل دوائر صنع القرار في وستمنستر، إذ عمل مستشاراً سياسياً
لقيادات سياسية، وقضى عدة سنوات في وزارة التعليم البريطانية،
ما أتاح له فهماً عملياً لآليات عمل الدولة من الداخل. إلى
جانب ذلك، يكتب بانتظام في صحف معروفة مثل فايننشال تايمز
والغارديان، ويشارك في إدارة منصة تحليل سياسي مع والده المفكر
الاستراتيجي لورانس فريدمان، وهذا الكتاب هو أول أعماله
الكبرى، حيث يسعى من خلاله إلى تقديم تشخيص عميق لأزمة الدولة
الحديثة واقتراح مسارات إصلاح واقعية
الكتاب
كتاب "الدولة
الفاشلة .. لماذا لا يعمل شيء وكيف نصلحه" لـ سام
فريدمان جاء كمحاولة جادة لتفكيك الإحساس المتزايد بأن الدولة
الحديثة - حتى في الديمقراطيات المتقدمة - أصبحت عاجزة عن أداء
وظائفها الأساسية بالكفاءة المطلوبة. ينطلق
مؤلف الكتاب من ملاحظة تبدو بسيطة لكنها عميقة: لماذا تتعثر
الحكومات في تنفيذ سياسات تبدو واضحة؟ ولماذا تفشل المؤسسات في
تقديم خدمات يفترض أنها من صميم عملها؟ من هنا، يفتح
الكتاب أفقاً تحليلياً يتجاوز التفسيرات السطحية، ليغوص في
البنية العميقة للاختلالات التي تصيب الدولة المعاصرة.
لا يقدِّم فريدمان أطروحته بوصفها نقداً
سياسياً عابراً، بل يبني تحليله على خبرة عملية داخل دوائر صنع
القرار، ما يمنح الكتاب بعداً تطبيقياً واضحاً. فهو يرى أن المشكلة
لا تكمن فقط في سوء النوايا أو ضعف القيادات، بل في تعقيد
الأنظمة البيروقراطية وتشابكها، وفي تضخم الإجراءات واللوائح
إلى حد يجعل اتخاذ القرار ذاته عملية بطيئة ومثقلة بالعوائق.
وبهذا المعنى، تتحول الدولة من أداة للحل إلى جزء من المشكلة،
إذ تُنتج بنفسها الشروط التي تعيق فاعليتها.
يتناول الكتاب أيضاً ظاهرة ما يمكن
تسميته بـ"فجوة التنفيذ"، حيث
تنجح الحكومات في صياغة السياسات نظرياً، لكنها تفشل عند
التطبيق العملي. يعزو فريدمان ذلك إلى ضعف التنسيق بين
المؤسسات، وانفصال صانعي القرار عن الواقع التنفيذي، إضافة إلى
الاعتماد المفرط على نماذج إدارية جامدة لا تستجيب لتعقيدات
الواقع المتغير. وهنا
يبرز نقده الحاد لما يسميه "وهم السيطرة"، حيث تعتقد الحكومات
أنها قادرة على إدارة كل شيء عبر التخطيط المركزي، بينما
الواقع يكشف محدودية هذه القدرة.
يقول مؤلف الكتاب: "تصبح
الحكومة مثقلة بالأعباء، فترد بمحاولة السيطرة على المزيد من
الصلاحيات وتقليل الرقابة عليها، مما يجعل الأمور أسوأ، فتصبح
أكثر إرهاقاً .. إنها دورة سامة." وهذه الدورة السامة
ليست مجرد مشكلة عرضية، بل هي آلية داخلية في النظام البريطاني
(خاصة في إنجلترا) تجعل الفشل يتكرر ويزداد سوءاً مع الوقت.
لكن، كيف تعمل الدورة السامة؟ فريدمان يبني الدورة حول ثلاثة
محاور مترابطة يسميها مثقل بالأعباء، ومفرط القوة، ومفرط
السرعة أو الإفراط، وهي تتغذى على بعضها البعض في حلقة مفرغة:
(1) مثقل
بالأعباء (Overloaded)، وهي المركزية المفرطة وفقدان
القدرة على التنفيذ.
يرى فريدمان أن الحكومة البريطانية (خاصة في إنجلترا) مركزية
بشكل غير طبيعي مقارنة بدول أخرى. يوضح أنه منذ عصر مارغريت
تاتشر وما بعدها، تم تفريغ الحكم المحلي تدريجياً، وذلك من
خلال تقليص صلاحيات المجالس المحلية، وإجبارها على المنافسة
على تمويلات محدودة ومشروطة من وايت هول (مركز
الحكومة).
ونتيجة هذه "المركزية
المفرطة" الدولة تحاول التحكم في كل شيء؛ من جمع
القمامة إلى سياسة الذكاء الاصطناعي، فتفشل في كل شيء. في
الوقت أن عدد الموظفين المدنيين يقارب 500 ألف، لكن الفعالية
تنخفض. كما ينتقد فريدمان "عقلية
الخزانة"Treasury Brain التي
تفرض قواعد مالية صارمة وتعسفية، ويبين كيف أن الاستعانة
بمصادر خارجية مثل شركات ( SercoوCapita و G4S) تخلق "أسواقاً
وهمية" لا تنافس حقيقي ولا قياس للنتائج، فتتحمل الدولة
المخاطر بينما يجني المتعاقدون الأرباح.
(2) مفرط
القوة (Overpowered)، أي السلطة التنفيذية المهيمنة
والرقابة المفقودة
يصف فريدمان النظام البريطاني بـ"الديكتاتورية
الانتخابية". السلطة مركزة في داونينغ ستريت والخزانة،
مع إضعاف البرلمان (خاصة المعارضة واللجان) والمحاكم. ويقدم
المؤلف أمثلة على ذلك، كاستخدام "صلاحيات هنري الثامن" لتعديل
القوانين دون نقاش، وأدوات تشريعية فرعية لتجاوز الرقابة، كما
حدث في 2023 مع تعديل قانون النظام العام. كما يذكر محاولة
بوريس جونسون تعطيل البرلمان عام 2019. ويرى المؤلف أن نتيجة
السلطة التنفيذية المهيمنة والرقابة المفقودة تشريعات متسرعة
غير مدروسة، ثم تدخل المحاكم كـ "مكبح
طوارئ"، مما يزيد التوتر بين السلطات.
(3) مفرط
السرعة أو الإفراط (Overdrive)، وتعني "ثقافة
السبين / Culture of Spin" والإعلام المتسارع.
السبين (Spin) هو مصطلح سياسي بريطاني شائع يعني تقديم الحقائق
(أو الأحداث) بطريقة متحيزة وإيجابية قدر الإمكان، مع التركيز
على "الرسالة" أو "السرد /narrative " بدلاً من الواقع الفعلي
أو التفاصيل غير المريحة. هو
ليس كذباً مباشراً دائماً، بل "إدارة التصور /managing
perception "، أي جعل السياسة تبدو أفضل مما هي عليه، أو إلهاء
الجمهور عن الفشل. يصف فريدمان "ثقافة
السبين" بأنها أصبحت مهيمنة على السياسة البريطانية،
خاصة منذ عصر توني بلير في التسعينيات، وتفاقمت مع وسائل
التواصل الاجتماعي والإعلام 24 ساعة، حتى أصبح كل شيء "إعلاناً
ساعة بساعة" دون تنفيذ حقيقي. وهذا يغذي المركزية
والإرهاق، ويحول السياسة إلى سباق إعلامي قصير الأجل.
بالتالي، فإن النتيجة النهائية تتمثل
في: الفشل يزداد → الحكومة تشعر بمزيد
من الإرهاق → ترد بمزيد من المركزية وتقليل الرقابة → يزداد
الفشل... وهكذا تدور الحلقة السامة. وهكذا، فإن قوة
الكتاب تكمن في تركيزه على النظام لا الأشخاص. في الوقت
أنه يقدم تحليلاً تاريخياً مدعماً ببيانات وأمثلة حقيقية، مما
يجعله مقنعاً وسهل القراءة رغم موضوعه "الجاف" (كما يعترف
المؤلف نفسه).
ولا يكتفي مؤلف
الكتاب بالتشخيص، بل يسعى إلى تقديم ملامح إصلاحية تقوم على
إعادة التفكير في كيفية عمل الدولة نفسها. فهو يدعو إلى
تبسيط الإجراءات، وتعزيز المرونة المؤسسية، وتمكين الكفاءات
داخل الجهاز الحكومي، إضافة إلى بناء ثقافة إدارية تعترف
بالأخطاء وتتعلم منها بدلاً من إنكارها. كما يشدد على أهمية
إدخال آليات تجريبية في صنع السياسات، بحيث تُختَبَر الحلول
على نطاق محدود قبل تعميمها، ما يقلل من مخاطر الفشل واسع
النطاق.
على الرغم من القيمة التحليلية العالية
التي يقدّمها كتاب "الدولة الفاشلة ..
لماذا لا يعمل شيء وكيف نصلحه"، إلا أنه لا يخلو من بعض
الملاحظات النقدية التي تستحق التوقف عندها. فإن المؤلف سام
فريدمان يميل في كثير من الأحيان إلى التركيز على العوامل
الإدارية والتقنية في تفسير فشل الدولة، مثل تعقيد
البيروقراطية وضعف التنسيق المؤسسي، لكنه يمنح وزناً أقل
للعوامل السياسية الأعمق، كصراعات السلطة، وتضارب المصالح،
وتأثير الأيديولوجيا في تشكيل السياسات العامة. وهذا التركيز
قد يجعل تفسيره للفشل يبدو جزئياً، إذ يُغفِل أن الخلل في
الدولة ليس دائماً نتيجة سوء تصميم إداري، بل قد يكون انعكاساً
لبنية سياسية غير متوازنة أو إرادات متعارضة داخل النظام نفسه.
كما أن الطابع التطبيقي الذي يُحسَب
للكتاب، يتحول أحياناً إلى نوع من "التبسيط
الإصلاحي"، حيث تبدو بعض المقترحات - مثل تحسين الكفاءة
أو إدخال آليات تجريبية - محدودة الأثر إذا لم تُرفَق بإصلاحات
أعمق في بنية الحكم ذاتها. فإن الإشكال، كما يمكن أن يُفهَم من
تجارب عديدة، لا يكمن فقط في "كيف تعمل
الدولة"، بل أيضاً في "لمن تعمل"
و"ضمن أي توازنات قوة". ومن هنا،
قد يشعر القارئ بأن الحلول المطروحة، رغم واقعيتها، لا ترتقي
دائماً إلى مستوى التعقيد الذي يكشفه التشخيص نفسه. مع ذلك، لا
تقلل هذه الملاحظات من أهمية الكتاب، بل تكشف حدوده المنهجية.
فهو عمل يقدّم مدخلاً مهماً لفهم أزمة كفاءة الدولة الحديثة،
خاصة في سياق الديمقراطيات الغربية، لكنه يحتاج إلى أن يُقرَأ
بالتوازي مع أدبيات أوسع في العلوم السياسية والإدارة العامة
تعنى بتحليل البعد البنيوي والسلطوي للدولة. وبذلك، يمكن القول
إن الكتاب ينجح في طرح الأسئلة الصحيحة إلى حد بعيد، حتى وإن
لم يقدّم دائماً الإجابات الأكثر عمقاً.
وهكذا، يكتسب الكتاب أهمية خاصة في سياق
النقاشات العالمية حول "أزمة الدولة"،
حيث لم يعد الفشل حكراً على الدول الهشة أو النامية، بل أصبح
ظاهرة تطال حتى الدول التي تُعَد نماذج في الاستقرار المؤسسي.
ومن هنا، يمكن قراءة
هذا الكتاب بوصفه امتداداً لنقاشات أوسع في حقول العلوم
السياسية والإدارة العامة حول حدود الدولة الحديثة وإمكانات
إصلاحها.
وفي المحصلة، يقدّم كتاب "الدولة
الفاشلة .. لماذا لا يعمل شيء وكيف نصلحه" رؤية نقدية
متماسكة تضع يدها على واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في
عالم اليوم وهي: لماذا
تبدو الدولة قوية في الشكل، لكنها ضعيفة في الفعل؟ وبين
التشخيص العميق والمقترحات العملية، ينجح فريدمان في تقديم عمل
يستحق القراءة، ليس فقط لفهم أسباب التعثر، بل أيضاً لاستشراف
سبل الخروج منه.
أهمية قراءة الكتاب في الشرق
الأوسط
في منطقة الشرق الأوسط التي تعج بانحسار
الحريات وضعف القانون والمؤسسات وتفشي الفساد السياسي والإداري
والاقتصادي، يقدم كتاب "الدولة الفاشلة
.. لماذا لا يعمل شيء وكيف نصلحه" دروساً قيمة ومؤلمة،
رغم أنه يتحدث أساساً عن ديمقراطية غربية متقدمة مثل
بريطانيا. المشكلة
الأساسية التي يشخصها فريدمان – المركزية المفرطة، وضعف
الرقابة المؤسسية، وتآكل القدرة التنفيذية، وتحول السياسة إلى
دعاية إعلامية قصيرة الأجل – تظهر بصورة أشد حدة وتدميراً في
أنظمة المنطقة.
كثير من دول الشرق
الأوسط تعاني من "دولة مثقلة بالأعباء" بسبب سيطرة مركزية
مطلقة على كل التفاصيل، مما يؤدي إلى فشل في تقديم الخدمات
الأساسية (صحة، وتعليم، وبنية تحتية)، رغم حجم الجهاز الحكومي
الضخم والإنفاق الكبير. كما أن "السلطة
المفرطة" بدون رقابة برلمانية حقيقية أو قضاء مستقل أو
حكم محلي فعال، ينتج الفساد المستشري والقرارات المتسرعة التي
تخدم السلطة لا الشعب. أما "الإفراط في
الدعاية"، فيتجلى في الإعلام الرسمي والتواصل الاجتماعي
الذي يحول الحكم إلى مسرحية يومية من الوعود والشعارات، دون
تنفيذ حقيقي أو مساءلة.
قراءة الكتاب في
الشرق الأوسط تساعد على فهم أن الفشل ليس قدراً محتوماً، ولا
يرجع فقط إلى "الشعب" أو "الثقافة" أو "المؤامرات الخارجية"،
بل إلى تصميم النظام المؤسسي نفسه. مؤلف الكتاب يبين
كيف أن الدول الديمقراطية يمكن أن تنزلق تدريجياً نحو "الفشل
المؤسسي" إذا أضعفت اللامركزية والرقابة والقدرة
الإدارية، وهذا يعني أن الدول التي تعاني من استبداد مركزي
مفرط قد تكون أبعد عن الحلول، لكنها أيضاً أحوج إلى إصلاحات
جذرية مثل تعزيز الحكم المحلي بصلاحيات حقيقية (بما في ذلك
الضرائب)، بناء مؤسسات رقابية مستقلة، وإعادة بناء الجهاز
الإداري بعيداً عن الولاء الشخصي والفساد.
الكتاب تذكير بأن
"الدولة الفاشلة" ليست حكراً على الدول النامية أو الاستبدادية
فقط؛ بل يمكن أن تصيب أي نظام إذا لم يُصلِح مؤسساته باستمرار.
في سياق الشرق الأوسط، قد يساعد على نقاش أكثر عمقاً حول: كيف
ننتقل من "الدولة الريعية المركزية" إلى دولة فعالة ومسؤولة؟
وكيف نمنع دورة "المركزية → الفساد → الفشل" التي أصبحت مألوفة
في المنطقة؟ وهكذا، هو ليس كتاباً يقدم الحلول
لمشاكلنا، لكنه أداة تحليلية قوية تساعد المفكرين والنخب
والمهتمين بالإصلاح على تجنب الأخطاء الشائعة، وفهم أن الإصلاح
الحقيقي يبدأ بإعادة تصميم النظام المؤسسي، لا تغيير الوجوه
فقط.