![]() |
|
|
مسيحي من كربلاء
موقع الإمـــــام الشيرازي 1/ صفر الأحزان/ 1432 مسيحي من كربلاء، هذا أنا، هكذا أشعر، كلما لطخَتْ أصابعُ الموت جدار كنيسة بناها العراقيون بعرق جبينهم وبدمعهم ومحبتهم للرب، هكذا أشعر، كلما رأيت مسيحياً يتمسك بعراقيته، ويعرف أن دجلة جذره الذي لا ينقطع امتداده في زمن وتراب هذه الأرض، هكذا، أشعر بأن انتمائي يوقظ دمعاً مسلماً بمحبة عيسى، كلما أشرقتْ وجوهُ أخوتي المسيحيين بالفرح، أنا مسيحيي لفرحهم، وكلما اعتصر الحزنُ ضمائرَهم فقداً لأبنائهم، وحنيناً لوجوه أحبة هجّرها الإرهاب، أنا مسيحي لحزنهم. مسيحي أنا لأنني أحب هذا التنوع الديني وأعده رافداً لتنوع ثقافي يزيد خزين الذات العراقية، ويغني قدرتها على معرفة الآخر واحترامه ومحبته، ومن كربلاء، لأن كربلاء الرمز بكل عمقه وجوهريته يدل على بعد إنساني يتسع للجميع. لا أريد نسيان اهتزاز عظامي وهي تبتل بدمعي على كنيسة النجاة، ولا أريد أن أبخس حق تلك الأسر بالحزن على ما فقدته من أرواح طاهرة لم يعجب الإرهابيون احتفالها بيوم ميلاد نبينا عيسى (ع) . ولا أنسى مدى احترام المسيحيين لحزننا الكربلائي، احترام كان أحد أسباب إيقاف الاحتفالات بمناسبة الميلاد، ولكني أرى أن احتفال المسيحيين، بل والعراقيين كافة بهذه المناسبة المقدسة، واجباً إنسانياً نؤكد من خلاله أهمية وجود إخوتنا في هذا الوطن، احتفال نلعن عبره كل يد تؤمن بموت المسيحيين وتهجيرهم، ونبين فيه أن ثمة قروناً، بذرت أرضنا بقلوب مسلمة ومسيحية حرة، وأن ذلك البذار المقدس أثمر على طول زمننا العراقي الماضي سلاماً وفراشات وحمائم، وأن هويتنا العراقية واحدة، لا يختلف فيها إلا اسم الأب، فبعضنا ينتسب إلى دجلة، وبعضنا الآخر إلى الفرات، سلالتنا مائية، والماء لا ينتمي إلى دين أو طائفة، فدجلة ليس سنياً ولا شيعياً ولا مسيحياً، ولكن دجلة يحن إلى أبنائه عند الشدائد فكلنا شعرنا أنه مسيحي يوم ضرب الإرهاب كنيسة النجاة، كما كنا قد شعرنا أنه كردي يوم حلبجة، ومسلم حسيني كلما مر العاشر من محرم. المجد لعيسى بن مريم وسلام على كل من سطع بنوره واهتدى بهداه، وعيداً سعيداً نتمناه لكل مسيحي وهو يحمل قلبه على هامته ولا يعرف أين يضع أقدامه الطيبة، وهو يعلم أن أيادي الموت تحفر بين خطواته لتكسر بياضه الناصع وتلوث امتداده التاريخي في بلاد الرافدين. عاشت يد المسيحي البيضاء في هذه الأرض، هذه اليد التي جربنا بياضها في زمن الفتنة الطائفية، حين كان بعضنا في بغداد يعلن نفسه مسيحياً، ويلبس صليباً ليتجاوز شر الموت المحتمل، فقد كان المسيحي عنواناً للسلام والأمان، لم يرفع سلاحاً، ولم تخرج من أماكن عبادته عبوة ناسفة، ولم يأو إرهابياً، ولم يصنع فكراً متطرفاً، بل كانت حياته مثلاً رائعاً للتنوع الاجتماعي العراقي، وكانت كنيسته قلباً يتسع لجميع المحبين، ولهذا كله أكرر، أنا مسيحي من كربلاء . الصباح |