السعودية : التمييز الطائفي نهجاً


 

د. حمزة الحسن

 

موقع الإمــــام الشيرازي

23/شهر رمضان/1430

مطالب الشيعة السياسية، كما مطالبهم الأخرى المتعلّقة بحريّة التعبير الديني، أو تلك المتعلّقة بإصلاح أوضاعهم الإقتصادية، لا تعتبر مقبولة من قبل النظام السياسي وطاقمه الوهابي. وتتراوح ضغوط النظام وطاقمه من حيث الشدّة والتخفيف منها أحياناً ـ مع إبقائها دائماً ـ حسب الأجواء السياسية المحليّة المتعلّقة بحراك الشيعة أنفسهم وعلاقتهم بالنظام، كما حسب الأجواء الإقليمية، من جهة حسن أو سوء العلاقة بين النظام والوضع الشيعي الإقليمي.

التجربة المحليّة

حسب التجربة، فإن محاولات الشيعة لتحسين وضع العلاقة مع رموز النظام ومؤسسته الدينية، لا يعني (حلاً) أو (إنهاءً) للمشكلة الشيعية المحليّة، أي لا يعني أن النظام السعودي وطاقمه سيقومان بانتهاج سياسة مختلفة غير طائفية ومساواتية قوامها المواطنة. فأصل سياسة التمييز الطائفي مطلوبة بحد ذاتها، والحلول المقترحة على النظام، والتي عادة ما يقدّمها وجهاء الشيعة، غير مقبولة ايضاً، وهو يعلم بتلك الحلول لو أراد البحث عن مخارج حل حقيقي.

النظام، وطاقمه الطائفي، ليسوا جهلة بما يجري على الشيعة من افتئاث وظلم، ولا بالحلول لو أرادوها. النظام باختصار لا يريد الحلّ من أساسه، ولا يريد للمشكلة في نفس الوقت أن تنتهي، ولكنه في نفس الوقت لا يريدها أن تتفجّر، ويسعى أن تكون الأمور تحت السيطرة الأمنية دائماً.

لماذا يريد النظام السعودي والوهابيون النجديون عامة إبقاء سياسة التمييز الطائفي والمناطقي وحتى القبلي، وهو ما يشمل غير الشيعة أيضاً؟

 

الجواب: لأنهم يريدون ديمومة ثلاثة أمور، تمثّل الأساس في صناعة مشكلة التمييز، وبالتالي فالنظام يقبل في سبيل ذلك التعاطي بغلظة وحدّة مع منتجات السياسة التي تديم له تلك الأمور الثلاثة وهي:

ـ احتكار كامل للسلطة من قبل العائلة المالكة والنخبة النجديّة.

ـ هيمنة دينية تشرعن احتكار السلطة، كما تشرعن إقصاء الآخر لسبب ديني أو قبلي أو مناطقي، وتمنح المذهب الوهابي الأقلّوي (سيادة على الجميع).

ـ تسويد نجد ثقافة وتراثاً ورجالاً على كل المناطق الأخرى، بما يعزّز مكانة الطبقة الحاكمة الدينية والسياسية، كما يعزّز من هيمنة نخب نجد على صناعة القرار والإستئثار بالسلطة ومغانمها.

ولهذا، فإن ما يريده النظام السعودي، كما سياساته لتحقيق ما يريد، لا بدّ وأن تنتج مشكلة التمييز بشتّى ألوانها.

وهذا يعني بالتحديد، أن سياسة التمييز الطائفي تجاه الشيعة، أصلٌ في سياسة النظام، وليست ناتجة عن ضغوط من المجتمع الديني والنخبوي النجدي، فالجميع مؤمنون بذات السياسة الطائفية التمييزية وباحتكار السلطة لنجد وأهلها (حائل مستثناة من هذا، ويجري عليها في معظم الأحوال ما يجري على آخرين من تمييز في مناطق أخرى). والإختلاف بين هذه الأطراف أحياناً، إنّما هو حول (حجم وسعة التمييز والإضطهاد) في ظروف السياسة المحلية والإقليمية المتقلّبة، والقرار النهائي يكون عادة في يد السلطات الرسمية من أمراء العائلة المالكة. وإذا ما توسّع أو غالى أحدهم في تطبيق التمييز وشهّر بالشيعة على المنابر، فإن الأمر يمضي ضمن النسق العام، ما لم يتحوّل الأمر الى قضية رأي عام، فتثار المشاكل ويتناول الموضوع الرأي العام الأجنبي. حينها يحاول أمراء الحكم الترقيع، وبهدوء، دون أن يمسّ ذلك من مكانة المتطرّف دينياً أو غيره.

يعيدنا هذا الى القول بأن مشكلة الشيعة مع النظام سياسية بامتياز، والى حقيقة أن سياسة التمييز الطائفي باقية كأصل في سياسات الحكومة السعودية الوهابية، لن يتخلّى عنها إلاّ مجبراً، حين تصل الأمور الى حدّ يعتقد فيه رموز العائلة المالكة بأن المنفعة في المضي في سياسة التمييز الطائفي تكاد أن تفقدهم ما بين أيديهم. حينها، قد يقوم الأمراء ومشايخهم بمراجعة، ولو كانت متأخرة، لسياساتهم، وحينها يكون لكل حادث حديث.

ويعيدنا هذا ايضاً الى حقيقة أنه مهما قام الشيعة بـ (تحبيب) أنفسهم الى النظام، ومهما بذلوا من جهد في تحمّل مضض آلام التمييز الطائفي، ومهما جاهروا بولائهم لرموز العائلة المالكة، ومهما قالوا بأنهم وطنيّون ودعاة وحدة، ومهما كتبوا ونظّروا في هذا الطريق، فإن من يمسك بزمام السلطة لا يعنيه الأمر كثيراً، إلاّ من زاوية اعتقاده بـ (نجاح) وفعالية سياساته التمييزية الطائفية. فهو لا يعتقد بأن عليه (مكافأة) الشيعة كمواطنين على (هدوئهم) بقدر ما يعتقد بأنه نجح في (إخراسهم) و (إرغام أنوفهم) على الخضوع. والنظام فوق هذا، لا يشعر تجاه ما يقوم به بعض المواطنين الشيعة ـ على الأقل ـ من أعمال ومواقف (ولائية) بأنها تعبّر عن مشاعرهم أو على الأقل استعدادهم للتعاطي الإيجابي معه، ما يستتبعه تغييراً في (النمطية اليهم). كلا. فهم ـ رغم كل آيات التبجيل به ـ لازالوا بنظره يمثلون خطراً عليه، وأنهم ـ وليس رموزه من الأمراء (عملاء للأجنبي) وأن دينهم (وليس مذهبهم) كفري يجب استئصاله.

إذا كان هذا التحليل صحيحاً، ونظنّه كذلك، فإن رهانات الشيعة على الهدوء، ومحاولة (عقلنة) النظام خاطئة. وأن القول بأن طريق مواجهة التمييز الطائفي وإعلان العداء للسياسة تلك ولرموزها، أمر يجرّ على الطائفة المزيد من الضغوط، خاطئ في مقاربة الحل. إن الهدوء وانتظار الأمل وعدم الإعتراض هو الذي يشجّع النظام على مواصلة غيّه وظلمه، وإن ما يريد النظام أن يوصلنا إليه هو بالتحديد هذا: مواجهة النظام عبث، ومضرّ للشيعة قبل غيرهم!. وبالتالي فلا يوجد سوى الخضوع لسياسة النظام الظالمة، خشية أن تجر المواجهة الى زيادة جرعة ذلك الظلم.

وإذا ما أصبح نَفَسُ المواجهة قصيراً بين جمهرة المواطنين، وتلكأوا في المسارعة الى المواجهة والرفض وإعلان العداء للنظام وسياسته، فإن ما يصل اليه الكثيرون هو: اليأس من التغيير، والضنّ بالنفس والمال عن خدمة مسار لا أحد يستطيع أن يعرف على وجه التحديد كيف ينتهي.

التغيير له ثمن يجب أن يدفع، ويحتاج الى طول نفس، والى إصرار على مواصلة الطريق، والى اقتحام جماهيري لهذا الميدان.

إن نظاماً بهذه الشراسة، وحكماً مضت عليه عقود من السنين، وبنيت على أسسه شبكات من المصالح، لا يمكن أن يتغيّر بين ليلة وضحاها، أو بالدعاء فقط دون العمل، ودون التضحية. ومهما قيل عن التجارب الماضية، فإنها أثمرت بقدر غير قليل في ميادين مختلفة، ولكنها ـ للأسف ـ لم تتواصل وتتغلغل في الوجدان والميدان لدى شرائح عديدة في المجتمع، حتى أصبح (عمر المعارضة) في تاريخ الشيعة في السعودية ـ ومن الناحية الفعلية ـ أقلّ بكثير من (عمر الموالاة والهدوء والقعود).

إن مواجهة الظلم الرسمي ـ متعدد الوجوه ـ ورموزه أقرب الى الفطرة السليمة، وأقرب الى العقل، بل أقرب الى الدين والمنطق.

ما هو صنف هذا الإنسان الشيعي الذي يقبل بظلم كالذي يجري عليه اليوم، وبحكام على شاكلة آل سعود، وبمشايخ يفتون بتكفير وقتل الناس لأتفه الأسباب؟!

المعادلة الخارجية

لا يتعاطى النظام السعودي مع المواطنين الشيعة كجزء من أبناء البلاد، وهو حين يتخذ سياساته ويقرر بذل المزيد من الضغوط عليهم، فلأنه يراهم جزءً من شعوب أخرى، أو لنقل من أمة أخرى. وحتى سياساته الخارجية مع بلدان تحوي نسبة من الشيعة، أو ذات أكثرية شيعية، فإنه يرى أولئك الشيعة جزءً من تلك (الأمة). وهذا يعني أن قواعد اللعبة المحلية ليست محلية صرفة، وما يقرره النظام تجاه مواطنيه الشيعة موصول بنظرته العقدية المندمجة مع السياسة (العراق نموذجٌ واضح لذلك).

نحن كشيعة في السعودية لا يرانا النظام بعين سياسية محضة، بل وبعين (عقدية/ دينية). فإذا ما توترت علاقاته مع جزء من تلك (الأمّة الشيعيّة) انعكس الأمر على وضعنا في الداخل.

ليس الشيعة في السعودية هم أول من أخرج قضيتهم الى الخارج، بل هو النظام نفسه الذي رآهم شأناً خارجياً وتعاطى معهم كفئة ولاؤها الى الخارج: الإيراني تارة، والصليبي تارة أخرى!، والصهيوني تارة ثالثة!

ولأن إيران أصبحت ـ في العقلية السعودية ـ قطب الرحى، فقد أصبح لزاماً النظر الى كلّ شيعة العالم على أنهم شيء واحد، فأصبحوا كلّهم مجرد بيادق في السياسة الإيرانية، ما يجعل سياسة التمييز الطائفي أصعب في الإقتلاع من الذهنية والممارسة السعودية. وأصبحت قضية الشيعة في بعض الأحيان مجرد (هامش) في العلاقات الإيرانية السعودية.

ويمكننا ملاحظة حقيقة أن توتّر الوضع المحلّي الشيعي بسبب الضغط الحكومي إنّما زاد في فترات الصراع مع إيران، وأن تخفيف حدّة التوتر (وليس إنهاء سياسة التمييز الطائفي) ترافقت مع تحسّن العلاقات بين البلدين.

واليوم، حيث تصعد السعودية من حملتها على إيران، يمكننا ملاحظة تأثير ذلك، في زيادة التصعيد السعودي ضد الشيعة من جهة الإعتقالات، وإغلاق المساجد والحسينيات، وتضييق الحريات الدينية، وغير ذلك. ونظنّ أن الفترة القادمة، إذا ما استمرّ التصعيد بين البلدين، ستعكس آثارها سوءً على المواطنين الشيعة أنفسهم. وهذا لا علاقة له بالضرورة بطبيعة الحراك الشيعي السياسي والثقافي المحلّي، بقدر ما له علاقة بالرؤية الحكومية، لوضع المواطنين الشيعة، ورؤيتها العقدية والسياسية تجاههم. أي أنه يجري إقحام الشيعة في السعودية ضمن خارطة التنافسات والصراعات الإقليمية، ولا ينظر النظام الى طبيعة المشكلة التي صنعها، وجذورها التي تمتد الى ما قبل قيام نظام الجمهورية الإسلامية بعقود عديدة.

وملخص القول بأن النظام السعودي لا ينظر الى الوضع الشيعي المحلّي من زاويته الواقعية على الأرض، بل يربط ذلك قسراً بالوضع الخارجي. وهنا لا يؤثر فيه بالضرورة، إن كان المواطنون الشيعة فاعلين سياسياً أم لا، وما إذا انتهجوا المعارضة أم لا؟ ففي كل الأحوال هناك تأثير إقليمي على وضعنا الخاص، وحجم هذا التأثير وإن قرّره النظام ابتداءً، فإن المواطنين الشيعة لا يجب أن يكونوا متفرجين وكأنهم فئة لا حول لها ولا طول، يتلقون العنت من النظام لمجرد أنهم شيعة. عليهم أن يصنعوا معادلتهم الخاصة بهم، وأن يتمسكوا بأهم ثوابت قضيتهم، وأن يقاوموا سياسات التمييز الطائفية بكل ما أوتوا من قوة، وأن يدافعوا عن أنفسهم وكرامتهم، سواء كان الوضع الإقليمي ملائماً أم لا.

لقد قلنا فيما سبق أن النظام السعودي يعتبر سياسة التمييز الطائفي (أصلٌ) لا يمكنه التخلّي عنه إلا مضطراً أو مجبراً. فهذا الأصل له ارتباط باحتكارية السلطة وتسويد نجد ثقافة ومذهباً. فما هو الأمر الذي يجعل النظام مجبراً على فعل ذلك، وهو الذي يمتلك وسائل الفتك والقتل، وينام على أموال قارون؟

نظنّ ابتداءً بأن مواجهة ظلم النظام ضرورة شرعاً وعقلاً. ونعتقد أنه بقدر ما لدى النظام من عناصر قوّة، فإنه ينطوي على عناصر ضعف عديدة. وإذا كنّا قد وصلنا الى وضع لا يمكن معه اليوم توقّع حلّ من النظام، وهو الذي يزيد في طغيانه وضغوطه على الشيعة، فإن كل الخيارات تبقى مفتوحة. ومن بين أهم تلك الخيارات، خيار (الإنفصال).. فمنطقتنا لم تكن يوماً ملكاً لا لآل سعود، ولا لوهابيتهم. وهذا الخيار، بقدر ما هو صعب، إلا أنه قابل للتحقق بالنظر الى وضع الدولة السعودية نفسها، وهذا يحتاج الى تفصيل لا تتسع له هذه المقالة، ويكفي أن نشير الى أن النظام السعودي وطاقم الحكم النجدي لم ينزعجوا يوماً من دعوات إسقاط النظام وتغييره الذي رفعه الشيعة في الثمانينيات الميلادية، بقدر ما انزعجوا من (مجرد التفكير) في هكذا خيار. إن لم نكن شركاء في هذه الدولة، وأصبحنا بنظر حكامها وغواتها الطائفيين مجرد نتوء ناشز، فطرح هذا الخيار والتفكير فيه وبلورته، والإقتناع بأن لنا حقّ في العمل على تحقيقه، وتوفير أدواته الثقافية والسياسية يأتي كمقدمة للبحث عن مخرج ضاغط للحل.

فيما مضى من العقود كان وجهاء الشيعة يجأرون بشكاواهم في رسائل الى الملك وكبار المسؤولين.

ثم تقلّصت الرسائل نظراً لعدم جدوائيتها حتى كادت تنقطع، وازداد نفور الأمراء منها ومن حتى الالتقاء بوفود الشيعة. ولم يكن الأمراء يقبلون بمضامين تلك الرسائل وما تحويه من مقترحات وإن قبلوا بأن يكتب لهم عنها بحدود.

واليوم ـ وبعد الإنسدادات ـ صار الحديث عن التمييز الطائفي وتعديات السلطة بشكل علني ممنوعاً ويعاقب عليه. حتى الدعوة الى وقف سياسة التمييز الطائفي، وضمان حرية العبادة ضمن المواثيق الدولية، والقيام بإصلاحات سياسية، صار الحديث عنها جريمة، كما هي الحال مع الشيخ توفيق العامر، الذي يراد محاكمته بعد نحو شهر لأنه دعا الى ذلك، وبحجة (التحريض على النظام).

إذا كانت مثل هذه الدعوات التي تأتي من معمم شيعي تمثل تحريضاً على النظام فيعتقل لثلاث مرات، فإن هذا يعني أمرين واضحين:

الأول ـ أن الجأر بالألم ممنوع، حتى وإن كان ما يقال صحيحاً. وكأن الحكومة السعودية تعتقد بأن العالم لا يعلم بأنها تمارس سياسة تمييز طائفي، وأنها تضيق الخناق على حرية العبادة على الشيعة! وأنها بلد لا علاقة لها بشيء إسمه إصلاحات سياسية!. وقد سبق للشيخ توفيق العامر أن اعتقل قبل عام بالضبط لمجرد أنه رفع الأذان على الطريقة الشيعية، كما اعتقل قبل عام وأربعة اشهر لأنه انتقد بيان 22 شيخاً وهابياً كفروا عموم الشيعة وأفتوا بقتلهم.

الثاني ـ أن كل ما يقوم به الشيعة حتى في مظهره العادي يعدّ تحريضاً سياسياً في عين النظام. فالشيخ العامر ليس الوحيد الذي انتقد سياسة التمييز الطائفي، وليس الوحيد الذي دعا للمشاركة السياسية، سواء في الصحف او في القنوات الفضائية. فلماذا يصبح تحريضاً سياسياً إذا ما قال ذلك شيعي، ولا يكون كذلك إن قاله غيره؟ إن غرض هذا واضح: إنه خنق حرية التعبير لدى الشيعة، ومنعهم حتى من الجأر بالشكوى، وهذا تطوّر يجب أخذه بالحسبان.

إذا كان هذا تحريضاً سياسياً، ولا يريد الأمراء حتى سماع طلب بالإصلاح وإيقاف التمييز الطائفي..

وإذا كان الثمن المراد دفعه من قبل الشيعة حتى في مثل هذه الأمور يتساوى أو يتوازى مع الدعوات الأخرى: إذن، فلندفع ثمن المطالبة بدولة يسودها العدل:

إذا غامرتَ في شرفٍ مروم/ فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ/ كطعم الموت في أمرٍ عظيم