![]() |
|
|
في فن الحكم ورجل الدولة .. العراق ما بعد 2003
موقع الإمام الشيرازي 21/ جمادى الأولى/ 1448
(*) أُعدَّتْ هذه الدراسة باللغة الإنجليزية بقلم الدكتور محمد القريشي، عضو المجلس العلمي في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك، وقُدِّمتْ إلى «مركز ديناميكيات العراق (Iraq Dynamics Center)»، فيما قام «موقع الإمام الشيرازي» بترجمتها وتحريرها.
------------------------------
في السادس من أيلول/سبتمبر 1937، نشر الكاتب المصري أحمد أمين مقالاً بعنوان «فن الحكم» في مجلة «الرسالة» الصادرة في القاهرة. وقدّم فيه صورة موجزة عن الواقع السياسي للعالم العربي آنذاك؛ فتناول معاناة الشرق وهيمنة المحتل على مختلف مجالات الحياة، بما فيها التعليم والجيش. ولاحظ أيضاً أن الغرب، مع تغيّر الظروف، بدأ يكيّف سياسته في المنطقة، من خلال سحب يده مع الإبقاء على هيمنته. وكما عبّر أحمد أمين، فقد وضع ذلك الأمة، للمرة الأولى في تاريخها الحديث، أمام مسؤولية حكم نفسها بعيداً عن التدخل الخارجي. ثم شخص بدقة لافتة طبيعة الظروف والاحتياجات التي تفرضها مرحلة التأسيس التي تعقب الاستقلال [1]. وقد عبّر أحمد أمين عن هذه النقلة في مقالته «فن الحكم» المنشورة عام 1937، قائلاً: «لم تعد الأيدي التي كانت تعمل بعقول الآخرين كافية، وأصبحت الحاجة ملحّة إلى عقول تفكر، وإلى أساليب عادلة وحازمة في الحكم. وجد الشرق نفسه فجأة كأنه معلّم يلقي درسه الأول، أو قاضٍ يجلس على منصة القضاء للمرة الأولى. وحتى أولئك الذين تولّوا السلطة في ظل الاحتلال واستمروا في الحكم بعده، كانوا يدركون الفرق بين نمطي الحكم والصعوبات المختلفة التي تفرضها كل مرحلة. ففي ظل الاحتلال كانوا أيدياً مسخّرة، أما في عهد الاستقلال فقد أصبحوا عقولاً حاكمة». ثم انتقل أحمد أمين إلى تحديد طبيعة الحاكم الذي تتطلبه هذه المرحلة، مشيراً إلى أن: «أول درس ينبغي للشرق أن يتعلمه هو تضحية الحاكم. وأعني بذلك أن يضحّي برغباته من أجل إحقاق العدالة على وجهها الدقيق، بحيث لا يغريه المال، ولا الجاه، ولا المنصب، فيحيد عن نصرة الحق وإزهاق الباطل». وبهذه الرؤية، حلّل أحمد أمين واقع عصره، وحدّد أبرز العقبات التي تواجه الدول العربية الناشئة. وتمحورت تلك العقبات حول الحاكم، وفن الحكم، والمعايير الأخلاقية التي ينبغي أن تضبط سلوك من يتولون السلطة. ومع ذلك، فقد أغفل ركيزتين أساسيتين من ركائز الحكم في الدولة الحديثة، هما دولة المؤسسات وسيادة القانون؛ إذ تكفل هاتان الركيزتان استقرار الحكم وعقلانيته بمعزل عن إرادة أي فرد بعينه. مَنْ يحكم؟ وكيف يحكم؟ منذ ظهور الإنسان على الأرض وبدء عيشه في جماعات، رافقت مسيرته مشكلتان أساسيتان، يمكن اختزالهما في الإجابة عن سؤالين: «مَنْ يحكم؟» و«كيف يكون الحكم؟». وقد تنوعت إجابات المجتمعات عن سؤال كيفية الحكم، تبعاً لاختلاف بنياتها الاجتماعية وبيئاتها الجغرافية وثقافاتها. أما سؤال «مَنْ يحكم؟»، فقد دارت الإجابات عنه، على امتداد فترات طويلة من التاريخ، حول تركيز السلطة في يد فرد واحد أو جماعة بعينها. وكان أبرز إسهام للفكر السياسي القديم في الإجابة عن هذا السؤال «نظرية أفلاطون» التي دعت إلى إسناد مسؤولية حكم الناس إلى الفلاسفة. فقد رأى أن قدراتهم وأخلاقهم وخصائصهم تؤهلهم لتحديد احتياجات الناس ومساعدتهم على بلوغ أفضل أشكال الحكم. كما أن نزاهة الحاكم من هذا النوع تحول دون استيلائه على موارد الجماعة، أو تبديدها، وهي الجماعة التي أطلق عليها أفلاطون اسم المدينة. وقد شكّلت هذه النزاهة الأفلاطونية، إلى جانب الفضائل السامية التي ينبغي أن يتحلى بها الحاكم، جزءاً من منظومة تربوية وأخلاقية متكاملة ومقنّنة. وكان الهدف منها تهذيب شخصية الفرد قبل إسناد مسؤوليات الدولة إليه، من خلال مسار طويل من التعليم والاختبارات الصارمة، فضلاً عن تخلي الحاكم عن الملكية الخاصة حمايةً للصالح العام. غير أن تطور الحياة الاجتماعية، وطبيعة الإنسان، وتبدّل موازين القوى، أظهرت في مراحل لاحقة استحالة تحويل مثالية أفلاطون إلى واقع عملي. وانتهى الأمر بها إلى نمط سلطوي من الحكم؛ بل إن نظرية «الملك الفيلسوف» كانت، في حد ذاتها، أحد أوجه ذلك النمط، لأنها حصرت عملية اتخاذ القرار في أيدي الفلاسفة وحدهم. وهكذا، تركزت السلطة عبر العصور في أيدي الأفراد، سواء كانوا ملوكاً أو زعماء قبائل أو كبار الإقطاعيين. واستمر هذا النمط حتى ظهور الشكل الحديث للحكم، الذي أصبح فيه الشعب يحكم نفسه بنفسه، نتيجة تطور الفكر السياسي ونشوء الدولة الحديثة. وبدلاً من الاستبداد، عرف العالم لاحقاً حكاماً منتخبين يتولون السلطة لمدد محددة. ومع ظهورهم، تجاوزت الدول النموذج القديم الذي اقتصرت وظائفه التقليدية على خوض الحروب وجباية الضرائب والحفاظ على السلطة، لتحل محله دولة ذات مسؤوليات جديدة، تشمل، إلى جانب وظائفها السابقة، تطوير المجتمع في مجالات التعليم والصحة ومختلف الخدمات العامة. وبعبارة أخرى، انتقلت الدول من نموذج «الدولة الحارسة» إلى نموذج «دولة الرفاه». وكما لاحظ الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فقد جعل هذا النموذج الجديد صحة السكان وتعليمهم ونموهم الديموغرافي محوراً أساسياً من محاور تقنيات الحكم والإدارة الحديثة. فلم يعد الاهتمام مقتصراً على السيطرة على الأرض والعرش، بل أصبح منصباً على إدارة حياة السكان. وقد وصف فوكو هذا التحول بأنه «إدارة الحياة». وفي هذا السياق، تنافس الطامحون إلى السلطة على تقديم أفضل الرؤى لإدارة شؤون الناس. وجرى هذا التنافس ضمن مفهوم جديد لـ«فن الحكم»، يتمحور حول تقديم الإجابة الأفضل عن سؤال: «كيف ينبغي أن نحكم؟». رجل الدولة ورجل السياسة بالتوازي مع هذا التطور، ظهرت أنماط جديدة من «الحكام التحويليين»، الذين لم تتمحور جهودهم حول الاستيلاء على السلطة وإطالة أمد بقائهم فيها، بل حول تقديم خدمة استثنائية للدولة في مختلف مراحل تطورها. فمنهم من اضطلع بمهمة التأسيس، كما فعل الجيل المؤسس في الولايات المتحدة الأميركية. ومنهم من قاد نهضة وطنية بعد الأزمات، كما فعلت النخب السياسية الفرنسية عندما أسس الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول الجمهورية الخامسة، وقاد بلاده نحو الحداثة. وينطبق الأمر ذاته على ماليزيا التي حققت قفزة تنموية لافتة في عهد رئيس الوزراء مهاتير محمد، وجنوب أفريقيا التي انتقلت من نظام الفصل العنصري إلى نظام تعددي جديد بقيادة نيلسون مانديلا. وهكذا، أفضى البحث الطويل عن إجابة لسؤال «مَنْ يحكم؟» إلى تحولات عميقة في تجارب الدول الحديثة، كان من أبرزها ظهور نمطين من السياسيين. النمط الأول هو «رجل الدولة». وهو الذي يفكر في الحاضر وفي الأجيال القادمة، ويكرّس جهوده لتأمين مستقبل أفضل لشعبه، ويبدي استعداداً للتضحية من أجل تحقيق ذلك. إنه القائد الذي يربط مصيره بمصير شعبه، ويحب تاريخ وطنه ويقلق على مستقبله. ووفق هذه المعايير، تتضاءل أمام طموحاته الكبيرة ورغبته في الخلود التاريخي كل الإغراءات والمنافع الشخصية. ولهذا السبب، يتكرر مفهوم «العظمة» كثيراً في الأدبيات السياسية التي تتناول رجل الدولة. فمن يقدّر الدولة ويحترم مكانتها، ينظر تلقائياً إلى رجل الدولة بإجلال وهيبة؛ فهو يجسّد ماضي أمته وحاضرها ومستقبلها من خلال مكانته الأخلاقية ومواقفه وخطاباته وزهده وإرثه. وليس من المستغرب، على سبيل المثال، أن تتردد مفاهيم سامية مثل الهيبة والعظمة والتبجيل والتواضع في ذهن ستيفان برن، مقدم السلسلة الوثائقية الفرنسية الشهيرة «أسرار التاريخ»، وهو يقترب من تمثال الكاردينال ريشيليو، أحد أبرز رجال الدولة في التاريخ. ففي افتتاحية برنامجه، يستعيد برن الكلمات التي خاطب بها التمثال في نفسه: «يا صاحب السيادة، سأقدم غداً برنامجاً عنك... فكيف لي أن أشرح حبك الشغوف لفرنسا؟». وتوضح هذه اللحظة الوجدانية بجلاء الفرق بين السياسي التقليدي ورجل الدولة، كما تكشف الأثر العميق الذي يتركه الأخير في الأجيال المتعاقبة. وبهذا القدر من التفاني العاطفي والعقلاني للدولة، بدأ شارل ديغول مسيرته في خدمتها. وأنهاها بعد مسيرة حافلة بالانتصارات والهزائم، والآمال وخيبات الأمل، ليدخل التاريخ مفكراً متجرداً وقائداً استثنائياً. ولم يترك وراءه إرثاً سوى العظمة والقيم وفنون الحكم التي لا تزال ترشد الأجيال اللاحقة. وكان استقالته المحطة الأخيرة في مسيرته بوصفه رجل دولة؛ إذ تنحّى وفاءً لوعد قطعه على نفسه، وتعهد بموجبه بالاستقالة احتراماً لإرادة الشعب، إذا رفض الناخبون خطة اللامركزية التي طرحها للاستفتاء بهدف تحديث الإدارة في الدولة. وقد عبّر الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن عن تصوره لرجل الدولة من خلال صورتين؛ فشبّه ثباته في مواجهة التحديات بثبات الأسد، ورؤيته الاستشرافية ببصر النسر الذي يحلّق عالياً، فيحيط بمجمل الواقع قبل أن ينقضّ إلى الأمام. وقدّم لينكولن هاتين الصورتين في خطاب ألقاه وهو في الثامنة والعشرين من عمره، قبل أن يصل إلى الرئاسة بسنوات طويلة [2]. وفي ذلك الخطاب، قال لينكولن: «قد نجد دائماً رجالاً عظماء وأخياراً، مؤهلين بما يكفي للاضطلاع بأي مهمة يتولونها، غير أن طموحاتهم لا تتجاوز مقعداً في الكونغرس، أو منصب حاكم ولاية، أو كرسي الرئاسة؛ لكن هؤلاء لا ينتمون إلى فصيلة الأسد ولا إلى قبيلة النسر. تُرى، هل كانت هذه المناصب سترضي إسكندر أو قيصر أو نابليون؟ كلا، أبداً! فالعبقرية الشامخة تأنف الطريق المطروق، وتسعى إلى آفاق لم تُستكشف من قبل. ولا ترى مجداً في إضافة طابق إلى آخر فوق صروح الشهرة التي شُيّدت تخليداً لذكرى الآخرين. كما أنها لا تقبل بأن يكون المجد كافياً في خدمة أي زعيم، ولا ترضى بأن تسير على خطى أي سلف، مهما بلغت مكانته». أما النمط الثاني فهو «السياسي». وهو الفاعل السياسي الذي يفكر في الانتخابات المقبلة، ويقترح الخطط والسياسات لإدارة الدولة، ويشارك في التنافس السياسي بما يضمن استمرار حركة الدولة ويدفعها نحو التجدد. ويشكّل السياسيون من هذا النوع الغالبية العظمى ممن يعملون في إدارات بلدانهم؛ فهم يسعون إلى تحقيق إنجازات عامة، ويحصلون في المقابل على منافع شخصية ومكانة اجتماعية. ويدخل هؤلاء السياسيون عالم السياسة ويغادرونه كما يفعل المسافرون العابرون؛ فهم، في معظم الأحيان، لا يتركون أثراً يتجاوز المرحلة السياسية التي عاشوها، أو يمتد إلى التاريخ الطويل والذاكرة الوطنية لشعوبهم. وتبرز أهمية النمط الأول، أي رجل الدولة، في قدرته على إخراج بلاده من واقع يدور فيه الزمن في حلقة مفرغة تفتقر إلى التجدد، أو واقع مضطرب ومثقل بالأزمات، ونقلها إلى واقع ينفتح فيه الزمن على المستقبل ويزخر بالإنجازات. ولهذا، نستعرض بإيجاز بعض السمات الأساسية التي تميّز هذا النوع من القادة. الرؤية الاستراتيجية .. لا إدارة اللحظة لا ينتظر رجل الدولة اندلاع الأزمات أو ظهور الاحتياجات البنيوية والوجودية حتى يتدخل منقذاً لبلاده أو باعثاً لنهضتها. بل يبادر ويبتكر ويغتنم الفرص لبناء إنجازات راسخة. ومن ثم، فإن دوره لا يتوقف على الظروف التي يتيحها الزمن، وإنما يكمن في قدرته على منح الزمن معنى يخدم الدولة. ويستند هذا الدور الواسع إلى رؤية واضحة للمستقبل، وفهم عميق لاحتياجات شعبه ومتطلبات المرحلة، فضلاً عن قراءة موضوعية لتاريخ بلاده، مقرونة بحب حقيقي لها. ولهذا، يشبّه كثيرون طريقة إدارة رجل الدولة لشؤون بلاده، مع تركيزه على المستقبل من دون إغفال الماضي، بالسائق الذي يجلس خلف مقود السيارة؛ إذ يثبت عينيه على الطريق أمامه، مع إلقاء نظرات خاطفة إلى الخلف عبر المرآة العاكسة. بناء المؤسسات لا بناء الذات يربط السياسي التقليدي قوة الدولة بحضوره الشخصي، بحيث تنهار الدولة وتسود الفوضى بمجرد خروجه من المشهد. أما رجل الدولة، فيعمل على بناء المؤسسات وتحديد وظائفها، بما فيها مؤسسة الرئاسة نفسها، ويقدّم، فضلاً عن ذلك، نموذجاً شخصياً في احترام الإجراءات والقواعد التي تنظم عملها. وانطلاقاً من هذه الرؤية، أسهم الرئيس الأميركي الأسبق جورج واشنطن في بناء الدولة الأميركية ودستورها. ثم رفض الترشح لولاية ثالثة، رغم أن الديمقراطية ومؤسساتها كانتا لا تزالان في بداياتهما، وأن الشعب كان مستعداً لتنصيبه ملكاً مدى الحياة. وقد رسّخ من خلال هذا السلوك مبدأ التداول السلمي للسلطة في الولايات المتحدة. تجاوز الانحيازات الضيقة بصرف النظر عن انتمائه السياسي أو الديني أو الطائفي، يسعى رجل الدولة إلى حصر عمله ضمن قواعد الدولة وثقافة الولاء لها. وتظهر إحدى علامات عظمته في اللحظات التاريخية التي تعقب الحروب الأهلية أو الانقسامات العميقة أو الأزمات. ففي مثل هذه اللحظات، يضبط نفسه ولا ينزلق إلى مسار الانتقام، حتى لا يتحول دوره إلى دور زعيم ضيق الأفق. كما يضبط خطابه ليخاطب الجميع، لا فئة بعينها، ويعمل على ترسيخ قيم العدالة الانتقالية والتعايش لإنقاذ الوطن. وهذا ما فعله نيلسون مانديلا تحديداً؛ فبعد خروجه من السجن إثر سبعة وعشرين عاماً من الاعتقال، قاد جنوب أفريقيا نحو المصالحة بين السود والبيض، وجنّب بلاده حرباً أهلية عرقية بدت آنذاك شبه حتمية. الولاء للدولة وحدها .. لا للأيديولوجيا والشعارات ينتمي رجل الدولة إلى الماضي والحاضر والمستقبل، لا إلى أيديولوجيا أو قناعة موروثة أو انحياز حزبي. ولذلك، يتمتع بمرونة استثنائية في التعامل مع الظروف؛ فهو يعرف متى يتنازل، ومتى يساوم، ومتى يغيّر حلفاءه، مسترشداً بمصالح شعبه، لا بضغوط الشعارات أو الأيديولوجيات أو المصالح الخارجية. ويقدم الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران مثالاً بارزاً على ذلك. فقد وصل إلى السلطة زعيماً للحزب الاشتراكي، لكنه حكم بمرونة وواقعية بوصفه رئيساً لجميع الفرنسيين. وأعاد توجيه سياساته الاقتصادية بما يتوافق مع المصالح الوطنية الفرنسية واقتصاد السوق، متجاوزاً القوالب الاقتصادية التي فرضها الحزب الاشتراكي. وبالمثل، تجلت هذه السمة في فن الحكم الذي مارسه أوتو فون بسمارك، مؤسس ألمانيا الحديثة، والذي اتسمت سياسته بالواقعية. فقد أبقى مصالح بلاده نصب عينيه، وتحالف مع خصوم الأمس، وأبرم المعاهدات حتى حقق وحدة ألمانيا واستقرارها. وإلى جانب هذه السمات، يمتلك رجل الدولة خصائص أخرى لا يتسع المجال لمناقشتها بالتفصيل، مثل الشجاعة السياسية، والبلاغة، واحترام المؤسسات، وبناء التوافق، والمرونة. فن الحكم بالعودة إلى سؤال كيفية الحكم، تجدر الإشارة إلى تعدد المقاربات التي تناولته، بما يعكس اختلاف التصورات المتعلقة بالدولة والسلطة على امتداد التاريخ. فقد نظر الفلاسفة الكلاسيكيون إلى فن الحكم بوصفه فضيلة سياسية وأخلاقية. أما الفكر السياسي الحديث، بدءاً من نيكولو مكيافيلي، فقد اتجه إلى اعتباره تقنية لإدارة السلطة والحفاظ على الدولة. ففي إطار الفكر الكلاسيكي، رأى أفلاطون، على سبيل المثال، أن السياسة من أسمى الفضائل. وفي كتابه «الجمهورية»، وضع شرطاً لمشروعية الحكم، يتمثل في أن يكون من يُعهد إليه بتدبير شؤون المواطنين «فيلسوفاً» يمتلك الحكمة والمعرفة اللازمتين لتحقيق العدالة ورعاية المحكومين. وفي السياق نفسه، اعتبر أرسطو الإنسان «حيواناً سياسياً»، ورأى أن غاية الدولة هي تمكين المواطنين من عيش حياة كريمة وفاضلة. وكان الحكم، بالنسبة إليه، ممارسة أخلاقية تستهدف تحقيق السعادة المشتركة. أما الفيلسوف الفارابي، فقد نقل هذه الرؤية إلى الفكر الإسلامي من خلال مفهوم «المدينة الفاضلة»، التي يؤدي فيها الحاكم دور المعلم والقدوة الأخلاقية لرعيته. في المقابل، قدم «الواقعيون» رؤية مختلفة تماماً؛ إذ اعتبروا الحكم «فن الحفاظ على السلطة»، وضمان استقرار الدولة واستمراريتها، بمعزل عن الاعتبارات الأخلاقية. وفي هذا الاتجاه، عرض مكيافيلي رؤيته في كتاب «الأمير»، من خلال الفصل بين الأخلاق والسياسة. وأصبح الحكم، وفق تصوره، مجموعة من الأدوات والتقنيات، تشمل المكر والقوة والخداع وإدارة الخوف والهيبة، وكلها تهدف إلى الحفاظ على الدولة وضمان السيطرة على الحكم. أما توماس هوبز، فقد رأى في السلطة، التي تتأسس بموجب «العقد الاجتماعي»، وسيلة للسيطرة على الطبيعة البشرية العدوانية وفرض الأمن والاستقرار بالقوة. فالسلطة، وفق هذا التصور، تحوّل طاقة الصراع في المجتمع إلى أنماط من الحياة المدنية. وفي مرحلة لاحقة، طوّر ميشيل فوكو مفهوم «فن الحكم»، وصاغ مصطلح «الحكمانية Governmentality» الذي ينظر إلى الحكم بوصفه شبكة من التقنيات والآليات والممارسات الحيوية لإدارة السكان والموارد والسيطرة عليهما. كما انتقد فوكو المقاربة القانونية التقليدية التي تتعامل مع السلطة باعتبارها أوامر تنزل من أعلى إلى أسفل، وتتخذ شكل إصدار التشريعات وفرض الطاعة ومعاقبة مخالفي القانون. ورأى أن السلطة ابتعدت عن نمط التخويف الذي ميّز العصور السابقة، حين كان العقاب قاسياً واستعراضياً ويهدف إلى ردع الجريمة، واتجهت بدلاً من ذلك إلى استخدام تقنيات أكثر خفاءً لتصحيح السلوك الفردي والجماعي وإدارة حركة السكان. وبذلك، أصبحت السلطة، في تصور فوكو، متغلغلة في معظم مجالات الحياة، حيث تراقب وتؤنب وتصحح. ولهذا، يؤكد ضرورة التوقف عن النظر إلى السلطة من خلال مظاهرها الخارجية ووظائفها المعلنة، والعمل بدلاً من ذلك على كشف أدواتها وحضورها وتأثيراتها في صميم المجتمع [3]. ويرتبط اتساع هذا النمط من السلطة وانتشاره ارتباطاً وثيقاً بتطور العلم والتكنولوجيا. وقد يمنح هذا الارتباط السلطة طابعاً تسلطياً يقيّد الحقوق والحريات، بل قد ينتهكها. وفي عام 2013، تنكّر عدد من الصحفيين الفرنسيين، من بينهم جان باتيست ماليه، للعمل في مستودع لشركة أمازون بمدينة شالون سور ساون الفرنسية، ضمن فريق يتولى التقاط طلبات الزبائن وتجهيزها. وهناك اكتشف ماليه نظاماً دقيقاً لمراقبة العمال، يعتمد على ماسح ضوئي بصري محمول يوجه كل عامل لحظة بلحظة، ويحدد مسار عمله والوقت المخصص لكل مهمة بدقة تصل إلى الثانية. وكان العمال يتعرضون، كلما توقفوا لأي سبب، سواء للتحدث مع زميل أو للاستراحة أو لاستخدام دورة المياه، إلى إنذارات إدارية وإجراءات تأديبية [4]. وقد أثارت هذه الواقعة نقاشاً حول حدود هذا الشكل الجديد من السلطة وعلاقته بحقوق الإنسان وكرامته. وهي، إلى حد بعيد، تجسيد لنظرية فوكو حول تغلغل السلطة في الهوامش البعيدة وغير المرئية من المجتمع، كما استحضرت فكرة سجن «البانوبتيكون» أو السجن ذي المراقبة الشاملة. ومن زاوية مختلفة، تناولت المنظّرة السياسية الألمانية حنة آرنت فن الحكم من خلال فهمها للسياسة باعتبارها مجالاً للنشاط الإنساني يقوم على التعدد والاختلاف. فبالنسبة إليها، لا تنشأ السياسة من وجود فرد منعزل، بل من وجود أشخاص مختلفين يعيشون معاً وينظمون علاقاتهم ضمن عالم مشترك ومؤسسات مشتركة. ولذلك، ترى آرنت أن المجال السياسي يقوم على التعددية، وأن البشر ينظمون أنفسهم في مؤسسات سياسية بسبب اختلافاتهم، لا لأنهم متشابهون تماماً. كما تحذّر من أن محاكاة الجماعة السياسية للأسرة قد تؤدي إلى محو الاختلافات الأساسية بين البشر. ومن ثم، فإن نجاح الحكم يتطلب أخذ التعدد الإنساني في الحسبان، بدلاً من محاولة اختزال المجتمع في وحدة مصطنعة أو متخيلة ضمن نموذج مغلق يشبه الأسرة [5]. وترتبط ممارسة فن الحكم، لدى آرنت، أيضاً بقدرة الحاكم على دراسة المجتمع والتمييز بين ظواهره. فلا يستطيع الحاكم أو الفاعل السياسي اتخاذ قرارات سليمة إذا ظل أسير أحكام مسبقة. ولهذا، تميّز آرنت بين الحكم المسبق، الذي ينتقل إلينا من الماضي ويُقبل بصورة تلقائية، والحكم التقديري، الذي يستند إلى التفكير والفحص والتأمل الدقيق في الوقائع. وفي جميع الأحوال، يؤدي السياسي دوراً محورياً في نجاح فن الحكم أو إخفاقه. فمن خلال إنجازاته ومواقفه وتضحياته ومهاراته المميزة، يستطيع أن يرفع مكانة دولته إلى مستوى يستحق معه لقب رجل الدولة. وفي المقابل، قد يدفع دولته إلى أشد الظروف صعوبة، ويغرقها في الفقر والتقسيم والتبعية وغيرها من المحن. وقد أدرك الباحث الأميركي دانيال ماهوني أن جوهر نجاح السياسات العامة أو إخفاقها يكمن في طبيعة الحاكم. ففي كتابه «رجل الدولة بوصفه مفكراً The Statesman as Thinker» يؤكد أن الغاية من دراسة فن الحكم هي تحديد السمات النبيلة في شخصية القائد وطموحه الشريف إلى خدمة الصالح العام. ولهذا، يعتمد مفهوم «العظمة» بوصفه السمة الفارقة لرجل الدولة. وتتيح هذه المقاربة وسيلة عملية لتقييم السياسيين والتمييز بين رجال الدولة والطغاة، من دون الانخداع بالمظاهر؛ كما توفر تقييماً دقيقاً وقابلاً للمقارنة، يستند إلى مفهوم العظمة [6]. وبناءً على ذلك، يمكن تعريف فن الحكم بأنه القدرة على إدارة شؤون الدولة والمجتمع بحكمة، وتحليل المصالح المتنافسة والموازنة بينها، وصولاً إلى صياغة قرارات تكفل الأمن والاستقرار والازدهار العام على المدى الطويل. وتتطلب هذه الإدارة فهماً للآليات الحديثة التي تعمل السلطة من خلالها داخل المجتمع، وللمؤسسات التي تتولى تنفيذها. كما تتطلب إدراكاً لتأثير هذه الآليات في حياة المواطنين، بما في ذلك حقوقهم وحرياتهم. إنه فن يتجاوز مجرد إبقاء عجلة الحياة اليومية دائرة؛ فغايته إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين، تغيير يلمسونه في الحاضر ويجنون ثماره في المستقبل. ويقوم هذا الفن على ركائز عدة، من أبرزها:
فن الحكم في العراق بعد عام 2003 مَنْ يحكم؟ وكيف؟ أدى إسقاط نظام صدام حسين الاستبدادي والشمولي، عبر التدخل الخارجي، إلى إعادة رسم الخريطة السياسية والبنيوية للدولة من نقطة الصفر. وهكذا، وجد المجتمع العراقي نفسه أمام المعضلة العميقة التي شخصها أحمد أمين قبل نحو قرن من الزمن. وكان التحدي - في العراق بعد 2003 - يتمثل في الانتقال من حالة «الأيدي المسخّرة»، التي طبعت أوضاع النخب والمجتمع في ظل الحكم الشمولي، إلى حالة «العقول الحاكمة» التي تتطلبها عملية إعادة بناء الدولة. وهنا تحديداً وقع الإخفاق الكبير، كما أظهرت تجربة العقدين الماضيين. مَنْ يحكم؟ خريطة الفاعلين وشرعياتهم قبل الانتقال إلى هذه المسألة، يجدر التوقف عند مشهد من مرحلة تأسيس الولايات المتحدة الأميركية. فقد دوّن الكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه دو شاتوبريان ملاحظات قارن فيها بين شخصيتين قياديتين من تلك المرحلة: القائد العسكري والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، و جورج واشنطن، أحد مؤسسي الولايات المتحدة. وأشار شاتوبريان إلى أنه كان معجباً بنابليون طويلاً، لكن نظرته تغيرت بعد سفره إلى أميركا واطلاعه عن قرب على شخصية واشنطن. وأوضح أنه وجد في واشنطن عظمة لم يجدها في نابليون، الذي لم يكن يكترث بالصالح العام، وكان ميالاً إلى سفك الدماء ومفتوناً بالسلطة [7]. وفي شخصية واشنطن، اكتشف شاتوبريان «نوعاً مختلفاً من عظمة التأسيس». ودفعه ذلك إلى وصفه بأنه رئيس كريم ومستنير، محب للقانون والجمهورية، وصاحب فكر عميق متجذر في التاريخ، وشخصية تتسم بتواضع حقيقي يجسّد نموذج «الجندي المواطن» في التقليد الروماني العريق. وقد ازدادت مكانة واشنطن في نظر شاتوبريان حين غادر السلطة عام 1797، بعد ولايتين رئاسيتين، رغم أن حداثة عهد الجمهورية الأميركية كانت تتيح له البقاء في الحكم مدة أطول بكثير. وعاد واشنطن بعد ذلك إلى منزله من دون أن يبدو عليه أي حزن. ولم يرَ شاتوبريان سلوكاً مماثلاً لدى نابليون، الذي غمره الأسى بعد فقدان السلطة، وعاش بعدها منعزلاً ومنكفئاً على نفسه. وقد كتب شاتوبريان عن نابليون: «رأيت فيه الطاغية الذي تحوّل إلى فقاعة فارغة بلا روح، لا رجل الدولة» [8]. لقد غابت عظمة التأسيس هذه عن التجربة العراقية بعد عام 2003؛ إذ تنافس المؤسسون على المنافع والامتيازات، وترسخت ممارسات الحكم بالمظاهر والمحسوبية، وأُهمل التخطيط، إلى جانب إخفاقات أخرى. وتلخّص هذه الحقيقة أزمة العراق، التي تكمن في غياب رجل الدولة وتردّي مستوى فن الحكم. فبعد تغيير النظام، لم تنبثق النخبة الحاكمة من طبقة تكنوقراطية أو من نخب كرّست نفسها لبناء الدولة بمعناها التأسيسي الحديث، بل تشكّلت عبر تحالفات وتحالفات مضادة. وقد هيمن على بعضها إرث من المظلومية وتاريخ من المعارضة للنظام السابق، فيما سيطرت على بعضها الآخر صدمة فقدان السلطة المفاجئ وتبدّل موازين القوى الاجتماعية والسياسية. ونتيجة لذلك، أصبح المشهد السياسي تقوده أحزاب وحركات اعتمدت سجل معارضتها لنظام صدام حسين وسيلة لترسيخ سلطتها، وحوّلت المظلومية والهوية دون الوطنية إلى رأسمال سياسي. وفي الوقت نفسه، تشكّلت حركات أخرى استثمرت مشاعر القهر التي ولّدها التغيير وسوء إدارة المرحلة الانتقالية. وقد وقع الخطابان الشعبي والسياسي، على حد سواء، تحت تأثير هذا المناخ الطائفي. ونتيجة لذلك، ترسخت مفردات سلبية، من قبيل: «التهميش الممنهج»، و«التغيير الديموغرافي»، و«الإقصاء»، و«الحفاظ على الهوية»، و«التوازن المطلوب»، و«الاستهداف الطائفي»، و«التهجير القسري»، و«المناطق الشيعية والمناطق السنية»، و«السكاك والعلّاس» - وهي تعبيرات عراقية دارجة تشير إلى القاتل المأجور والمخبر الذي يقوده إلى هدفه ــ و«مثلث الموت»، وغيرها. وهكذا، انقسم المجتمع إلى كتل طائفية متباعدة. وانعكس هذا الانقسام على جغرافية المدن والأحياء السكنية، والولاءات الخارجية، وتراجع معدلات الزواج المختلط، وصعود ذاكرات جماعية متماسكة لكنها متنافسة، على حساب الذاكرة الوطنية المشتركة. وفي هذا السياق، أخذ مفهوم «المواطنة الجامعة» يفقد تماسكه تدريجياً. وأصبحت التمثيلات السياسية في الحكومة تقوم على المحاصصة العرقية والطائفية، المعروفة في العراق باسم «المحاصصة»، بين المكوّن الشيعي والمكوّن السني والمكوّن الكردي ومكونات أخرى. ولم يعد الحاكم يتحدث باسم الأمة بأسرها، بل باسم شريحة محددة منها. وفي المقابل، ظهر مفهوم «الحكم الشيعي»، الذي رسم خريطة سياسية رسمية جديدة بألوان طائفية. وقد تضافرت عوامل عدة لتعزيز هذا الواقع، أبرزها غياب الإرادة القوية لوقف الانقسام الاجتماعي، واستثمار قوى داخلية وخارجية في تكريسه، وانتشار الفساد، وسقوط مناطق عدة بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم تحريرها. وفي ظل هذه الظروف، تداخل السلاح مع السياسة، وتشكلت شبكات للمنافع المتبادلة، استندت إلى مرتكزات دينية أو عشائرية لترسيخ شرعيتها على حساب الدولة. وإذا كان فن الحكم يعني أساليب إدارة الدولة والحفاظ على استقرارها، فإن النهج الذي اعتُمد في حكم العراق بعد عام 2003 أفرز نمطاً من الحكم يختلف عن الأنماط المألوفة في الدول الديمقراطية. فبدلاً من حكم أغلبية سياسية تتنافس على أساس برنامجها، ترسخ نظام «المحاصصة التوافقية». وجرى توزيع موارد الدولة ومؤسساتها بين الأحزاب من خلال لجانها الاقتصادية، فيما تحولت المناصب التنفيذية العليا إلى مناطق نفوذ للأحزاب والعائلات داخل جسد الدولة. وهكذا، ماتت روح الديمقراطية داخل العملية السياسية، ولم يبقَ في مكانها سوى هياكل وآليات تضمن استمرار ثراء النخب السياسية وهيمنتها، على حساب بقاء الدولة نفسها. ومرة أخرى، ظهرت مفردات جديدة عبّرت عن أزمات فن الحكم الجديد، منها: «مأساة الموصل»، و«سقوط الموصل»، و«استعباد الإيزيديين»، و«تهجير المسيحيين»، و«إبادة الشيعة»، و«مجزرة سبايكر»، و«إخلاء نينوى»، و«سرقة القرن»، وغيرها. ومن جهة أخرى، استخدمت القوى الحاكمة عائدات النفط لتعزيز الطابع الريعي للدولة وشراء الولاءات السياسية واستمالة الكتل السكانية، بدلاً من توظيفها في تحقيق تنمية حقيقية. كما أخفقت الدولة العراقية في الحفاظ على موقعها المركزي في مواجهة مراكز قوى متعددة، يتنافس بعضها معها على احتكار العنف. وفي هذا السياق، حذّر البنك الدولي في تقريره لعام 2021 من إخفاق النموذج العراقي. وأشار إلى أن النموذج الاقتصادي في العراق لم يعد مستداماً، رغم الثروة النفطية الهائلة التي يمتلكها البلد. وأوضح أن الدولة تنفق معظم إيراداتها على الرواتب والتقاعد، بدلاً من الاستثمار في المستقبل أو البنية التحتية، الأمر الذي يخلق اقتصاداً ريعياً عاجزاً عن استيعاب شبابه [9]. وينسجم أداء الفاعلين السياسيين العراقيين مع مفهوم «حكم الرداءة« الذي طوّره المفكر الكندي ألان دونو، ويعني تراجع المستوى السياسي أو هيمنة الرداءة. وقد استخدم دونو هذا المفهوم لتحليل تدهور نوعية الطبقة السياسية، وسطحية الخطاب العام، وغياب الرؤية في إدارة الدولة. وفي مناخ حكم الرداءة، تفضّل الأنظمة أصحاب القدرات المحدودة، وتهمّش ذوي الكفاءة الحقيقية والرؤية العميقة. وتسود السياسة بوصفها استعراضاً، وتنتشر الحلول السطحية؛ بحيث تحل ممارسات مثل التقاط الصور الدعائية، وافتعال الأزمات، والخطاب العاطفي الرخيص، محل النقاش الفكري الجاد والحلول الشاملة. وفي مثل هذه الظروف، يتحول الفاعل السياسي من قائد يصنع الأحداث إلى «مدير للأزمات»، يكيّف مواقفه مع مصالحه الخاصة ومع المزاج العام، بدلاً من العمل من أجل الصالح العام. ويصف دونو أصحاب الرداءة بأنهم: «أولئك الذين يتخلون عن كل أصالة، وعن أي مراجعة أو مساءلة للنظام المهني والاجتماعي القائم. إنهم الذين قمعوا أولاً كل نزعة نقدية، ثم فقدوها تماماً، والذين يروّجون للمواقف الوسطية. والمشكلة أن هذه الشخصيات تحديداً هي التي يجري اليوم ترقيتها، وتصل إلى مواقع السلطة« [10]. وبدلاً من إنتاج «فاعلين سياسيين» يؤدون أدوارهم على النحو الذي تتطلبه العملية الديمقراطية، و«رجال دولة» يمتلكون قدرات استثنائية وينجزون المهمة التأسيسية بتجرد ومثابرة واقتدار، أفرزت العملية السياسية «شخصيات عادية». كما أنتجت نمطاً من السياسيين يمكن وصفهم بـ«المقاولين السياسيين»، الذين ينشغلون بالصفقات والمكاسب الشخصية والولاءات الخارجية، بعيداً عن مصالح الدولة ومستقبل الأجيال القادمة. ويكشف كل ذلك أن التحدي الذي واجهه العراق بعد عام 2003 لم يكن مجرد إسقاط نظام سياسي واستبداله بآخر، بل كان يتمثل في إدارة متكاملة لمرحلة انتقالية تعيد تشكيل الدولة والمجتمع في آن واحد. فالانتقال إلى الديمقراطية في مجتمع منقسم على أسس عرقية وطائفية، ويواجه في الوقت نفسه تهديدات أمنية وتدخلات إقليمية ودولية، يتطلب نمطاً خاصاً من القيادة. وبلغة لينكولن، يتطلب هذا الانتقال قادة ينتمون إلى «فصيلة الأسد وقبيلة النسر»، قادرين على تجاوز الإدارة اليومية للحكومة نحو ممارسة حقيقية لفن الحكم. وفي مثل هذه المراحل، يُقاس نجاح رجل الدولة بقدرته على إدارة ثلاثة ميادين متداخلة، هي: الانتقال الديمقراطي، وإدارة الأزمات، وبناء الهوية الوطنية. وتُظهِر التجربة العراقية بعد عام 2003 أن الإخفاق في أي واحد من هذه الميادين يقوّض مباشرة استقرار الدولة وشرعيتها. ميادين إدارة الدولة بعد عام 2003 1. إدارة الانتقال الديمقراطي تمثل إدارة الانتقال الديمقراطي الاختبار الحقيقي الأول لفن الحكم. فإن الديمقراطية لا تقوم على الانتخابات وحدها، بل تعتمد على قدرة القيادة على تحويل المطالب الشعبية إلى إصلاحات مؤسسية تعزز شرعية الدولة. وفي العراق، أدى ضعف التمثيل السياسي ضمن الآليات الديمقراطية القائمة إلى عجز الدولة عن توفير بيئة مناسبة لإدارة الحراك السياسي. ونتيجة لذلك، انتقل هذا الحراك إلى الشارع، وتكررت الاحتجاجات كلما أخفقت السلطات في معالجة المشكلات التي تسببت بها. وتقدم احتجاجات عام 2015، في عهد حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، مثالاً مهماً على ذلك. فقد اندلعت التظاهرات احتجاجاً على الفساد وسوء الخدمات العامة، ثم اكتسبت زخماً استثنائياً بعد تأييد المرجعية الدينية العليا في النجف لمطالب الإصلاح، الأمر الذي منح الحكومة دعماً شعبياً وسياسياً غير مسبوق. وقد مثّلت تلك اللحظة فرصة تاريخية نادرة، التقت فيها الإرادة الشعبية والغطاء الديني والدعم السياسي، بما فتح الطريق أمام إصلاحات عميقة في بنية الدولة. ومع ذلك، عجزت الحكومة عن تحويل هذا التوافق إلى مشروع إصلاح مؤسسي مستدام. فتراجع الزخم الشعبي، وعادت الأزمة السياسية بأشكال مختلفة. وتكشف هذه الحالة أن النجاح في فن الحكم لا يعتمد على كسب التأييد الشعبي بحد ذاته، بل على القدرة على توظيف ذلك التأييد في اجتياز مرحلة حرجة وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار. كما تكشف الحالة - حالة العراق بعد 2003 – عن عجز النخبة السياسية عن إنتاج رجل دولة يستطيع اغتنام اللحظة التاريخية والمضي بها قدماً في خدمة بناء الدولة. وفي سياق اغتنام اللحظات التاريخية، يجدر التذكير، على سبيل المثال، بما عُرف بـ«عقدة ديغول» التي ظلّت تلازم مسيرة ميتران. فقد كان ميتران يتمنى في كثير من الأحيان لو أنه نشط سياسياً خلال الحرب العالمية الثانية، حتى يحظى هو الآخر بفرصة اغتنام تلك اللحظة التاريخية وبلوغ المكانة التي حققها شارل ديغول [11]. 2. إدارة الأزمات تُعَد الجاهزية لمواجهة الأزمات أحد أهم مقاييس فن الحكم. فإن الدولة التي تدار على نحو سليم لا تتعامل مع الواقع ومخاطره بردود الأفعال، بل تستبق احتياجات المستقبل ومشكلاته، وتعد البدائل اللازمة مسبقاً. وقد كشفت الأزمة الناجمة عن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما أعقبها من أعمال عدائية أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، هشاشة البنية الاقتصادية العراقية. وتعود هذه الهشاشة إلى الاعتماد شبه الكامل للبلاد على منفذ واحد لتصدير النفط. وقد حدث ذلك رغم امتلاك العراق تجربة مريرة من الحرب العراقية الإيرانية، ولا سيما في بعدها البحري الذي اتسم بـ«حرب الناقلات». وبسبب إهمال صناع القرار دروس تلك التجربة، أضاع العراق فرصة تنويع منافذ تصديره من خلال إنشاء خطوط أنابيب بديلة، كان من شأنها تقليل تعرض الاقتصاد الوطني للمخاطر الجيوسياسية. 3. بناء الأمة وإدارة الانقسام الاجتماعي في المجتمعات الخارجة من الصراعات، لا ينتهي فن الحكم عند إدارة المؤسسات والأزمات، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء المجتمع نفسه. فالدولة لا تقوم على الدستور والمؤسسات وحدهما، وإنما تستند كذلك إلى هوية وطنية جامعة تجعل المواطنين يشعرون بانتمائهم إلى جماعة سياسية واحدة. وبعد عام 2003، كان العراق بحاجة واضحة إلى سياسات عامة تستهدف تعزيز التماسك الوطني ومعالجة إرث الانقسام الطائفي. غير أن هذا الملف استُغل سياسياً وأُهمل في الوقت نفسه. ولم يتبلور أي مشروع وطني يهدف إلى بناء ذاكرة جمعية مشتركة، تبرز الشخصيات التاريخية والعلمية والثقافية من مختلف أطياف المجتمع العراقي، بما يساعد على تجاوز الانقسامات الطائفية. الخاتمة تؤكد التجارب التاريخية في الحكم، ومنها التجربة العراقية الشاقة بعد عام 2003، أن أزمة الحكم لا تكمن في جوهرها في قصور التشريعات أو نقص الموارد المالية والإمكانات المادية، بل هي أزمة بنيوية تتجذر في نوعية القيادة وغياب الفكر السياسي الذي يوجّه عمل الحكومة. وفضلاً عن ذلك، فإن الانتقال من مرحلة «الأيدي المسخّرة» إلى مرحلة «العقول الحاكمة»، استعارةً من تعبير أحمد أمين، يتطلب أكثر من آليات الديمقراطية الشكلية، مثل صناديق الاقتراع والهياكل والمؤسسات. إنه يتطلب قطيعة فكرية وأخلاقية حاسمة مع نهج «إدارة اللحظة»، ومع شرعيات تبنى على «المظلومية والهوية دون الوطنية»، ومع الحكم بالمظاهر، والتساهل في التعامل مع المصلحة العامة والمال العام المرتبط بها. وعندما تعجز السياسة عن تحويل التعدد الاجتماعي إلى قوة تدفع الأمة إلى الأمام، وتلجأ إلى الطريق الأسهل المتمثل في شراء الولاءات المؤقتة والتسامح مع الولاءات الخارجية على حساب التنمية والمؤسسات والإنجاز التراكمي، فإنها ستنتج حتماً دولة هشة، معرّضة للانهيار عند أول اختبار وجودي. وبالنسبة إلى المجتمعات الخارجة من رحم الاستبداد والصراع، يظل الانتقال إلى المستقبل مرهوناً بصعود نمط جديد من «الفاعل السياسي». وينبغي لهذا النمط أن يسمو فوق المكاسب الضيقة للسياسة الانتخابية، وأن يؤمن بـ«عظمة الدولة وسيادة القانون»، وأن يمتلك الشجاعة للتضحية برغباته الشخصية من أجل الأجيال القادمة. ومن دون إرساء أسس «رجل الدولة المفكر»، الذي ينتمي إلى «فصيلة الأسد وقبيلة النسر»، سيظل نظام الحكم يدور في حلقة مغلقة تنتج الأزمات وتعيد إنتاجها. وستبقى الدولة، بدورها، مجرد إطار للصراع، عاجزة عن بناء المستقبل. ------------------------------ المصادر والمراجع [1] أحمد أمين، «فن الحكم»، مجلة الرسالة، العدد 218، 6 أيلول/سبتمبر 1937. [2] أبراهام لينكولن، «خطاب إلى شباب معهد الشبان في سبرينغفيلد» (1838)، المركز الوطني للدستور. [3] ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، محاضرات أُلقيت في كوليج دو فرانس عام 1976، ترجمة عربية للزواوي بغورة، دار الطليعة، بيروت، ص54. [4] جان باتيست ماليه، «خلف جدران مصنع الطرود»، صحيفة لوموند ديبلوماتيك، 20 نيسان/أبريل 2020. [5] حنة آرنت، ما السياسة؟ ترجمة وتحرير سلمى بلحاج مبروك وزهير خوَيلدي، منشورات ضفاف ودار الأمان بالرباط ومنشورات الاختلاف، ص5. [6] دانيال ج. ماهوني، رجل الدولة بوصفه مفكراً: صور من العظمة والشجاعة والاعتدال، ص 10. [7] ماهوني، رجل الدولة بوصفه مفكراً، المصدر السابق. [8] ماهوني، رجل الدولة بوصفه مفكراً، المصدر السابق. [9] البنك الدولي، مرصد الاقتصاد العراقي، ربيع 2021. [10] نيكولا شوين، مراجعة كتاب ألان دونو، حكم الرداءة، مونتريال، دار لوكس، 2015، ص118–119. [11] «ميتران والديغولية»، مقابلة مع فرانسوا ميتران حول ديغول، مجلة ليكسبريس، قسم التاريخ، 1987.
------------------------------ * (عضو المجلس العلمي في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك) |