بغداد ودمشق.. انتصار مصالح الشعوب على مشاريع الفتن والصراعات والحروب


العراق وسوريا .. من إرث الصراعات إلى شراكة المصالح والمستقبل

 

موقع الإمام الشيرازي

19/ جمادى الأولى/ 1448

 

 

زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى دمشق خطوة استراتيجية تتجاوز ترميم العلاقات وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعاون والاستقرار الإقليمي

 

ليست زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة السورية دمشق، ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع، مجرد محطة دبلوماسية في مسار العلاقات بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية، وليست مجرد محاولة لتجاوز سنوات من التوتر والقطيعة السياسية. إنها خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتصل بمستقبل البلدين، ومصالح شعبيهما، وطبيعة التوازنات التي تتشكل في المنطقة، فضلاً عن الرسائل السياسية والاجتماعية التي يمكن قراءتها في تفاصيل الزيارة ومضمونها.

فإن العراق وسوريا ليسا دولتين متجاورتين فحسب؛ إنهما فضاء جغرافي واقتصادي واجتماعي وثقافي متداخل، وتربطهما مصالح عميقة، وتجمع شعبيهما علاقات تاريخية وعائلية وإنسانية يصعب اختزالها في طبيعة الأنظمة السياسية أو الخلافات التي شهدتها علاقاتهما في مراحل مختلفة. ومن هنا، فإن استعادة العلاقات وترسيخها على أسس جديدة لا ينبغي أن يُنظَر إليهما باعتبارهما تنازلاً عن مواقف سابقة أو تجاوزاً غير مشروط للخلافات، وإنما باعتبارهما تعبيراً عن نضج سياسي يدرك أن مصالح الشعوب ومستقبلها أكبر من نزاعات الحكومات والمحاور والأيديولوجيات.

مرحلة سياسية جديدة

تكتسب زيارة الزيدي أهمية استثنائية من كونها أول زيارة لرئيس حكومة عراقية إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، فضلاً عن توقيتها الذي يأتي في ظل تحولات إقليمية عميقة، وإعادة تشكيل للعلاقات والتحالفات وموازين النفوذ في المنطقة. والأهمية هنا لا تكمن في حصول اللقاء بين رئيسي البلدين وحده، بل في الانتقال بالعلاقات من مرحلة الحذر والشكوك المتبادلة إلى مرحلة البحث عن المصالح المشتركة، وتأسيس آليات عملية للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي.

لقد أظهرت السنوات الماضية أن استمرار التوتر بين بغداد ودمشق لم يكن في مصلحة أي من الشعبين. فالعراق تحمل أعباء أمنية واقتصادية جراء الاضطرابات التي شهدتها سوريا، فيما عانت سوريا من العزلة وتراجع الروابط التجارية والاقتصادية مع أحد أهم جيرانها العرب.

واليوم، تفرض الوقائع على الطرفين إدراك حقيقة أساسية هي استقرار العراق لا ينفصل عن استقرار سوريا، كما أن قدرة سوريا على التعافي واستعادة عافيتها الاقتصادية لا تنفصل عن إقامة علاقات طبيعية ومتوازنة مع العراق ومحيطه العربي. ولعل أبرز ما تعكسه الزيارة هو أن السياسة الخارجية الرشيدة لا تقوم على تحويل الاختلافات إلى خصومات دائمة، ولا على تجميد العلاقات بانتظار تطابق المواقف والرؤى، وإنما على إدارة الاختلافات، وتحديد المصالح المتبادلة، وبناء التفاهمات التي تحمي سيادة الدول وتخدم شعوبها.

أبعاد المصالح المشتركة

ربما يكون الاقتصاد أكثر المجالات قدرة على تحويل التقارب السياسي بين العراق وسوريا إلى علاقة استراتيجية مستدامة. فالبلدان يواجهان تحديات اقتصادية وتنموية كبيرة، تشمل البطالة والفقر وتراجع مستويات الخدمات وتهالك أجزاء واسعة من البنى التحتية، فضلاً عن الحاجة إلى الاستثمارات وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية. وفي ظل هذه الظروف، تبدو الجغرافيا المشتركة فرصة اقتصادية ينبغي استثمارها بدلاً من أن تبقى مجرد حدود تفصل بين دولتين.

يمتلك العراق موارد مالية ونفطية وإمكانات إنتاجية وأسواقاً واسعة، بينما تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية يربط العراق بالبحر الأبيض المتوسط وبمسارات التجارة والأسواق الغربية. كما أن البلدين يمتلكان إمكانات زراعية وصناعية وتجارية يمكن أن تشكل أساساً لتكامل اقتصادي حقيقي. ومن هنا تبرز أهمية بحث تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية، وإعادة تأهيل خط كركوك - بانياس، بما يتيح للعراق منفذاً إضافياً نحو البحر المتوسط، ويسهم في تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد على مسار واحد. وقد أشارت المباحثات إلى إمكانية الوصول إلى طاقة تصديرية مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً عبر خط بانياس. وهو مشروع يحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية للبلدين، لكنه يحتاج إلى دراسات فنية وتمويل واضح وضمانات أمنية واتفاقات تنفيذية قبل التعامل مع طاقته المستهدفة بوصفها واقعاً متحققاً.

العراق، الذي يعتمد اقتصاده بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، يحتاج إلى تعدد منافذ التصدير وتقليل المخاطر المرتبطة باضطرابات الممرات البحرية، فيما تستطيع سوريا الاستفادة من موقعها الجغرافي، وعائدات العبور، والاستثمارات المرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية، واستعادة دورها في شبكات الطاقة والنقل الإقليمية. ولا ينبغي أن يتوقف التعاون عند النفط. فهناك فرص واسعة في التجارة والصناعة والزراعة والنقل والطاقة الكهربائية والخدمات اللوجستية وإعادة الإعمار. ويمكن تطوير المعابر الحدودية، وتسهيل حركة البضائع والشاحنات، وإنشاء مناطق صناعية وتجارية مشتركة، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وربط المنتجين والمستثمرين في البلدين بمشاريع ذات قيمة مضافة.

كما أن التعاون الزراعي يمثل مجالاً بالغ الأهمية، بالنظر إلى الموارد والأراضي والإمكانات الزراعية المتاحة في البلدين، وإمكانية تطوير الإنتاج والتصنيع الغذائي والتسويق المشترك، بما يعزز الأمن الغذائي ويحد من الاعتماد على الاستيراد. وعلى هذا، فإن المطلوب ليس مجرد زيادة أرقام التبادل التجاري، وإنما الانتقال تدريجياً إلى التكامل الاقتصادي الذي يجعل ازدهار أحد البلدين عاملاً مساعداً على ازدهار الآخر.

استثمار الجغرافيا المشتركة

تمتد الحدود العراقية السورية لأكثر من 600 كيلومتر، وهي مساحة جغرافية واسعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خط فاصل بين دولتين. وقد تحولت هذه الحدود، خلال سنوات الاضطرابات والحروب، إلى مجال لنشاط التنظيمات المسلحة وشبكات التهريب والاتجار غير المشروع، كما أصبحت في مراحل مختلفة ساحة لتداخل الصراعات الإقليمية والدولية.

لكن هذه الجغرافيا (العراقية السورية) نفسها يمكن أن تتحول إلى مصدر للثروة والاستقرار إذا ما نجح البلدان في إدارة حدودهما على أساس التعاون والتنسيق وسيادة القانون. فالمعابر البرية ليست مجرد نقاط لعبور البضائع والأشخاص، بل يمكن أن تصبح مراكز اقتصادية ولوجستية تسهم في تنشيط المدن والمناطق المحيطة بها، وتوفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، وإعادة الحياة إلى الأسواق المحلية.

ومن الممكن أيضاً تطوير شبكة نقل تربط الموانئ العراقية، ولا سيما ميناء الفاو، بالموانئ السورية، وفي مقدمتها طرطوس، ضمن تصورات أوسع لربط الخليج العربي بالمتوسط، وتوسيع خيارات النقل والتجارة الإقليمية. وهذا يفتح المجال أمام رؤية اقتصادية تتجاوز العلاقة الثنائية، لتشمل دولاً أخرى في المنطقة، وتمنح العراق وسوريا موقعاً أكثر أهمية في حركة التجارة الدولية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً، وتشريعات واضحة، وتنسيقاً جمركياً، وإدارة شفافة للمعابر، وضمانات حقيقية لحماية الاستثمارات.

الأمن المشترك

لا يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية بين العراق وسوريا من دون وضع الأمن في مقدمة الأولويات. فإن التجربة القاسية التي عاشها البلدان مع تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة أثبتت أن التهديدات الأمنية لا تعترف بالحدود السياسية، وأن ضعف التنسيق بين الدول المتجاورة يوفر فرصاً للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة. ومن هنا، فإن التعاون الأمني والاستخباري بين بغداد ودمشق يمثل ضرورة لحماية البلدين، ومواجهة خطر الإرهاب، ومنع تسلل المسلحين، ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات، وتجفيف مصادر تمويل التنظيمات المتطرفة.

لكن التعاون الأمني المطلوب ينبغي ألا يقتصر على تبادل المعلومات والاتصالات الظرفية، بل يجب أن يتحول إلى منظومة مؤسسية دائمة، تشمل التنسيق الميداني، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وضبط المعابر، وملاحقة الشبكات العابرة للحدود. وإن الأهم من ذلك أن يكون هذا التعاون الأمني بين البلدين قائماً على مبدأ واضح هو الأمن مسؤولية الدولة ومؤسساتها الرسمية، وليس مجالاً مفتوحاً للجماعات المسلحة أو القوى التي تتصرف خارج إطار القرار الوطني. فلا يمكن بناء علاقة اقتصادية مستقرة في ظل حدود غير آمنة، ولا يمكن حماية خطوط النفط ومشاريع النقل والتجارة إذا بقيت هذه المشاريع عرضة للتهديد أو الابتزاز أو التعطيل من أطراف لا تخضع للمؤسسات الرسمية. ومن هنا، فإن نجاح التقارب العراقي السوري سيكون اختباراً لقدرة الدولتين على تعزيز سلطتهما ومؤسساتهما، وترسيخ احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم وإدارة الحدود.

تحجيم مشاريع الكراهية

ثمة جانب بالغ الأهمية في التقارب العراقي السوري يتجاوز الحسابات الاقتصادية والأمنية المباشرة، ويتصل بطبيعة الخطاب السياسي والإعلامي الذي ساد في المنطقة خلال سنوات طويلة.

لقد شهد العراق، كما شهدت سوريا ودول عربية وإسلامية أخرى، تصاعداً في خطابات الكراهية والتحريض والتخوين والتصنيف الطائفي، وأسهمت بعض المنابر الإعلامية والجهات المسلحة في تأجيج الخلافات، وتكريس صور عدائية متبادلة بين المجتمعات والشعوب. وفي الحالة العراقية تحديداً، لم تكن آثار هذا الخطاب محصورة في العلاقات مع سوريا أو الدول العربية، بل امتدت إلى داخل المجتمع العراقي نفسه، وأسهمت في تعميق الانقسامات وإضعاف الثقة بين مكوناته، وفي تصوير الاختلافات السياسية والمذهبية وكأنها عداوات أبدية لا يمكن تجاوزها. ومن المؤسف أن جهات سياسية ومليشاوية عراقية - مرتبطة بمصلحة خارجية - تتحدث باسم الدين أو المذهب جعلت من استمرار الصراعات وسيلة لتعزيز نفوذها ومصالحها، حتى باتت المصالحة والتفاهم والتعاون تُقابَل أحياناً بالتشكيك والاتهام، وكأن المطلوب من الشعوب أن تبقى أسيرة نزاعات الماضي إلى أجل غير معلوم.

وعلى هذا النحو، فإن ترسيخ العلاقات بين العراق وسوريا يمكن أن يمثل خطوة مهمة في مواجهة هذه الثقافة الخبيثة، وإضعاف الخطابات الفتنوية التي تستثمر في الخلافات وتحتاج إلى استمرار العداوات كي تحافظ على حضورها ونفوذها. فإنه حين تتجه الحكومات إلى التعاون، وتعمل المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على بناء المصالح المشتركة، يصبح من الأصعب على أصحاب المشاريع الانقسامية إقناع الناس بأن الطرف الآخر عدو دائم، أو أن التواصل معه خيانة للمبادئ والثوابت.

ولا يعني ذلك تجاهل الجرائم والانتهاكات أو إسقاط الحقوق والمطالبات المشروعة، بل يعني الفصل بين العدالة والمحاسبة من جهة، وبين تحويل الخصومة إلى عقيدة دائمة تتوارثها الأجيال من جهة أخرى. فإن العدالة ضرورة، لكن الانتقام المستمر ليس مشروعاً لبناء الدول. والمساءلة القانونية لا تتناقض مع إقامة علاقات طبيعية بين الشعوب، بل يمكن أن تكون جزءاً من بناء الثقة على أساس احترام الحقوق وسيادة القانون.

رسالة تتجاوز الطائفية

من التفاصيل التي لفتت أنظار كثير من العراقيين والسوريين والمراقبين، ما حملته الزيارة من دلالات دينية واجتماعية، ولا سيما الجمع بين زيارة الجامع الأموي ومقام السيدة زينب (عليها السلام)(*). فإن أهمية هذه التفاصيل لا تنبع من طابعها الديني وحده، وإنما من الرسالة السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تحملها في مجتمعين عانيا كثيراً من محاولات توظيف الدين والمذهب في الصراعات السياسية. فإن الجامع الأموي(**) يمثل واحداً من أبرز الرموز التاريخية والحضارية الإسلامية في دمشق، فيما يحظى مقام السيدة زينب (عليها السلام) بمكانة روحية لدى أتباع مذهب إسلامي واسع الانتشار، الشيعة، وفي مقدمتهم ملايين العراقيين. وهكذا؛ فإن الجمع بين هذين الرمزين في سياق زيارة رسمية يحمل دلالة إيجابية على إمكانية التعامل مع الموروث الديني بوصفه جزءاً من الهوية الحضارية الجامعة، لا مادة لتأجيج الانقسام أو تكريس الحواجز بين المسلمين.

كما أن إبراز دور المؤسسات الرسمية في حماية المزارات وإدارة شؤونها يمثل تأكيداً على أهمية أن تكون الدولة، بمؤسساتها وقوانينها، هي الضامن لحرية العبادة وحماية المواقع الدينية لجميع المواطنين، بعيداً عن استغلالها من الجماعات المسلحة أو تحويلها إلى أدوات للصراع والنفوذ. لذلك، لا ينبغي قراءة هذا المشهد باعتباره مجرد رسالة إلى الداخل العراقي أو السوري، بل باعتباره دعوة أوسع إلى تجاوز التوظيف الطائفي/التفريقي/التأجيجي للدين، وإعادة الاعتبار للمشتركات الإسلامية والإنسانية والتاريخية. فالمسلمون، على اختلاف مذاهبهم، تجمعهم قيم وعقائد وذاكرة حضارية مشتركة، ولا ينبغي السماح للخلافات المذهبية أو السياسية بأن تتحول إلى جدران تفصل المجتمعات وتبدد طاقاتها. كما أن الدين الذي يفترض أن يكون مصدراً للقيم والتراحم والتكافل لا يجوز أن يتحول إلى وقود للصراعات أو وسيلة لتبرير الاعتداء والكراهية.

فخ استمرار الصراعات

لا شك في أن العراق يحتاج في هذه المرحلة إلى سياسة خارجية متوازنة ومستقلة، تقوم على حماية مصالحه الوطنية، وتجنب تحويل أراضيه وموارده وعلاقاته الدولية إلى أدوات في صراعات الآخرين. فقد دفع العراق ثمناً باهظاً جراء عقود من الحروب والتدخلات والتنافس الإقليمي، وما رافق ذلك من استنزاف للموارد البشرية والاقتصادية، وإضعاف لمؤسسات الدولة، وتعطيل لفرص التنمية. ومن هنا، فإن تطوير العلاقات مع سوريا ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية عراقية أوسع لبناء علاقات طبيعية ومتوازنة مع جميع دول الجوار والمحيط العربي والدولي. ولا يعني ذلك الانحياز إلى محور إقليمي ضد آخر، أو استبدال تبعية بأخرى، وإنما يعني أن تكون المصالح العراقية هي المعيار الأول في تحديد المواقف والسياسات.

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة تحييد العلاقات العراقية السورية عن التجاذبات الإقليمية، ومنع أي طرف خارجي أو جماعة مسلحة من فرض إرادتها على خيارات البلدين أو تعطيل المشاريع التي تحقق مصالح شعبيهما. فالعراق يستطيع الاحتفاظ بعلاقاته مع إيران وغيرها من الدول، وفي الوقت نفسه تطوير علاقاته مع سوريا والدول العربية وتركيا ودول العالم، ما دام ذلك قائماً على الاحترام المتبادل والسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والأمر نفسه ينطبق على سوريا، التي تحتاج إلى بناء علاقات متوازنة مع محيطها، بعيداً عن الارتهان لأي قوة خارجية أو السماح باستخدام أراضيها في صراعات الآخرين. فإن استقلال القرار الوطني لا يتحقق بالشعارات، وإنما بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وفق مصالح شعبها، وبامتلاك مؤسسات قوية لا تسمح للقوى الموازية بأن تتحكم بمسارات السياسة والأمن والاقتصاد.

خطر استبقاء النزاعات

من الطبيعي أن تثير التحولات السياسية خلافات في وجهات النظر، وأن تكون هناك تحفظات ومخاوف لدى بعض العراقيين والسوريين إزاء طبيعة المرحلة الجديدة. فالتاريخ بين البلدين ليس خالياً من الخلافات، كما أن التحولات السياسية والأمنية في سوريا تطرح أسئلة مشروعة تتعلق بالمستقبل والضمانات واحترام السيادة والمصالح المتبادلة. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل المطلوب أن تبقى النزاعات والخلافات عقائد أبدية، أم أن من الممكن فتح صفحة جديدة مع الدولة والشعب، من دون التفريط بالحقوق أو تجاهل دروس الماضي؟

إن السياسة ليست محكمة تاريخية مفتوحة إلى الأبد، وليست ساحة لإعادة إنتاج الخصومات في كل مناسبة. إنها فن إدارة المصالح والتوازنات، والبحث عن نقاط الالتقاء، وتجنب تحويل الاختلافات إلى صراعات مستمرة. وإذا كان هناك خلاف مع نظام سياسي أو حكومة أو جماعة معينة، فلا ينبغي أن يتحول ذلك إلى موقف عدائي دائم من شعب بأكمله، أو إلى رفض لكل أشكال التعاون التي يمكن أن تحقق مصالح متبادلة. كما أن إقامة العلاقات لا تعني منح أي طرف شيكاً على بياض، ولا تعني التخلي عن حق العراق في حماية أمنه أو الدفاع عن مصالحه أو المطالبة بضمانات واضحة. بل إن العلاقة الطبيعية والمتوازنة تمنح العراق (وكذلك سوريا) قدرة أكبر على الحوار والتفاوض والتأثير، وتتيح له معالجة الملفات الخلافية من خلال المؤسسات والقنوات الرسمية، بدلاً من تركها تتفاقم في أجواء القطيعة والعداء. والأجدر أن ينصب النقاش على كيفية ضمان نجاح العلاقة، لا على كيفية إفشالها قبل أن تبدأ.

مشاريع تخدم الإنسان

إن المقياس الحقيقي لنجاح التقارب العراقي السوري لن يكون عدد الزيارات أو الصور أو البيانات الرسمية، وإنما النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية. هل ستسهم العلاقة الجديدة في توفير فرص عمل للشباب؟ هل ستؤدي إلى تنشيط الأسواق؟ هل ستفتح مجالات جديدة أمام الشركات والمنتجين والمزارعين؟ هل ستخفض تكاليف النقل والتجارة؟ هل ستسهم في تحسين الخدمات والبنى التحتية؟ وهل ستعزز أمن الحدود وتحمي المجتمعات من الإرهاب والتهريب؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب أي تقييم جاد للعلاقات بين البلدين.

ومن المهم أن تنتقل الحكومتان من مرحلة التفاهمات العامة إلى وضع برامج تنفيذية محددة، تتضمن جداول زمنية ومسؤوليات واضحة ومصادر تمويل معلنة، وأن تتشكل لجان مشتركة لمتابعة المشاريع وتقييم نتائجها. كما ينبغي تشجيع الجامعات ومراكز الأبحاث والنقابات والاتحادات الاقتصادية والمؤسسات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني على استعادة التواصل والتعاون. فالعلاقات بين الدول لا تبنى بالحكومات وحدها، وإنما تحتاج إلى روابط اجتماعية واقتصادية وثقافية متينة تجعل التقارب خياراً شعبياً ومجتمعياً، وليس مجرد تفاهم سياسي قابل للتبدل بتغير الظروف. كما يجب أن يكون الشباب في مقدمة المستفيدين من هذه المرحلة، من خلال مشاريع التدريب والعمل والاستثمار والتعليم والتبادل الثقافي، بدلاً من أن تظل طاقاتهم البشرية وقوداً للحروب والصراعات والتنافس على النفوذ.

مسؤولية تاريخية

إن ما يجري بين بغداد ودمشق يمكن أن يكون بداية لتحول أوسع في طريقة إدارة العلاقات العربية والإقليمية. فقد عانت المنطقة طويلاً من منطق المحاور والخصومات والحروب بالوكالة، ومن استنزاف ثرواتها وطاقاتها البشرية في صراعات لم تجلب لشعوبها سوى الخراب والتراجع والفقر والنزوح.

وفي المقابل، ظلت قضايا التنمية والتعليم والصحة والتشغيل والإعمار والإنتاج في مرتبة متأخرة، رغم أنها تمثل الأولويات الحقيقية لملايين المواطنين. ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من التجارب السابقة هو أن قوة الدول لا تقاس بقدرتها على توسيع نفوذها على حساب الآخرين، ولا بعدد الجماعات المسلحة التي تستطيع التأثير فيها، وإنما بقوة مؤسساتها، وازدهار اقتصاداتها، ورفاه شعوبها، وقدرتها على حماية سيادتها واستقلال قرارها.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح العراق وسوريا في بناء علاقة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة يمكن أن يقدم نموذجاً مختلفاً للعلاقات الإقليمية؛ نموذجاً يقوم على التعاون بدلاً من الصراع، والتنمية بدلاً من الاستنزاف، واحترام السيادة بدلاً من التدخل، والتكامل الاقتصادي بدلاً من التنافس المدمر.

أفق صناعة مستقبل واعد

إن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى دمشق تمثل فرصة مهمة ينبغي عدم التفريط بها أو اختزالها في أبعادها البروتوكولية والسياسية الآنية. فإن العراق وسوريا أمامهما فرصة لإعادة بناء علاقة تاريخية على أسس جديدة، تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي والأمني، وتضع رفاه الشعبين ومستقبلهما فوق اعتبارات النفوذ والمحاور والخلافات الأيديولوجية والطائفية. في الوقت، أن ترسيخ هذه العلاقة لا يعني نسيان الماضي أو تجاهل أخطائه، وإنما يعني عدم السماح له بمصادرة المستقبل، كما لا يعني إلغاء الاختلافات، بل إدارتها بعقلانية، ومنع تحويلها إلى صراعات دائمة.

لقد آن الأوان لكي تتقدم مصالح الشعوب على حسابات المتصارعين، وأن تتحول الحدود من خطوط للتوتر إلى جسور للتجارة والتنمية والتواصل، وأن تصبح الثروات والموارد والإمكانات البشرية أدوات لبناء الحياة لا لتمويل الصراعات والحروب. فإن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، وسوريا لا تحتاج إلى مزيد من العزلة، والمنطقة العربية والإسلامية ليست بحاجة إلى صراعات جديدة تستنزف أبناءها وتبدد ثرواتها .. ما تحتاج إليه هو دول قوية بمؤسساتها، ومستقلة بقرارها، ومتعاونة مع جيرانها، ومتصالحة مع شعوبها.

وهكذا؛ فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه بغداد ودمشق لشعبيهما هو أن تجعلا من علاقتهما جسراً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً، وأن تثبتا أن الشعوب التي يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصالح قادرة على تجاوز خلافاتها، حين تتوفر الإرادة السياسية والعقلانية والرؤية الاستراتيجية.

-------------------

هوامش:

(*) السيدة زينب الحوراء، أول حفيدة للنبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) أنجبتها السيدة فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام). أدركت جدها (صلى الله عليه وآله) فهي على الاصطلاح صحابية، ثم شهدت مأساة أمها الزهراء (صلوات الله عليها)، ثم شهادة أبيها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم رأت أخاها الحسن الزكي (عليه السلام) وهو يودّع الدنيا مسموماً شهيداً، وأخيراً ختمت حياتها وهي تشاهد مقتل أخيها سيد الشهداء الحسين (عليه السلام)، ومقتل أخوتها وبني عمومتها وأبنائهم في واقعة كربلاء الدامية.

(**) «المسجد الأموي» أو «جامع دمشق» أو «مسجد دمشق» يحمل مكانة دينية ووجدانية بالغة الأهمية لدى الشيعة، ويرتبط بقدسية خاصة تعود إلى عدة أحداث تاريخية ومقامات دينية موجودة داخله منها:

أُُدخل إليه أسرى أهل البيت (عليهم السلام)؛ من النساء والأطفال، وعلى رأسهم السيدة زينب الحوراء والإمام علي زين العابدين (عليهما السلام) بعد واقعة كربلاء عام 61 هـ.

يضم «المشهد الحسيني» أو «مقام الرأس الشريف»، وهو المكان الذي وُضع فيه الرأس الشريف عند وصوله إلى دمشق.

فيه موضع يُعرَف بـ «مقام زين العابدين»، وهو المكان الذي خطب الإمام علي بن الحسين صلى فيه أو خطب خطبته الشهيرة.

يضم الجامع مقامات تحظى بالتبجيل لدى كافة المسلمين والشيعة خاصة، مثل «مقام رأس النبي يحيى عليه السلام - يوحنا المعمدان»، و«مقام النبي هود عليه السلام»، و«مقام الخضر عليه السلام».

لهذه الأسباب، لا يرى الشيعة في المسجد أثراً عمرانياً لبني أمية فحسب، بل يمثل لديهم شاهداً تاريخياً حياً على أحداث فاجعة كربلاء ومحطة من محطات التبجيل والمزارات الدينية التي يقصدونها لممارسة شعائرهم العبادية واستذكاراتهم التاريخية.