![]() |
|
من مفارقات العراق .. الأغلبية الشيعية أقلية مظلومة ومحرومة شيعة القصور وشيعة الأكواخ
موقع الإمام الشيرازي 6/ جمادى الأولى/ 1448
المطالبة بـ "كوتا تنصف شيعة العراق" تلخص أعمق مآسي بلاد ما بين النهرين بعد أكثر من عقدين على التغيير!! كيف لأغلبية سكانية يدار الحكم باسمها، وتُنهَب المليارات بدعوى تمثيلها، أن تجد نفسها اليوم بحاجة إلى مقاعد للأقليات لعلها تظفر بصوت (صادق وأمين) يمثل بؤسها المتفاقم ومظلوميتها الحقيقية داخل قبة البرلمان؟ المفارقة ليست لغوية، بل واقعية بامتياز، فإن الطبقة السياسية التي تصدرت المشهد تحت لافتة "المظلومية التاريخية"، شطرت المكون إلى عالمين لا يلتقيان إلا في مواسم الانتخابات ومواكب العزاء .. عالم "شيعة القصور" المحصنة خلف الجدران الكونكريتية، وعالم "شيعة الأكواخ" الغارقة في الفقر والملوحة وانقطاع الكهرباء. فإن الأرقام الصادرة عن وزارة التخطيط لا تجامل أحداً؛ إذ تتصدر المحافظات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية قوائم الفقر والبطالة والأمية، وتتحول مدن كالبصرة والناصرية والعمارة إلى مراكز لليأس والبطالة والمخدرات والانتحار، وتهالك المستشفيات ونقص في عدد المدارس يصل الى أكثر من ستة آلاف مدرسة وانخفاض في توفير مستلزمات التعليم للمدارس والتلاميذ، في حين تفيض خزائن ممثلي الشيعة المزعومين لهؤلاء بعائدات النفط المنهوب والصفقات المشبوهة، إضافة الى والقصور الفارهة في أكثر من بلد. فإنه بحسب بيانات وزارة التخطيط الأخيرة، تتصدر المثنى (43.6%) وبابل (34.4%) والديوانية/القادسية (نحو 30%) والبصرة والنجف قوائم الفقر، وتترافق معها نسب مرتفعة من البطالة والأمية وضعف الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء وماء وصرف صحي. أما السلطة والنفوذ، والثروات، والقصور الفارهة في أكثر من بلد، وكنوز الذهب ومزارع الغزلان، فهي حكر على طبقة شيعية ضيقة ترفع راية الطائفة صباحاً وتغرف من المال العام مساء. هذه الطبقة السياسية الشيعية لا تمثل المجتمع الشيعي .. فهي، كما وصفها الكاتب فلاح المشعل بسخرية لاذعة، «برجوازية طفيلية» تتموضع في السلطة منذ ثلاثة وعشرين عاماً، تعيش على طراز الملوك والسلاطين، وتحتمي بحماية الدولة التي نهبتها. نصف مقاعد «الحصة الشيعية» في البرلمان يعود إلى أحزاب ولاؤها معلن لأطراف إقليمية، تهتف به داخل القبة وخارجها. والنصف الآخر يمثل شيعة السلطة الذين لا يرون في فقراء الجنوب سوى سلماً ارتقوا عليه إلى الثروة. أما مَنْ يحملون ديناً نقياً وورعاً وخلقاً كريماً وروحاً عراقية خالصة، فهم قلة محاصرة. من هنا جاءت دعوة المشعل الساخرة: منح «كوتا» لشيعة العراق الحقيقيين! لأن هؤلاء الذين يجلسون على الكراسي لا يمثلون الأغلبية الصامتة والمعارضة في كثير من الأحيان. هي فكرة تفضح جوهر المحاصصة؛ إذ ليس كل مَنْ جلس على كرسي الطائفة ينتمي إليها. اليوم في العراق، الشيعة يُحسَبون على سلطة لا يشعر فقراؤهم بأنها سلطتهم، حيث إن الطبقة السياسية تاجرت بمظلوميتهم التاريخية، واتخذت من هويتهم وفقرهم وسيلة للاستحواذ، والنتيجة مأساوية وصادمة، تتمثل بوجود «شيعة القصور وشيعة الأكواخ»؛ كما سمّاها الصحفي العراقي محمد رسن. ما حدث في يوم الخميس في مجلس النواب يعيد إنتاج المشهد نفسه بجرأة أكبر. في ظل أزمة مالية واقتصادية حادة قابلة للتفاقم، صوّت مجلس النواب العراقي على استكمال تشكيلة حكومة علي فالح الزيدي بمنح الثقة لـ11 وزيراً جديداً، واستحداث وزارات إضافية، وتعيين ثلاثة نواب لرئيس الوزراء (مع الحديث عن إمكانية رابع). مناصب لا تبنى على الكفاءة أو الخبرة، بل على ترضية الأحزاب والفصائل. الشعب – أو أغلبيته – يقول لا نريد المزيد من نواب رئيس الوزراء، والطبقة الحاكمة ترد: سنجعل أربعة، ونضيف وزارات، ونعمل ما نريد، ورأيكم نضربه عرض الحائط. هذا ما سجله الباحث والكاتب د. باسل حسين، الذي حذّر منذ سنوات من ظاهرة «عوألة» النظام عبر شبكات القرابة والعائلة، حتى اقترب المشهد العراقي من النموذج اللبناني للعائلات السياسية، مع فارق أن عائلات العراق حديثة الصنع صنعتها السلطة نفسها. عبد الرحمن الجبوري (خبير وباحث عراقي) لخص المأساة بدقة: في ظرف حرج يتطلب إعادة هيكلة الدولة وتقليص حجم الحكومة التنفيذية، نتجه إلى توسيعها! المزيد من المناصب يعني المزيد من الرواتب والمخصصات والملاكات، في بلد يعاني من ضعف القانون والسلاح المنفلت وطرد الاستثمار والفشل المتراكم. هنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الحارق: بماذا ينفع المواطن أن يكون الوزير أو المدير العام شيعياً إذا كان فاسداً أو عاجزاً؟ وما الذي استفاده فقراء الناصرية وبابل من هيمنة قوى تدين بالولاء لـ"الخارج الإقليمي" وتضحي بمصالح العراق الوطنية في سبيل مشاريع عابرة للحدود؟ إن استنساخ النهج الصدامي بوجوه جديدة، وتحويل الدولة إلى إقطاعية حزبية تحكمها ثقافة الاستعلاء وضرب إرادة الجماهير عرض الحائط، يثبت أن الأزمة ليست في شخوص الحكم فحسب، بل في فلسفة إدارة الدولة التي استبدلت الديكتاتورية الفردية (إبان حكم صدام) بديكتاتورية "المحاصصة المكوناتية" بعد 2003. نعم؛ يبدو أن إرث الاستبداد لم يغادر العراق. الوجوه تغيرت، والشعارات تبدلت، لكن النهج ذاته يعيد إنتاج نفسه .. سلطة فوق الشعب، لا من أجله، بالتالي، فإن مَنْ يتوقع الأفضل في ظل هذا الواقع فهو واهم. وكما يشير الى ذلك الأستاذ المشعل: انتظروا المزيد من الإهانات الموجهة للشعب، ما لم يبدأ الاعتراف بأن الطبقة السياسية – بكل مكوناتها – لا تمثل إلا نفسها. لكن وبعد هذا الركام من العقد والأزمات؛ هل يمكن استعادة الدولة؟ الجواب يبدأ بالاعتراف بأن الدولة ليست مؤسسات فحسب، بل قيم ومسؤوليات، إذ لا جدوى من جهاز أمني قوي إذا كان فاسداً، ولا من انتخابات دورية إذا كانت شكلية. وعلى هذا النحو، فإن استعادة الدولة تعني ترميم الثقة، وإعادة الاعتبار للعدالة، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة العراقي وتطلعاته، لا أن يبقى ضحية سياسات إقليمية لا تمت لمصلحته بصلة. وهكذا؛ فإن فكرة المطالبة بـ"كوتا للأغلبية الصامتة والمحرومة" ليست دعوة لتكريس التقسيم المكوناتي العقيم، بل هي صرخة ناقدة وساخرة تفضح زيف هذا التمثيل غير الصادق واحتكار الهوية "غير الأمين. فإن الخلاص العراقي الحقيقي لن يمر عبر المزيد من التمترس الطائفي، ولا عبر استجداء حقوق من طبقة سياسية استمرأت المتاجرة بآلام الناس. كما أن استعادة الدولة تبدأ من تفكيك هذه المفهومات الهجينة - من "المكونات" إلى "المحاصصة"- والعودة إلى مفهوم المواطنة الكاملة، حيث المعيار الوحيد هو الكفاءة والنزاهة، وحيث تصبح الدولة عقداً اجتماعياً يضمن الكرامة والعدالة للجميع، لا بقرة حلوباً تقتسمها طبقة مترفة تركت الملايين يكتوون بنيران الحرمان. |