الفساد في العراق .. أرقام صادمة وأزمة أخلاقية مروعة؟


 

 

 موقع الإمام الشيرازي

14/ محرَّم الحرام/ 1448

 

 

إن سيل المعلومات المتدفق في الآونة الأخيرة حول حجم الفساد في العراق لم يكن مجرد صدمة للأرقام والحسابات، بل كان زلزالاً ضرب الوجدان الإنساني. بالنسبة للعراقيين، الذين تخضبت حيواتهم بمعاناة يومية مأزومة واكتووا بنيران الأزمات المتلاحقة، لم يكن الفساد خبراً جديداً، بل واقعاً يعيشونه حرماناً في المأكل والملبس والتعليم والأمان والاستقرار والتقدم والرفاه. لكن الصدمة الحقيقية التي هزت العالم تكمن في مكان آخر؛ في العطب الأخلاقي الفظيع والتشوه المفزع في بنية الضمير الإنساني.

والمفارقة الأكثر إيلاماً وبشاعة، هي أن هذا النهب الممنهج لثروات وطن مكلوم قد جرى بأيدي "متدينين"، أو مر من خلال تبريرهم أو صمتهم. هنا لا نواجه مجرد جريمة مالية، بل نشهد اغتيالاً للمفهوم الأسمى للإيمان، وتحويل المقّدس إلى أداة لتبرير التدني الأخلاقي. إنها صدمة تكشف كيف يمكن للأيديولوجيا عندما تتجرد من الإنسانية أن تبرر سحق الضعفاء باسم الفضيلة.

وهكذا، أثارت الإجراءات الأخيرة المتخذة للحد من ظاهرة الفساد المتفشي، وكشف استحواذ عناصر في مواقع وظيفية متقدمة في مؤسسات الدولة على مبالغ ضخمة من المال العام، حالة من الارتياح الحذر. فقد استُقبِلَت بمزيج من الأمل والشك، انطلاقا من تجربة محاولات سابقة - محدودة وضيقة تبينت بعد حين أنها شكلية - أقدمت عليها حكومات عدة، وبقيت حالات منفردة لم ترْقَ الى مستوى حملة وطنية شاملة، توظف فيها عناصر متعددة بما ذلك الرأي العام، لبلوغ أهدافها النهائية والغوص عميقاً حتى الجذور، وليس استهداف أوراق منفردة في شجرة إن سقطت فالأرضية مهيأة  لكي تنمو شجرة غيرها .

لم يعد المواطن ينتظر إعلانات واستعراضات، وهو الذي يعيش الكارثة كل يوم ويتلمس آثار الفساد في  حياته اليومية، وانما بات العراقيون يتطلعون الى خطوات عملية جادة ونتائج يمكن قياسها، تبيّن أن الحكومة وعموم مؤسسات الدولة ذات العلاقة جادة فعلاً في معركة التصدي للفساد، الذي يكاد  باعتراف الجميع يدمر حياة المواطن ويخنق الوطن، حتى غدا من أخطر التحديات التي تواجهه حاضراً ومستقبلاً، ومن أكبر العوائق أمام أي توجه جدي للبناء والإعمار والتنمية والاستقرار  .

في السياق، مع المزيد من الإعلانات عن كشف أموال هائلة مسروقة ومنهوبة، وشمولها عناصر كانت تصول وتجول في مؤسسات الدولة، فإن دائرة تساؤلات المواطنين تكبر وتزداد، ومنها مثلاً؛ هل تمثل الحملة بداية حقيقية لمعركة طويلة محتدمة ضد الفساد، أم أنها مجرد موجة مؤقتة مثل سابقاتها، تنطفيء بعد أيام؟! وأين كانت الحكومات السابقة والأجهزة الرقابية وهيئات النزاهة طوال السنوات السابقة، لتستفيق الآن على هذه التلال من الترليونات والمليارات؟! ولسان الحال يقول أيضاً: لماذا لم يتم كشف هذه الملفات في وقت أبكر، رغم وضوح الكثير من المؤشرات والشبهات التي تحدثت عنها وسائل إعلام ومواطنون، وحتى تقارير للرقابة؟!!

هذه التساؤلات وغيرها لا تعبر عن حالات من التشكيك فقط، بل تكشف حجم الهوة وعدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وهذا ما يتحمل مسؤولية ذلك الفساد والفشل والخراب والمأساة والمعاناة والآلام، طيلة السنوات السابقة، المتنفذون وهم أصحاب السلطة والنفوذ والتأثير بمختلف المسميات والعناوين مسؤوليته.

وهكذا، ما زال العراقيون يتحدثون عن ملفات كبرى ارتبطت بالفساد وهدر المال العام وسوء الإدارة والفساد المالي والسياسي، بدءا من ملف داعش الإرهابي وما رافقه من انهيارات أمنية وتساؤلات عن أسباب سقوط  المدن الواحدة تلو الأخرى، مرورا بملفات  العقود الوهمية وصفقات السلاح التي أثيرت حولها الشكوك، وعمليات تهريب النفط والتهريب عبر المنافذ الحدودية، وصولا الى  المشاريع الفاشلة التي التهمت مليارات الدولارات دون أن يرى المواطن أية نتائج، خصوصا ما له صلة بتحسين أوضاعه والتخفيف من معاناته.

وفي هذه الأوقات وإذ يعتبر السيد رئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، أن "مكافحة الفساد أولوية"، يتكرر السؤال بشأن قدرة الحكومة الحالية بتركيبتها وطريقة تكوينها وتاثيرات القوى المتحكمة بمساراتها وتوجهاتها، على أن تصل الى جميع ملفات الفساد، صغيرها وكبيرها، وأن تطبق القانون على الجميع؟

وهنا، يتركز الحديث على مدى توفر الإرادة السياسية والقدرة لدى مؤسسات الدولة بما فيها القضائية، على خوض مواجهة حقيقية حتى النهاية مع شبكات الفساد المترابطة، والتي تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية، والمغلفة بعناوين الحزب والعشيرة والطائفة والمكوّن والمنطقة؟!

فالنجاح الحقيقي لهذه الإجراءات إنما يقاس بمدى القدرة على تحويل ملفات الفساد جميعاً الى:

أحكام قضائية عادلة وشفافة،

والقدرة على تنفيذها بما يستعيد هيبة الدولة وثقة المواطن .

وهذا يتطلب من بين أمور أخرى الابتعاد عن الانتقائية في فتح الملفات، أو جعلها مرتبطة بلحظة صراع سياسي .

فالعراقيون لا يريدون مجرد رؤية مسؤول غارق في الفساد خلف القضبان، بل يريدون بناء دولة تتصدى وتعالج جذور شجرة الفساد الخبيثة، وهذا بدوره يوجب التخلي عن نهج فاشل ولّاد للأزمات، ويوفرغطاء سميكاً حامياً للفساد والفاسدين.

وهكذا، فإن عاشوراء مدرسة كفاح ومشروع إصلاح، يمكن أن يسهم استلهامها في انتشال مجتمعاتنا من أزماتها، ومعالجة عللها، والارتقاء بواقعها، لتكون أكثر وعياً وعدلاً وإنصافاً. وإن الإحياء العملي والواقعي والحياتي لهذه الذكرى بمضامينها النبيلة، هو طريق لخدمة الإنسان والإنسانية، وتحقيق العدالة والسلام والرفاه، وحفظ الحقوق والحريات والكرامات، فإنما سيد الشهداء كجده سيد الأنبياء الذي ما أُرسِلَ (إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ)(سبأ 28)، وما أُرسِلَ (إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء:107).

قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

(القصص: 83)

قال النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): "اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة"

(الكافي: ج2 – ص332)

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم"

(نهج البلاغة: خطبة 167)