أقْبَل مُحَرَّم الحرام .. ما الذي ينبغي أنْ نفكّر فيه أولاً؟!


 

 

موقع الإمام الشيرازي

27/ ذو الحجة/ 1447

 

 

مع حلول كل عام هجري جديد، تتجدد ذكرى عاشوراء، الملحمة الخالدة التي سطّرها سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته الكرام وأصحابه الأبرار بدمائهم الطاهرة في أرض كربلاء. لقد كانت - وما زالت وستبقى - ثورة سيد الشهداء رمزاً للصمود والتضحية، ومدرسة إيمانية وأخلاقية وإنسانية متكاملة، تجمع بين البطولة والكرامة والدفاع عن الحق وأيضاً الالتزام المثالي والعالي بالقيم الإلهية في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً ودموية. عليه، ذكرى عاشوراء ليست مجرد حدث تاريخي نستعيده ونستذكره في كل عام، أو على مدار العام، بل عاشوراء منهل غضّ للقيم النبيلة والكريمة ومصدر إلهام فريد ومدهش للأفراد والمجتمعات، تدعو إلى التأمل العميق واستخلاص الدروس لإصلاح دنيانا وآخرتنا.

وعلى هذا النحو، فإن ذكرى عاشوراء ليست مجرد مناسبة للحزن أو التذكر، بل هي أكثر وأوسع وأعمق، فهي دعوة لإعادة بناء الذات والمجتمع على أسس القِيَم التي حملها الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، وهي لحظة للتفكير في كيفية ترجمة هذه القيم النبيلة – كالعدالة، والوفاء، والأمانة، والتضحية ونصرة المظلوم، ومقارعة الظالم، والنضال ضد المستبد - إلى واقع ملموس في حياتنا اليومية، وهو هدف عظيم، لكنه ليس سهلاً لأن تحقيقه يحتاج الى الكثير من الإمكانات والخبرات والعمل والإخلاص. مع ذلك، لابد أولاً من السؤال:

كيف يمكننا استقبال ذكرى عاشوراء كما ينبغي أو كما يليق بها؟

وكيف نجعل من كربلاء مشعلاً ينير دروبنا الفردية والمجتمعية ويغير حياتنا الى الأفضل؟

لا شك في أن المعرفة هي الركيزة الأولى للاستفادة من ذكرى عاشوراء، وكل قِيَم الدين، فلا يمكن أن إدراك عظمة الثورة الحسينية وأهدافها دون التعمق في سيرة الإمام سيد الشهداء، وأهل بيته، وأصحابه .. من  بطل كربلاء، أبو الفضل العبّاس، رمز العزّة والإباء والوفاء، إلى سيدة كربلاء، الحوراء زينب التي حملت لواء الثورة بعد استشهاد أخيها، مروراً بالشهداء من الرجال والنساء، الكبار والصغار، الذين سطروا بدمائهم ملاحم البطولة. وذلك من خلال الاطلاع على كتب المقاتل والسيرة الموثوقة، أو محاضرات العلماء الموثوقين، وذلك لفهم دوافع ثورة عاشوراء وأهدافها، والتي تتمحور حول "الإصلاح ومقارعة الظالم ونصرة المظلوم" عبر التصدي للاستبداد والظلم والفساد، وانتشال الناس من فخ "الدين الشكلي" والعودة بهم الى "جوهر الدين". كل ذلك، لأن فَهْم ِسيَر أفذاذ وأبطال عاشوراء يحيي روح المسؤولية الدينية والأخلاقية، كما أن التعرف على عاشوراء يعزز الإدراك بأنها ليست مجرد مواقف بطولية أو حدث تاريخي أو قصة مأساة، بل مشروع إصلاحي يمتد عبر العصور، يدعو الى الوقوف ضد الظلم في كل زمان ومكان.

من هنا، فإن إحياء ذكرى عاشوراء لا يقتصر على الاستماع إلى القصص أو البكاء على المصيبة فحسب، وهذا أمر مبارك، بل يتطلب مشاركة فاعلة في الأنشطة التي تعزز قِيَم هذه الذكرى العظيمة. فإن المشاركة في المجالس، والمواكب، والفعاليات الثقافية والاجتماعية هي وسيلة لتجديد العهد مع الإمام سيد الشهداء وتعاليمه. عليه، يمكن لكل فرد، مهما كان موقعه أو إمكانياته، أن يساهم بطريقته في تنظيم مجلس عزاء، أو تقديم الطعام للمعزين، أو المساهمة في نشر الوعي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى تقديم خدمة بسيطة كتنظيف حسينية أو شارع مقابل حسينية أو جوار مجلس حسيني. فإن إحياء أمر الإمام سيد الشهداء يحمل بركات روحية واجتماعية، فهو يقربنا إلى الله سبحانه، ويعزز وحدة المجتمع، كما أن المشاركة في الشعائر الحسينية تعزز الشعور بالانتماء الديني والقيمي.

من هنا، فإن ذكرى عاشوراء هي فرصة لتجديد العهد مع القيم الدينية والإنسانية التي دعا إليها الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، وهذا التجديد يتطلب تهيئة نفسية وروحية تجعلنا مستعدين لاستيعاب الدروس والتوجيهات التي تقدمها هذه المناسبة الاستثنائية. مع ذلك، ينبغي أولا أن نتأمل في أهداف الإمام سيد الشهداء، ونتساءل:

كيف يمكننا أن نكون حسينيين في حياتنا اليومية؟

كيف نلتزم أكثر وأكثر في عباداتنا؟

كيف نكرّس مكارم الأخلاق في سلوكنا وطباعنا؟

كيف نتصدى للظلم والفساد في مدينتنا أو بلادنا؟

كيف نحافظ على كرامتنا وندافع عن كرامة الآخرين؟

هذا التأمل/التساؤل يفتح آفاقاً جديدة لتطبيق قيم عاشوراء في حياتنا. فإنه خلال أيام عاشوراء، تُعقَد عشرات المحاضرات الدينية والثقافية التي تقدم توجيهات معرفية وأخلاقية واجتماعية. بالتالي، ينبغي الاستعداد لاستقبال هذه التوجيهات بقلب مفتوح وعقل واع، ومن ثم السعي الى ترجمة تلك القِيَم والتوجيهات الى سلوكيات عملية في الذات، وفي الأسرة، وفي المجتمع، وفي كل مكان نعيش فيه أو نعمل.

بالموازاة، فإنه في عالم اليوم، حيث تتزايد التحديات القيمية والاجتماعية والحياتية، تصبح دروس عاشوراء أكثر أهمية، حيث إن مواجهة الظلم، سواء كان سياسياً، اقتصادياً، أو اجتماعياً، أو دينياً، تتطلب منا استلهام روح نهضة عاشوراء. فـ يمكننا تجسيد قيم عاشوراء عملياً بالدفاع عن العدالة من خلال التصدي للظلم والفساد في بيئات العمل أو المجتمع أو الحكومة، وتعزيز التضامن الاجتماعي عبر تقديم العون للمحتاجين والمحرومين، مستلهمين من الكرم المدهش لأهل البيت (عليهم السلام). إضافة الى نشر الوعي، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال، لنقل رسائل عاشوراء إلى العالم، مع التركيز على القيم الإنسانية العالمية التي تجمع الناس بغض النظر عن دينهم أو ثقافتهم. وهكذا، فإن ذكرى عاشوراء مناسبة جليلة واستثنائية، وهي مدرسة حياة شاملة تحمل في طياتها دروساً للإصلاح الفردي والمجتمعي، والأخلاقي والسياسي والديني. في الوقت، أنه من خلال:

التعرف على قِيَم عاشوراء وحيثياتها،

والمشاركة في الشعائر الحسينية،

والتهيئة النفسية لاستقبال واع لكلمات ومواقف سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه،

وإدراك أن عاشوراء مشروع لتغيير أنفسنا ومجتمعاتنا نحو الأفضل،

والتذكر بأن ذكرى عاشوراء فرصة لتجديد العهد مع سيد الشهداء،

والسعي الى ترجمة قِيَم عاشوراء الى سلوكيات عملية في الأسرة، والمجتمع، والشارع، والجامعة، والمستشفى، والسوق، والمسجد، والحسينية، والحوزة، ومؤسسات الحكومة.

من خلال ذلك، فإننا نساهم - كما ينبغي - في إحياء مبادئ وأخلاقيات ثورة سيد الشهداء، وفي كل جانب من جوانب حياتنا، ففي إحياء أمر هذه الثورة الخالدة إحياء لنا جميعاً، لاسيما أن واقعنا اليوم أكثر من مأزوم، وعلى مختلف الصعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.