حصيلة الإسلام السياسي .. مِنْ وعد الخلاص إلى واقع الانهيار


الإسلام السياسي بين فشل الدولة وانكسار المجتمع

 

موقع الإمام الشيرازي

5 / ذو القعدة / 1447

 

 

في مطلع هذا القرن، بدا وكأن صعود ما يُسمّى بـ«الإسلام السياسي» يحمل وعداً مزدوجاً: استعادة المعنى الديني في المجال العام، وتحقيق العدالة والكرامة في المجال السياسي(1). غير أن الحصيلة، بعد أكثر من عقدين من التجارب المتراكمة، تكشف مفارقة قاسية؛ إذ تحوّل هذا الوعد في كثير من الحالات إلى واقع مثقل بالفشل، حيث برزت دول هشة، وأحزاب مستهلكة، ومجتمعات أنهكها الفقر والقهر، وتراجعت فيها مؤشرات الثقة والعدالة والاستقرار.

ليست المشكلة في الشعارات المعلنة، بل في البنية التي أدارت هذه التجارب. فإنه حين تغيب الحرية بوصفها شرطاً للنقد، ويقصى الصوت المخالف، تتحول التنظيمات – مهما كانت مرجعيتها – الى كيانات مغلقة، تعيد إنتاج أخطائها دون مراجعة. النقد، في هذا السياق، ليس ترفاً فكرياً، بل هو آلية بقاء وتصحيح. فإن المؤسسة التي لا تسمع، لا تتعلم؛ والتي لا تتعلم، تتكلّس ثم تتراجع. ومن هنا، فإن حيوية أي حزب أو جماعة لا تقاس بقدرتها على الحشد أو إصدار القرارات، بل بقدرتها على مراجعة ذاتها قبل أن تفرض عليها الأزمات مراجعة قسرية.

في هذا الإطار، يكتسب تحذير المرجع الديني المجدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) أهمية خاصة، حين يؤكد أن تجاهل صوت الناقدين المخلصين يؤدي إلى تراكم الأخطاء، بل وانحراف المؤسسة الدينية نفسها، والمرجع الديني نفسه (2). وإذا كان هذا الخطر قائماً حتى في أعلى سلطة دينية إرشادية، فإن أثره يتضاعف في الأحزاب والتنظيمات، خصوصاً حين تمتلك أدوات السلطة أو السلاح. هنا لا يعود الخلل فردياً، بل يتحول إلى بنية مغلقة تقصي المراجعة، وتنتج قراراتها في دوائر ضيقة، بعيداً عن رقابة المجتمع أو محاسبته.

لقد شخص الإمام الشيرازي(قده)، مبكراً، جوهر الأزمة في بلاد العالم الإسلامي؛ خاصة في الشرق الأوسط، حين ربط فشل الأحزاب – الإسلامية وغير الإسلامية – بنزعتها الدكتاتورية، مؤكداً أن "الديكتاتور، أيّاً كان لونه، يُضَيِّق على الناس" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص292). هذه الفكرة لا تُقرَأ بوصفها نقداً أخلاقياً فقط، بل تشخيصاً سياسياً لبنية الحكم داخل هذه التنظيمات. إذ إن كثيراً من الأحزاب الإسلامية، رغم خطابها الشوروي أو الديمقراطي(3)، كرّست عملياً مفاهيم الطاعة الصارمة، وضيّقت مساحة الاعتراض، حتى باتت كلمة «لا» تُفهَم كخروج على الجماعة (أو حتى خروج عن الإيمان)، لا كجزء من حيويتها. وهكذا، غابت القنوات المؤسسية للنقد، وتحول الاختلاف إلى تهمة، والناقد إلى خصم.

هذه البنية - المشوَّهة والمشوِّهة - أنتجت سلسلة من الاختلالات. فمن جهة، جرى تضخيم صورة القيادة، ومنحها أحياناً سلطة شبه مطلقة (أو ما يشبه العصمة)، تتأرجح بين «الأبوة» الرمزية والسلطة الدينية، دون آليات فعالة للمساءلة. ومن جهة أخرى، تم اختزال الشورى – حيث وُجدت – إلى إجراء شكلي، إما استشاري غير ملزم، أو تصويت عددي لا يعكس دائماً جودة القرار. وفي الحالتين، يغيب جوهر الشورى بوصفها عملية نقد وتداول حقيقي للسلطة والرأي.

ولا يمكن إغفال البعد الثقافي داخل هذه التنظيمات، حيث تختلط المداراة بالمحاباة، ويُستَبدَل النقد البنّاء بثقافة المديح والتلميع. صحيح أن مراعاة المشاعر قيمة إنسانية، لكنها تتحول إلى عائق حين تُستَخدَم لتجميل الواقع وإخفاء العيوب. فإن التغذية الراجعة الصادقة، وإن كانت مؤلمة، تبقى أقل كلفة من تراكم الأخطاء حتى الانفجار. وفي المقابل، فإن غياب ثقافة تقبّل النقد لدى القيادات والأفراد معاً، يدفع الى صمت قسري، أو الى انسحاب الكفاءات، أو حتى إلى انشقاقات مدمّرة.

إن ما تكشفه شهادات كثير من المنتمين السابقين للأحزاب والتنظيمات الإسلامية أو الإسلاموية(4) هذه الحركات ليس مجرد حالات فردية، بل نمط متكرر؛ حيث غياب آليات فعالة لإيصال الصوت الناقد، وتهميش الأصوات المخالفة، وأحياناً معاقبتها. ومع مرور الزمن، تتحول هذه الاختلالات الداخلية إلى أزمات عامة، تنعكس على أداء الدولة والمجتمع. فحين تدار التنظيمات بعقل مغلق، تدار الدول بالمنطق ذاته؛ وحين تُقمع الحرية داخل الحزب، تُقمع في المجتمع.

ومن أخطر ما أفرزته تجارب أحزاب وتنظيمات الإسلام السياسي، أنها لم تكتف بإخفاقها في إدارة الدولة، بل ساهمت في تشويه مفهوم الدولة ذاته؛ إذ جرى توهين مؤسساتها لصالح الولاءات الحزبية، وتهميش الدستور عبر تأويلات انتقائية، وإضعاف القانون حين أصبح أداة بيد السلطة لا مرجعاً حاكماً لها. وبهذا، انتقل الخلل من مستوى الأداء إلى مستوى البنية، حيث لم تعد الدولة إطاراً جامعاً محايداً، بل ساحة صراع تدار بمنطق الغلبة لا بمنطق المواطنة.

من هنا، لا يبدو السؤال اليوم نظرياً: هل يمكن لهذه الأنظمة والأحزاب الإسلامية (أو الإسلاموية) أن تراجع نفسها؟ بل هو سؤال وجودي: هل تمتلك أصلاً الأدوات البنيوية التي تمكّنها من المراجعة؟ فالإصلاح لا يبدأ بالاعتراف بالأخطاء فقط، بل ببناء مؤسسات تسمح بظهور هذه الأخطاء إلى العلن، ومناقشتها دون خوف. وهذا يتطلب إعادة نظر جذرية في مفاهيم الطاعة، والقيادة، والشورى، والنقد، بحيث تُفهَم في إطارها الإنساني والمؤسسي، لا في إطارها التبريري أو الدعائي.

بالموازاة، فإن تعدد الدعوات من قبل نخب فكرية وثقافية لأحزاب وجماعات الإسلام السياسي لتقديم الاعتذار والإنسحاب من الحياة السياسية، هذه الدعوات – وإن بدت أخلاقياً مبرّرة في ضوء حجم الإخفاقات – تبقى خطوة ناقصة إذا لم ترافقها مراجعة فكرية عميقة. فإن المشكلة ليست في وجود هذه الحركات بحد ذاته، بل في الطريقة التي تُفكّر وتعمل بها. وإذا لم تتغير هذه البنية، فإن الفشل سيُعاد إنتاجه، حتى بأسماء وشعارات جديدة.

لقد تغيّر العالم من حول هذه الأحزاب والحركات والفصائل الإسلامية؛ فقد تصاعدت قيم الحرية وحقوق الإنسان، وتوسّعت فضاءات التعبير مع ثورة الاتصال، ولم يعد ممكناً احتكار الحقيقة أو السيطرة على الوعي كما في السابق. وفي هذا السياق، يتشكّل وعي إسلامي جديد، أقل ارتباطاً بالبُنى التنظيمية المغلقة، وأكثر انفتاحاً على الفكرة والنقد والتجربة. وهو تحوّل قد يفتح أفقاً مختلفاً، يتجاوز ثنائية «الدين مقابل السياسة» إلى سؤال أعمق: كيف يمكن بناء نظام سياسي عادل، يستلهم القيم دون أن يحتكرها، ويحتكم إلى النقد دون أن يخشاه؟

في المحصلة، لا يكفي أن نُحمّل «الإسلام السياسي» مسؤولية الفشل، بل ينبغي أن نفكك الآليات التي أنتجت هذا الفشل؛ وهي غياب النقد، وتضخم الطاعة، وهشاشة الشورى (أو الديمقراطية)، وانغلاق البنية التنظيمية. فحيثما تُغلَق الأبواب أمام «لا»، يُفتَح الطريق واسعاً أمام الخطأ. وحيثما يقصى النقد، يستدعى الفشل، لا بوصفه احتمالاً، بل كنتيجة شبه حتمية.

---------------------

هوامش

(1) يُستخدم مصطلح «الإسلام السياسي» في الأدبيات الفكرية والسياسية للإشارة إلى الحركات والتيارات التي تسعى إلى توظيف الإسلام – بوصفه ديناً ومنظومة قيم – في المجال السياسي، سواء عبر المشاركة في الحكم أو السعي للسيطرة عليه. وهو مصطلح إجرائي توصيفي أكثر من كونه حكماً قيمياً، إذ يضمّ طيفاً واسعاً من التجارب المتباينة في رؤاها وممارساتها، من العمل الدعوي السلمي إلى التنظيمات الأيديولوجية والحركات المسلحة. غير أن الإشكال لا يكمن في حضور الدين في الفضاء العام بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه؛ هل بوصفه مرجعية أخلاقية مفتوحة للنقد والاجتهاد، أم كأداة أيديولوجية مغلقة تُستخدَم لتبرير السلطة واحتكار الحقيقة.

(2) يقول الإمام الشيرازي الراحل(قده): "لابد للمرجع الديني أن يصغي بنفسه إلى جميع ما يوجه إليه من النقد، سواء أكان هذا النقد يستهدفه أم يستهدف جهازه من الوكلاء والخطباء والمؤلفين ومن أشبه ممن يدور في فلكه، فالإصغاء المستمر إلى النقد، ومحاولة تفادي بعض الأخطاء التي يمكن تفاديها، يوجب إصلاح المرجع وإصلاح جهازه" (ص38). ويقول(قده): "عدم التفات المرجع الديني إلى صوت الناقدين المخلصين سيوجب تراكم الأخطاء، وأحياناً يتسبب ذلك في انحراف الجهاز، الأمر الذي سيؤدي إلى انحراف الناس" (ص38). ويضيف(قده): "المرجع الديني الذي يستمع إلى النقد سيرتفع عن صفة الاستبداد بالرأي وعدم الاعتناء بآراء الآخرين, ويتصف بصفة أخلاقية هي من صميم الإسلام، وهي احترام آراء الآخرين والاعتناء بما يقولون عندما يكون ذلك بنّاءً" (ص38). بالموازاة، يقول(قده): "السر في أن الأحزاب الإسلامية وغير الإسلامية الذين أخذوا بزمام الحكم والبلاد، في الشرق الأوسط، لم تتمكن من تهيئة الرفاه للناس، هو لأنهم على الأغلب دكتاتوريون مقابل ديكتاتوريين، ومن شأن الديكتاتور أيما كان  لونه التضييق على الناس" (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص292).

(3) ضمن رؤاه للسياسة في جوهر الإسلام، يقول الإمام الشيرازي(قده): "التفكير السيء منهي عنه نهي تحريم أو كراهة، والحسن مأمور به أمر وجوب أو استحباب" (السياسة: ج1 - النسخة الإلكترونية). وسماحته يوجز بذلك جوهر "الشوروية" في الإسلام، وهي المقابل الإيجابي لمفردة الديمقراطية، إذ يرى سماحته، أن مبدأ الشورى/الاستشارية في الإسلام، يعبر عن إيجابيات الديمقراطية الحديثة، ويطرح البدائل عن تداعياتها وسلبياتها. والى ذلك ينحو الإمام الشيرازي، في التفريق بين مقاربة الإستشارية الى الديمقراطية ومقاربتها الى الإستبداد، بين هذين الشكلين من أنظمة الحكم، فيرى أن الإستشارية في الإصطلاح الإسلامي، أو الديمقراطية في الاصطلاح الغربي، هي أفضل أساليب الحكم، كونها تهيئ الأرضية المناسبة للحرية، التي تطلق الكرامة والعدالة الإنسانية، والكفاءة والتفوق في الأداء، واختيار الأصلح للحكم والمسؤولية، وشغل الوظيفة العامة.

(4) مصطلح «الإسلاموي» يُستَعمَل غالباً في الدراسات الغربية وبعض الأدبيات العربية للتمييز بين «الإسلام» كدين، و«الإسلاموية» كأيديولوجيا سياسية تسعى إلى إقامة نظام حكم يستند إلى تفسير معيّن للشريعة. ويُستَخدَم أحياناً للإشارة إلى الطابع الحركي والتنظيمي لهذه التيارات، بما يتضمنه من نزعة أيديولوجية وبرامج سياسية محددة. غير أن المصطلح ليس خالياً من الجدل، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يحمل دلالات سلبية أو اختزالية، خاصة عندما يُستَخدَم لتعميم أحكام على تجارب مختلفة، أو لربط الدين حصراً بممارسات سياسية بعينها. لذا، فإن استخدامه الدقيق يقتضي التمييز بين الانتماء الديني العام، والانخراط في مشروع سياسي مؤدلج يتخذ من الدين إطاراً مرجعياً له. أو غطاء للتستر به وخداع المجتمع المؤمن.